مذكرات مجدى حسين فى السجن (55) كلمات عن الشاعر نزار قبانى وتحولاته من شعر الجسد والمرأة إلى قضايا الأمة العربية
الثلاثاء, 30 سبتمبر 2014 - 01:21 am

السبت 1/7/2000: الساعة 7.30 صباحا 
الحمد لله الذى أحيانا بعد ما أماتنا وإلية النشور.. أصبحنا وأصبح الملك لله، والعظمة والسلطان لله، والعزة والقدرة لله، أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص, وعلى دين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وملة أبينا إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين..
اللهم بك أصبحنا وبك نحيا وبك نموت وإليك المصير.
اللهم إنا نسألك أن تبعثنا فى هذا اليوم إلى كل خير, ونعوذ بك أن نجترح فيه سوءا أو نجره على مسلم, فإنك قلت: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى) (الأنعام: 60).
*****
كان يوم أمس الجمعة أجازة بحق وحقيقة.. راحة.. واسترخاء.. وقرارات حرة.. وصلاة الجمعة بالمسجد.. وعودة إلى لعب الرياضة (40 دقيقة تنس طاولة), والحالة الصحية تكون أفضل فى اليوم الذى لعبت فيه رياضة.. وأبحرت مع كتاب "إحياء علوم الدين" للإمام الغزالى.. فكان متعة لا تدانيها أيه متعة.. ولا تسبقها إلا العبادة وتلاوة القرآن.. وحدثت من الظواهر ما أرتاح له.. فها هى تلاوتى للمرة الثانية أو الثالثة التى أجد أنها تصل بشكل طبيعى دون أعداد منى.. إلى سورة الكهف يوم الجمعة.. وهى مستحب أن تُقرأ فيه. فأحمد الله وأحسب ذلك من العلامات.. لا من المصادفات.. حتى فكرت أن تكون رسالتى القادمة إلى زوجتى حول سورة الكهف.. وما أثارته وما تثيره فى نفسى من تأملات..
كذلك قرأت ديوانا لنزار قبانى.. هذا الشاعر الذى حيرنى.. فهو شاعر لا جدال فيه فى زمن عز فيه الشعراء.. وأنا شديد الاستياء من مرحلته الأولى فى الشعر.. التى عبد فيها المرأة وجسدها.. حتى أننى كنت أحيانا فى صباى وشبابى استعير من الأصدقاء دواوينه.. وأقرأها.. وأخفيها كأنها "مذكرات إيفا", وكنت أرى ألا أشترى له ديوان واحد فخسارة فيه الفلوس.. وحرام.. ولكنى استعرت من الأصدقاء لمرات محدودة دواوينه بدافع الفضول.. وربما بدافع الحرمان الجنسى لمرحلة المراهقة.. وعندما سرت فى طريق النضال السياسى.. ثم الجهاد فى سبيل الله، قاطعت نزار وشعره النسائى باعتباره رجسا من عمل الشيطان.. وتفاهة.. إلخ.. إلخ.. ولكن نزار قبانى فاجأنى بعد عدة شهور من هزيمة 1967, وهى الحدث الذى زلزل كيانى وحول مجرى حياتى - وحياة كثيرين من جيلى - بقصيدة قنبلة "هوامش على دفتر النكسة", فكانت أكثر القصائد التى شفت الغليل من هذه الهزيمة المروعة، وكان نشرها محظورا فى مصر.. ولكنها انتشرت فى البلاد كالنار فى الهشيم.. وكان الناس ينسخونها بأيديهم.. على طولها.. ويتداولونها, وكان من الطبيعى أن تصل لأحمد حسين نسخة منها.. وكان معجبا بها, وكان يقرأها أحيانا بصوته.. وإلقائه المؤثر.. فى جلساته مع الأصدقاء.. وكدت أحفظها من كثرة قراءتها, حيث نسخت نسخة خاصة لى، وربما نشرتها فى صحيفتى (المجد) التى تصدر فى نسخة واحدة.. وهى الصحيفة التى تحولت إلى المعارضة ضد نظام جمال عبد الناصر.. وحملته مسئولية الهزيمة.. وقد كنت أصدر هذه المجلة فى الصيف.. حتى دخلت الجامعة, وانتقل نشاطى الصحفى إلى مجلات الحائط..
