الاقتصاد فى مجتمع مسلم.. شرح على متن "خلافنا مع الإخوان"
الأحد, 19 أكتوبر 2014 - 09:44 am

في سلسلة مقالاته "خلافنا مع الإخوان"، ذكر الأستاذ مجدي حسين ضمن هذه الخلافات الصبغة الليبرالية التي تصبغ التوجهات الاقتصادية للإخوان، وهذه بالنسبة لي ليست قضية ثانوية بالمرة، تنبع أهميتها من أن الليبرالية الاقتصادية، مهما رفع أنصارها من شعارات عن العدالة الاجتماعية، هي في الواقع وبالضرورة لن تفرز إلا نظما منحازة للأغنياء، ومن الناحية العملية لن يجد المواطنون المطحونون مصالحهم مع برنامج اقتصادي ليبرالي حتى لو طرح تحت لافتة إسلامية، ربما دفعتهم مشاعر التدين إلى التعاطف الوجداني مع رافعي الشعارات الإسلامية .. لكنهم في حركتهم بحثا عن حقوقهم ومصالحهم لن يتحركوا إلا خلف قيادة تتفهم مطالبهم ولديها البرنامج الذي يحققها .. ربما كان في هذا تفسيرا للظاهرة التي حيرت بعض قيادات الإخوان، وهي عجزهم الواضح عن التأثير على الحركة العمالية وقياداتها، وإذا لم تلعب الحركة العمالية دورها في بناء النظام الجديد فستكون هذه نقطة ضعف خطيرة .. هذا هو ما يعطي لهذه القضية أهميتها.

* * * * *
إذا كان الاقتصاد الإسلامي هو فعلا نسخة منقحة من الاقتصاد الفردي الحر فلن يخطر ببالنا أبدا أن نطالب بتعديله لمجرد إرضاء الطبقة العاملة والحصول على تأييدها للحل الإسلامي، أما إذا كنا مقتنعين بأن الاقتصاد الإسلامي، هو اقتصاد جماعي للدولة فيه دور قيادي ويعطي للعمال والفلاحين وكل محدودي الدخل الحق في الوصول إلى مستوى معيشة كريم (هو حق وليس منحة أو صدقة)، فإن تأجيل عرض أدلتنا الشرعية على صحة وجهة نظرنا حتى يخرج قيادات الإخوان من المعتقلات لن يكون في صالح ثورة الشعب المصري[1].
ومع أنني أتفق مع الأستاذ مجدي حسين على أن البرنامج الرئاسي للإخوان يتبنى اتجاها ليبراليا في شقه الاقتصادي على الأقل، فإني أود أن أراجعه في تكييفه للقضية .. فليس هذا خلافا بيننا وبين الإخوان، إنه خلاف بين برنامجهم الرئاسي لعام 2012 وبين المنهج الفكري الذي تأسست عليه الجماعة نفسها كما فهمناه من رسائل الإمام حسن البنا وكتابات الأستاذ سيد قطب -رحمهما الله-.
ربما كان الأنسب في هذا المجال هو أن نعرض أدلتنا على أن الفكر الاقتصادي الإسلامي لا يمكن أن يطبق في ظل نظام اقتصادي ليبرالي حر كما يذهب مشروع الإخوان للنهضة ، ومع ذلك فإننا نفضل أن نبدأ أولا بعرض ما نظنه العوامل التي أدت بالإخوان إلى إعلان برنامج اقتصادي يختلف مع فكر المؤسس برغم أنهم في كل مجال آخر يرفضون أي خروج أو مراجعة لفكر الإمام حسن البنا رحمه الله (حتى في المجالات التي تغيرت فيها معطيات الواقع المعاصر بدرجة تقتضي هذه المراجعة) .. ما الذي حدث في العقود الأربعة التي تفصل حسن البنا وسيد قطب عن محمد مرسي وخيرت الشاطر؟

* * * * *

إن الاقتصاد هو مجموعة الأنشطة والفاعليات التي يقوم بها الناس لإنتاج حاجاتهم المادية وتوزيع هذا الناتج بين الأفراد، وبهذا المفهوم فالاقتصاد هو ظاهرة اجتماعية لا يمكن فصلها عن مجمل الظواهر الاجتماعية الأخرى وعن العلاقات التي يرتبط بها الناس فيما بينهم والقيم التي تحكم سلوكهم والمشاكل المختلفة التي يعانون منها في حياتهم، فالاستعمار والتبعية مثلا يؤديان إلى تدني القدرة الاقتصادية للمجتمع، لكن دراسة أسباب الاستعمار وأساليب التحرر منه نجدها في العلوم السياسية، والفساد يؤدي إلى سوء توزيع ناتج الفاعليات الاقتصادية، فيستحوذ أقلية من الناس على أكثر بكثير مما يستحقون، وتعاني الأغلبية من الفقر والحرمان، وبرغم أن أسلوب توزيع الناتج هو جزء أساسي من النظام الاقتصادي، فإن علاج الفساد يدخل ضمن مجالات القانون والأمن والسياسة .. فاستقلال الاقتصاد كعلم قد جاء نتيجة الحاجة للتخصص، فمن الصعب على أي باحث أن يدرس كل جوانب الحياة الاجتماعية، لكنه ينسى في غمرة بحثه النظري، أو يتجاهل، أن ما يقوم بفحصه من عمليات تتعلق بالإنتاج والتوزيع والاستهلاك لا يمكن فهمه فهما كاملا بمعزل عن السلوك الإنساني والتنظيم السياسي والاجتماعي .. الخ، والعكس أيضا صحيح، أي أنه من غير الممكن الحديث عن النظام الاقتصادي دون ربطه بالتنظيم السياسي والاجتماعي والقانوني .. إلخ.
وإذا تصفحنا رسائل الإمام الشهيد حسن البنا فربما لن نلحظ فكرا اقتصاديا ناضجا، لكننا سنجد فكرا اجتماعيا عميقا ناصع الوضوح، وفكرا سياسيا ناضجا قطع فيه شوطا بعيدا استكملته الجماعة بإعلانها سنة 1994 القبول بالتعددية الحزبية في الدولة الإسلامية وان الأمة هي مصدر السلطات .. ودون الدخول في التفاصيل ستجد البنا يتحدث عن المجتمع الإسلامي الذي يقوم على التكافل والتراحم بين أبنائه ويعطي لكل فرد الحق في الحصول على كفايته حتى يعيش حياة كريمة، وهذا لا يمكن تحقيقه مطلقا في ظل اقتصاد حر على النمط الليبرالي تنسحب فيه الدولة من إدارة الاقتصاد الذي يقوم على حرية التصرف والمنافسة الكاملة ويؤمن بحق كل إنسان في الاستمتاع بكامل كسبه دون حقوق للمجتمع عليه.

أما الشهيد سيد قطب رحمه الله فكان مفكرا وأديبا، ولم يكن عالما في الاجتماع أو السياسة أو الاقتصاد، لكن فهمه العميق للمقاصد العليا للإسلام قاده إلى التأكيد على "العدالة الاجتماعية في الإسلام" وعلى "معركة الإسلام والرأسمالية" وجعلهما عنوانين لاثنين من أهم كتبه (في تقديرنا) موضحا أن المجتمع الإسلامي لا يمكن أن يقوم في ظل نظام رأسمالي بما يحمله من نزعة فردية أنانية وما ينتج عنه من مظالم لابد أن تقع على الغالبية العظمى من الناس، لكنه لم يتعرض لصياغة نظرية أو مذهب واضح للاقتصاد في مجتمع مسلم .. لقد قام بتشخيص المشاكل وتكلم عما لا يجب عمله، لكنه عندما حاول تقديم تصور لما ينبغي عمله كان أديبا بامتياز ولم يقدم فكرا ناضجا يمكن البناء عليه عند صياغة برنامج للتغيير.
الأمر المؤكد هو أن تصورات مؤسس حركة الإخوان المسلمين عن المجتمع الإسلامي لا تسمح لمن يلتزم بها أن يدير الاقتصاد على أساس المنافسة الحرة وبدون تدخل من الدولة في تخطيط الإنتاج وفي توزيع عائد التنمية، أما سيد قطب فلم يترك لأحد الفرصة لإساءة الاستنتاج: ليس فقط أن الإسلام لن يتبنى الاقتصاد الحر، بل هو سيدخل حتما في معركة مع الرأسمالية .. كان هذا هو حال فكر الإخوان حتى منتصف الخمسينات.

* * * * *

في الستينات تصاعد المد القومي في المنطقة العربية رافعا لافتات الاشتراكية العربية (مع أنها في الواقع كانت نظم رأسمالية دولة دكتاتورية) .. عبد الناصر باتحاده الاشتراكي العربي في مصر، وحزب البعث العربي الاشتراكي في سوريا والعراق .. ودخلت النظم الجديدة في صراع مع كل من الإسلاميين والغرب، الإسلاميين لأنهم القوة الأكبر التي كانت تمثل تحديا لسلطتهم، والغرب لأن هذه النظم قامت على أنقاض بعض أهم الحلفاء التقليدين له، وتحاول انتهاج سياسات مستقلة عنه.
قام الاتحاد السوفياتي بدعم الأنظمة القومية العربية، ربما لأنها رفعت رايات الاشتراكية (مع أن الشيوعيين المصريين ناصبوا عبد الناصر العداء وأعلنوا أنه مجرد ديكتاتور فاشي عسكري يستغل رأسمالية الدولة لاحتكار السلطة الاقتصادية لا لبناء نظام اشتراكي حقيقي) أو ربما لمجرد مناكفة الغرب وإضعاف نفوذه في المنطقة.
 لم يكن الإسلاميون قادرين في الستينات على إدارة أي صراع جدي مع عبد الناصر، فقد ضعضعتهم ضربات الخمسينات القاسية، لكن الغرب هو الذي استخدم ورقة الإسلام ضمن وسائله للحد من نفوذ النظم القومية المتحالفة مع عدوه العالمي، بهدف إسقاط شعبيتها في وجدان شعوب المنطقة التي صارت تعد عبد الناصر زعيما لكل العرب.
فقد عملت الدعاية الغربية الذكية على نشر فكرة أن تعاليم الإسلام تزكي آليات الاقتصاد الحر كما تعرضها النظرية الاقتصادية الليبرالية (النيوكلاسيكية)، وأن تحديث العالم الإسلامي لا يمكن إلا من خلال تبني النظام الرأسمالي على النمط الغربي .. بالطبع لم تكن هذه الدعاية تعلن الفكرة بتلك الفجاجة التي نعرضها نحن بها، لكنها استعانت بأصوات إسلامية عملت – بحسن نية أو بغيرها – على ترويجها بالشكل التالي:
إن الإسلام يحمي الملكية الفردية ويضمن حق الفرد في حرية التصرف في ماله كما يشاء ما دام يؤدي زكاته (كما يدفع الرأسماليون الضرائب)، ولا يعد تحريم التعامل في بعض السلع (كالخمر مثلا) تعارضا مع نظام السوق الحر، فالدول الرأسمالية تجرم تجارة المخدرات دون أن يرى أحد في ذلك خروجا على حرية السوق، أما تحريم الربا فليس تدخلا في حرية السوق ولا يضع قيدا على المنافسة أو آليات العرض والطلب، إنه فقط تقييد لبعض وسائل التمويل، والاستجابة لهذا التحريم لا تتطلب إلا تطوير نظام بديل لجمع المدخرات ولتمويل الاستثمارات بدون التعامل بالفائدة أخذا أو عطاء (بنوك لا ربوية)، أما الأحكام الفقهية الواردة في فقه المعاملات فكلها لا تهدف إلا لمنع الغش والغرر والاحتكار وضمان الالتزام بالعقود، وكلها قواعد توصي بها نظرية الاقتصاد الحر وتعمل قوانين الدول الرأسمالية على تأكيدها بطريقتها الخاصة .. فالرأسمالية إذن هي النظام الذي توصي به تعاليم الإسلام، ومن يريد تدمير الرأسمالية وبناء الاشتراكية هو لا شك عدو للإسلام.
لقد تبنى الملوك والأمراء العرب هذه الأفكار وعملوا على نشرها في دائرة سلطانهم لأنها تحقق مصالحهم وتحمي عروشهم من تمدد النفوذ الناصري، أما الإسلاميون، وليس الإخوان فقط، فقد تبنوها إما لأنها أقنعتهم (فلم يكن الفكر الإسلامي قد طور بعد نموذجا للاقتصاد الذي ستقيمه النظم الإسلامية) أو لأنها ترضي عندهم حاجة نفسية للشعور بأن جلاديهم هم أعداء للإسلام[2].

