مذكرات مجدى حسين فى السجن (59): أحكام جديدة بالسجن لمدة 7 سنوات!!
الإثنين, 15 ديسمبر 2014 - 08:23 pm

الأربعاء 5/7/2000: الساعة السابعة صباحا
صباح الخير.. والفل.. والياسمين.. الناس يقظى اليوم مبكرا.. وهناك حملة نظافة فى العنبر, هل سيزورنا اليوم عظيم؟! نمت أمس نوما سعيدا، لا أتذكر أحلامى.. إلا حلم بالإفراج عن صلاح بديوى وعصام حنفى من دونى!! ومع ذلك كنت سعيدا طوال نومى.. ولا أدرى لماذا؟! هل انتقلت السكينة من اليقظة إلى المنام، المهم لقد كنت سعيدا راضيا شاعرا بالقوة.. وبمحق الظلم والطغيان، أتذكر المشاعر ولا أتذكر الأحلام.
الأمس سار روتينا عدا عودة المياه إلى الانقطاع.. وتبرع لى المساجين بـ 2 جركن؛ واحد كبير، وواحد متوسط الحجم، فكنت آمنا، واغتسلت مرة واحدة؛ وهذا يكفى فى هذه الأزمة.. رغم شدة الحرارة والرطوبة، واستخدمت المروحة فى أعلى سرعاتها لأول مرة.. وهذا ضار بالصحة. ولكن مشكلة المياه حُلت مساءا بشكل حاسم وتم إصلاح العطب فى الشبكة بأسرع مما كنت أتصور.. وحمدت الله كثيرا.
فى الساعة الثانية عشر ظهرا ذهبت إلى المستشفى لقياس الضغط, ولا تزال خطتى العلاجية ناجحة, وكان الضغط 150/78، والبسط أهم من المقام, ولا يزال البسط تحت 80 رغم أننى خفضت استخدام الدواء لمرة كل 48 ساعة (بدلا من 24 ساعة) ثم تذكرت بعد ذلك حكاية الأحكام التى وصلت إدارة السجن.. وأنا أحمد الله أننى أتعامل مع هذا الأمر الجلل ببرود أعصاب.. وبثبات المؤمن بالقدر.. فعندما علمت أول أمس بوصول أحكام علىّ بالسجن تصل إلى 3 سنوات.. لم أهرع إلى الإدارة.. وأمضيت اليوم بصورة عادية.. وأمس كدت أنسى الأمر.. ولكننى تذكرت فجأة وذهبت ووجدت الأحكام = 7 سنوات سجن!! وأخذت أضحك حتى الثمالة.. أن كمبيوتر إدارة تنفيذ الأحكام يتعاطى شيئا مخدرا، ومصاب بمرض النسيان وفقدان الذاكرة.. عندما تريد إدارة تنفيذ الأحكام - بناء على أوامر عليا - أن تضبطنى وتنفذ علىّ الحكم فور صدوره.. تكون فى منتهى الرقة، وتشعر أن البلد بخير.. وتتم إجراءات الحصر وغيرها مما يأخذ عادة أيام وأسابيع فى دقائق وثوان.. وتكون توه تنفيذ الأحكام نائمة تحت سلم بيتى حتى قبل صدور الحكم.. أشعر ساعتها بالفخر.. بدقة البيروقراطية المصرية العظيمة, ومع ذلك يبدو أن الأمر ليس ورديا إلى هذا الحد.. فكمبيوتر تنفيذ الأحكام مضروب!! يكتب المعلومة ولا يتابعها، وأحيانا يكتب المعلومة خاطئة من أصله.. فكيف سيتابعها؟! وكانت الأحكام كالتالى:
1- 3 سنوات سجن بتهمة إحداث عاهة مستديمة عام 1995 غيابى.
الشرح (من عندى).. هذا الحكم صحيح.. وكان شخص ما ادعى أننى "خرمت عينه"!! وصدر الحكم غيابيا، وبالمعارضة وإعادة المحاكمة حصلت على براءة فى جلسة واحدة.. وخرجت من قفص الاتهام إلى البيت سعيدا بشموخ القضاء المصرى.. والمهم أن هذا الشخص هو الذى قالت عنه الجمهورية مؤخرا أنه الشخص الرابع الذى يتنافس على رئاسة حزب العمل وأنه توجه إلى البنوك لتجميد أموال الحزب!!
ومع ذلك فإن كمبيوتر إدارة الأحكام لم يوضح ولم يسجل البراءة!!
2- سنتان حبس، ولعل المقصود بها حكم قضية يوسف والى الأول.. ولكن تاريخ صدور الحكم مغلوط.. فالكمبيوتر يقول 16/8/1999، بينما التاريخ الصحيح 14/8/1999.. واليوم يؤثر كثيرا فى بعض الأحيان على المسجون؛ ويمكن أن يؤدى إلى تأخير خروجه 6 شهور أو أكثر, لأن هذا اليوم قد يؤثر على موعد خروجه فى نصف المدة, وهو الأمر الذى يحدث فى الأعياد فحسب.
