مذكرات مجدى حسين فى السجن (58) بين المعمارى القدير حسن فتحى والإعلامى حمدى قنديل
الأحد, 19 أكتوبر 2014 - 11:14 am

الثلاثاء 4/7/ 2000: الساعة 8 صباحا - الشروق 
اليوم الثلاثاء.. وكان هذا اليوم دائما من أيام فرحى.. إنه يوم صدور جريدة الشعب.. وكنت دائما أتساءل عندما أراها فى يدى - طوال السنوات الأخيرة - هل سيكون هذا هو العدد الأخير؟
كثيرة هى الأعداد.. التى ظننتها العدد الأخير.. كنت دائما أقول كيف يتحملنا الطغاة.. هل هم يؤمنون بالفعل بالديمقراطية؟! ولماذا تركونا حتى الآن؟ وقد أوقفت "الشعب" فعلا لثلاثة أعداد خلال حملتنا ضد وزير الداخلية السابق بعد أن أحدثت زلزالا فى البلاد.. وأن لم يأخذ شكل تحركات جماهيرية.. وكان التحرك الجماهيرى قد أخذ شكل أمدادنا بالمعلومات. أما الشكل الرئيسى فقد كان قتال الناس من أجل الحصول على نسخة من "الشعب"، وأذكر ساعتها إنى كنت واقفا عند أحد باعة الصحف.. وجاء صبى ميكانيكى ملطخة ملابسه بالشحم، يسأل عن جريدة الشعب، وكانت قد نفذت، وكان فى حالة يرثى لها.. وسألنى وهو لم يتعرف علىّ، ألا تعلم من أين أحصل على نسخة من "الشعب"، قلت له: إن هذا البائع يخبئ نسخة من العدد الماضى وقد لاحظت لونها الأزرق, وقال لى: وما المانع لأشتر العدد الماضى.. وأظهر البائع النسخة المخفية وباعها له. فأخذها وهو فى قمة السعادة.. وفتحها وأخذ يقرأها وهو يسير فى عرض الطريق.. وفى مرة أخرى وأنا أسير على الأقدام فى شوارع الروضة.. وجدت مجموعة من الناس قد افترشوا الأرض وفتحوا جريدة الشعب على صفحة "المستندات" وكنا ننشر ملحقا مبتكرا اسمه "صحيفة المستندات" لنؤكد أن كلامنا موثقا، رغم أننا كنا بذلك نكشف أوراقنا.. وهذا ضار فى الصراع القانونى أمام المحاكم.. ولكن عينى كانت دائما على الرأى العام، وكنت أؤمن بضرورة اللعب على المكشوف، وجدت هذه المجموعة من الناس تقرأ فى صحيفة المستندات، وتتناقش معا فى أهمية كل مستند على حدة، وكأنهم قد تحولوا إلى لجنة قضائية..
أما فى حملة "وليمة البحر" فإن السلطات لم تحتمل الجريدة على الإطلاق.. وليس مجرد 3 أعداد, فأغلقتها منذ شهرين ونصف.. ولا تلوح إمكانية لعودتها.. قبل 25 يوليو الحالى.. وهذا الموعد - موعد النطق بالحكم - ليس مضمونا منطوقه, ويرجع ذلك لأن الجريدة نجحت هذه المرة فى التحريك المباشر للجماهير، وهذا هو الخط الأحمر لدى السلطات.. فلا مانع أن تكتب ما تريد طالما الناس نياما أو يكتفون بمجرد القراءة, أما تحريك الجماهير.. فلا وألف لا.. هذا اعتداء على ملكية الحكم للجماهير.. إن الجماهير من أملاك الحكام, وهم لا يحتملون أن تمتد أيد إلى حدود أملاكهم, وهذا هو جوهر المشكلة.. فبدلا من أن يفكروا فى إصلاح شأنهم، قرروا إبادة صوت الحق, فانطبق عليهم قول الله عز وجل: (وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ)، والغريب أن الحملة لم تتعرض بسوء لرئيس الجمهورية ولا حتى للحكومة، وركزت على الوزير الفاسق فحسب، ولكن الحكومة وقفت بأسرها وراء هذا الوزير الفاسق.. لتحميه من السقوط.. وما تزال تقف وراءه مستمتعة بارتكاب الإثم.. متحدية مشاعر الملايين.