* * * * *

 كان الضغط النفسي الذي عانى منه الإخوان نتيجة القهر الذي مارسه عليهم نظام عبد الناصر سببا لتبني بعض قواعدهم لفكرة تكفير الحكام، ووصل بعضهم إلى تكفير المجتمع كله والحكم بجاهليته، لكن القيادة كانت أحكم وأنضج من أن تنساق خلف هذه الدوافع النفسية، فتصدت بشدة لهذا الاتجاه وأنتجت كتابها المشهور "دعاة لا قضاة" لتعيد غالبية الإخوان إلى رشدها، وهذا يؤدي بنا إلى التساؤل: إذا كانت الضغوط النفسية تصلح لتفسير قبول قواعد الإخوان لفكرة أن تبني أهدافا جماعية في المجال الاقتصادي يمثل عداء للإسلام، فما الذي أدى بالقيادة للانزلاق إلى تبني ذات الفكرة – أو على الأقل لقبول أن الاقتصاد في المجتمع المسلم ليس بالضرورة ذو اتجاه جماعي – متجاهلة بذلك فكر حسن البنا وسيد قطب وأغلب المفكرين الإسلاميين في كتاباتهم التي تناولت الجوانب الاقتصادية للمجتمع المسلم، نذكر منهم مالك بن نبي ومصطفى السباعي ومحمد باقر صدر وعيسى عبده وأحمد عبد العزيز النجار (الذي أصل فكرة البنوك الإسلامية وآليات عملها، والتي كانت بالمناسبة تختلف عن تلك الممارسات التي سادت فيما بعد) ومحمد الغزالي وأستاذي عادل حسين رحمة الله عليهم أجمعين، ثم الدكتور يوسف القرضاوي منذ كتب في السبعينات عن مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام حتى كتب من سنوات قليلة عن الأخلاق في الاقتصاد الإسلامي مرورا بكل ما كتبه عن مقاصد الشريعة الإسلامية .. لا بد أن هناك عوامل موضوعية أثرت على فكر قيادة الإخوان الحالية جعلتها تقدم برنامجا اقتصاديا ليبراليا .. ففى تقديرى أن مجرد الرغبة فى مهادنة أمريكا والغرب لا تكفى لذلك.

* * * * *

 إن جامعاتنا وكل جامعات العالم، خلا جامعات ما تبقى من دول الكتلة الشيوعية، كوبا والصين وفيتنام، تقدم النظرية النيوكلاسيكية للاقتصاد الحر تحت عنوان "علم الاقتصاد"، وهذا يغرس فى عقول المتخصصين فى الاقتصاد أن هذا النموذج هو نموذج علمى يصف بواقعية الفاعلية الاقتصادية، وما دام علما فإن نتائجه لابد أن تكون صحيحة [3]، وكل ما على الاقتصادي المسلم، هو الاستفادة من هذه النتائج بعد إخضاع النظام للأحكام الفقهية الإسلامية في المعاملات، وساعد على ذلك أن ما روجته الدعاية الغربية من ان فقه الفروع في المعاملات لا يحوي ما يتعارض مع الرأسمالية كان صحيحا .. لكن الأمر يحتاج إلى إيضاح غاب عن هؤلاء الاقتصاديين الذين شاركوا في صياغة البرنامج الرئاسي للإخوان المسلمين.
صحيح أن فقه المعاملات لا يوجد به ما يتعارض مع حرية السوق، فهو لا يتعرض إلا لشروط صحة البيوع والعقود وإنفاذها، وهذا بالطبع يحدث كله في السوق، لكن هذا شئ وأن نقول أن الفاعليات الاقتصادية في المجتمع المسلم تتم كلها في السوق بدون دور للدولة شئ آخر، وسنتوسع في هذه النقطة عند سرد مقاصد الشريعة في المجال الاقتصادي، لكننا هنا سنحاول الإجابة على السؤال الذي قد يتبادر لذهن القارئ: لماذا إذن لم يتعرض الفقه لأحكام تلك الفاعليات الاقتصادية التي تتم خارج السوق والتي تتجاهلها تماما نظرية الاقتصاد الحر؟
يتناول الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله في كتابه "دراسة في فقه مقاصد الشريعة" هذه القضية فيقول: " يبدو لي أن توجه الأصوليين قديما كان إلى مصلحة الفرد المكلف من ناحية دينه ونفسه ونسله وعقله وماله، ولم تتوجه عناية مماثلة للمجتمع والأمة والدولة والعلاقات الإنسانية " ... " هناك مقاصد أو مصالح ضرورية لم تستوعبها هذه الخمس المذكورة ، من ذلك: ما يتعلق بالقيم الاجتماعية، مثل الحرية والمساواة والإخاء والتكافل وحقوق الإنسان، ومن ذلك ما يتعلق بتكوين المجتمع والأمة والدولة " أ. ه، ونحن نعتقد أن هذه القضايا التي لم يتناولها الأصوليون في المقاصد هي نفسها التي لم يتناولها الفقه عندما كان يستنبط الأحكام العملية لأفعال المكلفين، فقد كان الفقهاء يركزون على الأحكام التي يحتاجها الفرد ولم يتناولوا الأحكام التي تحتاجها الجماعة إلا أحيانا، وفي مباحث فروض الكفاية دون أن يفرعوا لها الفروع، ويستنتج القرضاوي من تصفح بعض هذه الفروض أن "تحقيق الاكتفاء الذاتي والاستقلال الاقتصادي للأمة" هو واحد من مقاصد الشريعة، فيقول : " أنها يجب أن يكون لديها من الإمكانات والقدرات والخبرات والوسائل ما يمكنها من الوفاء بحاجاتها المادية والمعنوية ويسد الثغرات المدنية والعسكرية، عن طريق ما يسميه الفقهاء – فروض الكفاية – وهي تشمل كل علم أو عمل أو صناعة أو مهارة يقوم بها الناس في دينهم ودنياهم ، فالواجب حين تعلمها وإتقانها حتى لا يكون المسلمون عالة على غيرهم ولا يتحكم فيهم سواهم من الأمم الأخرى " أ. ه.
لكن الفقهاء اكتفوا في بيان فروض الكفاية بالقول إن الأمة تأثم كلها إذا لم تتحقق هذه الفروض، وإذا قام البعض بها رفع الإثم عن الجميع ، لكنهم لم يفرعوا الفروع على هذا الأصل ليبينوا من يجب أن يفعل ماذا، وما الذي ينبغي القيام به إذا لم تتحقق هذه الفروض .. هذه المسائل تركوها كى يقدرها أولو الأمر حسب اجتهادهم وإمكانياتهم .. لكن هذا لا يعني أنها ليست من الفروض، ولا يعنى أننا سنتركها للسوق لتحققها وفق آلياتها.
وخذ أيضا مبدأ التكافل بين أفراد الأمة؛ كى يحصل كل فرد من أفرادها عن كفايته؛ كى يعيش حياة كريمة، وهو مبدأ مستقر مأخوذ من عدد لا حصر له من الآيات والأحاديث الصحيحة، أين الفروع التي تفصل الأحكام فيه؟ من يجب أن يقوم بماذا، وكيف يتصرف الفقير الذي لا يصله حقه؟ .. لقد كنا أغنى الأمم وكانت الدولة والأوقاف الخيرية تقدم العديد من الخدمات التي لا تجعل المجتمع يشكو من غياب التكافل (كان التعليم كله مجانا، بل يحصل الطلبة على رواتب تعينهم على التفرغ للدراسة،  والعلاج كان يقدم مجانا لكل من طلبه، وهذا موضوع طويل)، ربما في هذا ما جعل قضية الأحكام التفصيلية للقيام بواجبات التكافل تفقد أهميتها كمسائل في فقه الفروع في القرون الأربعة الأولى التي ازدهر فيها الفقه، مع أنها ظلت تذكر ضمن فروض الكفاية وتزخر بها كتب الآداب والأخلاق الإسلامية، وعندما ظهرت جوانب القصور والتقصير بعد ذلك كانت شعلة الفقه قد خبت حتى انتهى الأمر بغلق باب الاجتهاد .. لكن غياب أحكام دور الدولة في رعاية التكافل من أبواب فقه الفروع لا ينبغي أن ينسينا أنه من فروض الكفاية، وأنه موجود بوضوح في فقه المقاصد، وأنه نشاط اقتصادي مهم لا يمكن أن يتم في السوق الحر.
ما نريد الوصول إليه هو أن عدم وجود أحكام فقهيه في فروع المعاملات تتعارض مع نظام السوق الحر لا يعني أنه لا يوجد في الشريعة الإسلامية ما يتعاض مع هذا النظام، ففروض الكفاية وفقه المقاصد وأبواب الأخلاق تمتلئ بالواجبات والمهام الملقاة على عاتق المجتمع والدولة والتي يجب القيام بها، وهي واجبات ومهام لا يمكن أن يقوم بها السوق الحر، ولابد من وجود دور للدولة في إدارة الاقتصاد.
 قد يصلح ما سبق للاعتذار عن خطأ واضعى البرنامج الرئاسي للإخوان في إغفالهم للجوانب الجماعية وقد لا يصلح، لكنه على أي حال لا يبرر تقاعسنا عن محاولة إصلاح هذه الخطأ، وهذا هو ما نخصص هذا البحث له.

* * * * *

الفكر الاقتصادي
الفكر الإسلامي في أي مجال هو إنتاج عقلي يقوم به المثقفون والعلماء، يستخدمون فيه أفضل مناهج البحث المتاحة لهم، ويلتزمون المبادئ والقيم والأحكام التي جاء بها الوحي، ويتفاعلون مع واقع الناس وأسلوب حياتهم في عصر معين .. المصالح التي عليهم السعي لتحقيقها، والأضرار التي ينبغي تجنبها، والإمكانات المتاحة لهم، والأخطار التي يتعرضون لها .. يساعدون الناس بهذا الفكر على التوجه إلى الأهداف، وأنسب الوسائل القادرة على تحقيقها، ولا تختلف الطريقة التي يتعامل بها المسلمون مع المشكلة الاقتصادية عن الطريقة التي يتعاملون بها مع سائر مشاكل المجتمع.

1-1  مرتكزات الفكر الاقتصادي في الإسلام

تشترك أغلب أدبيات الفكر الاقتصادي الاسلامي في التأكيد على عدد من الأسس التي ينبغي أن تلتزم بها الفعاليات الاقتصادية في المجتمع المسلم، وليس هنا مجال التفصيل في الطريقة التي اشتق بها هؤلاء المفكرون تلك الأسس من مصادر الشريعة ومقاصدها وأحكامها، ولكن مجرد شيوع هذه المبادئ عند الجميع تقريبا يعطينا قدرا عاليا من الاطمئنان إلى القبول العام بها بين الفصائل الاسلامية.
الطبيعة الخاصة للملكية:  إن المالك الحقيقي لكل ما في الوجود هو الله -سبحانه وتعالى-، وهو الذي يعطي الحقوق ويرسم الحدود ويضع القيود، وليس للإنسان أن يتصرف فيما تحت يده إلا في نطاق الحدود التي رسمها له المالك الحقيقي، الله سبحانه  وتعالى، فالمالك في الدنيا هو مجرد مستخلف من الله لإدارة ما يملك، ليحقق من خلال هذه الادارة مصالحه ومصالح المجتمع كله، فحقوق الملكية الخاصة في الإسلام ليست مطلقة.

وتضع الشريعة القيود التالية على الملكية:

أن يتم التملك بوسائل مشروعة، والوسائل المشروعة لا تكون إلا من خلال العمل أو الميراث أو الهبة الرضائية من شخص لآخر.
ألا يسيء المالك استخدام الأموال التي تحت يده، فكل أنواع إساءة الاستخدام منهي عنها، سواء كانت الاساءة للنفس أو للغير أو للمال نفسه، وبعضها توقع على مقترفه عقوبات مختلفة، كالغرامة أو الحجر والمنع من التصرف أو مصادرة المال أو بعضه والحرمان منه.
يجب على المالك استثمار أمواله، وليس له أن يكنزها ويحجبها عن العمل، ويجب ألا ينطوي الاستثمار على أي إضرار بمصالح المجتمع.
أن يؤدى للمجتمع حقه في هذا المال حسبما تقرره الشريعة، وفي المال حق سوى الزكاة، وهذا الحق يتقرر وفقا لمصالح الأمة وحاجاتها.
الملكية العامة: المرافق العامة والثروات الطبيعية مملوكة ملكية شائعة لكل المواطنين، ولا يتعارض هذا مع إعطاء بعض الأفراد الذين يقومون بتنمية هذه الثروات جزءا من عائدها، لكن تظل هذه الثروات مملوكة للشعب ولا تستغل إلا لخدمة مصالحة ومصالح أجياله المقبلة.
ويجوز للدولة نزع الملكية الخاصة للمصلحة العامة مع تعويض أصحابها تعويضا عادلا.
ويمكن للدولة، بل ينبغي عليها في بعض الحالات، أن تنشئ المشروعات الاقتصادية وتتولى إدارتها وتحتفظ بملكيتها، سواء بسبب طبيعتها الحساسة، كالصناعات الحربية مثلا، أو لأن الحاجة تقتضي وجودها بينما هي لا تحقق عائدا اقتصاديا يشجع القطاع الخاص على إنشائها، أو تنطوي على مخاطر عالية تؤدي إلى إحجام الأفراد عن الاستثمار فيها، أو لأي أي سبب آخر.
الحرية الاقتصادية المقيدة بالضوابط الشرعية: تحمي الشريعة الملكية الخاصة وتحرم العدوان عليها من الأفراد أو من الدولة، لكن التصرف في هذه الملكية مقيد بضوابطه الشرعية، فهناك بعض التصرفات التي حرمت بشكل قاطع، كإنتاج كل ما يضر بالإنسان أو المساعدة على إنتاجه أو ترويجه، كالخمر والمخدرات، كما تحرم الشريعة كل معاملة أو تصرف يؤدي إلى الإضرار بمصالح المجتمع ولو لم يرد نص خاص بتحريمه، وللدولة تقييد بعض التصرفات المباحة لتحقيق مصلحة أو درء مفسدة أو سدا لذريعتها.
وبالإضافة للقيود القانونية التي تنفذ بسلطان الدولة تشتمل المبادئ والقيم الاسلامية على ضوابط وتوجيهات للفعاليات الاقتصادية تعمل على غرسها في نفوس المؤمنين كي يلتزم بها المتعاملون طواعية دون تدخل السلطة، سواء من واقع الالتزام الذاتي الطامع في الجزاء الأخروي، أو تحت تأثير الضغط الذى يمارسه المجتمع عندما يفرض على أفراده تقاليد وأعراف وقواعد للسلوك تستجيب مع مقاصد الشريعة.
العدالة الاجتماعية: يؤكد الإسلام على العدل وينهى عن الظلم في كل جوانب الحياة، للدرجة التي أوصلت واحدا من كبار أساتذة العلوم السياسية، الدكتور حامد ربيع رحمه الله، للقول بأنه إذا كانت الحرية هي القيمة المحورية في الليبرالية، والمساواة هي القيمة المحورية في الاشتراكية، فإن العدل هو القيمة المحورية في الإسلام.
وإذا كانت العدالة الاجتماعية لم ترد باسمها في أقوال السلف فيمكننا أن نستشف قيمتها في الفكر الاسلامي من مثل عبارة أبو حامد الغزالي: "إن نظام الدين لا يحصل إلا بنظام الدنيا .. فنظام الدين، بالمعرفة والعبادة، لا يتوصل إليها إلا بصحة البدن وبقاء الحياة، وسلامة قدر الحاجات من الكسوة والمسكن والأقوات والأمن .. ويستطرد حجة الإسلام: "فلا ينتظم الدين إلا بتحقيق الأمن على هذه المهمات الضرورية، وإلا فمن كان جميع أوقاته مستغرقا بحراسة نفسه من سيوف الظلمة، وطلب قوته من وجوه الغلبة، متى يتفرغ للعلم والعمل، وهما وسيلتاه إلى سعادة الآخرة؟ .. فإذن فإن نظام الدنيا، أعني مقادير الحاجات، شرط لنظام الدين".
ويستنتج الدكتور محمد عمارة من هذا الكلام وغيره أن الرؤية الاسلامية جعلت إقامة مقومات الأمن الاجتماعي هي الأساس لإقامة الدين، فرتبت على صلاح الدنيا صلاح الدين وليس العكس .. أي أن الدولة الإسلامية عليها أن تضع تحقيق الكفاية من الحاجات المادية لكل مواطنيها في أولوية مهامها، ليس لأن الحاجات المادية أهم من الصلاح الديني؛ ولكن لأن توفرها شرط في توفره، بالضبط كما يتقدم الوضوء على الصلاة، ليس لأن الوضوء أهم، ولكن لأن الصلاة لا تصح بغير وضوء.

