الطلاسم الدولارية
الثلاثاء, 08 ديسمبر 2015 - 08:22 am

   كتبت هذه المقالة باختصار وعلى عجل، ربما تجاوزت عن بعض التفاصيل، لكن أرجو أن تكون الصورة الإجمالية واضحة وبسيطة.

........

          نضع أيدينا على قلوبنا خشية انخفاض قيمة الجنيه لأنه سيؤدي إلى إرتفاع تكلفة كل السلع المستوردة أو التي يدخل في إنتاجها مكون مستورد، ويتابع أغلب الناس تقلب سعر الدولار كما لو كانوا يتابعون لعبة من ألعاب الحظ، يترقبون ويندهشون، ويتمنون أن يحدث شيء ما يغير من سير الأمور، ويعلن لنا الإعلام أن البنك المركزي سيتبع سياسات تؤدي لتحسن سعر الجنيه، كما لو كان محاقظ البنك سيتلو بعض التعاويذ السحرية فتنحل الأزمة .. في الواقع لا يوجد بنك مركزي في العالم يمكنه أن يحدث تحسنا حقيقيا في سعر عملته، كل ما يستطيعه هو أن يعمل على إبطاء معدلات تغير سعر العملة ليتيح للمؤسسات الاقتصادية أن تفعل شيئا يؤدي لتحسين قيمتها الفعلية، وإذا فشلت المؤسسات الاقتصادية في أن تفعل ذلك فمن المحتم، إن آجلا أو عاجلا، أن يصل سعر العملة للمستوى الذي يحدده الوضع الفعلي لاقتصاد الدولة.

          سنحاول في هذا المقال أن نشرح بصورة مبسطة الفاعليات الاقتصادية التي تحدد القيمة الحقيقية للعملة المحلية، والتي ليس من بينها سياسات البنك المركزي، كي يتضح للقارئ ما هي العمليات التي ينبغي عليه أن يتابعها كي يعرف ما الذي ستؤول إليه الأمور، وما هي التداعيات المحتملة للسياسات المختلفة.

          لتفهم الوضع تخيل ميزان كالذي يستخدمه الفكهاني أو الخضرواتي، يتوازن الميزان عندما يكون وزن البضاعة مساويا لوزن الأثقال، إذا هبطت كفة البضاعة عليه أن يزيد كمية الأثقال، وإذا هبطت كفة الأثقال عليه أن يزيد كمية البضاعة .. إذا كان الرجل عاجزا عن تغيير أي من الكميتين فإن الطريقة الوحيدة أمامه ليعيد التوازن بين الكفتين هي أن يغير مكان النقطة التي يرتكز عليها ذراع الميزان بحيث تقترب من الكفة الأثقل .. في حالتنا فإن البضاعة هي الجنيه المصري والأثقال هي العملات الصعبة (التي نعبر عنها بالدولار) ونقطة إرتكاز ذراع الميزان هي سعر التبادل بين الجنيه والدولار.

          يظل سعر الدولار مستقرا طالما كانت كمية الجنيهات التي نريد تحويلها إلى دولارات مساوية لكمية الدولارات التي يريد أصحابها تحويلها إلى جنيهات، أما إذا تغيرت إحدى الكميتين فلابد  أن نغير الأخرى بنفس الطريقة وإلا تغير سعر التبادل .. إنه القانون المشهور للعرض والطلب .. إذا قلت كمية الدولارات المطروحة زاد سعره، وإذا زادت كمية الجنيهات المطلوب تحويلها انخفض سعر الجنيه، وهذا لا دخل لسياسات البنك المركزي فيه.

          إذا أردنا أن نعرف ما الذي يؤثر على سعر الدولار علينا أن نفحص الأسباب التي تجعل ناس لديها جنيهات تريد تحويلها لدولارات، ومن أين تأتي الدولارات التي يريد أصحابها تحويلها إلى جنيهات.