3- حكم سنة حبس غيابى فى عام 1995.. دون أن يوضح الكمبيوتر مصير هذا الحكم.. وأنا لا أتذكر هذه القضية.
4- حكم سنة حبس فى قضية سرقة (أى والله سرقة).. فى عام 1998، ولعل المقصود بها قضية حسن الألفى التى حبست فيها وأخرجنى النقض بعد 4 شهور.. ولكن الكمبيوتر يقول قضية سرقة!!
وهكذا يصبح المجموع 7 سنوات.. وشعرت بالفخر بين المساجين الجنائيين وقلت لهم: حتى لا تتصوروا أننى مثقف ناعم الأيدى والأصابع، لقد ثبت لكم بالدليل القاطع أن هذه الأصابع خرقت العيون وطفشت الخزن.. واقتحمت الشقق والناس ينام.. وربما جمعت الغسيل من فوق أسطح المنازل.. فى جنح الليالى.
المهم بعد تسرب هذه الأنباء إلى أرجاء السجن.. أخذت وضعى كمسجون قرارى.. متعدد الأنشطة.. يٌرهب جانبه.. وأصبحت أسير فى العنبر مرفوع الرأس.. فأنا لم أعد مجرما سياسيا، أو شتاما، لقد صرت "قبضاى"!!
ولقد تعمدت تسجيل هذه الفكاهات.. وهى ليست كذلك.. لأنها تتحول إلى مآسى حقيقية، فالمسجون المسكين المستضعف يتعرض لتأخير فى موعد الإفراج عنه بسبب تخاريف كمبيوتر تنفيذ الأحكام.. ويبدو أنه نفس الكمبيوتر الذى يشرف على الانتخابات, وهذا أكبر دليل على أن استخدام وسائل التقدم التكنولوجى تعتمد أساسا على تقدم الإنسان.. الذى يغذيها بالمعلومات.. وإلا فإن الدفاتر الروتينية تكون أفضل هو الكمبيوتر.
*****
نمت بعد الظهر ساعة ونصف الساعة.. وقمت نشيطا لأقرأ وأكتب، وقبل الإغلاق خرجت للسير فى العنبر.. للثرثرة التى تحولت إلى أحاديث مفيدة فى الدنيا والدين.. ولكنى عدت مجهدا فلم أستطع استكمال عملى.. واستغرقت فى إعداد السلطة بالجينة البيضاء أكثر من نصف ساعة.. وأكلت وشربت كركديه لزوم العلاج للضغط, وكدت أنهى الكتاب الذى يلخص "إحياء علوم الدين".. وشاهدت البانوراما الفرنسية.. بنصف عين.. حتى جاء الفيلم.. وقليلة هى الأفلام الفرنسية التى تعجبنى.. لكن هذا الفيلم (اللعبة) أضحكنى عدة مرات.. ومع ذلك فقد غلبنى النوم قبل انتهائه.. تطبيقا للشعار الذى أخذته من والدى: (كل نومه وطمطيطة، أحسن من فرح طيطة)!!
*****
من كتاب إحياء علوم الدين:
قال صلى الله عليه وسلم: سلوا الله تعالى من فضله فإن الله تعالى يحب أن يُسأل، وأفضل العبادة انتظار الفرج. (الترمذى).
- من أدعية رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ركعتى الفجر وصلاة الصبح: اللهم إنى أسألك رحمة من عندك تهدى بها قلبى، وتجمع بها شملى, وتلم بها شعثى, وترد بها الفتن عنى, وتصلح بها دينى, وتحفظ بها غائبى, وترفع بها شاهدى, وتزكى بها عملى, وتبيض بها وجهى, وتلهمنى بها رشدى, وتعصمنى من كل سوء.
اللهم أجعلنا هادين مهتدين, غير ضالين ولا مضلين، حربا لأعدائك، وسلما لأوليائك، نحب بحبك من أطاع من خلقك، ونعادى بعداوتك من خالفك من خلقك.
- دعاء آخر: (اللهم إنى ضعيف فقونى فى رضاك, وخذ إلى الخير بناصيتى, وأجعل الإسلام منتهى رضاى، اللهم إنى ضعيف فقونى، وإنى ذليل فأعزنى, وإنى فقير فأغنى يا أرحم الراحمين) (الحاكم).
*****
- لن يتيسر دوام الذكر والفكر إلا بوداع الدنيا وشهواتها والاجتزاء منها بقدر البُلغة (ما يكفى لسد الحاجة) والضرورة, وكل ذلك لا يتم إلا باستغراق أوقات الليل والنهار فى وظائف الأذكار والأفكار.

 


أضف تعليق


عدد الحروف المسموح بها 1000 والمتبقي منها
ادخل الكود التالي
CAPTCHA Image
صورة اخرى
الموقع غير مسئول قانونا عن التعليقات المنشورة