* *

 وينشعب أى فكر اقتصادى إلى شعبتين يخلط بينهما الكثير من المثقفين: العلم والمذهب.
العلم الاقتصادى: يهدف البحث العلمي في أي مجال إلى محاولة فهم الواقع وتفسيره كما هو دون أن على هذا التفسير أحكامنا القيمية، أي دون أن ندخل في فهمنا له مفاهيمنا عن الصواب والخطأ والعدل والظلم أو ما ينبغي أن يكون وما لا ينبغي أن يكون، فالهدف من البحث العلمي هو أن نعرف كيف تتصرف الظاهرة موضوع الدراسة وفقا للقوى التي تحكمها، أي أن نفهم الآليات التي تدخل بها المدخلات والعمليات التي تجري عليها كي تفرز لنا مخرجاتها، وذلك حتى يمكننا بناء نموذج نظري للظاهرة يساعدنا على التنبؤ بسلوكها في المستقبل والتحكم فيه، والتنبؤ هو محاولة استكشاف النتائج التي سيصير إليها الواقع إذا حدثت حوادث معينة أو قمنا بأفعال محددة، أما التحكم فهو عكسه تماما، أي أن نعرف ما الذي يجب أن نفعله أو لا نفعله إذا أردنا الوصول لنتائج معينة، لكن تحديد النتائج المرغوبة وغير المرغوبة ليس من مهمة العلم، فهذا دور المذهب.
المذهب الاقتصادى: فينبغى أن يبدأ المذهب من الخصوصية الثقافية للمجتمع من تصوراته عن الوجود وعن دور الانسان فيه وعلاقته بسائر البشر، وما يعده هذا المجتمع أهدافا مرغوبة أو أضرارا مكروهة، ويأخذ في اعتباره الحوافز التي تتناغم مع المنظومة القيمية والاخلاقية للمجتمع، فالمذهب هو الذي يصوغ بصورة علمية الأهداف التي يسعى المجتمع لتحقيقها والوسائل التي سيتبعها في ذلك والقوى التي ستدعم هذه الأهداف وتستفيد منها وتلك التي ستتضرر من منها وستعمل على عرقلتها .. إلخ .. على هذا الأساس لا تعد صياغة مذهب اقتصادي عملا علميا، فهو في الحقيقة منتج ثقافي حضاري خاضع للمعايير القيمية (عن العدل والظلم، الخير والشر، والخطأ والصواب .. إلخ) للثقافة التي أنتجته، ومع ذلك فلابد لصياغة مذهب فعال من تفكير رشيد واع يراعي الاعتبارات الموضوعية والإمكانات المتاحة والأخطار المحدقة، أي لابد أن يستند إلى تحليل علمي للواقع وإلا كان مجرد أمنيات حالمة تعجز عن قيادة التغيير.

* * * * *

1-2   نحو مذهب إسلامى فى الاقتصاد..
يتسع إطار مقاصد الشريعة وأحكامها ومبادئها لعديد من المذاهب الاقتصادية، فمصادر الشريعة لا تقدم لنا مذهبا اقتصاديا محددا يجب الالتزام به، لكنها تقدم، كما في العديد من جوانب الحياة العملية الأخرى، مقاصد عليا ومبادئ عامة وأهدافا وقيما، كما توجد أحكام لبعض التفاصيل، ثم تترك لعقولنا أن تحمل كل ذلك وتتفاعل به مع تحديات الواقع وإمكاناته، ولكن مصادر الشريعة تضع ولا شك إطارا يصعب أن يخرج أي مذهب عنه ثم يظل قابلا لأن يسمى إسلاميا.
وأصحاب المذاهب في كل المعتقدات يحاولون دعم مذاهبهم بأدلة عقلية لإثبات قدرتها على قيادة الحياة، لكن هذه الأدلة – مهما حاولوا – ستشتمل دائما على مسلمات ومعايير قيمية نابعة من منظومتهم الثقافية ولا يمكن البرهنة على صحتها من داخل العلم .. يتميز المسلمون بالطبع بقدرتهم على إقامة الأدلة العقلية على أن قيمهم المعيارية منزلة من لدن حكيم خبير، وأنهم يثقون لهذا السبب  في أن إتباعها سيؤدي إلى تحقيق الخير لكل الناس، لكن غير المؤمنين بالإسلام سيظلون يعتبرون أن البعد الإسلامي في المذهب هو من قبيل التحيزات الذاتية المستمدة من أمور قيمية غير موضوعية، وبدلا من الدخول معهم في جدل لا يمكن أن ينتهي إلا إذا قبلوا الإسلام ذاته منهجا لحياتهم، نكتفي بالقول بأن المذاهب الاقتصادية بصفة عامة وفي كل الحضارات هي منتجات ثقافية تشتق من المسلمات الثقافية للحضارة المعنية، وليس من مهمة أصحاب هذه المذاهب مناقشة صحة هذه المسلمات أو خطأها، فهي بالتعريف مسلمات مقبولة يلتزم بها الناس تلقائيا ويرونها صحيحة، لذلك يتعامل معها المفكرون باعتبارها جزءا من قواعد السلوك تحكم التصرفات والمعاملات لأنها راسخة في عقول ووجدان الشعب .. إن المهم فقط للاعتراف بالمذهب هو إثبات أنه - مع تناغمه مع نسق القيم الثقافية والأخلاقية للمجتمع – قادر على تحقيق نتائج إيجابية تساعد على النهوض والتقدم، ويترك أمر المفاضلة و الاختيار بين المذاهب المحققة لهذه الشروط إلى مدى ما يحظى به كل منها من قبول عام لدى النخب ولدى الجماهير.
سنعرض فيما يلي أهم المبادئ التي أمكن لنا استخلاصها من مقاصد الشريعة ونحسب أنه ينبغي لأي مذهب إسلامي معاصر في الاقتصاد أن يكون محققا لها§، وقد يخالفنا البعض فيطرح منها أو يضيف إليها أو يفهمها بطريقة مختلفة، ولا بأس فى ذلك، فما زلنا فى المراحل الأولى للاتفاق على صياغة موحدة لمذهبنا الاقتصادى.
الملكية الخاصة وظيفة اجتماعية:§§ إن معنى أن الإنسان مستخلف فيما تحت يده من ممتلكات يديرها وينميها مع التقيد بالحدود والضوابط التي وضعها المالك الحقيقي، الله سبحانه وتعالى، هو أن الهدف من حماية حقوق الملكية الخاصة ليس هو أن يستمتع المرء بما تحت يده، فيبدو لنا أن هذا الاستمتاع قد شرع ليكون حافزا على بذل الجهد في التنمية ومكافأة عليه، لكن تقرير حقوق للملكية هدفه هو اعطاء المالك أوسع مدى من حرية التصرف لبذل الجهد وتحمل المخاطر على أمل الربح، وهو مقيد بألا يعمل فيما حرمه الله، وليس من حقه أن يمنع ماله عن العمل، فهو ملتزم باستخدامه وتنميته لسد حاجات المجتمع.
وترفض المبادئ والقيم الاسلامية أن يكون هدف منشآت الأعمال هو مجرد تعظيم الربح، فهذه المنشآت يحميها القانون والدولة لأنها تسد احتياجات المجتمع، وإذا لم تضع هذه المنشآت ذلك الهدف نصب أعينها، طوعا أو تحت ضغط الرأي العام، فيجب على الحكومة أن تساعد على ذلك من خلال التخطيط التأشيري، وخلق الحوافز التي تشجع الاتجاهات المرغوبة وتثبط الاتجاهات غير المرغوبة، وإذا لم يكف كل هذا فلتقم الدولة من خلال القطاع العام بسد العجز.
 القطاع العام جزء أصيل من الاقتصاد:  يعترف الفكر الاقتصادي الاسلامي للدولة بدور مهم في ملكية المشروعات الاقتصادية وإدارتها لتحقيق أهداف المجتمع وتدبير احتياجاته، وهو لا يعتبرها ظاهرة مؤقتة تخضع لأحكام الضرورة وتزول بزوالها، فهناك أهداف مهمة لا يمكن تحقيقها إلا من مشروعات عامة تقوم الدولة (الأمة) بتمويلها وإدارتها وتحمل مخاطرها.
ولا ينبغي أن نلقي بالا للاعتراضات التي يثيرها دعاة الليبرالية الجديدة ضد ملكية الدولة للمشروعات الانتاجية، فالفكرة المحورية في هذه الاعتراضات تدور حول أن الملكية الخاصة تعطي للمنتجين حرية أكبر في التصرف واتخاذ القرارات، وتحول دون الفساد الناتج عن تلاعب الموظفين لتحقيق مصالحهم الخاصة على حساب مصالح الشركة التي يديرونها .. هذه الحجج يرد عليها بقوة بيتر دراكر – واحد من أهم منظري الإدارة الأمريكية الحديثة – عندما يلاحظ أن هذه المرونة الفائقة والحرص البالغ على المال لا تتوافر في المديرين بالضرورة إلا في المشروعات العائلية الصغيرة التي يديرها ويسيطر عليها أصحابها، أما الشركات الكبيرة والعملاقة، خاصة العابرة منها للدول، فتنفصل فيها الملكية تماما عن الإدارة، ويديرها موظفون محترفون من غير ملاكها، ويقوم حملة الأسهم بتوجيه الإدارة ورقابتها من خلال آليات معروفة وفعالة يمكن للدولة والمؤسسات النيابية استخدامها بذات الكفاءة.
وتزداد أهمية القطاع العام في المراحل الأولى لبناء نظام إسلامي بالنظر إلى أن الدول الاسلامية كلها تبدأ من حالة تخلف اقتصادي ولا يمكنها أن تعتمد في التنمية على المبادرات الفردية وحدها، فأعباء قيادة مرحلة الإقلاع، وتحمل مخاطرها لا يطيقها القطاع الخاص إلا بدعم من الدولة بإمكانياتها ومواردها (وتجارب الدول الآسيوية الناهضة تؤكد ذلك، فكلها بدون استثناء قدمت فيها الدولة دعما هائلا ومتنوعا للتنمية).
المنتجون، لا الممولون، هم الذين يقودون الاقتصاد: تضع الأحكام والمبادئ الاقتصادية في الإسلام زمام توجيه الفاعليات الاقتصادية في يد قادة الأعمال ومديري الانتاج، وتعمل على تقليص سلطة أصحاب رؤوس الأموال على الاقتصاد ما لم يقوموا على إدارة أعمالهم بأنفسهم، فتحريم الربا يجعل صاحب المال مضطرا للعمل بنفسه أو بتقديم ماله لمن يعمل فيه وإلا انتهى المال بالاستهلاك وأكلته الزكاة التي تعمل على إفناء المال المحجوب عن الاستثمار، ومنع الاحتكار في جوهره هو منع التاجر من تحقيق الربح إلا مقابل قيمة مضافة للسلعة نتيجة عمله في التوزيع، وتشريع الميراث يعمل على تفتت الثروة بحيث لا يتم التراكم الرأسمالي بعيدا عن العمل. (سنتناول هذه النقاط بتفصيل أكبر في مبحث النظام الاقتصادي).
التنمية الاقتصادية فريضة شرعية:  عديدة هي النصوص التي تؤكد هذا المعنى .. "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة" البقرة: 30 .. "هو أنشأكم من الأرض استعمركم فيها .." هود:61 " إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإذا استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها" رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد .. فقد خلق الإنسان في الأصل ليكون خليفة في الأرض يقوم بإعمارها، فالعمل المنتج هو جزء من مهمة الإنسان على الأرض ويدخل في عموم قوله تعالى: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" الذاريات:56، ويتأكد وجوب العمل على تنمية اقتصادنا في المجتمعات المعاصرة بالذات، حيث صارت القوة الاقتصادية هي الركيزة الأساسية لاستقلال الإرادة، مما أدخلها في عموم قوله تعالى "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة .." الأنفال:60.
استقلال الأمة الاقتصادي واجب على الحكومة وعلى الأفراد:  من الأحكام الشرعية المستقرة أن كل فن أو صناعة يحتاج إليها المسلمون، فإن تعلمها وإتقانها وتوفيرها هو فرض على الكفاية، بمعنى ضرورة أن يوجد في الأمة القدر الكافي من القائمين بها، وإلا أثمت الأمة كلها، ويتعين هذا الفرض على القادرين عليه (أي يصبح في حقهم فرضا عينيا ككل الفروض الشخصية من صلاة وصيام .. إلخ)، ويجب على الحكومة توفير كل المطلوب لذلك، بداية من تشجيع وتمويل البحث العلمي حتى توفير الحماية التي تحتاجها الصناعات الناشئة حتى تستوي على سوقها، ومنع كل تدخل أجنبي يحاول السيطرة على أسواقنا.
الندرة لا تكون إلا نسبية، وهي نتيجة سوء التصرف أو سوء التوزيع:  بينما تقوم نظريات الاقتصاد الوضعي – الحر والماركسي - على أن الموارد المادية المتاحة للبشر لا تكفي لإشباع كل احتياجاتهم، نجد من العقائد المستقرة في الإسلام أن الله لم يخلق نفسا إلا وخلق لها رزقها "وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها" هود:6  .. "بارك فيها وقدر فيها أقواتها" فصلت:10، فإذا لم يحصل بعض الناس على ما يكفيهم فليس هذا لأن الموارد غير كافية لسد احتياجات كل الناس، ولكن السبب هو إما أنهم لا يحسنون استغلال مواردهم، أو لأنهم يتظالمون فيما بينهم ويحرم بعضهم بعضا.
من حق كل مواطن أن يحصل على كفايته:  ما دام الخالق سبحانه وتعالى قد خلق من الرزق ما يكفي كل عباده فإن لكل مواطن الحق في الحصول على ما يكفيه من الحاجات المادية بما يناسب حاله من غير تقتير ولا إسراف .. القادر على العمل يجب أن يجد عملا منتجا يوفر له احتياجاته، وغير القادر هو في كفالة المجتمع كله، ويعمل المجتمع من خلال آلياته المدنية على توفير حاجات المحتاجين، وتتدخل الدولة لتنظيم هذه العملية وزيادة فاعلياتها، ولجبر كل نقص تعجز عنه الموارد الذاتية للمجتمعات المحلية .. وحد الكفاية هو المستوى الذي يحفظ على الانسان كرامته، من المأكل والمشرب والملبس والمسكن، وأن يتزوج، وأن يتعلم ما وسعه التعلم، وأن يعالج إذا مرض. (حد الكفاية هو الذي يضمن لكل فرد مستوى كريم من المعيشة في حدود قدرة المجتمع وظروفه، أما حد الكفاف فلا يضمن إلا متطلبات البقاء عل قيد الحياة).
يقوم المجتمع على التكافل بين أفراده: يعمل المجتمع المسلم على توفير حياة كريمة لكل فرد من أفراده، وقد تأسست حضارتنا على أن يقوم الأغنياء برعاية الفقراء طوعا، رعاية مباشرة من خلال الزكاة والصدقات وكفالة الأيتام والنفقة على الأقارب وغيرها مما نجده في أبواب الفقه وكتب الأخلاق، أو غير مباشرة من خلال العمل على توفير الرعاية الاجتماعية والخدمات العامة مجانا (مستشفيات ومدارس ودور أيتام وأماكن لإيواء الغرباء وتقديم الطعام للمحتاجين .. إلخ) استنادا إلى نظام الوقف العبقري الذي أبدعت حضارتنا في تنظيمه، ولا تقف روح التكافل عند رعاية المحتاجين، بل تسري في كل علاقات المجتمع، فالتجار – مثلا – يتمتعون بتأمين ضد الإفلاس من خلال حقهم في الحصول على سهم الغارمين من مصارف الزكاة .. وفي ظل تعقد آليات توفير هذه الخدمات في المجتمعات المعاصرة فربما قامت الحكومة بالتدخل لتنظيم الجهود الطوعية، فإذا قصر القادرون أو لم تكف مساهماتهم، فعلى الدولة فرض ضرائب إضافية لتمويل المؤسسات التي تنشئها لسد هذا النقص.
الأخلاق تعلو على الاقتصاد:  ترسيخ القيم الأخلاقية هدف رئيسي لكل الأديان، لكن حتى لو تناولنا الموضوع من زاوية قيمته الاقتصادية البحتة فسنقبل هذا الترتيب، فمجتمع يتمتع أفراده بالانضباط الأخلاقي سيتمكن من توفير حاجاته المادية مع الزمن، أما التضحية بالأخلاق في سبيل التقدم المادي فسيؤدي في النهاية إلى تدمير ما بنيناه .. فالالتزام الأخلاقى يقلل تكلفة الرقابة داخل منشآت الأعمال وفى الجهاز الحكومى، كما يؤدى للحفاظ على الموارد وعدم الإسراف في استهلاكها، كما تزداد النزعة للادخار عندما تقل النزعة للترف والتفاخر، وسيرّشد الاستثمار بتوجيهه لتغطية الحاجات الأكثر إلحاحا، في حين سيعمل التسيب الأخلاقي عكس الاتجاه فى كل ما سبق، وسيصبح الفساد المالى والإدارى أمرا مقبولا سائغا، وينتهى بتدمير الاقتصاد. §§
* * * * *

