مذكرات مجدى حسين فى السجن (56) كيف رأيت أن انتصار الثورة هو مسيرة 40 دقيقة إلى ميدان التحرير
الإثنين, 06 أكتوبر 2014 - 01:39 pm

الأحد 2/7/2000: الساعة 6 صباحا.. الشروق 
اللهم فالق الإصباح، وجاعل الليل سكنات والشمس والقمر حسبانا، أسالك خير هذا اليوم، وخير ما فيه, وأعوذ بك من شره وشر ما فيه.
بسم الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله.. ما شاء الله نعمة من الله, ما شاء الله الخير كله بيد الله, ما شاء الله لا يصرف السوء إلا الله, رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا, ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير.
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا, وهب لنا من لدنك رحمة؛ إنك أنت الوهاب.
*****
يا صباح الفل.. يا صباح الياسمين.. وعصافير الجنة.. ما أروع لقاء الله فى جوف الليل.. بدون إذن من النيابة أو مصلحة السجون.. وبدون تفتيش.. وبدون أية إجراءات معقدة.. أو غير معقدة.. من يأتى معى للقاء الله فى هذا السكون العميق.. فى ذاك الصمت الرهيب.. من يأتى معى.. من يشترى الورد منى.. بل من يعطينى رقبته أضع عليها إكليلا من الزهور.. زهور لم ترها عين من قبل.. بأريج لم نتنسمه من قبل.. من يأتى معى فى طريق الله.. نبكى معا حبا فى الله.. من يأتى معى فى طريق الله حيث تعلو الروح على الجسد.. والدين على الدنيا؛ والآخرة على الأولى.. من يأتى معى, وقد ضرب الله لنا موعدا, فتتجافى جنوبنا عن المضاجع - خوفا ورهبا وحبا - فلا تفوتنا صلاة.. ولا يسبقنا شروق.. قبل أن نصل إلى موعدنا.. موعد يكون الذهاب إليه على غيم السماء, أو فى طيات موجات الأثير.. موعد لا تحتاج فيه لاختراق شوارع القاهرة.. أو مكابدة أزمة مرورها.. فالطريق دائما مفتوحة.. يقول الرسول علية الصلاة والسلام: (إن من الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله تعالى خيرا إلا أعطاه إياه) (مسلم).
وأنا كلما فاتنى واجب من الواجبات أو سنة من السنن تذكرت كرز بن وبرة وهو يبكى فقالوا له: (أتاك نعى بعض أهلك؟ فقال أشد، قالوا: وجع يؤلمك؟ قال: أشد, قالوا: وما ذاك؟ قال: بابى مغلق وسِترى مُسبل، ولم أقرأ حزبى البارحة، وما ذاك إلا بذنب أحدثته، وهذا لأن الخير يدعو إلى الخير، والشر يدعو إلى الشر، والقليل من كل واحد منهما يجر إلى الكثير).