ولم يبق سوى أن تصدر الحكومة بيانا تقول فيه: أن قرارنا بتمويل اثنين من مساعدى وزير الثقافة للتحقيق بتهمة نشر "الوليمة" كانت لامتصاص غضب الشعب.. أما وقد أصبحت الأمور تحت السيطرة، فإننا لا ننوى حقيقة إلا حل حزب العمل, وأن التحقيقات الجدية التى تجريها هى تلك التى تجريها عن طريق المدعى الاشتراكى.. وهى تحقيقات مضنية استمرت أكثر من شهر, ومن خلالها سنبلور حيثيات حل حزب العمل, وربما تحويل قياداته إلى محاكم أمن الدولة.
ولكن الفرج سيأتى من عنده تعالى.. ونحن الآن نمارس أفضل عبادة "انتظار الفرج", نعم نحن نأخذ بالأسباب.. ولكن الفرج سيأتى من عند الله سبحانه وتعالى.
*****
كاد السجن أن يدخل فى محنة شديدية.. محنة العطش.. وخطر التعفن.. فالمياه عادت شحيحة، وانقطعت تماما منذ ظهر أمس.. فى ظل شدة الحرارة وارتفاع نسبة الرطوبة.. ولولا أن لدى عدة زجاجات لما تمكنت من الوضوء والشرب, ولكن المياه أتت لتوها الآن, واستعذب خريرها؛ لأنه خرير الإنقاذ.
بالأمس واصلت أعمالى البحثية بهمة ونشاط وعزم؛ رغم أن الزيارة لم تحمل لى أفكار مفرحة.. فالموقف حول الحزب متجمد, ومحاط بكل المخاطر, ولكن لابد من المقاومة, ومقاومتى الخاصة أن أصمد داخل سجنى, وأواصل الإنتاج الفكرى, فالفكر هو الباق, ومهما فعلوا بنا فإن الفكر هو الذى سينتصر فى النهاية على البندقية.. على السجن والسجان.. على الفاسق والفاسقين.. ويجب أن أسجل من قبيل الأمانة أننى لم أعد أتعرض فى السجن لأى نوع من المضايقات، فالجرائد والكتب تدخل بانتظام، وزوجتى تعامل معاملة كريمة، وأنا لا أريد أكثر من ذلك.. ووجود التليفزيون معى يشعرنى بنوع من الطمأنينة.. أن لدى جهاز للتسلية إذا أصابنى ملل أو كرب أو تقلصات نفسية، ولكن أحمد الله أننى لا أصاب بأى من هذه الحالات، كذلك فإن التليفزيون يساعدنى ببرامجه المملة، وبالتالى فإننى لا أتعامل مع التليفزيون إلا بقرارات جدية.. لمشاهدة شىء محدد..
أول أمس فوجئت ببرنامج رائع عن المعمارى العظيم الراحل حسن فتحى.. وكنت منذ أكثر من شهر استمعت لبرنامج رائع عنه فى الإذاعة، ومع ذلك فإن هذين البرنامجين على فائدتهما يثيران الحزن.. فهما قد تحولا إلى نوع من تأبين الوطن.. نحن نتغزل فى أفكار حسن فتحى عن العمارة الإسلامية.. على سبيل الأسف والحزن.. لأنها لا تعرف طريقها إلى التطبيق وإلى الحياة. وتحول الموضوع إلى نوع من التمجيد الشخصى لحسن فتحى.. وبالفعل فإن الاستفادة العملية بأفكار حسن فتحى تحتاج لمناخ جديد.. ونهضة شاملة.. لا أعرف متى تأتى، ولكنها لا يمكن أن تحدث فى ظل هذا الطاقم من الحكام..
وأمس شاهدت برنامج رئيس التحرير.. وهذا الرجل (قنديل) غير معقول فعلا، رجل متمكن، إعلامى من خارج هذا الزمن، يتحدث بسلاسة وتشويق ويصل إلى أفئدة الناس، ويختار موضوعاته بعناية، ويقدم شيئا لم يعرفه التليفزيون منذ دخوله مصر.. شيئا يجمع بين الكفاءة وتناول قضايا الناس، وحرية النقد اللاذع.. وهو مثلا أشار أمس إلى التنكيل بالصحفيين، وختم البرنامج بالسخرية من وزير التموين الذى يريد أن يزرع القمح فى كندا!! وعرض لقطات تسجيلية رائعة عن أطفال الشوارع.. ولا شك أن هذا البرنامج يستمر وفق توجيهات عليا، للتنفيس عن الناس.. ولكن لا بأس.. المهم أن يستمر ولا يتعرض للتوقف من جديد..