إن رص هذه المبادئ بجوار بعضها وشرح كل واحد منها بفقرة أو فقرتين لا يعني أننا نقدم مذهبا في الاقتصاد، إن ما قمنا به هو عرض لبعض توجيهات الشريعة التي يجب أن نلتزم بها أي نظام إسلامي، وقد يرى بعض المفكرين أن هناك مقاصد ومبادئ أخرى لها صلة بالموضوع وينبغي إضافتها للقائمة، لكن حتى لو قبلت قائمتنا كما هي فستبقى مهمتين على الأقل يجب القيام بهما حتى نصل إلى مذهب اقتصادي متكامل يمكن عرضه ومناقشته.
علينا أولا أن نعمل على تنزيل هذه المبادئ والمقاصد على واقعنا المعاصر، وهذه العملية سيتدخل فيها فهمنا لطبيعة هذا الواقع وتحدياته وإمكانياته، وغالبا ما ستتعدد الأنظار في تحديد أفضل السبل التي يمكن انتهاجها .. ثم علينا ثانيا أن نعالج بعض المسائل المتخصصة التي تتعلق بالعمليات الاقتصادية والاجتماعية والتي لا تتناولها هذه المبادئ ولا يمكن أن يغفلها المذهب الاقتصادي، وهذا باب آخر لتعدد الأفكار .. وفي النهاية سنجد أنفسنا أمام عدد من المقترحات يدور حولها النقاش لفترة من الزمن قبل أن تنتهي النخبة إلى قبول واحد منها (مع تنقيحه غالبا ببعض ما في المقترحات الأخرى) لتبدأ في ترويجه وإقناع جماهيرها به ليكون هو المذهب الذى يحكم حياتنا الاقتصادية ونبني نهضتنا به.
ومع ذلك فإن القاسم المشترك بين كل المذاهب الاسلامية في الاقتصاد – أيا ما كان الذى سنتبناه منها – هو أنها لابد أن تعمل على تحقيق مقاصد الشريعة، ومن فهمنا لهذه المقاصد يمكننا استقراء الاتجاه العام الذى سيعمل أى مذهب نختاره على السير فيه.
نحن نريد اقتصادا يحترم الملكية الخاصة ويعتمد على المبادرات الفردية ويعترف بآليات السوق كأفضل وسيلة لتخصيص الموارد على العمليات الانتاجية ولتحديد السعر العادل، لكننا لا ننطلق في هذا من الإيمان بالفكرة الليبرالية التي تظن أنه من خلال سعي كل فرد لتحقيق مصالحة الخاصة ستتحقق بشكل تلقائي مصالح الجميع، فنحن برغم ثقتنا في أن آليات السوق تحقق أفضل تخصيص للموارد وتطلق طاقات الأفراد للإبداع في كل المجالات، فإن السوق وحده لن يتمكن من توزيع عائد التنمية توزيعا عادلا على كل المواطنين الذين نعتقد أن الله قد أعطى لكل واحد منهم الحق في الحصول على كفايته من الحاجات المادية.
إن العدالة هي إعطاء كل ذي حق حقه، وباختلاف فهمك للحق يختلف تفسيرك لمعنى العدالة[4]، ولذلك ينظر الإسلاميون للعدالة الاجتماعية نظرة مختلفة، فالحصول على الكفاية من الحاجات المادية هو عندنا حق أعطاه الله سبحانه وتعالى المالك الحقيقي للثروة لكل المواطنين، وكلف أصحاب الثروات بالقيام بهذه الحقوق، وتاريخنا يقول أن الأغنياء تحملوا فعلا مسئولياتهم في المراحل التي كانت فيها السلطة ترعى هذه الحقوق، فمذهبنا يتوقع أن تنشأ منظمات مستقلة تعتمد على تمويل خاص من الزكاة وغيرها للقيام بواجبات التعليم والرعاية الصحية والاجتماعية، وستقوم الحكومة بدورها في تنظيم هذه العملية واستكمال كل نقص فيها، لكن تحقيق العدالة الحقة سيذهب بنا لأبعد من ذلك.
فالعدالة فى توزيع الإنتاج على الأفراد؛ لتحقيق الكفاية لكل منهم تبدأ من تخطيط الإنتاج، فإذا ركز المستثمرون العقاريون على إنتاج المنتجعات والوحدات الفاخرة، فلن تكون هناك وحدات صغيرة، كى نسعى لتمكين محدودى الدخل من الحصول عليها، وإذا كانت صناعة السيارات تسعى لإنتاج السيارات الخاصة على حساب الحافلات (الأوتوبيسات) فلن نجد طريقة لحل مشكلة المواصلات لغالبية المواطنين .. وهكذا .. فالدولة وأجهزتها عليها أن تتعرف على المنتجات التي يحتاجها أغلبية الناس، وأن توجه المنتجين لإنتاجها من خلال الحوافز السلبية والإيجابية، فإذا لم يكف هذا فلتعمل بنفسها على إنتاج هذه السلع، ولا تترك موارد الأمة تحت رحمة آليات السوق لتوجهها نحو السلع الأكثر ربحية، والتي هي في الغالب الأعم سلع الأغنياء غير الضرورية.
إن الاتجاه الجماعي هو اتجاه أصيل في تعاليم الإسلام، فحقوق المجتمع هي حقوق لله على الأفراد، والتقصير فيها هو تقصير في جنب الله، وترتب على ذلك أن حدد علماء المسلمين، في ضوء احتياجات عصرهم وظروفه، بعض المهام التي يجب على المجتمع القيام بها بشكل جماعي، وهي التي اعتبروها فروض على الكفاية، أي إذا قام بها من يكفون لإنجازها فقد تحقق المطلوب، وإذا لم تنجز فإن المجتمع كله يأثم حتى يتم إنجازها، ومع تغير ظروف عصرنا ينبغي مراجعة هذه الفروض الكفائية وإضافة ما قد يحتاجه مجتمعنا الآن إليها، وأن نبحث عن الوسائل التي يضمن بها المجتمع إنجاز هذه الواجبات دون تركها لأريحية القادرين وفهم لها وتقديرهم للأولويات والضرورات.
مذهبنا لن يعتمد على الدولة كفاعل أساسي ولا على التخطيط المركزي الشامل كأداة لتخصيص الموارد وتحديد الأسعار كما تفعل النظم الاشتراكية، وهو في نفس الوقت لن يكتفي بآليات السوق التلقائية وبالجهود الطوعية العفوية في توفير الكفاية لكل المواطنين، لكنه سيتجه إلى محاولة إشراك كل الناس في عملية التنمية ليكون لكل منهم دوره وعائده، سواء من خلال التعليم العام الفعال، أو مؤسسات دعم الصناعات الصغيرة أو تنظيم التعاون الإنتاجي (التعاون الحقيقي) أو بكل الطرق التي سيحفزنا مذهبنا المدفوع بالمشاعر والقيم الإسلامية إلى ابتكارها وتطويرها لتوصيل الحقوق إلى أصحابها، وفي النهاية ستعتبر الدولة نفسها مسئولة عن ضمان حد الكفاية لكل مواطنيها، فتتدخل بنفسها فيما تعجز عنه آليات السوق وجهود المجتمع التلقائية ومؤسساته الطوعية.

