مذكرات مجدى حسين فى السجن (57) بين نهائى كأس أوروبا لكرة القدم وحبس سعد الدين إبراهيم
الثلاثاء, 14 أكتوبر 2014 - 01:06 am

الاثنين 3/7/2000: الساعة 8 صباحا
اليوم ميعاد حبيبى.. والمفترض ألا أنشغل بأى شىء إلا الإعداد لهذا اللقاء الذى أنتظره كعاشق ولهان فى مقتبل العمر.. فقد كانت زوجتى هى الزهرة التى أنعم الله علىّ بها.. ولو لم تكن معى.. لا أدرى ماذا كنت أصنع فى حياتى؟ وكيف أمضى؟ فقد أصبحت زيارتها بديلا للإفراج.. ولم أعد أفكر فى النقض أو موعد الخروج.. ولكن أفكر فى موعد زيارتها.. وعندما تأتى أشعر أنى خارج سجنى.. فى دنيا مشرقة حلوة.. وأبنائى تعودوا أن يزورونى فى السجن، كما يتعودوا الأبناء زيارة والدهم فى مقر عمله.. أو فى مسجد اعتكافه.. أو فى منتجع صيفى.. كذلك فإننى أرى أخوتى وأتحدث معهم وأنا فى السجن أكثر.. وزيارة أسرتى تعوضنى انقطاع الزيارات عنى من المحامين وقادة الحزب الذين ظنوا أن الحصول على تصريح من النيابة أو وزارة الداخلية كالغول والعنقاء والخل الوفى، لم أكن هكذا من قبل فى سجنى.. ولكنى هذه المرة أعد الدقائق والثوانى للزيارة.. وأستعد لها كما يعد العريس لزفافه.. تعلمت أن أشذب لحيتى بيدى لأول فى حياتى.. وتعلمت الاهتمام بمظهرى.. رغم تمسكى ببدلة السجن الميرى!!.. تعلمت أن أحضر للزيارة بمشروبات مثلجة.. وبعض الفواكه.. والمأكولات الخفيفة.. ولدى الكثير.. أنا آكل بشكل معقول وأشياء متنوعة.. ولكن ما يأتينى من الخارج وما أحصل عليه من تعيين ميرى.. يفيض كثيرا عن حاجتى.. وأنا أسعد باستهلاكى القليل.. وأعتبره من علامات الرشد.. ولا أدرى ماذا حدث فى الأيام الأخيرة.. هل ما يأتى  من الخارج زاد؟! أم أن إقبالى على الأكل قل؟! المهم لقد عانيت من كثرة المأكولات لدى.. خاصة الفواكه.. وكادت تفسد منى.. وساعتها يكاد يصيبنى مس من جنون.. أن أقع فى هذه الخطيئة.. أن يفسد أكل لدى.. أن أبدد نعمة من نعم الله.. فى هذه اللحظات أخرج من زنزانتى.. أكاد أصرخ فى البرية.. أبحث عمن ينقذنى من هذا الإثم.. وكنت غالبا أجده والحمد لله.. ساعتها تهدأ نفسى.. ومع ذلك تبقى أشياء للاحتفال بأسرتى عندما تأتى.. وساعتها نشعر أننى فى حديقة الحيوان أو الأسماك أو مكان خلوى.. نمضى ساعة من نهار..
*****
كان أهم خبر فى صحف الأمس هو حبس النيابة لسعد الدين إبراهيم.. بتهمة الاتصال بجهات أجنبية، وسعد الدين له جنسية مزدوجة أمريكية - مصرية, واتصالاته بالجهات الأجنبية علنية.. ومعروفة.. ومشبوهة.. وهو يخرب فى البلاد علنا بدون معقب منذ سنوات عديدة.. ولكن الجديد أن الدولة رأت فى ذلك خطرا.. فألف حمدا لله على السلامة!! ورغم سعادتى لهذا الإجراء.. الذى يكشف أن ثمة ما هو حى فى دوائر الحكم.. إلا أننى أتحداهم أن يواصلوا إجراءاتهم معه للنهاية.. وألا يخضعوا لتهديدات البيت الأبيض وألا يتراجعوا بعد عدة أيام.. ويحفظون القضية..
