في الذكرى السادسة عشرة لوفاته.. عادل حسين "الإنسان - القائد - القدوة – المعطاء – الفنان"
الأحد, 09 إبريل 2017 - 11:23 pm

عادل حسين .. الإنسان

الثلاثاء 27 فبراير 2001 م .. اللقاء الأخير .. في رحلة العودة يشرفني بصحبتي في سيارتي المتواضعة مع الأستاذ طلعت رميح مدير تحرير "الشعب" .. يودعنا طلعت أولا ويصر الأستاذ أن ينزل معه ليستدعي تاكسي حتى لا يؤخرني عن العودة .. ننجح في إثنائه عن ذلك .. اللقاء لم ينته بعد .. كم من الأعمال كنا ننجزه في السيارة ؟!! .. يراجع معي خطة العمل في إجازة عيد الأضحى .. أرجو أن تعد لزيارة أبو المعالي فائق إذا خرج من سجنه قبل سفري في الإجازة .. وأيضا علينا أن نرتب لزيارة المستشار يحيى الرفاعي للاطمئنان على صحته بعد عودتي .. يسافر خارج القاهرة قبل أن يخرج أبو المعالي .. أتصل به في العيد مهنئا.
لماذا لم تنتظر يا رجل قليلا ؟ .. كنت بصدد الاتصال بك
- ولماذا تحرمني هذا الشرف ؟
ولماذا تستأثر بالفضل وحدك ؟
لأن هذا حق الكبير بيننا
كل عام وأنت والأسرة بخير
والأمة جميعا بخير
ما هي أخبار أبو المعالي ؟
خرج والحمد لله
أعطني تليفونه لأتصل به مؤقتا .. ولا تتأخر في زيارته على أن أزوره أنا بعد عودتي
هذا جانب من المحادثة نقلته لنرى كيف كان البعد الإنساني ينبض في كل كلماته ؟ .
الجمعة 2 مارس 2001 .. انتهت إجازة عيد الأضحى المبارك وانفض أكبر مؤتمر عالمي بالدعاء على جبل عرفات بأن ينصر الأمة ويدحر حلف الشيطان .. الهاتف ينقل لي مرض الأستاذ عادل حسين .

. لم يحتمل الرجل كل هذا العنت .. ارتفاع في ضغط الدم .. نزيف في المخ .. يرقد الآن في العناية المركزة في مستشفى عسكري بالإسكندرية .. الزيارة غير مسموح بها .. يمكن رؤيته عبر مونيتور ..

مساء السبت 3 مارس .. أطمئن عليه من الأستاذ عبد الحميد بركات الذي عاد لتوه من زيارته .. يعبر عن قلقه .. عليك أن تسرع بزيارته .. أعجل بالزيارة صباح الأحد .. تصحبني زوجتي في سيارتي وأنا في طريقي لمحطة السكة الحديد .. صوت القرآن الكريم ينبعث من مذياع السيارة .. أنشغل عنه بالتفكير في أمر الأستاذ .."أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون " – النحل 1 – تفطن زوجتي لمعنى الآية ولا تخبرني .. لقد قضى الله أمره فلا راد لقضائه .. وأنا لله وأنا إليه راجعون .. أنزل في طنطا محطة الوسط تنفيذا لوصية الأستاذ بزيارة الزميل والصديق المجاهد أبو المعالي فائق الذي خرج لتوه من السجن بعد ستة أشهر قضاها رهن الاعتقال في إطار استعدادات الحكومة لانتخابات مجلس الشعب الماضية .. يصر أبو المعالي أن يصحبني للإسكندرية لزيارة الأستاذ .. نمر على الدكتور محمد عباس قبل السفر .. كونسلتو خاص يرتب له الدكتور عباس للاطمئنان على حالة الأستاذ عادل .. يحاول أن يطمئننا ولكن ماذا بيدنا بعد أن أتى أمر الله ؟ .. في المستشفى أرى الفارس وقد ترجل على فراشه الأخير .. ما أقساها من لحظات .. أحاول أن أكتم مشاعري أمام أسرته ولكن دون جدوى  .