* * * * *

1-3هل نحتاج إلى نظرية إسلامية في الاقتصاد

يقول كارل بوبر – واحد من أهم فلاسفة العلم في القرن العشرين – إن العلماء لا يبدأون في البحث عن نظرية جديدة إلا عندما يتكرر فشل الحلول المستنبطة من الإطار النظري القائم، إذ عندها يبدو واضحا لهم عجز النظرية الحالية عن تفسير هذا الفشل، مما يظهر جوانب القصور فيها، فيبدأ البحث عن نظرية يمكنها تفسير الواقع والتنبؤ بمجريات الأمور فيه بشكل أفضل، يحدث هذا في جميع فروع العلم الطبيعي والاجتماعي، وتجربتنا الإسلامية لم تبدأ بعد، وهذا يعطي للقارئ الحق في التساؤل: لماذا نبدأ مبكرا بافتراض أن علم الاقتصاد التقليدي لن يتمكن من مساعدتنا في مهمة بناء نظامنا الخاص؟ .. يزعم بعض الباحثين أن رغبتنا في تأسيس علم اقتصاد إسلامي ليس لها دافع موضوعي، وهي نتيجة تحيزاتنا الذاتية غير الموضوعية للإسلام، ورغبتنا في صبغ كل شيء بصبغته، فهل هذا صحيح؟
لقد وجهت انتقادات عديدة للنظرية التقليدية، واتهمت بالانحياز للنظام الرأسمالي واقتصاديات السوق الحرة، وهي من ثم ليست تفسيرا موضوعيا للواقع يمكن الاعتماد عليه في الفهم والتنبؤ بقدر ما هي تبرير لنظام قائم ومحاولة لترشيد أدائه، وقد جاءت أغلب هذه الانتقادات من مفكرين يساريين، ولكن منها ما قدمه علماء اقتصاد ليبراليون محترمون يريدون تنقية هذا العلم من تحيزاته، وطبقا لهذه الطريقة في فهم مشكلة النظرية الاقتصادية التقليدية يكون المطلوب هو قدر أكبر من البحث الموضوعي المتعمق لتنقية النظرية من تحيزاتها، أو حتى للوصول إلى نظرية جديدة تفهم وتفسر الواقع على حقيقته فيمكن لكل الناس الثقة فيها واستخدامها لبناء نظمهم، فلماذا يجري الحديث عن نظرية إسلامية وليس عن نظرية أكثر صدقا وموضوعية؟§§
الفكرة الأساسية خلف الدعوة لأسلمة العلوم الاجتماعية، هي أنه لا يوجد علم اجتماعي محايد، فالإنتاج العلمي لا يمكن فصله عن تحيزات الباحث الثقافية عن الوجود والحياة والإنسان (راجع في هذا الصدد الإضافات القيمة للمعهد العالمي للفكر الإسلامي ومطبوعاته)، وعلم الاقتصاد التقليدي يزخر بفرضيات عن دوافع البشر في الاستهلاك والانتاج والاستثمار تختلف إلى حد بعيد عن تلك الدوافع التي حكمت الناس الذين عاشوا في ظل حضارتنا إبان ازدهارها، وسنقتصر هنا على بعض الأمثلة الواضحة التي تعزز وجهة نظرنا.
تقوم النظرية الليبرالية التقليدية (النيوكلاسيكية) على أن كل أطراف العمليات الاقتصادية لا تحركهم إلا الرغبة في تحقيق أقصى منفعة مادية، فقرارات الإنتاج لا تهدف إلا لتحقيق أقصى ربح، والعامل لا يعمل إلا للحصول على دخل لإشباع احتياجاته المادية، والمستهلك لا يقرر التضحية بالاستهلاك العاجل إلا إذا كان الادخار سيمكنه من استهلاك كميات أكبر في المستقبل .. وهكذا، وتفترض النظرية أنهم يتخذون قراراتهم بناء على موازنات عقلانية رشيدة، وبغض النظر عن الانتقادات التي توجه إلى النظرية على أساس أن القرارات لا تتسم دائما بالعقلانية والرشادة، فإننا نلاحظ أن المسلمين (وكل أصحاب العقائد الأخرى) يضيفون اعتبارات غير مادية إلى العوامل التي يبنون عليها قراراتهم الاقتصادية، فالمسلم يعمل متطوعا لخدمة أمته ودينه، وينفق قدرا لا بأس به من ماله في مجالات بعيدة عن منفعته الشخصية، لا يدفعه في ذلك، وفي غيره، إلا ابتغاء وجه الله .. لا مجال في النظرية التقليدية في الاقتصاد لهذه الاعتبارات.
وبالإضافة لذلك فهذه النظرية لا تدخل في اعتبارها إلا الأنشطة التي تتم في السوق، لا تعرف إلا الإنتاج الذي يتم بهدف البيع، والعمل الذي يتم مقابل أجر، والاستهلاك الذي يتم بعد دفع اليمن، فكل الأنشطة التطوعية لا تراها حسابات النظرية النيوكلاسيكية ولا تأخذ نتائجها في الاعتبار، كما أن كل الإنتاج غير التجاري الذي يقوم به الناس في المدن أو القرى بهدف الاستهلاك المباشر (عمل المرأة في منزلها أو تربية الدواجن والأغنام أو تخصيص جزء من الأرض لزراعة احتياجات الفلاح أو بناء الفرد لمنزلة أو مشاركته في بناء منزل جاره .. إلخ) لا تدخل في حسابات الناتج القومي، وزيادتها لا يتم رصدها كزيادة في معدلات التنمية .. في بيئتنا بالذات يمثل هذا الإنتاج جزء لا يستهان به، وإذا فكرنا في دعمه وتنظيمه فلن نجد أي معونة من اليوكلاسيكية.
صحيح أنه من الوجهة النظرية المجردة يمكن محاولة بناء نموذج اقتصادي يحتوي على دوافع غير مادية لدى الناس، ويدخل في اعتباره الانتاج الذي يتم خارج السوق، لكنه سيكون نموذجا في غاية التعقيد إذا أراد أن يدخل في اعتباره كل الأنماط الشخصية التي تختلف دوافعها باختلاف الثقافات والمعتقدات والبيئات§§§، ومن المشكوك فيه أن نموذجا من هذا القبيل - إذا أمكن صياغته - سيكون قادرا على تقديم تنبوءات واضحة ودقيقة ومتماسكة، الأمر الذي يغرينا باختصار المسافات والاقتصار على الدوافع التي تحرك الشخصية الاسلامية في بيئتنا المعاصرة دون غيرها لتبسيط النموذج، وإذا وصلنا إليه فسيكون بإذن الله قادرا على تفسير تصرفات ناس تحركهم دوافع مستمدة من قيم وتراث الإسلام، لكنه لن يكون صالحا لغيرهم، لكن تطويره سيكون بالتأكيد أسهل من تطوير نموذج عام يصلح للتطبيق على كل البشر، هذا إذا كان من الممكن تطوير هذا النموذج العام من الأصل.

لكن دعك من مشكلة الدوافع الانسانية والتي تتطلب تعديل نموذج الاقتصاد الجزئي "micro economics"، الذي يتعامل مع المنتج الواحد والمستهلك الواحد، فالمشكلة على مستوى الاقتصاد الكلي "macro economics" أعقد بكثير، فنموذج الاقتصاد الكلي التقليدي يكاد يتمحور تماما حول سعر الفائدة، فيرتبط الادخار بعلاقة طردية مع سعر الفائدة، فيزداد إقبال الناس على التضحية بالاستهلاك العاجل كلما زادت الفائدة على مدخراتهم، وبالعكس، يقل الاستثمار كلما زادت الفائدة، لأن ارتفاع تكلفة التمويل ستعمل على إحجام منشآت الأعمال عن التوسع في أعمالها، ويتحقق توازن سوق رأس المال عند سعر الفائدة الذي يجعل الرغبة في الادخار تعطينا مدخرات مساوية للطلب على تمويل الاستثمارات، وعندما يعاني الاقتصاد من التضخم تعمل الحكومات على رفع سعر الفائدة لزيادة المدخرات وسحب السيولة  لتقليل الطلب وبالتالي تنخفض معدلات الزيادة في الأسعار ويتم السيطرة على التضخم، وبالعكس، في حالة الانكماش على الحكومة أن تخفض سعر الفائدة ليزداد إقبال الناس على الاستهلاك بدلا من الادخار، وبزيادة الطلب على المنتجات تقبل منشآت الأعمال على التوسع في أعمالها يشجعها انخفاض تكلفة التمويل، فيزداد الانتاج والتوظيف، وعندما يتعرض سعر العملة الوطنية للخطر يقوم البنك المركزي بعرض سندات بسعر فائدة مرتفع ليزداد الطلب على العملة الوطنية ويتحسن مركزها في أسواق النقد .. ولا تكاد تخلو معادلة من معادلات النموذج الكلي من سعر الفائدة، أو من وجود متغير تتأثر قيمته بسعر الفائدة.
فإذا أردنا أن نبني اقتصادا إسلاميا يخلو من المعاملات الربوية§§§ فإن النظرية التقليدية لن تقدم لنا أية أدوات لإدارة ماليتنا العامة، فالاقتصاد غير الربوي يختلف عن الحالة التي يكون فيها سعر الفائدة مساويا للصفر، إنه اقتصاد يحصل فيه المدخرون على عائد لمدخراتهم، ويتحمل فيه أصحاب الأعمال بتكلفة مقابل حصولهم على هذه المدخرات، لكن لن يوجد لدينا سعرا معلنا موحدا لعائد الادخار وتكلفة التمويل كمؤشر يستخدمه أطراف العمليات الاقتصادية عند اتخاذ قراراتهم .. فماذا سنفعل؟ .. لا مفر من تطوير نموذج تفسيري للاقتصاد الكلي يقوم على علاقات غير ربوية في الاستثمار والادخار.
قد يرى البعض أن تطوير نظرية إسلامية في الاقتصاد أمر جيد لكنه ليس من المهام الملحة، فالمعاملات الاقتصادية تتم عادة حسب قرارات أطرافها، والحكومات تتخذ قراراتها عندما تطرأ مشكلة دون أن يعيقها عدم وجود نظرية، والمنظرون يصيغون نظرياتهم على مهل في سياق البحث العلمي، وعندما تظهر النظريات ويعترف بها المجتمع العلمي يبدأ الناس والحكومات في الاستفادة منها في ترشيد قراراتهم، لكنهم لا ينتظرونها ليبدأوا العمل .. هذه وجهة نظر صحيحة في الأحوال العادية، لكننا نواجه موقفا شديد الخصوصية.
تتطور المجتمعات بشكل عضوي وتحدث فيها التغيرات بالتدريج، ويقوم أبناؤها، حكاما ومحكومين، باتخاذ قراراتهم من داخل إطارهم الثقافي والقيمي لتغدو جزءا من النسيج الفكري العام، ويتطور النظام والممارسة ببطء وفي اتجاهات لا تتصادم مع باقي عناصر منظومة المجتمع القيمية، ومع تطور الواقع يتطور الفكر النظري بالتناغم، وتغدو التفسيرات النظرية كأنها جزء من "الحكمة التقليدية" التي يفهمها الجميع ويقبلونها ويتعاملون على أساسها دون مشاكل، لكننا نواجه الآن ظرفا غير عادي، فقد تطور نظامنا الاقتصادي خلال ما يزيد على قرن من الزمان بمعزل عن حكمتنا التقليدية، وهو يعتمد على أفكار ومبادئ غريبة، ليس فقط بعيدة عن ثقافاتنا ومتصادمة مع معتقداتنا (التي هي إسلامية في الجوهر) ولكن الأهم: أنها بعيدة عن احتياجاتنا الحقيقية، وعن إمكانياتنا التي نتميز بها، ولا يتسع المقام؛ لتوضيح أسانيد وجهة النظر التى تقول إن هذا الابتعاد يتحمل قدرا كبيرا من المسئولية عن أوضاعنا المتخلفة، لكنها وجهة نظر نراها صحيحة وتمتلك من الشواهد العملية والبراهين النظرية والأدلة التاريخية ما يجعلنا نقبلها بغير تحفظ .. إنها ليست مجرد شعارا عاطفيا تلك الجملة البليغة: "إن هذه الأمة لن يصلح آخرها إلا بما صلح به أولها" .. نحن في حاجة إلى تغيير جذري في نظامنا (وجذري لا تعني سريعا)، لأنه ببساطة لا يحترم ثقافة مجتمعنا ومشاكله، كما أنه لا يحقق أهداف هذا المجتمع (ربما لا حظت أنه منبت الصلة عن القواعد والمقاصد التي نعتقد أنها تشكل ثقافتنا، وينبغي من ثم أن تنعكس في أي فكر اقتصادي لمجتمعنا)، ولذلك لا يتجاوب معه الناس ولا يعملون بكفاءة في إطاره، وتبدو الفاعليات الاقتصادية في حالة من الفوضى والارتباك التي يصعب أن تفضي معها إلى تنمية حقيقية تعتمد على مواردنا الذاتية وخصائصنا البشرية، وتعديل هذا الوضع سيكون من الصعوبة بمكان أن يتم بمعزل عن تأصيل نظري يقود بناء النظام الجديد.