أقول من يأتى معى فى طريق الله.. كطفل أكتشف حديقة جميلة، فدعا الناس إلى الاستمتاع واللعب فيها، وكأنه أكتشف شيئا ما عرفه أحد من العالمين.. وما أنا إلا أقل من ذرة فى الكون.. أسير متأخرا على هذا الدرب الجميل.. وأتأمل محاسنه.. وأقطف من رياحينه.. وأتنسم أريجه, كم سبقنى من المؤمنين.. أنا أريد أن التحق بالركب.. فأقبلنى يا رب فى صفوف المؤمنين.. فى آخر صف.. أقبلنى.. ولكن لا تذرنى وحدى.. ولا تتركنى لنفسى طرفة عين.. خذ بيدى.. وطهرنى كما طهرت الثوب الأبيض من الدنس.. واجعل من شخصى الضعيف الفانى فائدة لأهلى وناسى.. ولا تجعل جهادنا فى سبيلك يذهب هباء منثورا تذروه الرياح.. إنك يا رب لا تضيع أجر من أحسن عملا.. اللهم أنى أسالك الخير كله.. حقا ما أطمعنا فى رحمتك التى وسعت كل شىء.. نحن نطلب من عظمتك وجلالك الخير كله.. رغم أننا خطاؤن.. وإن كنا لم نخلص فى طاعتك.. يا رب أفتح على قومى.. وأجعلهم ينفضون الشرك عن أرواحهم.. كثيرا ما سألنى الناس.. كيف التغيير بينما الحل يسير فى أيديهم.. كثيرا ما سألنى الناس حتى كدت أن يصيبنى الملل من هذا السؤال.. وقلت لهم أحيانا.. أن بينكم وبين التغيير مسيرة 40 دقيقة أو أقل قليلا أو أكثر قليلا.. قالوا: كيف؟ وأين؟ عماذا تتحدث؟! قلت أن الناس تتجمع بالملايين لصلاة الجمعة أو العيد أو التراويح.. ولكنهم يعودون إلى منازلهم فرحين مرتاحى البال والضمير.. ولا شك عندى أن الإقبال الكبير على العبادة هو الخطوة الأولى الضرورية نحو الإصلاح.. ولكن يجب ألا تطول هذه المرحلة، فالإسلام لا يعرف الفصل بين الإيمان والعمل.. وبين العبادة والجهاد.. أما مسيرة الأربعين دقيقة فأعنى بها أن تتجمع الناس فى ميدان التحرير بدلا من جامع عمرو أو مصطفى محمود.. فإذا تجمعوا فى ميدان التحرير فأنهم يفرضون كل شروطهم على السلطات, وهكذا يبدو الأجر بالغ السهولة.. إنه أقصر أطول مشوار.. أو أسهل أصعب حركة.
ولكن لا شك عندى أن جوهر المشكلة التى تعطل مسيرة الأربعين دقيقة.. وأعنى توجه كل من يبعد بيته عن ميدان التحرير 40 دقيقة سواء سيرا على الأقدام؛ أو بأى وسيلة مواصلات متيسرة.. أن جوهر المشكلة أن الناس لم تقتنع بقيادة بديلة بعد، وهذه المسئولية العظمى التى تتحملها قيادات الحركة الإسلامية.. أنها لا تقدم - حتى الآن - بديلا مقنعا بما يكفى كى يتحرك الناس بجدية طلبا للتغيير, وأهمية المحنة التى يمر بها حزب العمل الآن أنه أقترب نحو إقناع الناس بالبديل، فالأناس الطيبون الصالحون الذى يمكن أن يصلحوا شأن الدولة متوفرون بشدة والحمد لله, والمشكلة - كل المشكلة - فى غياب القيادة السياسية الشاملة المقنعة، يقولون ماذا لو وصل حزب العمل إلى الحكم؛ وهل لدية ما يكفى من الكوادر والفنيين  لإدارة الدولة؟ وهو سؤال مغلوط؛ فمن قال أن أعتى الأحزاب تعتمد على قواها الفعلية فى إدارة الدولة؟ هل اعتمد الضباط الأحرار على أنفسهم فحسب فى إدارة الدولة؟ هل اعتمد الخمينى وأنصاره أنفسهم فحسب فى إدارة الدولة.. وهل الحزب الجمهورى أو الديمقراطى فى أمريكا يعتمد على قواه فحسب فى إدارة الدولة.. كما أن التغيير لا يعنى تطهيرا كاملا لأجهزة الدولة؛ فهى مليئة بالعناصر الوطنية الشريفة المؤمنة، ولكنها أشبه بالرجل المؤمن من آل فرعون الذى يكتم إيمانه.
لقد قطع حزب العمل شوطا لا بأس به لإقناع الناس بالبديل, وما نتعرض له من حرمان واضطهاد وإغلاق وتجميد.. كل هذه مصوغات التعيين فى أفئدة الشعب.. الذى فقد الثقة فى الأوضاع السياسية التعددية الزائفة.. ولو وجدنا من هو أكثر قدرة منا؛ وأكثر إحكاما؛ لبايعناه بلا تردد.. ولكننا نتصدر القيادة مضطرون.. لأننا لم نجد من يتصدر الصفوف.. فلو اشتد ساعد الجناح الوطنى فى الحكم لبايعناه.. لو فتح الله على مبارك لبايعناه.. ولكن هذه إرادة الله.. ويجب ألا نتخلى عن واجبنا حتى لا نأثم.. وتأثم الأمة جميعها.
