مذكرات مجدى حسين فى السجن (51) زيارة عادل حسين لى فى السجن, ولماذا أتخذت القرار "الشقى" بإحضار التلفزيون إلى السجن!!
الثلاثاء, 16 سبتمبر 2014 - 02:46 am

الثلاثاء 27/6/2000: الساعة 6 صباحا.. الشروق
شهر يونيو لا يريد أن ينتهى.. ومن المهم أن ينتهى.. فعندما ندخل فى شهر يوليو.. سنقول لم يبقى سوى شهر على النقض.. وهذه هى طريقة حساب المساجين.. فالمسجون لا يحسب الشهر الذى يكون فيه، ولا يحسب شهر الخروج.. وهذه من آليات المساجين لخداع النفس، وإقناعها بأن الوقت يمر سريعا، أما صاحب التأبيدة فيحسبها بالسنة لا بالشهر.. رحمنا ورحمهم الله..
يوم أمس كان علامة فارقة جديدة فى حياتى بالسجن.. رغم أن الداخلية نكدت علىّ (وعلى اللى خلفونى!!) فبمناسبة مرور مسئول عظيم بالداخلية ثم تعطيل الزيارة.. وقف الأهالى المساكين ساعتين، ولم تبدأ الزيارة إلا فى الثانية عشر ظهرا وحتى الواحدة والنصف, ومع ذلك يظل الكيف أهم من الكم.. فقد كانت زيارة مهمة  بكل المقاييس، فجاء عادل حسين للمرة الثالثة على ما فى ذلك من إرهاق شديد له.. مع زوجتى.. وجاءت شقيقتى إحسان, وجاء ابنى هشام بعد إنهاء معركة الثانوية العامة.. وإن كان قد جاء فى حالة يرثى لها لعدم النوم وبداية السهر مع الخلان.. وربنا يستر.
وأطمأننت من عادل حسين على سير معركة الحياة والموت التى يعيشها الحزب، وكيف أن الحزب يعمل بصورة طبيعية، عدا الجريدة، ولكن مع انتظام وتطوير موقعنا على الإنترنت, وعلمت أن إحدى دراساتى بدأ نشرها على الإنترنت (الجهاد صناعة الأمة) وأن صحيفة حزب الوفاق التى ستصدر قريبا ستكون متنفسا جديدا لنا، يعوضنا نقص الجريدة إذا استطالت عملية إغلاقها.. وهنات زوجتى على تألقها.. فى مقالها الأخير بجريدة "الوفد" ردا على بيانات آل بكرى، فقد قالت بالفعل وبالضبط ما كنت أريد قوله، وما كتبت مثله فى المذكرات، وذلك بدون تنسيق بيننا، وعندما ذكرت لى فحوى مقالها فى زيارة سابقة (الأربعاء الماضى).. داعبتها قائلا: إن ذكائك يزداد.. فردت علىّ بحسم: أنا طول عمرى ذكية!! فأصررت على مواصلة الدعابة: ليس عيبا أن يزداد الذكاء مع الأيام!
ووافق الحاضرون على اقتراحى.. بأن تعتصم الزوجات مع بعض المحامين لمدة يوم واحد أمام مكتب النائب العام، وطلب لقائه لتقديم مذكرة جديدة بإيقاف الحكم لحين النظر فى النقض أسوة بآخرين، واقترحت جمع توقيعات شعبية للمطالبة بإعادة الحزب، وطلبت بذل مزيد من الجهد للدعاية إلى كتابى الجديد الذى رفضت الأهرام توزيعه، ويتم توزيعه الآن بجهودنا الذاتية. وقد وجدت عادل حسين مندهشا من حالة المد الدينى فى أوساط جهاز المدعى الاشتراكى الذى يجرى التحقيق معه، وكيف يتوقف العمل كلية أثناء أداء الصلاة، وقلت له: أن هذا يحدث فى كل المصالح الحكومية، فى كل دور من الأدوار، رأيت هذا فى وزارة الخارجية وفى مبنى الشباب والرياضة.. وباقى الوزارات.