* * * * *

النظام الاقتصادى

كما لم تفرض علينا الشريعة نظاما سياسيا مفصلا لم تفرض نظاما اقتصاديا مفصلا، لكن الوضع في الاقتصاد مختلف، فبالإضافة إلى الأهداف والمبادئ والقيم وقواعد السلوك فقد فرضت علينا الشريعة أحكاما لابد من الالتزام بها في طبيعة الملكية وأساليب نقلها وفي المعاملات والأموال والمواريث .. إلخ، وهذه الأحكام لابد أن تعكس نفسها على النظام الاقتصادي، صحيح أنها لا تشكل بنفسها نظاما متكاملا محددا، وتترك لنا الكثير من التفاصيل التي يمكن أن تختلف فيها العقول والبيئات والعصور، لكنها تضع ضوابط ومحددات لا يمكن لنظام اقتصادي أن يخرج عنها ثم يظل صالحا لأن يعد إسلاميا .. والأمر يحتاج إلى تفصيل.
تسن السلطات في أية دولة قوانين وتضع لوائح لتنظيم المعاملات الاقتصادية، كما تنشئ مؤسسات لمراقبة وتوجيه الجوانب العامة في تلك العمليات (البنك المركزي، البورصة، هيئة الاستثمار، مصلحة الضرائب .. إلخ)، وهي في كل هذا تستلهم مذهبها الاقتصادي وتعمل على تحقيق أهدافه، وتسترشد بالنظرية العلمية لتعرف الآثار التي قد تترتب على قراراتها والطرق التي يمكنها بها التدخل لتحقيق ما يمليه عليها مذهبها، والحكومات الرشيدة لابد أن تحترم في كل قراراتها نسق القيم السائد في مجتمعاتها لتضمن قبول الجمهور للقرارات وتعاونه في تنفيذها، وعندما تحترم الحكومة في بلد مسلم شريعة الإسلام ومبادئه وأحكامه ومعاييره فإنها لا تفعل إلا ما تفعله أي حكومة رشيدة في أي نظام محترم.
لكن تشكيل النظام الاقتصادي تتدخل فيه عوامل أخرى تؤثر عليها السلطة لكنها لا تصنعها، فالأفراد سينشئون مؤسساتهم الاقتصادية في حدود ما يسمح به القانون، لكنهم سيختارون منه الأشكال التي تناسب أغراضهم، وسيسعون في عملهم لتحقيق مصالحهم والاستجابة للضغوط التي يمارسها عليهم مجتمعهم، والمواطنون سيتصرفون بإرادتهم المستقلة في استغلال مواردهم والاستفادة من أوقاتهم بطريقة تحترم أحكام دينهم وتتسق مع قيمهم المعيارية ومبادئهم الأخلاقية .. وفي النهاية فإن علاقات الإنتاج والتوزيع والتبادل والاستهلاك والادخار والاستثمار ستتبلور؛ نتيجة تفاعل ما تقوم به الحكومة مع ما يقوم به المنتجون والمستهلكون، ومن الطبيعي أن الإطار التشريعي والممارسات البيروقراطية للدولة لها تأثير كبير، لكن مدى قبول المواطنين لتوجهات الحكومة واقتناعهم بجدواها وأفضليات المتعاملين في السوق وإدراكهم لمصالحهم والوسائل التي يختارونها لتحقيق هذه المصالح هي التي ستحدد في النهاية طبيعة هذا النظام ومدى حيويته.
فالنشاط الاقتصادي الذي يقوم به الناس في مجتمع مسلم يعتمد في الانتاج والتوزيع على آليات السوق، وكل القيود التي تفرضها الشريعة على المعاملات الفردية هي في الواقع ضوابط لتنظيم السوق وجعله أكثر عدلا وكفاءة، فمنع الغش والتدليس والاحتكار، وفرض احترام العقود وشفافية المعلومات .. إلخ، هي كلها مما يوصي به الاقتصاديون التقليديون لتعزيز كفاءة السوق.
وعندما تتدخل الدولة الاسلامية لتعزيز وتنظيم التضامن الاجتماعي والعلاقات التكافلية، أو للقيام بما تعجز عنه الجهود الطوعية في هذا المجال، فإنها لن تؤثر على علاقات السوق بأكثر مما تفعل دولة الرفاهية الغربية عندما تقدم خدمات عامة في التعليم والصحة وتدفع إعانات للعاطلين عن العمل وتدعم أسعار مساكن الفقراء .. إلخ وتظل بعد ذلك تعتمد على اقتصاديات السوق§ .. بالطبع فإن ضمان حد الكفاية ووجود خدمات مجانية عامة على نطاق واسع وإنشاء الدولة لمشروعات اقتصادية عامة سيؤثر على نموذج تحديد الأسعار كما تصفه النظرية التقليدية لكنه لن يخرج النظام بصفة عامة عن كونه اقتصاد سوق، له طبيعة خاصة، ربما نسميها: "اقتصاد السوق التكافلي"§§، أما وظائف التكافل الاجتماعي، وهي السمة التي لا نجد لها مرادفا في كل من النظم الليبرالية والاشتراكية، فهي ستتم خارج السوق، ومع ذلك لابد أن يكون لها تأثير على ما يحدث داخله، لكنه تأثير على طريقة تفاعل العرض والطلب، لا على حرية المتعاملين في اتخاذ قراراتهم (أو هكذا نفترض حتى الآن).
 أما تحريم بعض أنواع العقود أو منع التجارة في بعض السلع فلا يقدح في حرية السوق، فالنظم الليبرالية تحرم تجارة المخدرات، وقد سنت الولايات المتحدة الأمريكية في العشرينات قانونا لتجريم تجارة الخمور، وظل هذا القانون ساريا لمدة عشر سنوات، ولم يلغ العمل به لأنهم اكتشفوا أنه لا يناسب حرية السوق، لكنهم ألغوه لأنهم اكتشفوا أن تكلفة إنفاذه كانت أعلى من أضرار الخمر (من وجهة نظرهم).
ولا يعد تحريم الربا تدخلا في عمل آليات السوق من الوجهة النظرية، فلا تأثير له على حرية المنتجين والمستهلكين في اتخاذ قراراتهم بالبيع والشراء والإنفاق والادخار، لكنه يتدخل فقط في آليات التمويل وتكلفته وطريقة احتساب العائد الذي يحصل عليه الممول، ومع ذلك فإن له تأثيرا كبيرا على الآليات التي يدار بها النظام الاقتصادي في مجمله، لذلك يبدو أن الطريقة التي سنحل بها مشكلة فوائد البنوك سيكون لها دور كبير في تميز نظامنا عن أي نظام آخر.
* *
يعد تحريم الربا من المحددات الرئيسية التي ينبغي أن تقيد بناء أي نظام اقتصادي إسلامي، ونحن لا نلتفت إلى بعض الآراء الفردية التي سمعناها عن أن فوائد البنوك ليست هي الربا المحرم، أو التي تفرق بين القرض الانتاجي والقرض الاستهلاكي، فهي أولا آراء فردية لا يمكنها أن تصمد أمام قرارات العديد من مجمعات الفقه الإسلامي التي انعقدت في فترات مختلفة منذ منتصف القرن الميلادي المنصرم، والتي شارك فيها رجال بنوك وعلماء اقتصاد مع طائفة من أكابر فقهاء العصر، والتي أجمعت كلها على أن فوائد البنوك هي عين الربا المحرم، وهي ثانيا آراء صادرة عن أفراد كانت لهم عند صدورها مناصبهم الرسمية التي تجعلنا نتصور حجم الضغوط التي كانوا يتعرضون لها لتسويغ الممارسات السائدة.
وبالإضافة إلى الموقف الشرعي من فوائد البنوك تعززت قناعتي الشخصية بأهمية إقامة حياة اقتصادية خالية من التعامل بالربا خلال دراستي الأكاديمية في تخطيط التنمية، ففي إبريل 1979 عندما كان كاتب هذه السطور يتلقى دراساته التمهيدية للدكتوراة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) في بوسطن بالولايات المتحدة وصل آية الله الخوميني إلى طهران معلنا انتصار الثورة الإسلامية، وبدأت السلطة الجديدة في إيران تتكلم عن التغييرات التي ستدخلها على النظام الإيراني لأسلمته، بعدها بأيام قليلة دعاني البروفيسور وليام ويتون، والذي كنت أدرس معه مقررا في اقتصاديات الإسكان، لأتناول معه طعام الغذاء، وليوجه إليّ سؤالا ترجمته بالنص: "هذا الخوميني المجنون، كيف سيدير اقتصادا بغير فوائد؟"، ثم طفق يشرح السؤال بتفصيل أكبر كانت خلاصته: إذا كان المودعون لن يأخذوا فوائدا على ودائعهم فلماذا سيضعون أموالهم في البنوك؟ .. وإذا كان المقترضون لن يدفعوا فوائد على ما يتلقونه من تمويل فلماذا سيردون الأموال في مواعيدها؟ .. وإذا إنهار نظام البنوك فكيف ستدور عجلة الأعمال بدون طريقة لجمع المدخرات وتمويل الاستثمار؟
في هذا الوقت لم تكن تجربة البنوك الإسلامية قد بدأت في مصر، ولم أكن أعرف شيئا عن بنك دبي الإسلامي، لكني كنت قد قرأت كتابات الدكتور أحمد عبد العزيز النجار عن البنوك الإسلامية، والدكتور عيسى عبده في الاقتصاد الإسلامي، والشيخ أبي زهرة عن حكم فوائد البنوك، وكتاب "اقتصادنا" للشيخ محمد باقر صدر، رحمة الله عليهم جميعا، وكان هذا كافيا لعرض الخطوط العريضة لما فهمته عن الطريقة التي يريد بها دعاة الحل الإسلامي إدارة اقتصادهم بعيدا عن فوائد البنوك، وسأل أستاذي أسئلة كثيرة، بعضها كان في تفاصيل فنية لم تكن واضحة فيما قرأت، وبعضها كان في المبادئ واستطعت أن أجيب عليها بدرجة كافية من الوضوح، وبعد أكثر من ساعة من الحوار وصل بروفيسور ويتون إلى وجهة نظر مفادها أن ما حكيته لتوى يصلح كمبادئ لإدارة الاقتصاد، وهي من وجهة نظر تنموية صرف تبدو أصلح مما لدى النظرية الليبرالية في الاقتصاد، وربما أمكننا أن ننجح بها إذا تغلبنا على عقبتين اعتبرهما هو حاسمتين سنفشل إن لم نتغلب عليهما، وما زلت أراهما كذلك حتى الآن، هما:
الأولى: لابد أولا من تحويل المبادئ والأفكار إلى مؤسسات ونظم وتشريعات، وهى ليست مسألة سهلة ولا مباشرة، واحتمالات أن نبدأ بنظم ضعيفة تفشل في تحقيق هذه المبادئ هو احتمال وارد، ومن جهة أخرى فإن النظم لا تعمل بنفسها، إنما يتولى العمل فيها أفراد توزع عليهم المهام ليقوم كل منهم بدور معين، ومع أن ابتكار المؤسسات والنظم والتشريعات يعد تحد كبير، فإن التحدي الأكبر هو توفير الأفراد الذين سيقومون بالعمل، قد يكون من الميسور تدريب بعض الشباب على الوظائف الدنيا، لكن العثور على أفراد لهم خبرة مناسبة في العمل المصرفي لتولي الوظائف العليا وفي نفس الوقت يؤمنون بالفكرة ويدركون أبعادها ومتطلباتها ومستعدون للتضحية بمراكزهم الحالية وراغبون في تحمل مخاطر بداية تجربة جديدة هو المشكلة الحقيقية.
الثانية: ستواجه المؤسسات الوليدة منافسة غير متكافئة من البنوك التقليدية،§ فهذه البنوك التي تعتمد في تعاملاتها على الفائدة أخذا وعطاءا قد تطورت على مدى حوالي ثلاث قرون، عانت فيها من كبوات، بل وكوارث، لكن المجتمعات التي قامت فيها هذه البنوك لم يكن لديها بديل آخر للقيام بتلك الوظائف التي لا غناء عنها، فظلت تعطي لها الفرصة تلو الفرصة لتصلح أخطاءها وتتعلم من تجاربها .. لكن البنوك الإسلامية ستقارن من أول لحظة بالبنوك التقليدية التي تقوم على نظم وتقاليد وممارسات مستقرة وفعالة، وربما يضيق الجمهور بفشلها فيما تنجح فيه البنوك الأخرى، ونحن نذكر كيف كانت أرباح بعض البنوك الإسلامية أقل من فوائد البنوك التقليدية، ومن عاش في دنيا الأعمال يعرف جيدا كيف كانت البنوك الربوية تدعم عملائها بقدرات وخبرات لم نجدها عند البنوك الإسلامية، وفي حالات عديدة عجزنا عن الدخول في مشروعات وضاعت منا فرص لم تكن لتضيع لو كنا نتعامل مع بنك ربوي.
وفيما بعد، عندما تلقيت مقررين في المالية العامة ودراسات الجدوى، اكتشفت أن نظريات المالية العامة وتقنيات دراسات الجدوى تضع لسعر الفائدة مكانا محوريا، وقد أوضحنا في الفصل السابق رأينا في قصور كل أدوات المالية العامة المعروفة عن التعامل مع اقتصاد خال من المعاملات الربوية.

* *

عندما نفكر في حكمة تحريم الربا نجد أن الأمر يحتاج لنظرة أعمق، لقد كان أخذ الربا في الحضارات القديمة يعد نقيصة أخلاقية، ولكن تحريم الإسلام له جاء بحسم عجيب بالنسبة لعصره، فهو لا يعامله كنقيصة أخلاقية بل كجريمة كبرى، حتى أن القرآن لم يتوعد المجتمع كله بالحرب من الله ورسوله إلا في حالتين فقط: الشرك بالله، وأكل الربا§§ .. وهذا يعزز قناعتنا بأن الأمر له علاقة بجانب مهم من جوانب التنظيم الاجتماعى كله وليس بالأخلاق فقط.
إن أكل الربا يضمن لصاحب رأس المال أن ماله سينمو باطراد بينما يتحمل المنتج وحده بكل المخاطر، وليس هذا هو كل ما في الأمر، لكنه يجعل القادرين على إضافة قيمة حقيقية لموارد المجتمع، هؤلاء الذين يتمتعون بالعلم والموهبة ويملكون القدرة على تنظيم الأعمال وقيادتها، تابعين لتوجيهات أصحاب رؤوس الأموال ورغباتهم .. هذا النظام يجعل للممولين اليد العليا في توجيه العمليات الاقتصادية .. لكن تحريم الربا يقود إلى العكس، فهو يجعل القيادة للمنتجين، ويرغم صاحب المال على أن يعمل ويتحمل المخاطر بنفسه، أو يبحث عمن يستثمر له ماله، وفي الحالتين لا يحقق المال ربحا إلا إذا نجح المشروع.