المهم لم يوجد شاعر من المحيط إلى الخليج سجل وعبر عن هذه اللحظة المميتة، إلا نزار قبانى.. وأيضا فإن انتشار قصيدته رغم حظرها فى مصر.. ورغم أن حرية التعبير كانت كلمة منكورة فى ذلك الوقت.. يؤكد أن الإبداع الحقيقى لا تقتله الرقابة ولا المصادرة ولا الكبت.. أقول ذلك للشعراء والأدباء الذين ينحون باللائمة على القمع تارة.. وعلى وزارة الثقافة تارة أخرى.. كسببين لقتل الثقافة ووأد الفكر.. فالإبداع الحقيقى لا يمنعه قمع.. ولا تشجعه وزارة ثقافة، بل أن أعظم الأدب وروائعه.. انبثقت فى أشد ظروف القمع والاستبداد. وقد قلت هذا المعنى فى ندوه حضرتها فى عمان بالأردن منذ عدة سنوات.. ندوة نظمها الاتحاد الأوروبى أو بالأحرى المشروع الأوروبى الإعلامى تجاه العالم العربى والشرق الأوسط (جيمستون), عندما كانت الندوة مكتظة بالمثقفين العرب العلمانيين واليساريين الذين راحوا ينوحون من شدة القمع فى العالم العربى؛ وأن القمع هو الذى يقتل الفكر، وقلت لهم ما معناه أن الفكر الحقيقى لا يحاصره قمع.. وفى العالم العربى تطبع وتوزع الكتب من كل المشارب والاتجاهات, وأن انحسار الفكر العلمانى واليسارى يرجع لأزمته الخاصة.. ولعدم تجاوبه مع احتياجات وتطورات حركة الأمة.. وليس بسبب القمع.. فما هو الكتاب المحظور الذى يصعب تداوله إذا كان الناس مشغوفين بالحصول عليه وقراءته.. حتى إذا كانت طباعته فى بلد آخر..
وأذكر أن "إريك رولو" الصحفى الفرنسى الشهير الذى يجيد العربية.. التقيت به لأول مرة فى هذه الندوة؛ وأعرب عن إعجابه بمداخلاتى, ولكننا لم نجد وقتا للحوار بشكل خاص.. نظرا لانشغاله الشديد بالندوات التليفزيونية، وسألنى عن عادل حسين وعن أخباره.. وعندما سألت عادل حسين فيما بعد عنه قال لى: إنه يهودى تربى فى مصر.. وكان من الحركة اليسارية.. وكنت قد قرأت له كتبه الصادرة باللغة العربية التى تحمل التعاطف مع القضية العربية.
وعودة إلى نزار قبانى.. ها أذكر له من علامات.. قصيدته فى تأبين ورصد المشاعر فى رحيل جمال عبد الناصر.. رغم نقده المر له فى "هوامش على دفتر النكسة", وربما كانت أروع القصائد فى تأبين الزعيم الراحل.. وكنت رغم معارضتى لعبد الناصر بسبب الهزيمة المروعة.. إلا أننى شعرت بالفجوة الهائلة التى ستعانى منها البلاد برحيله.. وكنت حزينا وقلقا على مصر.. فى ظل هذا الفراغ المباغت.. وفى أسوأ الظروف..
ومع ذلك فإن قصيدة نزار.. لم تلتزم بالآداب الدينية عندما جاء فيها هذا التعبير "قتلناك يا آخر الأنبياء".. وربما كان ذلك عنوان القصيدة.. وأنا لا أستطيع مبالغة الشعراء حتى هذا الحد.. فهناك خطوط حمر يجب عدم تجاوزها.. وهذا النوع من الشعر مكتوب عليه الانحسار والزوال.. بدون إجراءات إدارية..
(وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ{224} أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ{225} وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ{226} إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً) صدق الله العظيم 
ثم كانت رائعة نزار التى أذكرها (نعم أؤيد الإرهاب), وكانت أقوى إدانه للموجات السخيفة التى تتحدث عن إرهاب حماس وحزب الله.. والتى انتقلت من دوائر إسرائيل والغرب إلى إعلام بعض الحكام العرب.. ومن بينها مصر..
ثم توج حياته الشعرية الجادة بأروع قصائده على الإطلاق؛ التى أدان فيها اتفاق غزة وأريحا.. وردا على المقولة السخيفة بأن هذا هو سلام الشجعان, فسماه نزار (سلام الجبناء)!!
وقد احتفلت بها ونشرتها فى أبرز مكان بصحيفة الشعب: الصفحة الثالثة.. وقد احترت فى نزار قبانى بين مرحلته الأولى.. الماجنة العبثية.. التى لا ترى فى الدنيا إلا الجنس وأجساد النساء.. ومرحلته الثانية التى تمتلئ بالتفاعل مع القضايا القومية للأمة.. دون أن يتخلص تماما من أوزار  المرحلة الأولى.
وتصادف فى هذا السجن أن استمتعت لحوار مسجل طويل معه.. (وأروع ما فى الإذاعة المصرية الآن إعادة إذاعة التسجيلات القديمة، لأن الجديد لا يوجد فيه أى شىء ثمين إلا قليلا).. وتعجبت من حديث نزار قبانى بلغة عربية رصينة وصحيحة.. وكذلك فقد كان يتحدث عن أثر هزيمة 1967 فى حياته وأكد إنها حولت مجراها.. وقدم نوعا من النقد الذاتى المباشر والصريح لمرحلته الشعرية الأولى.. ودعا الشعراء إلى التخلى عن شعر المكاتب المكيفة.. والبروج العاجية, والالتحام بقضايا الناس, وأن ينتقد إنسان ما كتبه فى السابق.. فهذا أمر بالغ الصعوبة.. ويحتاج لشجاعة أدبية عالية.. ولا يتمكن من ذلك إلا قليلون جدا..
*****
فاتنى بالأمس أن أعلق على أخطر خبر.. وهو خبر تأجيل انتخابات نقابة المحامين.. فهذا أمر مروع بكل المقاييس.. وعلامة على تفكك عقل الدولة.. وعجزها عن اتخاذ قرار سليم فى أى مجال.. أو بالأحرى هى تتخذ أسوأ قرار فى كل مجال.. وخارج كل الأطر القانونية والدستورية.. وهناك غضب عارم فى صفوف المحامين.. هناك مظاهرات واعتصامات فى القاهرة وقطور ودمياط (الأخيرة بسبب اعتداء ضابط شرطة على محام)!!.
وقبل ذلك بأيام حدث انفجار السيدة عائشة بين سائقى النقل العام والشرطة, وتعطل المرور فى القاهرة لمدة 5 ساعات على الأقل, وحدث شىء من ذلك فى جراج الأميرية.. وهناك عمال مضربون من الإسماعيلية, وأساتذة الجامعات فى غليان.. وفى حالة اجتماعات متوالية.. الغضب فى كل مكان.. وقد بلغت الحلقوم.. ولا يعلم إلا الله أى شرارة تافهة أو صغيرة.. هى التى ستتحول إلى الحريق الكبير.. والحكومة لا تتأخر؛ فهى كل يوم تتخذ من الحماقات عددا لا بأس؛ وأصبح منظر الحكومة مستفزا.. من أى زاوية نظرت إليها منها!! والناس مطحونة من الناحية الاقتصادية.. وصحيفة "الشعب" التى تتنفس الغضب أغلقت.. إن عمر النظام أصبح محدودا بلا شك.. ولكن المحدودية نسبية.. فهل يظل النظام سنوات أخرى فى غرفة الإنعاش؟!
يا رب.. ارحمنا وارحم هذه الأمة..

 


أضف تعليق


عدد الحروف المسموح بها 1000 والمتبقي منها
ادخل الكود التالي
CAPTCHA Image
صورة اخرى
الموقع غير مسئول قانونا عن التعليقات المنشورة