          من أين تأتي الدولارات؟ .. تأتي من السلع والخدمات التي نبيعها للخارج بالدولار، خدمات المرور في قناة السويس أو الخدمات التي نقدمها للسائحين (نحن نقدمها بالجنيه، فلابد أن يبيعوا دولاراتهم) أو بترول وغاز ومواد طبيعية نبيعها للخارج، أو منتجات صناعية أو حرفية أو زراعية نصدرها مقابل عملة صعبة .. يضاف إلى ذلك تحويلات العاملين بالخارج الذين يريدون شراء عقارات أو يساهمون في نفقات معيشة ذويهم في مصر .. هذه هي المصادر الدائمة للدولار، يضاف إليها أحيانا مصادر ذات طبيعة ظرفية، كالإستثمارات الأجنبية في الصناعة، فهي تدخل مرة واحدة لتمويل شراء الأرض وإقامة المنشآت ودفع أجور الدفعة الأولى من الإنتاج، وبعدها يستمر تمويل أعمال هذه المشروعات من عائد المبيعات.

          هذه هي الكفة التي توجد بها الدولارات، وزيادتها يعتمد على زيادة قدراتنا الإنتاجية أو رفع قيمة ما نقدمه من خدمات لمواطني الدول الأخرى.

.......

          من الذي يريد تحويل جنيهاته إلى دولارات؟ .. الحكومة تريد تسديد أقساط ديونها الخارجية وفوائدها، وتستورد مهمات معينة ضرورية لمشروعات البنية التحتية، ومواد غذائية ضرورية (القمح أساسا) والوقود ..  إلخ، وكلها مما لا يمكن تأجيله أو التنازل عنه (فيما عدا مشروعات البنية التحتية، الأمر الذي سيسبب بعض المشاكل التي يمكن تحملها لفترة معقولة) .. بالإضافة طبعا لتمويل صفقات السلاح.

          والقطاع الخاص يستورد سلعا للإستهلاك وأخرى كمستلزمات للإنتاج، ويدفع ثمنها كلها بالعملات الصعبة، وهذا هو الذي يخلق سوقا سوداء في أوقات الأزمات، ولأغراض الدراسة يمكن تبويب هذه السلع كما يلي:

          أولا: سلع الاستهلاك وتنقسم إلى أربعة اقسام:

سلع يمكن الاستغناء عنها تماما وحظر استيرادها دون أن يسبب ذلك أي مشاكل تذكر: السلع الترفيهية كالعطور والسجائر وطعام القطط والكلاب والكافيار والسيمون فيميه .. إلخ، والملابس الجاهزة والمصنوعات الجلدية وغيرها مما له بديل محلي، وهذا سيسب الضيق لمستهلكي هذه السلع من الطبقات الغنية، وسيسبب ضررا لمستورديها لما سيفوتهم من أرباح، لكنه سيساهم مساهمة فعالة في تقليل كمية الجنيهات التي يريد أصحابها تحويلها إلى دولارات، فنحن ننفق عدة مليارات من الدولارات سنويا على مثل هذه البضائع.
وهناك سلع ذات طبيعة استهلاكية لا يمكن حظرها تماما، ولكن يمكن التضييق على استيرادها مما يقلل كمية الدولارت المطلوبة، أبرز مثال عليها هو سيارات الركوب الكبيرة والمتوسطة، هذا سيرفع أسعارها بالطبع، لكن الحياة ستسير دون مشاكل للغالبية العظمى من المواطنين.
وهناك قسم يستهلك نصيبا مهما من الدولارات، هو رحلات المصريين للخارج بهدف السياحة، فهو يؤدي لخروج عدة مليارات أخرى من الدولارات دون أي عائد إنتاجي يفيد الاقتصاد القومي، وإذا كان من الصعب السيطرة على هذا السبيل من سبل استنزاف عملتنا الصعبة فإن الجماهير يمكنها تقليل حجم انفاقها على الرحلات للخارج شريطة أن تجد القدوة من القيادات والزعماء، ونحن نذكر فتوى الشيخ محمد الغزالي رحمه الله التي نبه فيها على أن إنفاق تكاليف رحلات الحج والعمرة، بعد حجة الإسلام، على أوجه البر داخل مصر سيكون أعلى ثوابا في أوقات الأزمات، فما بالك بالسفر للنزهة والتسوق؟!!
غير أن هناك بعض السلع غير الإنتاجية التي لا يمكن الاستغناء عنها، فغيابها سيؤدي لأضرار كبيرة .. الأدوية والمستلزمات الطبية التي ليس لها بديل محلي هي أبرز أمثلة هذا القسم.
      هذا الباب من أبواب الطلب على العملات الصعبة هو الذي ينبغي السيطرة علية وتحجيمه (عدا القسم الرابع) في حالات عدم التوازن التي تؤدي لارتفاع سعر الدولار.