هذا هو عادل حسين الإنسان .. على رأس جدول الأعمال دائما قضية المعتقلين .. كيف تنامون وإخوانكم رهن السجن أو الاعتقال ؟ .. هل تتابعون أخبار أسرهم ؟ وهل تقومون ببعض التزاماتهم ؟ .. وصديقنا المريض هل قمتم بزيارته ؟ .. وذاك الذي انقطعت أخباره هل قمتم بالاتصال به ؟ .. في وفاة والدي – رحمه الله – منذ شهور تكبد مشقة السفر من القاهرة إلى " ميت غمر " وجاء للعزاء يصحبه ما يزيد على الخمسين من الزملاء مما أقلق مضاجع الأمن رغم أن المناسبة مناسبة عزاء .. لم يكن يجاريه ويفذه في أداء هذه الواجبات إلا أستاذنا الكبير المجاهد إبراهيم شكري .. وكان الشأن نفسه في وفاة الزميل أحمد سليمان رحمه الله  .

رحمه الله .. كان لا يضن بالوقت أو الصبر ليستمع إلى مشاكل الزملاء الخاصة .. يسدي النصح .. لا يفرض رأي .. ولا يتأخر عن بذل الجهد والمال إذا دعت الضرورة  .

كثيرا ما كان ينفعل في لقائه معنا .. وربما يحتد .. ولكن أبدا لم يكن ليغضب أحدا .. لأن غضبه كان في الله وللمصلحة العامة وليس لغرض شخصي أو دنيوي .. والغريب في الأمر أنه ما ينتهي الاجتماع .. أو حتى قبل أن ينتهي .. يطيب خاطر من احتد معه ويبرر انفعاله ويعتذر عنه .. ربما يختلف الزملاء ويحكمونه في الخلاف بينهم فكان يتحرى الحق والعدل ويكون بجانبه .. ولكنه كان دائما يدعو إلى الصفح والعفو .. فالعدل وإن كان قيمة عالية فإن العفو والإحسان قيمة أسمى .. ذلك هو عادل حسين الإنسان الجميل كما تقول الدكتورة سهام هاشم  .


عادل حسين .. القائد


    في قيادته للحزب وفي اجتماعاتنا معه تعلمنا كيف يكون التنظيم وكيف تدار الاجتماعات .. كيف نعمل الشورى ؟ .. وكيف تلتزم الأقلية برأي الأغلبية حتى وإن كان هو في جانب الأقلية .. كثيرا ما كان يعرض الموضوع بوجهة نظر معينة ثم يفعل الحوار حوله وكثيرا ما ينتهي الرأي إلى تصور مخالف لرؤيته الأولى ولا يجد حرجا في ذلك .. ولكن هذا لا ينفي بالقطع أنه كان شخصية كاريزمية ذكية .. قوية الحجة  .

ميزة أهم في عادل حسين .. يعرف قدر الرجال .. ويعرف إمكانات من هو أمامه ويوظفها في مكانها الصحيح .. نسيج وحده في هذا الاتجاه ولا يتصور أحد أن كل ما قام به عادل حسين في الخمسة عشر عاما السابقة على وفاته وحرك به الماء الآسن قد تم بمساعدة حفنة قليلة من الرجال .. لقد كان يحسن توظيف الكفاءات إضافة إلى أنه في إدارته وقيادته كان يحسن ترتيب الأولويات :
يجب ألا نغرق في التشخيص والتحليل وننسى الخطوات العملية في الحركة.

وحتى في مجال الخطوات العملية يجب ألا يأخذ التفكير والتخطيط وإبداع المقترحات وصياغتها جل وقتنا فهذا هو الجزء الأسهل .. الأهم من يقوم على تنفيذها .. من يضع الجرس في عنق القط ؟ هذه هي المهمة الأصعب .

قبل أن نطرح الاقتراحات فلنفكر في طريقة التنفيذ وإلا تحولنا إلى مجموعة من "الأفنديات " .
علينا أن نسرع بالتنفيذ حتى وإن أخطأنا .. ثمانون في المائة من العمل أفضل من تضييع الوقت في تحسين الخطط ثم لا يتم تنفيذه .. أو يمضي الوقت المحدد للتنفيذ فيضيع كل الجهد هباء .. " على بال ما تتكحل العمشاء " كما يقولون .

يجب أن يكون لدينا الشجاعة في أن ندفع بأعضاء جدد إلى موقع القيادة .. أن نكتسب قيادتين جديدتين بأداء 60 % لكل منهما ويتزايد مع الزمن أفضل من أدائك وحدك والذي لن يتجاوز التسعين في المائة .. علينا أن نبذر البذرة ونزرع ونحصد ونترك الحقل لقيادات جديدة لنبذر بذرة جديدة في مكان جديد .

