مذكرات مجدى حسين فى السجن (49) تجربة تناول الأعشاب الطبيعية وتأثيرها على نشاطى فى السجن
السبت, 30 أغسطس 2014 - 01:26 am

الأحد 25/6/2000: الساعة 8 صباحا
هكذا انقلب الروتين.. وربما يكون ذلك أفضل.. فالتغيير فيه نفض للرتابة.. لم أنم أمس بالنهار.. ولا حتى فى الليل.. إلا ساعة واحدة.. ولكننى قمت نشيطا.. الساعة الواحدة صباحا.. وأنهيت قصة "العيب" ليوسف إدريس، وقرأت مقالا جيدا لمحمد عباس, وآخر لحلمى قاعود فى الحقيقة, وشكرت محمد عامر فى جوف الليل.. وبدأت فى إعداد خطاب لرئيس محكمة النقض.. حيث وضعت النقاط فحسب, وعلىّ الآن أن أشرع فى كتابته بإذن الله..
الأمس السبت كان يوما خاصا.. لا توجد فيه أحداث, والزيارات منقطعة تماما منذ 5 يونيو الماضى.. إلا زيارات الأسرة, وهذا من العجب العجاب، ولكنه كان يوما خاصا لى وحدى فى هذا السجن، وربما فى عموم القطر المصرى!! فمنذ عامين تقريبا واهتمامى يتزايد بمسألة الأعشاب الطبيعية كغذاء وعلاج. وقد تعاظم هذا الاهتمام خلال الحملة على يوسف والى؛ وبالأخص من خلال كتابتى عن الهندسة الوراثية، وقراءتى لعديد من الدراسات العلمية على الإنترنت، وفى السجن طلبت كتبا عن الأعشاب بالإضافة لشذرات فى المجلات.. وواصلت الدراسة.. ولأننى فى السجن اقتحم عوالم لم أرها بعد.. وأطأ أرضا لم أطأها قط.. يستوى فى ذلك الروحانيات والماديات.. والروحانيات معروفة.. أما الماديات فهى فى مجال الأكل، فأنا فى السجن على مدار السنوات تناولت أطعمة جديدة لأول مرة.. لا أذكر منها الآن إلا الملبن بالقشدة الذى أكلته لأول مرة فى حياتى فى سجن المحكوم بطرة عام 1991، ولحم النفوس (وهى قطع لحم من رقبة البقرة) فى هذا السجن عام 1998, حيث كان جارى بالمستشفى الحاج سعد ملك تجارة اللحوم.. أما فى هذه الحبسة.. فقد تناولت شوربة اللحم الهندى إنتاج صلاح بديوى عندما كنا فى سجن القطا.. أما أمس فقد حصلت على تركيبة عجيبة من الأعشاب الطبيعية ربما تكفينى لمدة شهر أو شهرين.. لا أعتقد أنها موجود مثيل لها فى جمهورية مصر العربية.. لأن بعض عناصرها مستورد من خارج البلاد.. والتركيبة على بعضها غير شائعة وغير معروفة، وطبعا كانت على سبيل الهدية.. وهى هدية غالية الثمن.. وعندما تناولت أول ملعقة على الريق صباح أمس حتى بدأت ألحظ الأثر الفورى الساحر لهذه الأعشاب، وكأنها أعادت تكوينى من جديد وتجديدى على جناح السرعة.. فسبحان الله.. على خيبتنا فى اقتفاء آثار الغرب نحو المواد الكيماوية حتى إذا دخلوا جحر الضب دخلنا خلفهم.. وتركنا أنعم الله الطبيعية.. ولما بدأ الغرب يكتشف خطأه.. فنحن لا زلنا فى غينا سائرين، لأن الذى يقلد لا ينتبه إلى تغيير الجهة التى يقلدها لطريقتها!! لأن التقليد أصلا قائم على البلادة والغباء والاستسلام.. وتعطيل العقل والخبرة الخاصة.