 
        ثانيا: مستلزمات الانتاج (آلات ومعدات ومواد خام وقطع غيار .. إلخ) وهذه يعد توفيرها على درجة كبيرة من الأهمية للاقتصاد القومي، فأي نقص فيها سيؤدي إلى تخفيض حجم الإنتاج الكلي، وهذا التخفيض ستكون له عواقب وخيمة، خاصة فيما يتعلق بما يلي:

تراجع حجم الانتاج يؤدي لتراجع حجم الصادرات، مما يفاقم مشكلة عدم القدرة على توفير الدولارات المطلوبة لما هو ضروري.
وتراجع حجم انتاج السلع المخصصة للإستهلاك المحلي سيؤدي إلى زيادة أسعارها، مما يؤثر بالسلب على مستوى معيشة كل المواطنين، وسيكون أكثرهم معاناة هم أقلهم دخلا.
وتراجع حجم الانتاج سيضطر منشآت الأعمال لتخفيض حجم العمالة، فيفقد كثير من العمال مصدر رزقهم وتزيد البطالة.
وعندما يقل عدد العاملين تقل القوة الشرائية، فيقل الطلب على المنتجات الاستهلاكية كلها، فيتراجع حجم الانتاج مرة أخرى ويزداد استغناء منشآت الأعمال عن عمالها، ويدخل الاقتصاد في دورة خطيرة من الانكماش والبطالة يعاني منها الجميع، العمال وأصحاب الأعمال والمستهلكين.
       لذلك يوصي كل الاقتصاديين باتخاذ كل التدابير الممكنة حتى لا يتم التقصير في هذا الباب.

 
        ثالثا: في حالة التوازن، عندما يكون الطلب على شراء الدولارات مساو للمطروح منها للبيع يستقر سعر العملة، لكن في حالة عدم الاستقرار يبدأ سعر الدولار في الارتفاع، أي أن سعر الجنيه ينخفض، عندها يدخل إلى الحلبة لاعب جديد، هو المصريون الذين يحتفظون بمدخراتهم بالجنيه، هؤلاء سيبادرون لتحويل مدخراتهم إلى الدولار حتى لا تنخفض قيمتها، وهذا سيزيد من الطلب على شراء الكمية المحدودة منه أصلا، فيزداد سعره أكثر، ويزداد ميل المدخرين إلى تحويل مدخراتهم إلى عملات صعبة، وهكذا في دورات متتالية من التصاعد.

         وكعلاج لهذه الحالة تتجه السلطات النقدية في كل الدول إلى زيادة سعر الفائدة على الودائع بالعملة المحلية بهدف تشجيع المواطنين على عدم تحويل مدخراتهم لعملات صعبة، وهذا سيدفع البعض إلى تأجيل شراء احتياجاتهم غير الملحة مفضلين ادخار أموالهم كودائع للحصول على العائد المرتفع .. ورفع الفائدة لا يصلح إلا إذا كانت السلطات تتوقع أن الاقتصاد سيتعافى قريبا وسيمكنه بسرعة العودة لتوفير الدولارات المطلوبة، أما الاستمرار فيها أطول من اللازم فيؤدي إلى عواقب وخيمة على الاقتصاد نتيجة:

زيادة ميل الأفراد لتأجيل شراء احتياجاتهم طمعا في العائد سيؤدي لانخفاض القوة الشرائية في السوق ويتعذر على المنتجين تصريف منتجاتهم، فيتراجع الانتاج وتزداد البطالة.
ومن جهة أخرى فإن زيادة الفائدة على الودائع سيؤدي بالضرورة إلى زيادة الفائدة على القروض، وعندها ستجد منشآت الأعمال أن تكلفة تمويل أعمالها قد زادت، فتضطر إلى رفع أسعارها، الأمر الذي سيتحمله المستلكون بالطبع، كما أنه سيقلل حجم المبيعات فينخفض الانتاج وتزداد حالات الإفلاس ويتعرض الاقتصاد لدورة جديدة من الركود والإنكماش.
على الأرجح، في ظل الانكماش الاقتصادي الحالي، لن يكون هناك مقترضون لكل هذه المليارات التي تم جمعها في الأيام القليلة الماضية ليسددوا هم الفائد المطلوبة، وأي طريقة أخرى تتصورها لسداد الفوائد لأصحاب السندات ستنطوي على مخاطرة كبيرة.
     نحن لذلك لا نفرح كثيرا عندما يتراجع سعر الدولار نتيجة رفع سعر الفائدة، فهذا له أضراره أيضا، التي ربما زادت عن أضرار ارتفاع سعر الدولار إذا لم يتعافى الاقتصاد الكلي بسرعة ويعود لتوليد الدولارات المطلوبة.