إن النظام الربوي هو واحد من العوامل الرئيسية في إعطاء الاقتصاد الرمزي§§ (النقود الورقية والأوراق المالية وأسعارها في البورصات) أهمية أكبر من الاقتصاد الحقيقي، فتجد اهتماما بالغا بأسعار العملات وتقلبات البورصة وقيم الأسهم والسندات يفوق بما لا يقارن الاهتمام بالإمكانيات الحقيقية للاقتصاد العيني وللشركات وقدرتها على تحقيق قيمة مضافة للمجتمع والتوسع في الانتاج والتوظيف.
يقودنا التحليل السابق إلى أن الإسلام يرمي إلى أن تكون القيادة في النظام الاقتصادي للمنتجين وليس لأصحاب الأموال (عندما يدير أصحاب المال شركاتهم فإنهم لا يسيطرون على العمل بسبب ملكيتهم لرأس المال ولكن بسبب قدرتهم على الإدارة واتخاذ القرارات، وإذا لم تكن لهم هذه القدرات فإما أن يفقدوا سيطرتهم عندما تهلك الأموال بسبب الخسائر أو تنتهي تلك السيطرة بأن يعهدوا بالقيادة لمن هو أهل لها)، إذا كان فهمنا هذا صحيحا فإن كل محاولة لوضع نظام يجعل الممولين مطمئنين على أرباحهم بغض النظر عن أرباح المشروع الذي يمولونه هي محاولة تسير عكس المقاصد العليا للشريعة الإسلامية.

* *

إن البنك من الوجهة الفنية هو مؤسسة تتاجر في الديون، أما باقي الوظائف التي يقوم بها البنك فهي مهام ثانوية تقوم بها المنظمة ما دامت تمتلك السيولة والفروع والاتصالات، وهي ليست وظائف أصلية بدليل أنك لا تجد بنكا يعمل فيها منفردة، والتجارة في الديون، أي تحقيق ربح من وراء الاقراض والاقتراض فقط لا غير، هو عملية محرمة في الإسلام قطعا.
والمشاكل التي تواجه البنوك الإسلامية ربما كان سببها أن فكرة البنك نفسه ما كانت لتنشأ في مجتمع تسوده أحكام الاسلام وقيمه، بالطبع مع تقدم المجتمع بصورة طبيعية وتعقد الحياة الاقتصادية التي تدار فعالياتها في ظل سيادة الشريعة كنا سنبتكر أساليب نابعة من طريقتنا في التعامل وملتزمة بأحكام ديننا، دعونا أولا نستعرض بعض المشاكل الجوهرية التي ظهرت خلال ثلاثة عقود من تجربة البنوك الإسلامية التي تعمل في بيئة لا تلتزم بقواعد الإسلام فى التعامل.
نحن بالتأكيد لسنا ضد تجربة البنوك الإسلامية، ونعتقد أنها حققت بعض الأهداف الجزئية، لكنها كنصف العمى الذي هو بالقطع أفضل من العمى الكامل، ولكنه ليس الطريقة المفضلة للإبصار، ولا يختارها المرء عندما يختار لنفسه .. فهذه البنوك نشأت في بيئة غير مهيئة لاحتضانها، فكانت معاملاتها تتسم بقدر من اللف والدوران حتى يمكنها أن تظل تحتفظ بصفتها الإسلامية في بيئة قانونية ومالية لا تعبأ كثيرا بقواعد الشريعة في المعاملات، فهي تريد أن تكون لا ربوية مع أن جوهر عمل البنك، المتاجرة في الديون، هو التعامل في الربا أخذا وعطاءا، وهذا الوضع يذكرنا بالمساجد التي تنشأ تحت العمارات السكنية، فالعمارة تأخذ الاتجاه المناسب للوحدات السكنية لا للقبلة، والأعمدة توضع بمراعاة أوضاع الغرف لا ترتيب صفوف المصلين، فتجد الصفوف مائلة على الحوائط، والمصلي في آخر الصف إما أن يرتطم بالحائط أو يتراجع عند السجود، والأعمدة تقطع الصفوف، والباب يقع أحيانا في اتجاه القبلة فيربك الداخل بعد بدء الصلاة صفوف المصلين، أو يضطروا لترك ممر للدخول .. وهكذا .. نشعر أننا نصلي مرتبكين ولكن نحمد الله أن وجدنا مكانا تقام فيه الجماعة.
لا يشغل البنك الربوي نفسه إلا بقدرة العميل على سداد القرض وفوائده، ولا يطلب منه تقديم دراسة الجدوى إلا ليطمئن على سيولة المشروع وقدرته على سداد الأقساط في مواعيدها، وإذا تأخر العميل فلا مانع من إعادة الجدولة إذا أثبت العميل قدرته على الالتزام بالمواعيد الجديدة للسداد و"كله بفوائده"، والبنك يرتهن عادة ضمانات تصل إلى ضعف قيمة القرض، وعندما يفقد ثقته في قدرة العميل على السداد يقوم ببيع الضمانات المرتهنة واستيفاء القرض وفوائده ويعطي الباقي للعميل إن كان هناك باق .. لكن البنك الاسلامي لا يملك تمويل النشاط إلا من خلال المشاركة أو المضاربة أو شيء من هذا الباب، وهي كلها لا تعطيه إلا الحق في جزء من الأرباح مقابل تحمل نصيبه من الخسارة، ولأنه لا يستطيع أن يكون متخصصا في كل أنواع الأنشطة التي يعمل فيها عملائه، فهو يجد مشكلة في مراقبتهم؛ لتحديد حجم الأرباح وحصته فيها، والعملاء قد يحتالون عليه بالتلاعب في دفاتر المشروع لإخفاء أرباحه ليقللوا حصة البنك فيها، وفي حالة الخسارة ليس للبنك الإسلامي إلا حقوق الشريك أو رب المال المضارب وليس له حقوق الدائن المرتهن كما هو حال البنك الربوي (الدائن المرتهن يستقضي رأس المال وفوائده ولو أدى ذلك لإفلاس المدين) .. لذلك لا تحب البنوك الاسلامية التمويل بالمشاركة أو المضاربة، وهي معذورة في ذلك، وهذا يضطرها إلى توظيف أغلب أموالها في صورة مرابحات، ونحن لدينا مبررات للقول بأن المرابحة على الصورة التي تتم بها في البنوك الاسلامية ستقود إلى انحراف خطير عن التصور الذي تجده في تعاليم الإسلام عن العلاقة بين العمل وراس المال، فهي تمارس الآن بطريقة تضمن للبنك أرباحه بغض النظر عن أرباح المشروع، لكن ليس هذا مجال التفصيل في هذه النقطة.

* *

تنجذب المصارف الإسلامية إذن نحو المرابحات رغم أنها ليست أنسب وسائل التمويل (وفى النفس منها الكثير)؛ بسبب أن فكرة البنوك ظهرت في الأصل للتجارة في الديون، ومهما حاول البنك إخفاء طبيعته هذه فستطل براسها كلما سنحت لها الفرصة، ويبدو أن المرابحات هي أقرب حل يمكن إلباسه ثوبا إسلاميا، لكنها عندنا لا نخلو من شبهة التجارة في الديون .. إن المشاركة والمضاربة هي فعلا صيغ استثمار الأموال المقبولة شرعا، لكن هذه طرق يصعب إدخالها فى إطار عمل المصارف إلا إذا غيرت من هيكليتها ومن طريقتها فى أداء عملها.
عندما تتحرر إرادتنا السياسية، ويتحرر مجتمعنا من الأوهام التى صورت له أن الطريق الغربي في إدارة الاقتصاد هي الطريق الوحيد الذي يوصلنا إلى التنمية والحداثة، وعندما تنضج الأوضاع لسيادة منظومة القيم والأخلاق الاسلامية، فإن المتعاملين، قبل الاطار التشريعي، سيسعون إلى تعديل العلاقة بين مؤسسات التمويل ورجال الأعمال، وسينفرون من كل معاملة تحمل في طياتها شبهة الربا .. كيف ستعمل البيئة الجديدة على تطوير نظم مختلفة للادخار والتمويل؟ .. لا نعرف إجابة وحيدة محددة يمكننا القطع بأنها هي ما سيحدث، يمكننا بالطبع تصور عدد من السيناريوهات الممكنة، لكن تداعيات الواقع وإمكانياته وتحدياته هي ما سيقرر ما ستؤول إليه الأمور في النهاية .. على الأرجح سيتغير دور البنك، وسيتغير هيكله، ليغدو أقرب إلى دور الشريك صاحب المصلحة في نجاح المشروع، وإلى الوسيط الحقيقي بين المدخرين والمستثمرين لا مجرد مقرض ومقترض، ووسيط بين المنتجين وبعضهم ليكون حلقات واسعة من أصحاب المصالح المشتركة، وسيتغير دور البورصة، وستتغير قواعدها وهياكلها، لتبتعد عن دور صالة القمار الكبيرة التي يضارب فيها الجميع، لتقترب فعلا من دور السوق الذي يتم فيه بيع وشراء حصص حقيقية في منشآت الأعمال، لا مجرد تبادل أوراق مالية والمضاربة على أسعارها.
هذه ليست خطة عمل للمستقبل، ولا هي محاولة للتنبؤ بالمسار الذي يمكن أن يسير فيه النظام الاقتصادي في ظل حكم إسلامي، فيمكننا تصور بدائل عديدة، وليس مهما المقارنة بينها الآن، فلسنا بصدد اتخاذ قرارات لتنظيم سوق رأس المال، لكننا بصدد التأكيد على ضرورة البحث عن بدائل أخرى يمكن من خلالها إدارة عمليات جمع المدخرات وتمويل الاستثمار وتحقيق تنمية حقيقية، مع الالتزام بالضوابط الشرعية واحترام نسق القيم السائد في مجتمعنا.

* * * *
[1]  الاقتصاد الفردى، هو الأساس الذى تقوم عليه كل النظم الرأسمالية ، وهو يرفض تدخل الدولة في فاعليات السوق، وليست كل النظم الرأسمالية تتطرف في رفض تدخل الدولة في عمليات التوزيع والاستهلاك كما هو حال الاقتصاد الأمريكي ، وسنعرض لبعضها في السياق التالي ، غير أن كلها ترفض التدخل المباشر للدولة في تخطيط الإنتاج وتخصيص الموارد، أما الاقتصاد الجماعي فهو الذي يفترض للدولة دورا في تخطيط الإنتاج وتوجيهه ، بالطبع تتخذ الماركسية موقفا متطرفا فتعطي للدولة حق التخطيط الشامل وتوجيه كل الموارد من خلال إلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وتحكم الدولة في كل الفاعليات الاقتصادية ، لكن هناك مستويات متعددة لتدخل الدولة تترك مساحات مختلفة للمبادرات الفردية ولمدى تدخل الدولة في تخطيط الإنتاج ، وسنوضح في الجزء التالي من هذا البحث كيف أننا نرى أن تحقيق المقاصد العليا للشريعة الإسلامية لا يمكن تصوره إلا في ظل نوع متميز من الاقتصاد الجماعي.

[2] أرجو ألا يتصور القارئ أننا ندافع عن الممارسات الناصرية، فقد كانت لها تجاوزاتها، بل جرائمها، لكن هذا لا ينبغى أن يجعلنا نذهب للنقيض، فإن بناء الاقتصاد المستقل وتحقيق العدالة الاجتماعية وتقريب الفوارق بين الطبقات وضرب الاحتكار وغيرها مما تبناه الناصريون هي أهداف يحترمها الفكر الإسلامي ويعمل على تحقيقها بطريقته، والتجاوز أو الخطأ أو حتى الجرائم واغتصاب أموال الناس لا ينبغي أن يستدرجنا لرفض الأهداف نفسها.
[3]  للكاتب بحث غير منشور – أرجو أن أتمكن من إعداده للنشر فى أقرب فرصة – نوضح فيه لماذا لا يمكن اعتبار النيوكلاسيكية نظرية علمية فى الاقتصاد لكنها مجرد تبرير نظري للرأسمالية .. وهي تحتوي ولا شك بعض التحليلات المفيدة لكنها في مجملها تقوم على فرضيات غير علمية ، وفشلت خلال قرن كامل من الزمن في التنبؤ بالمشكلات التي واجهت الرأسمالية كما فشلت في تقديم حلول ملائمة لهذه المشكلات عندما ظهرت .

