مذكرات مجدى حسين فى السجن (52) حوار بين ذاتى ونفسى
الأربعاء, 17 سبتمبر 2014 - 01:07 am

الأربعاء 28/6/2000: الساعة 6 صباحا
كنت أود إغفال المذكرات اليوم, ولأستغل ساعات الصبح المبكرة فى الأعمال الفكرية العويصة، ولكننى لم أجد نفسى فى حالة متيقظة بصورة كافية، وغير قادر على مواصلة النوم.. وهذه هى الحالة المثالية للثرثرة مع النفس.
بالأمس حدث وكأنه حوار صامت مع جسدى.. الذى بدأ يتمرد علىّ.. فمتوسط ساعات نومى لا يزيد عن 6 ساعات, وهذا أقل من معدلى خارج السجن.. لذلك فإن جسدى يثور على كل عدة أيام ويفرض شروطه علىّ, فمساء أمس أعددت كل الكتب والأوراق المطلوبة للعمل.. وشربت شايا وقهوة.. وأخذت بعض السعرات الحرارية (حلوى).. ولكن سقطت كل هذه المحاولات، ووجدت ذهنى عاجز عن التفكير والنوم يغالبنى.. فنمت من الساعة التاسعة والنصف مساء حتى الثالثة والنصف صباحا، وهذا لم يحدث منذ تشريفى "إلى السجن", وكدت أواصل النوم بعد صلاة الفجر.. ولكن يبدو أننى الذى تمردت على جسدى.. وقلت له: عيب كفاية كده نوم.. لماذا لا أستغل هذا الهدوء الرائع.. وأنجز أشياء مفيدة، فقد شعرت أمس بعذاب شديد لأن إغلاق الزنازين تأخر للساعة التاسعة مساءا.. وكاد ضجيج المساجين ولعبهم وغنائهم أن يقتلنى.. وشعرت كأن ضجيج العنبر كله يصب فى أذنى وحدى.. وحلمت بزنزانة منفردة فى مكان قصى بعيدا عن هذا الضجيج، والضجيج ونس، ولكن لفترة محدودة، وبعدها يتحول إلى عذاب مقيم..
وخلت جسدى يرد علىّ: يا أخى بطل حنبلية، متحبكهاش قوى كده.. لقد أتعبتنى معك, خارج السجن كنا ننام أكثر من هنا، بينما أنت وحدك هنا والوقت طويل وملك لك فلماذا لا ترحنى وتستريح وتريح روحك؟!
وخلت نفسى أقول: إن بحوثى وقراءاتى واجب يلح علىّ، وهذا أكثر ما فى السجن إفادة.. وكيف أضيع هذه الفرصة؟ كما أننى استمتع بهذا الواجب.
رد جسدى: وكله على دماغى أنا.. ولن تجد بعد ذلك من يحملك، ولن تجد روحك مستقرا لها!! وستدفع الثمن فى النهاية..
قلت: الأعمار مقدرة وأنا أعمل فى سبيل الله وسيرحمنى الله؛ إذا كنت من عباده المخلصين.. ولئن استقرت روحى فى قبر بعد أداء الواجب.. لأفضل من أن تستقر فى الدنيا الفانية داخل جسد فانى.. مترف ومستريح مؤقتا.
رد الجسد: حانغلط أهه.. ما قلنا بلاش الغلط.. أحنا رفاق معا.. ولابد أن نتحمل بعضنا البعض، ولقد قال الرسول علية الصلاة والسلام: (أن لبدنك عليك حق).
قلت: حتى أنت تعرف أحاديث رسول الله, وأنت جماد.. كل ما تملكه أن تسبح لله فى صمت.. أما حفظ الأحاديث فهذا فوق طاقتك!!
رد الجسد: التعب أنطقنى.. كما أنك كففت عن ممارسة الرياضة منذ يوم السبت, وهذا ضار لك ولى.
قلت: سأحاول أن أصل لنقطة التوازن بإذن الله, وما أريد أن أشق عليك.. ولكننى أنسى نفسى عندما تأخذنى الحمية.. وهكذا يتواصل الحوار..

*****

* لا توجد أحداث تسجل.. والصحف أمس لم يكن بها ما يلفت النظر، إلا خبر فى "الأحرار" عن تحرك صحفيى "الشعب" وتظاهرهم أمام المجلس الأعلى للصحافة، وهذا جيد، كذلك نظرت أمس قضيتنا الخاصة بتجميد الحزب أمام مجلس الدولة، ولا اعرف ماذا تم فيها, والمفترض أن تحجز القضية للحكم، وهذا ما يمكن أن أعلمه من الصحف بعد حوالى ساعتين أو ثلاثة من الآن.. ولست قلقا فالقضية كلها فى يد  الله؛ ونحن نخوض معركة الله.. وقد دعوت الله مرارا من قبل وقلت: كيف نهزم يا رب فى معركتك؟! لقد خضنا هذه المعركة الأخيرة ضد كلاب الطريق.. التى ظنت أن بإمكانها أن تنبح وتتطاول على الذات الإلهية والرسول الكريم، بينما يصمد المؤمنون تحت شعار: "الخلاف لا يفسد للود قضية"!!, و"حرية الإبداع الماجن", ولكننا سنصبر حتى يحكم الله أحكم الحاكمين.

*****

(إن القلب إذا تطهر عن علاقة البدن المحسوس, وتجرد للمعقول انكشفت لها الحقائق. وهذه أمور لا تدرك إلا بالتجربة لها عند أربابها، بالسكون معهم، والصحبة لهم، ويرشد إليه طريق من النظر، وهو أن القلب جوهر صقيل مستعد لتجلى المعلومات فيه عند مقابلتها، عريا عن الحجب, كالمرآة فى ترائى المحسوسات عند زوال الحجب، من صدأ لايط (لاصق), أو ستر من ثوب أو حائط لكنه (أى القلب) بتراكم الآفات عليه يصدأ حتى لا يتجلى فيه شىء, أو يتجلى معلوم دون معلوم, بحسب مواراة الحجاب له من أزورار أو كثافة أو شغف، فيتخيل فيه مخيلة غير متحلية، كأنه ينظر من وراء شف, ألا ترى إلى النائم إذا أقلت قلبه من يد الحواس وانفك من أسراها كيف تتجلى له الحقائق، تارة بعينها وأخرى بمثالها).

أبو حامد الغزالى

 


أضف تعليق


عدد الحروف المسموح بها 1000 والمتبقي منها
ادخل الكود التالي
CAPTCHA Image
صورة اخرى
الموقع غير مسئول قانونا عن التعليقات المنشورة