وكانت شقيقتى إحسان متألقة كعادتها.. على المستويين الشخصى والسياسى، ولم أشعر أننى قريب منها أكثر من هذه المرة.. وخلال كل هذه الحوارات الجادة التى تقطعها بين حين وآخر.. قفشه أو ضحكة.. أو أخبار عائلية.. كنت اعتذر لعادل حسين عن هذه المقاطعات لحديثه، باعتبارها إعلانات تقطع البرامج والمسلسلات.. فهذه سمة العصر.. وضحكنا كما لم نضحك من قبل..
ولم أطمئن تماما على مستقبل الحزب القانونى.. ولكن أطمأننت على حسن إدارة الصراع؛ وهذا هو المهم، المهم أن نقوم بواجبنا على أفضل وجه.. والنتيجة فى يد الله عز وجل..
سمعت من هشام بعض الروايات عن تجاوب الناس وتعاطفهم معى.. ومع قضيتنا من محيط عائلات أصدقائه، وأنا أهتم للغاية بمثل هذه الروايات كأحد المجسات للرأى العام.
لم أكن راضيا على مستوى الاستعداد للزيارة؛ فلم أقدم لهم سوى كنتلوب, كركديه مثلج، عصير برتقال مثلج، لب، لبان، مياه مثلجة، بسكويت، ثم طلبت قهوة.. كان لابد أن تكون الوليمة حافلة أكثر من ذلك، ولكن هذه إمكانياتى..
أحضرت زوجتى صورة لها بناء على طلبى.. وكتبت أول رسالة شخصية لى منذ 21 عاما، عندما أرسلت لى رسالة وأنا فى بيروت، ولم تكن هناك ضرورة للمراسلات بيننا لأننا لم نبعد عن بعضنا كثيرا والحمد لله.. ولكن هذه المرة شعرت بأهمية المراسلات, حتى تتواصل حياتنا بشكل طبيعى.. فهذا هو العام الثالث على التوالى.. الذى أمضى نصف السنة فى البيت.. ونصف السنة فى السجن.. فأصبحت فى حالة يرثى لها من الجوع العاطفى.. خاصة أن نصف السنة المحسوب أنه فى البيت، لا أكون فى البيت إلا قليلا، وقد شهدت السنوات الأخيرة مشغوليات لا مثيل لها.. (حملة يوسف والى.. الإعداد لمؤتمر الحزب فى أبريل 1999, مشكلات بناء تطوير التنظيم الحزبى وتحويله إلى حزب جماهيرى مستقر) وحتى الفترات القليلة التى أمضيها فى البيت فإن 90% من الوقت فى القراءة والكتابة والرد على التليفون، ومتابعة القنوات الفضائية فى حالة الأحداث المهمة, حتى وصلت صحتى إلى حالة يرثى لها.. خاصة بعد إجراء العملية الجراحية فى العمود الفقرى.. ولم أكن راضيا عن الوقت المحدود الذى أعطيه لزوجتى وأحمد وهشام.. وهما يمران بأهم مراحل عمرهما..
ثم تكاملت الأحداث الأمس.. لتتحول إلى انقلاب شامل، فقد أقنعت نفسى أخيرا، باستخدام تلفزيون لأول مرة فى سجنى الانفرادى، فخلال الشهور الأربعة الماضية (مع صلاح ثم عصام) انقطعت عن التلفزيون نهائيا, ولم أشعر أننى فقدت شيئا، وهذه المرة أمضيت 3 شهور وحدى دون تلفزيون، وليس لدى أى شوق خاص له، ولكنها طريقتى فى تحدى الظروف، ففى المرة السابقة كنت أقول دائما إذا رفض النقض سأحضر تلفزيونا حتى أشعر أننى أحيا حياة طبيعية متكاملة، ولأستخدمه كوسيلة إضافية لقتل الوقت، أما هذه المرة فعندما وجدت موعد النقض ليس قريبا، قررت أن اتخذ هذا القرار "الشقى"، وهو تلفزيون ترانزستور أبيض وأسود, ولكنه يلتقط كل المحطات المصرية. وكنت أخشى من التلفزيون أن يعطلنى عن أعمالى.. ووقتى محدود أصلا, ولكننى رأيت أن بعض التنويع مطلوب؛ ولفترات محدودة تحت السيطرة، وأن قراءة الروايات والأدب عموما كانت وسيلتى لهذا التنويع، وستظل قراءة الأدب أفيد من التلفزيون.