ما لا يدرك كله لا يترك جله .

المعلومة بقدرها وفي توقيتها .

على المستوى الشخصي لابد من إعادة ترتيب الأولويات بشكل صحيح بما يحقق مصلحة الأمة فهذا هو الأساس .. ويجب ألا تضيع حياتنا هباء .

في المسائل المصيرية الألوان أبيض وأسود .. وبالتالي فقد كان عادل حسين في هذه المسائل الثائر الصامد القوي الذي لا يعرف معنى التنازلات .. أما مادون ذلك .. فبين الأبيض والأسود توجد درجات الرمادي وليس سياسيا من لا يعرف الألوان الرمادية التي تأخذ الأفضل من كل رأي حتى وإن كان التباين كبيرا لأن الرؤية الصحيحة رؤية وسط وهي بطبيعتها رؤية مركبة وتحتاج إلى جهد كبير للخروج بالرأي التوفيقي الذي يأخذ بكافة المزايا .. وفرق كبير بالطبع بين التوفيق والتلفيق .. لأن عقلية مثل عادل حسين لم تكن لتعرف التلفيق .

نجاح العمل يبدأ بتسجيلنا للقرارات حتى يمكننا متابعتها .

وفي الاجتماعات كنا نصر أن يكون تعقيبه هو التعقيب الأخير حتى لا نتأثر بوجهة نظره وهو يملك قوة المنطق وحجة الإقناع كما أنه كان أفضل من يضع يده على ما يفيد من رؤى الآخرين ويبلور كل هذا في رؤية متسقة وقوية .

ورغم تسجيل القرارات فإن عادل حسين القائد كان يملك ذاكرة حديدية وكثيرا ما كانت تصيب ذاكرته ويخطأ التسجيل المكتوب .. لأن المكتوب أحيانا لم يكن ليلتزم الدقة .

هذه المدرسة التي كونها عادل حسين هي التي تشع في مؤسسات حزب العمل (الاستقلال الآن) .. ومن هنا كان عادل حسين القائد والكاريزمي .. فالشخصية الكاريزمية في تعريفها ليست في ذاتها فقط بل فيما تخلفه من رجال ورؤى وأفكار بعد رحيلها .


عادل حسين .. الثري والمعطاء


يقول الكاتب الكبير محمد سيد أحمد .. كان عادل أكثر الناس ثراء لأنه أعطى وأعطى ولم يأخذ أبدا وكابد هموم عصره بكل عمق واختار لنفسه الموقع الصعب والتضحية من أجل هذا الوطن .

لقد بذل عادل حسين نفسه في سبيل وطنه وأمته وتعرض للموت مرات ومرات حتى كان استشهاده دون حقه وحزبه وجريدته .. فهل يضن بالجهد والوقت والمال بعد أن بذل نفسه رخيصة في سبيل الله ؟ .. رحمك الله يا أستاذ مع النبيين والصديقين والشهداء .

يشير الدكتور محمد عباس في مقال له إلى عادل حسين الذي حصل على سيارة مرسيدس هدية من أحد الرؤساء العرب مثله مثل بقية رؤساء تحرير الصحف القومية والحزبية .. وبينما استمتع الجميع بسياراتهم المهداة فإن عادل حسين لم يضع قدمه بها .. وإن شئنا الدقة فإنه لم يرها وتم بيعها للخروج بالحزب من أزمة مالية ألمت به وقتها .. ويذكر الدكتور عباس بمكافئة نهاية الخدمة التي حصل عليها عادل حسين من جريدة الأخبار فإذا بها يقتسمها نصفين بين أبنائه صحفيي جريدة الشعب وابنته في الدم " سلمى " ليجهز به عرسها .