 
        هل نحن بحاجة لإعادة رسم صورة الاقتصاد المصري في وضعه الراهن على ضوء ما تقدم؟ .. حسنا .. الوضع باختصار هو:

تراجعت مواردنا الدولارية تراجعا كبيرا في السنوات الأخيرة بسبب تراجع قدراتنا الانتاجية الذي أدى لتراجع صادرانا السلعية، وهذا أمر قد اشتهر وكتبت عنه وعن أسبابه ومظاهره أقلام كثيرة.
التراجع الحاد في معدلات قدوم السياح الأجانب، والذي يبدو أنه لن يتعافى قريبا، وعلى الأرجح سيزداد الأمر سوءا بعد حادثة السياح المكسيكيين التي تلتها كارثة الطائرة الروسية ورد فعل حكومات الدول التي تمثل المصدر الأكبر للسياحة عندنا.
مشاكل التجارة العالمية أدت إلى تراجع أو تجمد عائدات القناة (الزيادة المتوقعة على أي حال كانت في حدود 3-5% سنويا، أي حوالي 150-250 مليون دولار، ودعك من مليارات مميش الخزعبلية التي لا أصل لها).
          وفي مقابل هذه العوامل لتي أدت لانخفاض دخلنا من الدولارات زادت زيادة كبيرة عوامل الطلب عليه، أي زادت كمية الجنيهات التي نريد تحويلها إلى دولارات، ولعل أهم مصادر هذه الزيادة هي:

إنسحاب عدد كبير من الشركات الأجنبية العاملة في مصر، وفي الأسابيع الأخيرة فقط أعلنت 13 شركة أجنبية عزمها على الانسحاب من السوق المصري وتصفية استثماراتها فيه، مما يعني أنها ستبيع أصولها ثم تحول ثمنها إلى دولارات تأخذها معها للخارج، مجموع استثمارات هذه الشركات الثلاثة عشر وحدها هو 3.7 مليار دولار، وهذا بخلاف من سبقها باتخاذ القرار وصفى أعماله ويبيع أصوله.
إن حفر الجزء الأكبر من تفريعة قناة السويس تحت الماء أدى لاستقدام شركات التكريك الأجنبية، وهذه إما ستتقاضى أجرها بالدولار، أو بالجنيه ثم تحوله بمعرفتها لتأخذ أموالها معها، لم يعلن عن القيمة الحقيقية لعقود شركات التكريك، ولكن بعض الخبراء يقول أنها ستكون في حدود 3 مليار دولار.
لم يعلن رسميا عن مصادر تمويل صفقات السلاح الفرنسية ولا صفقة سيمنز الألمانية، ويخمن البعض أن الإمارات هي التي ستمول هذه الصفقات بالكامل، لكن إذا كان أي جزء منها سيمول من موارد الدولة المصرية فسيمثل طلبا على الدولارات المتاحة في السوق المصري.
 
        والآن هل يبدو لك أن هناك طريقة لتحقيق التوازن بين عرض الدولارات والطلب عليها كي يستقر السعر عند قيمته الحالية؟ .. إذا كنت تعرف طريقة لا نعرفها فأنت جدير بأن تتولى منصب وزير الاقتصاد، أما إذا لم تكن هناك طريقة لتوفير كل هذه الدولارات فإلى متى سيستمر البنك المركزي في إصدار سنداته مرتفعة الفائدة لامتصاص جزء، وليس كل، الزيادة في الطلب على الدولار؟ .. والأهم هو: من أين سيدفع هذه الفوائد المرتفعة؟  .. لك الله يا مصر.


أضف تعليق


عدد الحروف المسموح بها 1000 والمتبقي منها
ادخل الكود التالي
CAPTCHA Image
صورة اخرى
الموقع غير مسئول قانونا عن التعليقات المنشورة