§   من المجازفة أن يحاول شخص لا يمتلك المحصول المناسب من العلوم الشرعية أن يتكلم في مقاصد الشريعة، فهذا لا يكون إلا لمجتهد راسخ القدم، وما نقدمه هنا هو نتيجة تصفح المقاصد التي قال المجتهدون إن الشريعة الإسلامية تتوخاها، ثم اختيارنا منها ما نرى له ارتباطا بالعمليات الاقتصادية، ونحاول أن نصوغ الملامح الرئيسية لما يمكن تطويره؛ ليغدو مذهبا فى الاقتصاد قادرا على قيادة الواقع الحالى؛ لتحقيق النهضة على أساس هذه المقاصد.
§§  لا تعترف الماركسية بالملكية الخاصة ولا بالمصالح الخاصة من الأصل، والنظم التي تقيمها لا تسعى إلا لتحقيق المصالح الجماعية من خلال ملكية الدولة لوسائل الانتاج وإدارتها، باعتبار أن هذا هو الذي سيحقق المصالح الحقيقية لكل الأفراد، أما الليبرالية فتعطي للمالك حرية كاملة في التصرف بدون قيد أو شرط (إلا عدم الاعتداء على حرية الآخرين وملكياتهم)، أما مصالح المجتمع فليس في الليبرالية ما يوجه الفاعلين الاقتصاديين للعناية بها، باعتبار أن هناك يدا خفية في آليات السوق ستقوم تلقائيا بالمطلوب .. فتقول النظرية أن السوق التنافسية وحدها كافية ليعمل المنتجون على سد كل الاحتياجات، فكلما زادت الحاجة لسلعة معينة زاد الطلب عليها فارتفع سعرها فيتوجه المنتجون لزيادة إنتاجها ليستزيدوا من الربح .. هذا غير صحيح، فالسلع التي لا يستهلكها إلا الفقراء لن تزداد أسعارها زيادة مؤثرة مهما زادت حاجتهم إليها، فالحاجة إلى سلعة لن تؤدي إلى وجود طلب عليها يتحرك المنتجون استجابة له إلا إذا واكبتها قدرة شرائية، والفقراء يتوقفون عن استهلاك ما يحتاجونه إذا زادت أسعاره عن قدرتهم، فهذا النوع من السلع لا تزيد أسعاره بالدرجة التي تجعل هامش الربح فيه أكبر مما في سلع الأغنياء الترفيهية، ونظرا لحدود قدرة الطاقة الإنتاجية على التوسع فإنها ستبدأ بإشباع طلب الشرائح القادرة أولا حتى لو كان ما تطلبه سلعا كمالية لا يحتاجونها حاجة حقيقية طالما كانوا قادرين على دفع ثمن يحقق للمنتجين أرباحا تحفزهم لإنتاجها، وما يتبقى من الطاقة الانتاجية لن يكون كافيا لإشباع الحاجات الأساسية لباقي شرائح المجتمع، وأبرز مثال على ذلك هو اتجاه المستثمرين العقاريين لإنشاء القرى السياحية والمنتجعات الفاخرة برغم وجود فائض زائد عن الحاجة في هذه الوحدات مع عجز فادح في إسكان محدودي الدخل.

§§  يختلف معنا الماديون حول إعطاء الدوافع الأخلاقية دورا مهما في إدارة المجتمع، ونريد أن نذكرهم بأن ماركس ولينين وماو تسي تونج وغيرهم من القادة الشيوعيين يعترفون أن بناء المجتمع الشيوعي لا يمكن أن يتحقق إلا بعد تغيير أخلاق الناس، فيجب أن تحل الأخلاق الاشتراكية محل الأخلاق البرجوازية، وأن مرحلة ديكتاتورية البروليتاريا، هى المرحلة التي ستمارس فيها الدولة عملية تغيير البيئة حتى يتم تغيير الأخلاق، ثم لا نعود في حاجة إلى سلطة الدولة كنوع من أنواع القهر المنظم لنزعات الأفراد، فهم سيقومون بواجباتهم الشيوعية بدافع أخلاقهم.. لن نجادل هنا فيما إذا كان من الممكن تغيير الأخلاق أم لا، لكن المهم هو أن نؤكد على أنه حتى هذه الأخلاق الشيوعية المزعومة ستظل في حاجة إلى دوافع ميتافيزيقية، لا يمكن تبريرها على أسس مادية، حتى يتنازل الناس طواعية عن تحقيق بعض منافعهم الخاصة، وحتى يتجردوا من أنانيتهم، فيبذل كل واحد منهم أقصى ما في وسعه ثم لا يأخذ إلا كما يأخذ الفرد المتوسط .. نحن يعدنا الإسلام بالجنة في الآخرة لنفعل ذلك وأكثر من ذلك، فبماذا ستعدونهم؟ أم سيتحول المجتمع تحت السلطة الاشتراكية إلى مجتمع من الملائكة الذين لا يطلبون مقابلا لجهدهم، لا في الدنيا ولا في الآخرة؟.. أيا ما كان جوابهم على تساؤلنا فلابد أن يعترفوا ألا سند لهم فى معارضة فكرة أن الأخلاق، هى مكون محورى فى عمل أى تنظيم اجتماعى سياسى اقتصادى.
[4]  [4] يكاد يتفق الجميع على أن تحقيق العدالة الاجتماعية أمر مرغوب فيه ..  لكننا سنجد لها مضامين عديدة شديدة التباين في المجتمعات التى تتبنى ثقافات مختلفة، فالعدالة هى إعطاء كل ذى حق حقه دون زيادة أو نقصان، والاختلاف بشأن "حق الفرد" بين الثقافات يجعل للعدالة الاجتماعية مضامين متعددة.

ففى الشيوعية تفقد أغلب الحقوق الفردية معناها، وبالذات حق التملك، فليس من حق أحد أن يحتفظ بشيء لا يحتاجه، ويصبح من الممكن فى ظل هذا الكلام عن أن كل فرد عليه أن يعمل بكل طاقته ويقدم انتاجه للمجتمع ثم يحصل منه على كل احتياجاته، سواء كانت هذه الاحتياجات أقل أو أكثر من ناتج عمله (من كل حسب قدرته ولكل حسب حاجته).
وفى الليبرالية الحديثة نجد القيم الفردية الجامحة لا تعطى للفرد أى حق يتجاوز قيمة ما يستطيع أن ينتجه بنفسه، وإذا لم يغط هذا الناتج كل احتياجاته فليس من حقه أن يطالب الآخرين (أو المجتمع) باستكمال ما عجز عن تحقيقه .. فالعدالة هي أن يستمتع الإنسان بكل ناتج عمله، ولا يجوز أن نطالبه باشراك غيره معه.
وبين هذين الطرفين النقيضين نجد مجتمعات تحاول أن ترفع من مستوى معيشة فقرائها بعض الشيء بدرجات تتفاوت من مجتمع لآخر، وأغلبها يفعل ذلك من خلال إعادة توزيع الثروة بفرض ضرائب على دخول الأغنياء لتمويل بعض برامج الرعاية الاجتماعية (في الصحة والتعليم والمواصلات والبطالة ودعم الغذاء والوقود .. وغيرها) ولا يوجد اتفاق حول النسب الملائمة للضرائب ولا على البرامج التي ينبغي أن تقدمها الدولة لفقرائها.
رغم هذا التباين الملحوظ في ما تعده كل ثقافة مسئولية المجتمع عن رعاية أفراده، فإن كل منهم يرى أنه يعمل على تحقيق "العدالة الاجتماعية".
§§   في شتاء عام 1980 تشكلت مجموعة من طلبة الدكتوراه المسلمين في عدد من جامعات مدينة بوسطن بالولايات المتحدة بهدف إعداد ورقة بحثية لتقدم لاجتماع "اتحاد علماء الاجتماع المسلمين في أمريكا وكندا" لدعم فكرة أسلمة علم الاقتصاد، وفي الاجتماعات الأولية لهذه المجموعة تقدم أحد الأخوة ببحث تمهيدي يوضح فيه كيف تعوق تحيزات النظرية التقليدية محاولات وضع نظام اقتصادي إسلامي، مستخدما موضوع عمل المرأة كنموذج، فعلم الاقتصاد التقليدي لا يأخذ في اعتباره إلا الإنتاج الذي يقدم سلعا تباع بثمن، ولا يدخل في حساباته للرفاة أي استهلاك لا يقابله دفع ثمن، ولا يعترف عند تقدير الطاقة العاملة إلا بالعمل الذي يتم مقابل أجر، وقال البحث التمهيدي أن الدراسات أثبتت أن المرأة العاملة في أمريكا تنفق 40% من دخلها مقابل أن تتمكن من العمل، في صورة مصروفات انتقال واستهلاك ملابس وأجهزة منزلية متطورة أو استئجار خادم ..إلخ، في حين أنها إذا قضت وقت العمل في بيتها فستتمكن من تقديم خدمات مادية تقترب من قيمة ال60% الباقية، ناهيك عن المكاسب المعنوية نتيجة قدرتها الأكبر على الرعاية العاطفية للزوج والأبناء، لكن المشكلة أن البحث الاقتصادي التقليدي يعجز عن التعامل مع هذه الجوانب ولا يرى في عمل المرأة إلا زيادة في القدرة الإنتاجية للمجتمع تساوي ما تتقاضاه من أجر دون أن يدخل في اعتباره قيمة الانتاج المادي الذي ستقدمه لأسرتها إذا تفرغت لمنزلها، ولا تتعامل مطلقا مع المكاسب المعنوية التي سيحصل عليها الزوج والأبناء إذا تفرغت الأم لرعايتهم .. في ذلك الوقت اعترض كاتب هذه السطور بالاعتراض المدرج في المتن، وهو أن ما نستنتجه من البحث هو ضرورة تعديل النظرية التقليدية لتصبح أكثر صدقا وموضوعية، ولا علاقة له بأسلمة علم الاقتصاد، وللأسف لم تستمر لقاءات هذه المجموعة ولم نتقدم بالبحث، فلم يكن لدينا بالفعل إلا اعتراضات مذهبية لا تستدعي التفكير في نظرية إسلامية .. وفي حالة أخرى مختلفة، عندما أراد بعض علماء الاقتصاد المسلمين دراسة أثر الزكاة على الاقتصاد اعتبر أن الزكاة هي ضريبة على رأس المال يمكن دراستها في إطار النموذج التقليدي بدون مشاكل.
§§§   في واحد من برامج البنك الدولي في التبت لمساعدة القرى الفقيرة على التنمية الذاتية حاول مديرو البرنامج إشراك القرويين في التخطيط لكسب دعمهم للمشروع، فطلبوا منهم تحديد الأولويات .. كان الخبراء يتوقعون أن تكون المفاضلة بين الغذاء أو التعليم أو الصحة .. إلخ، لكنهم صدموا بأن القرويين وضعوا في المقدمة ترميم وزخرفة معبد الإله المحلي .. كانت هذه هي الأولوية الأولى للسكان بينما لم تكن في الأصل من الأمور المطروحة لدى الخبراء الغربيين.
§§§   سنتعرض لهذه النقطة بتفصيل أكبر في ما يلي.
§   لا يجب أن يفهم من هذا الكلام أننا نذهب إلى أن النظام الإسلامي هو بالضبط دولة الرفاه الغربية، نحن نعتقد أن مذهبنا الاقتصادي إذا نجح في قيادة نظامنا فسيكون له طبيعة مختلفة، وما أردنا توضيحه في المتن هو أن علاقات التكافل أو تدخل الدولة لتنظيمها وتدعيمها لن تؤثر على آليات السوق في الانتاج وتخصيص الموارد بأكثر مما تفعل في دولة الرفاه الغربية.
§§   ولن نكون في ذلك مبتدعين، فتجربة الصين التي نجحت نجاحا باهرا اعتمدت على آليات السوق مع بعض التوجيه والتخطيط من الدولة الذي أعطاها ملامحها الخاصة، وهم يسمون نظامهم "اقتصاد السوق الاشتراكي"، والاقتصاد الألماني يعتمد على تحقيق التوافق والتعاون بين أجهزة الدولة ومؤسسات الأعمال ونقابات العمال، مع التزام الدولة بتقديم نطاق واسع من الخدمات العامة في التعليم والصحة والتدريب وتأمين البطالة .. إلخ، ويسمونه "نظام السوق الاجتماعي".
§   في 1979 لم نكن نتكلم عن وصول الإسلاميين إلى السلطة، بل عن مجرد سماح السلطات القائمة لبعض البنوك أن تعمل على أسس إسلامية داخل إطار البيئة التقليدية، وهو ما تم بعدها بأعوام قليلة، ولا أظن أن الوضع في مصر سيكون غير ذلك إذا كان الإسلاميون في السلطة .. سنشجع قيام بنوك إسلامية، لكن لا يمكنك إلغاء البنوك القائمة أو إلزامها بالتحول إلى نظام إسلامي إلا إذا أثبتت البنوك الإسلامية قدرتها على الوفاء بكل احتياجاتنا في الادخار والتمويل والعمليات الجارية.
§§   "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله، وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون * وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة، وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون" البقرة: 278 - 280
§§  لا يتسع المجال للخوض في البلايا والرزايا التي يتسبب فيها الاقتصاد الرمزي الذي نشأ عن جعل النقود نفسها سلعة تباع وتشترى أو يتم تأجيرها مقابل الفائدة، ثم أعطى للحكومات حق إصدار نقد لا يعتمد على أية قيمة حقيقية، مجرد إعلان من الدولة بأن قصاصات من الورق مزخرفة بشكل معين لها قوة كاملة في الإبراء من الديون، وأكملها بأن أعطى للبنوك حق خلق وسائل دفع إضافية من خلال منح الائتمان .. يمكن للقارئ المهتم الرجوع إلى كتاب قليل الحجم عالي القيمة للواء سيد الملط رحمه الله تحت عنوان " نقود العالم .. متى ظهرت ومتى اختفت" .. رغم أن الكتاب بسبب صدوره عام 1993 لم يتناول أهم الكوارث والفضائح التي سببها التعامل في هذا الاقتصاد الرمزي (الوهمي) والتي لم تحدث إلا بعد هذا التاريخ.


أضف تعليق


عدد الحروف المسموح بها 1000 والمتبقي منها
ادخل الكود التالي
CAPTCHA Image
صورة اخرى
الموقع غير مسئول قانونا عن التعليقات المنشورة