صحيفة العربى لم تنشر مقال عادل حسين.. اللهم اجعله خيرا.. والصحف لا يوجد فيها ما يشد الانتباه إلا متابعة قضية سعد الدين إبراهيم. وقد بدأت السفارة الأمريكية تزمجر.. وسنرى قدرة الحكومة على الصمود.
اعتصامات المحامين تنتشر فى مختلف المحافظات.. ولا أحسب أن هدوء هذه الجبهة سيكون سهلا.. البلاد حقا تعيش أياما حاسمة، لم يدخل النظام من قبل إلى الانتخابات بكل هذا الوجه السافر من البطش والاستبداد.. فرغم أن التزوير هو الأداة الرئيسية فى إجراء الانتخابات.. إلا أن الحكومة عادة ما تتجمل مع اقتراب هذا الموسم، إلا أن المرأة القبيحة الشمطاء لا تريد أن تتجمل.. عجبى!
لم أشر من قبل أن السجن استقبل منذ فترة أكثر من 100 فلاح تم جمعهم من الغيطان فى محافظة المنيا، أرشد عنهم شخص واحد متهم بارتكاب أعمال عنف, وقد جاء كل هؤلاء بتهمة إيواء أو التعامل أو مخالطة هذا الإرهابى.. وقد جاءوا إلى السجن بملابسهم الداخلية.. حافيين الأقدام.. لا يمتلكون شروى نقير, ولا يعرفون لماذا هم فى السجن, وقد قام مأمور السجن بجهد مشكور لتوفير كافة الاحتياجات الآدمية المعيشية لهم.. وتضامن المساجين للتبرع لهم, وقد عرضت التبرع بصابونة!! ولكن شهبندر التجار كفانى هذا التبرع لأنه تبرع بصندوق صابون!! 
كذلك استقبل عنبرنا اثنين من المحكوم عليهم فى قضية نواب القروض, واستقبل السجن أيضا سجين محكوم عليه بشهر واحد.. وأخذت أضحك وأقول ما هذا الحكم اللذيذ؟ شهر واحد؟! وهو رجل يبلغ من العمر خمسة وسبعين عاما, وهو متهم بمشاجرة, فى حين أن حالته الصحية لا توحى بإمكانية الدخول فى مشادة أو مناقرة كلامية وليس مجرد مشاجرة, وعندما التقى بى، صافحنى بحرارة وقال لى: (لقد عرفت طريق السجون من قبل على يد والدك)، فقد كان من قيادات الحزب فى بنى سويف, واتهم بالمشاركة فى حريق القاهرة, وأمضى فى السجن 45 يوما, وأخذ يروى لى عن المؤتمرات الضخمة التى كانت تعقد أمام البيت الأخضر, ويخطب فيها أحمد حسين.. وقال لى أنه شارك بالفعل فى الحملات الجماهيرية لمقاطعة النفوذ الأجنبى, كسينما ريفولى.. فقلت له لابد من تسجيل ذكرياتك بالتفصيل لأنها مهمة.. وأرجو أن أجد وقتا لاستمرار الحوار معه.. لأنه لم يبق له فى السجن إلا 20 يوما، طبعا المسألة أصبحت نكته يتم تداولها: تتصور واحد جى السجن فى شهر واحد.. أيوة يا عم .. ده جاى يزورنا.. وقلت لهم: أمر مخجل حقيقة.. نحن هنا نعيش وسط أناس محكوم عليهم بالمؤبد.. ثم يأتى هذا الرجل.. ليحط من شأن السجن.. ويخدش سمعته, سجن لشهر واحد, إن هذا يسىء إليه وإلينا, وهكذا تواصل الضحك وأنا جالس وسط حلقة من المساجين أقلهم حاصل على 6 سنوات.. وطبعا أنا كنت فى نصف هدومى.. لأن حكمى سنتين, ويمكن أن أخرج فى نصف المدة, ولكننى رفعت رأسى عاليا, وقلت لهم أن هناك أحكاما جديدة وصلت ضدى إلى إدارة السجن, وسأعرف التفاصيل غدا, قلت ذلك بفخر!! (وهذا حقيقى, فقد أبلغت بذلك وسأعرف التفاصيل اليوم, ونسأل الله العافية).
ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم.

 


أضف تعليق


عدد الحروف المسموح بها 1000 والمتبقي منها
ادخل الكود التالي
CAPTCHA Image
صورة اخرى
الموقع غير مسئول قانونا عن التعليقات المنشورة