وأنا الآن لا أملك تقديم محاضرة علمية.. ولكن أملك شرح التغيرات الفورية التى حدثت لى.. فى الصباح شعرت بقدرتى على التنفس بصورة أفضل.. ثم بعد ساعة أو ساعتين شعرت بجوع شديد؛ لم أشعر به مذ دخلت إلى السجن.. جوع يصل إلى قرص المعدة.. فأفطرت بشهية كبرى لم أعهدها.. وكأننى أجبرت نفسى على عدم تجاوز الرغيف الواحد.. بينما لم أجد ما أسد به جوعتى إلا بعلبة تونة لأن يوم السبت لا يوجد إفطار فى السجن.. وهذا أمر عجيب كيف أفطر بعلبة تونة؟ ما هذا النهم؟ خجلت من نفسى؛ ولكن كانت شهيتى المفتوحة مسألة ضاغطة بصورة لا تصدق (والمعروف أن الإحساس الشديد بالجوع والشهية المفتوحة من علامات الصحة).
بعد ذلك بساعتين حدث ما هو أهم.. فرغم أننى أمارس حياتى بشكل روتينى إلا أننى شعرت بسعادة داخلية غير عادية.. ولم تكن هناك أحداث خارجية تدفع لذلك، بل إن تطويح موعد النقض يكفى لإثارة الكآبة لمدى أسبوع. وكنت قد قرأت فى كتب الإعشاب عن أنواع تفرح القلب وتقويه؛ وتواجه القلق والاكتئاب؛ وتعجبت من ذلك؛ ولم استوعبه.. وقلت: هل يمكن أن يتناول المرء نوعا من الأعشاب فينشرح صدره.. هذا والله أمر عجيب.. ويبدو أن هذه التركيبة فيها شىء من ذلك.. وقد وصل الأمر - دون أن أقصد أن أقوم بتجربة - أننى كلما حاولت أن أفكر فى أمر سىء من شأنه أن يثير الحزن، وجدت نفسى منصرفا عنه.. وقد تكرر ذلك عدة مرات على مدار اليوم.
ولقد جمعت هذه الملاحظات فى آخر اليوم, أما فى البداية فلم أكن منتبها لكل هذه الظواهر الجديدة الفورية فى يوم واحد..
الظاهرة الثالثة.. كانت حالة متعاظمة من الهدوء والسكينة، ويبدو أن الهدوء والسكينة لا يوجد لهما سقف.. فمنذ استقريت فى هذا الحبس الانفرادى وأنا أتمتع بالهدوء والسكينة, لكن الأمر يتعاظم مع الأيام.. وهذه الأعشاب زادتهما ارتفاعا!! فسبحان الله..
ثم بدأت أشعر بالنشاط والحيوية.. ولعل هذا هو سبب عدم استطاعتى النوم.. لا بالليل أو النهار.. دون أن أشعر بتعب.. وعندما أصر عصام على لعب التنس، وكنت قد أعلنت اعتزالى خوفا على ظهرى، كان لابد أن استجيب لطلبه.. وأصدرت بيانا - كما يفعل حسام حسن فى الكرة أو بوريس بيكر فى التنس - بعودتى عن الاعتزال نزولا على رغبة الجماهير، وجاء فى البيان (الشفوى) أن المساجين تجمهرت أمام زنزانتى.. تدعونى للرجوع عن قرار الاعتزال الذى سيحرمهم من أروع العروض التى لا يجدون مثيلا لها ولا فى رولان جاروس!! وأثناء اللعب شعرت أننى شخص أقوى.. وأسرع..
(أتوقف الآن عن الكتابة.. مع ضرورة استكمال عرض التجربة الشخصية هذه إن شاء الله.. بعد استكمال بعض الأعمال المنزلية وقراءة الصحف).

 


أضف تعليق


عدد الحروف المسموح بها 1000 والمتبقي منها
ادخل الكود التالي
CAPTCHA Image
صورة اخرى
الموقع غير مسئول قانونا عن التعليقات المنشورة