أنا لست شامتا فى سعد الدين.. ولا أفرح عندما يحبس شخص لأنه مختلف معى فى الفكر، بل أمانع عن حق الناس فى الاختلاف الفكرى. ولكننى نظرت إلى سعد الدين من خلال أعماله دوما كأمريكى يعمل لمصلحة أمريكا وليس كمصرى.. وأعمال ابن خلدون تجاوزت منذ زمن كل الحدود المقبولة بنثرها الأموال بلا حساب إفساد النخبة المثقفة، بإثارة الفتنة الطائفية، وتمويل مسألة الأقباط إلى قضية فلسطين, وإثارة النعرات الطائفية فى كل الوطن العربى، بالهجوم المرير على الدين والإسلام لحساب جهات غريبة.. بعمل استثمارات واستطلاعات رأى لا تفيد إلا أجهزة الاستخبارات الأجنبية, والتى تخترق كل محظورات الأمن القومى.. وربما كتبت فى هذه المذكرات منذ أسابيع منددا بتصريح له يؤيد حبسنا وحبس الصحفيين، وقلت لقد أسفر الرجل عن وجهه.. وخرج عن دور إدعاء الليبرالية.. ولا أربط تأييدى لحبسه بهذا الموقف الخائب.. ولا آخذ موقفا من أحد لأسباب شخصية، ولكننى أتأمل فى العبرة.. فهذا الذى فتحت له الأهرام صفحاتها ليؤيد حبس الصحفيين، ها هو يشرف فى السجون ونحن نقول بدورنا.. وبدون لف أو دوران.. نحن نؤيد حبس ومحاكمة من يقيم علاقات مشبوهة مع جهات أجنبية.. الويل له لو جاء إلى هذا السجن.. وعلمت أنه لن يأتى.. وقلت لإدارة السجن يجب ألا يأتى.. وأنا لا أضمن كيف سأتعامل معه؟!
ولكنى مرة أخرى أتحدى الدولة أن تسير فى الإجراءات إلى المنتهى.. ولا ترضخ لضغوط أمريكا.. ولسوف نرى.. وإذا صمدت الدولة سأصفق لها.. حتى وأنا فى السجن.
كذلك لا تزال أزمة المحاميين تتفاعل وتتصاعد.. والدولة لا تزال متعنتة.. والمحامون أصبحوا مطعونين فى كرامتهم وكيانهم، بل أن مصالحهم النقابية بالمعنى الضيق أضيرت بشدة من استمرار مصادرة نقابتهم.. ونشرت الصحف أن عدد المحامين تجاوز الـ 200 ألف.. فهل ستتحرك الأوضاع السياسية من خلال هذه الجبهة؟!
*****
بالأمس واصلت القراءة فى تفاسير القرآن, والإبحار فى كتاب إحياء علوم الدين.. وهو كتاب مناسب جدا أن تقرأه فى السجن، لمنحاه الصوفى الواضح والعميق. وأخذت درسا صغيرا فى تجويد تلاوة القرآن، وشاهدت نهائى بطولة أوروبا لكرة القدم.. وقد كنت حزينا للغاية لأن المباراة كادت تفلت من فرنسا الأكثر استحقاقا، أولا: كناقد رياضى توقعت ذلك. ثانيا: لأن لاعبى إيطاليا يبدون كمتشردى حوارى نابولى.. واعتمادهم المبالغ على الدفاع يسىء لكرة القدم.. ويجعل اللعب عقيما، ويجب أن تهزم هذه الطريقة السلبية حرصا على مستوى اللعبة. ثالثا: فإن فريق فرنسا هو فريق فرنسى - إفريقى عربى, وقد لاحظت أن عدد السود كان قليلا فى البداية.. ثم اضطر المدرب إنزال 2 سود أو سمر.. وقد سجل أحدهما هدف التعادل فى الثانية الأخيرة من الوقت بدل الضائع من المباراة, كذلك فإن الذى سجل هدف الفوز كما قال المذيع من أصل أرجنتينى.. أى تبعنا من دول الجنوب.. أما زيدان فهو نصف الفريق.. ولكن لم يأتى متألقا كما فى مباراة البرتغال.. وكان محاصرا وسط الدفاع الإيطالى العنيد.. والذى لابد أن أسجل له قدراته وشراسته وبراعته الدفاعية.. ومع ذلك فإن زيدان عاد إلى بعض تألقه فى الثلث الأخير من المباراة..
وأخيرا لقد سعدت لأنى أحب العدل أن ينتصر.. حتى فى كرة القدم!! واستعصى علىّ النوم بعد ذلك.. فدعوت الله أن أنام.. فنمت!

 


أضف تعليق


عدد الحروف المسموح بها 1000 والمتبقي منها
ادخل الكود التالي
CAPTCHA Image
صورة اخرى
الموقع غير مسئول قانونا عن التعليقات المنشورة