*****
عندما أغوص فى التأملات.. أزهد فى تسجيل الأحداث.. ولكن لا بأس من بعض التسجيل..
كان أهم ما فى أمس هو نشر صحيفة الوفد لشكوتى إلى النائب العام.. فكان أمرا مؤثرا وفى وقت ملائم, فلك الحمد والشكر يا رب على ما أنعمت.. وتتواصل أزمة المحامين وتتفاعل, ولا نعرف إلى أين مستقبل.. الغليان مستمر.. الاجتماعات.. الاعتصامات.. مظاهرات داخل دار القضاء العالى.. وتهديد بالإضراب عن العمل وعن الطعام, والدولة بائسة لا تريم.. كطفل شقى ضبط متلبسا وقد عملها على نفسه.. وأخطر ما فى هذه الأزمة أن الدولة لا تكتفى بالعصف بنقابة عريقة كنقابة المحامين للعام الخامس على التوالى.. ولكن الكارثة أنها تفعل ذلك من خلال عناصر قضائية (وفقا لنصوص القانون 100 البائس) فعناصر قضائية قيادية هى التى قررت أن تكون صناديق الانتخابات فى النوادى, وعندما حكمت دائرة بمجلس الدولة ضد ذلك، قام عنصر قضائى آخر بتأجيل الانتخابات لأجل غير مسمى.. فالسلطة التنفيذية تسىء لسمعة القضاء؛ وتدفع بعض عناصر ليكونوا أداة البطش والضرب خارج نطاق القانون.. والمضحك المبكى أن الدولة لا تدرك أن ضرب استقلال القضاء وسمعته هو ضرب فى الصميم فى قلب الدولة واستقرارها.. وأن الدولة كأنها تنتحر عامدة متعمدة متصورة أنها تحسن صنعا. وكل عاقل يدرك أن سيطرة المعارضة على مجلس نقابة المحامين أفضل ألف مرة من أن تظهر الدولة مرتجفة.. مرتعدة الفرائض.. من مجرد انتخابات فى نقابة مهنية..
كذلك واصل محمد عباس نشر مقالاته فى "الحياة اللندنية" هذه المرة, وهذا جيد.. إن إغلاق جريدة الشعب يجعلنا ننتشر فى مختلف أرجاء وسائل الإعلام.. وستكون المحصلة العامة ايجابية بإذن الله..
أما الجسم المشع الذى تقل الناس وسممها فى إحدى قرى القليوبية, فهو مظهر جديد لتفكك الدولة.. فمصر هى الدولة الوحيدة فى العالم التى تحدث فيها هذه الأحداث العجيبة..
أما فى السجن فلا جديد, أعتكف فى زنزانتى معظم الوقت؛ وهذا يجعلنى أصفى روحا؛ وأهدأ بالا؛ وأنقى نفسا, لم أفتح التليفزيون إطلاقا.. عملت بجدية.. قرأت بجدية.. ولعبت مع عصام تنس لمدة نصف ساعة، وأشعر أن حالتى البدنية فى تحسن مستمر.. والحمد لله.
عادت إدارة السجن إلى إغلاق الأبواب على مجموعة (عبد المنعم أبو الفتوح, ود. حبيب, والشاطر, ود. عزت) بعد أن جلست معهم لدقائق عقب صلاة العصر منذ عدة أيام.. فأسفت لما تسببت فيه من إيذائهم.. فهم يحبسوننا.. ويمنعوننا من الكلام مع بعضنا.. وهذه وسائل مبتكرة فى التعذيب لم تعرفها سجون مصر إلا فى السنوات الأخيرة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 


أضف تعليق


عدد الحروف المسموح بها 1000 والمتبقي منها
ادخل الكود التالي
CAPTCHA Image
صورة اخرى
الموقع غير مسئول قانونا عن التعليقات المنشورة