ولأنني شغلت موقع أمين صندوق حزب العمل لفترة طويلة في ظل توليه مسئولية أمانة الحزب أضيف : .. في أحد الأيام حرر لي شيكا على حسابه الشخصي بمبلغ ألفين من الجنيهات تبرعا للحزب .. وإذا به يعتذر لي ستذهب إلى البنك وربما لن تجد رصيدا فلا تقلق .. انتظر يومان أو ثلاث حتى يتم تحصيل معاشي وتتمكن من الصرف .. هل من مزيد .. في عام 1995 سرقت منه عضوية مجلس الشعب عن دائرة مصر الجديدة ومدينة نصر وحكم بأحقيته في عضوية البرلمان ورفع قضية تعويض فحكم له بخمسين ألف جنيه ونصحه المحامي بالاستئناف فحكم له بمائة وخمسين ألف جنيه وبعد استقطاع أتعاب المحامي قام بالتبرع بكل المبلغ للحزب والجريدة .. هل من مزيد ؟ .. لقد قالها محمد سيد أحمد .. عادل حسين لم يعرف سوى العطاء .. كان يمكن أن تدنو الدنيا منه كما دنت ممن هم أقل منه ذكاء وخبرة وكفاءة من أصحاب الملايين والمليارات .. ولكن عادل حسين ابتغى الآخرة وابتغى نهضة الأمة وابتغى وجه الله فمثله لا تعرف الدنيا عليه سلطان .. ليس سرا كما أشار تلميذه الأستاذ أحمد مصطفى – الإعلامي المرموق حاليا في الإذاعة البريطانية – ليس سرا .. أننا كنا نبحث في الأسبوع الذي مرض فيه الأستاذ مرضه الأخير .. كنا نبحث مع بعض رموز مصر الوطنية إمكانية علاجه على نفقة الدولة تحسبا لطول فترة العلاج وعدم تمكن أسرته الصغيرة من تغطية نفقات العلاج .. وبالفعل استجابت وزارتي الدفاع والصحة لأنها تعرف قدر الرجل وقيمته حتى وإن كان في صفوف المعارضة .. هذا ما تركه عادل حسين لزوجته الفاضلة دكتورة ناهد يوسف ولابنته سلمى وابنه خالد .. ترك لهم ذكرى وطنية عطرة وعلم ينتفع به .. ترك لهم حب مصر وحب أمته العربية والإسلامية والذي تجلى في أسمى صوره في جنازته وصلوات الغائب وحفلات التأبين التي نظمت له في طول البلاد وعرضها وعلى امتداد عالمنا العربي والإسلامي وفي قارات الدنيا الست .. ولتهنأ الدكتورة ناهد فإن العمر الذي بذلته مع عادل حسين لم يضع هباء فلقد لعب عادل حسين الدور الأكبر في سنواته الأخيرة حتى تسترد الأمة عافيتها في مواجهة أحفاد القردة والخنازير .


عادل حسين القدوة

لم يكن عادل حسين مجرد قائد ومفكر وإنسان بل كان نموذج للإيمان والعمل بما يؤمن به يتقدم الصفوف يبذل الجهد والعمل والمال .. يتقدم الصفوف لا يخشى في الله لومة لائم .. لا يمنعه عنت يواجهه أو سجن يودع به ففي التسعينات وبعد أن تجاوز الستين زج به في السجن مرتين مرة مع راهب الوطنية المصرية دكتور محمد حلمي مراد في سجن مصر الجديدة ومعهما الزميلان الصحفيان صلاح بديوي وعلي القماش .. وفي المرة الثانية كانت قضية المظروف الذي نسبوه له ليغيبوه في السجن شهرا ونصف الشهر .. يومها قامت مصر ولم تقعد بمفكريها وسياسيها ممن يتفقون معه وممن يختلفون ولم تهدأ مصر إلا بعد الإفراج عنه .

لا أجد أجمل من كلمات المجاهدة الفاضلة الدكتورة نجلاء القليوبي لأختم به مقالي .. ورغم أن الدكتورة نجلاء لا تقرظ الشعر إلا أن هول الموقف أنطقها نثرا لا يدانيه شعر .. فلا شيء يجعلنا عظماء غير ألم عظيم .. تقول .. "علمتنا كيف نحمل أكفاننا ونسير في الحياة مجاهدين .. وعندما حانت ساعة الرحيل حملت كفنك وكنت أول الراحلين .. لتعلمنا كيف هو الموت الجميل .. أن نموت صامدين أن نموت مناضلين .. أن نرفض الموت مهانين أو مذلولين .. أستاذي الجليل كيف جعلت الموت فن أصيل ؟ "
مارس 2001 (مع بعض التعديلات الطفيفة).


أضف تعليق


عدد الحروف المسموح بها 1000 والمتبقي منها
ادخل الكود التالي
CAPTCHA Image
صورة اخرى
الموقع غير مسئول قانونا عن التعليقات المنشورة