ومجرد وجود هذا الجهاز الصغير معك (وطوله أقل من شبر، وعرضه أقل من شبر)،  يشعرك بمزيد من الحرية، حتى إذا كان مغلقا معظم الوقت، كانت بالأمس تجربتى الأولى، وكنت سعيدا، ولم اندم على هذا القرار الاستراتيجى!!
فلم أشاهد سوى نشرة الأخبار، وبرنامج عن بطولة كأس أوروبا، حتى أضع نفسى فى الصورة لمتابعة المباريات النهائية، أما فيلم "داستين هوفمان" حول حكاية الوباء الذى فتك بأمريكا؛ فلم يستطع جذبى، ونمت فى مواعيدى المقررة.. وهاأنذا استيقظت فى المواعيد المعتادة فالحمد لله..
ومن نظرياتى فى حياة السجون.. التى أثبتت صحتها.. هو تعمد عدم استكمال كل شىء فى بداية السجن حتى إن كنت تستطيع.. فلم أعد أهتم بأن تكون الحقيبة التى أخذها معى للسجن فيها كل الاحتياجات، ثم تبدأ عملية استكمال الاحتياجات تدريجيا، وكلما استكملت شيئا شعرت بسعادة أكبر وراحة أكبر.. ومساحة أكبر من الحرية.. وكانت زوجتى تتعجب فى بداية سجنى أننى لا أكاد أطلب شيئا.. ثم بدأت تتزايد طلباتى تدريجيا، ثم بدأت استكمل احتياجاتى من داخل السجن.. ولو كان التلفزيون معى منذ اليوم الأول، ما شعرت بكل السعادة التى شعرت بها أمس، وقد ملأنى إحساس بأننى حطمت كل الأغلال!! وأننى دخلت مرحلة جديدة فى الحياة.. هى نفس نظرية الزوجين المتواضعى الإمكانيات الذين يبنيان عش الزوجية رويدا رويدا.. وهذين الزوجين يكونان أكثر سعادة من الذين تزوجا فى قصر منيف منذ اليوم الأول!
* قررت أن يكون أمس (الاثنين) هو الإجازة الأسبوعية.. فلم أعمل فى دراساتى ولم أقرأ، وإنما كتبت ردا على رسالة زوجتى, وهو من الأعمال الشيقة الممتعة.. وكنت قد قررت عدم إرسال خطابات إضافية لها إلا إذا ردت علىّ.
* أما عن الأحداث المقلقة.. فقد أصاب صلاح بديوى مرض شديد، ولكن أحسب أنها الأنفلونزا المعاصرة التى يصاحبها ارتفاع فى درجة الحرارة.. ولم أطمأن إلا بعد أن أخذ الأدوية.. ونام يتصبب عرقا، وإن شاء الله يكون اليوم بصحة جيدة.. وسأحاول الأطمئنان عليه فور فتح الزنازين.
*****
وأخيرا الحمد لله الذى هدانا لهذا, وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله..
فسبحان الله تمسون وحين تصبحون.. وله الحمد فى السموات والأرض وعشيا وحين تظهرون, يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى, ويحى الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون.

 


أضف تعليق


عدد الحروف المسموح بها 1000 والمتبقي منها
ادخل الكود التالي
CAPTCHA Image
صورة اخرى
الموقع غير مسئول قانونا عن التعليقات المنشورة