مذكرات مجدى حسين فى السجن (48) تأملات جديدة فى سورة "يوسف" واجتماع لمناقشة موقف محكمة النقض من قضيتنا
الخميس, 21 أغسطس 2014 - 10:24 pm

السبت 24/6/2000: الساعة 8 صباحا
يا صباح الفل.. يا صباح القشدة.. والعندليب الأسمر.. والغراب الأغبر, فكأن الغراب قد علم رأيى الإيجابى فيه واشفاقى عليه.. فأصبح لا يفارق نافذتى.. وكنت أقول له أننى مشفق عليك.. من ظلم الناس لك إذ اعتبروك علامة الشؤم، ولكننى لست متيما بك إلى هذه الدرجة.. حل عن سمائى بعض الوقت، لا أكتمك حديثا فصوت الكناريا أجمل من صوتك.. فلا تغتر ولا يركبك الغرور.. يا غرابى الحزين.
والحقيقة أننى افتقدت الهدهد.. أصبحت لا أراه إلا عندما آتى إلى مزرعة طرة.. وهل يمكن للهدهد أن يحلق فى الروضة وسط زحام السيارات وعوادمها.. أحببت الهدهد حبا جما.. ولكننى لم أره منذ أسابيع.. وكان آخر مرة فى حديقة المستشفى.. وحاولت كعادتى الاقتراب منه على أطراف أصابعى.. كى أتامله عن قرب.. أتامل هذا الملك المتوج الجميل.. الذى أبدعه الخالق فتبارك الله.. تبارك الله الذى بيده الملك وهو على كل شىء قدير.. ولكنه ما كان يسمح لى بالاقتراب منه أقل من 10 خطوات.. ويحلق برشاقة إلى نقطة أبعد.. إذن يبدو أن قرعتى مع الغراب!! فهو يأتى إلىّ ولا يخشانى عندما أكون فى الزنزانة خلف القضبان.. رغم أننى ليست لدى رغبة فى الاقتراب منه!! وتأمله عن كثب.. فربما لدى رواسب شعبية من أنه علامة شؤم!! ولكن التطير ليس من الإيمان.. وبالفعل فأننى لست متطيرا به, غاية ما هنالك أننى لا أحبه حبا جما!!
بالأمس نشرت الوفد بإبراز نبأ النقض, وأغفلته الأهرام والأخبار, ونشرته الجمهورية فى باب الحوادث والمجرمين.. وكتب مجدى سرحان عمودا رائعا فى الوفد تضامنا معنا ومع حزب العمل وجريدة الشعب.. وهو بالفعل شخص رائع؛ ولا يعرف الرجال إلا فى الأزمات، وكان د. محمود فهمى أستاذ الزراعة بالإسكندرية قد كتب أول أمس مقاله الثانى الرائع الذى يربط بين العدوان على حزب العمل والعدوان على الجامعات.. وهذا النظام محير إلى أبعد الحدود.. إنه أشبه برجل نكدى بلطجى.. لا يفكر إلا فى كيفية إيذاء الناس.. وإثارة العداوات..
حتى مفيد شهاب الذى ظننا فيه خيرا, يمرر هذا القانون المقيت الذى يستهدف الإطاحة بخلاصة زبدة الجامعات (كبار الأساتذة) بينما يتم التمديد لرؤساء التحرير.. ويبقون بعد المدة بلا سند من قانون.. ويتم التمديد لعديد من فئات المجتمع.. إن هذه الحكومة أشبه بالمرأة الشمطاء.. التى لا يهدأ لها بال إلا إذا شتمت جارتها.. أو أضرت أحدا من أهل الحى!!
وعادت الصحف تنشر موجة جديدة من الأنباء والمقالات حول حزب العمل وجريدة الشعب.. والسبب هو شكوتى لرئيس الجمهورية.. وتحرك صحفيو "الشعب" المعتصمون فى النقابة إلى رئاسة الجمهورية لتسليم عريضة احتجاج ومطالبنا بعودة صحيفة الشعب، كذلك قرأت مقالا جيدا لمحمود سلطان زميلنا بالجريدة، فى صحيفة الحياة رغم عدم توفيقه فى الفقرة الأخيرة، ونشرت القدس العربى مقالا لمحمد عباس, وكان موفقا غاية التوفيق, وعادت أنباء حزب العمل تزحف على الحياة والقدس اللندنيتين، وصحف المعارضة, حتى الأهالى تفضلت ونشرت خبرا صغيرا فى الصفحة الرابعة عن بيان الصحفيين المعتصمين, ومن المهم دائما القيام بتحركات متوالية حتى لا تموت القضية.. وليفرض حزب العمل نفسه على الساحة.. ليعلم الذين ظلموا أن ثمن قرارهم غال.. ولن يفت فى عضدنا.. ولن يحدد مصير الحزب.. فمصير الحزب تحدده مواقفه وجهاده.. وقبول الناس له.. ورضاء الله عز وجل من قبل ومن بعد..
كان الأمس يوم الجمعة.. يوم الاسترخاء والنوم.. ولكننى لم أنم بالنهار إلا ساعة واحدة ونصف ساعة، وكان الجو رائعا ولا يزال.. وخرجت عن الروتين وتناولت وجبة الغذاء عند صلاح وعصام, وفى هذه الحالة تفتح شهيتى وآكل بتوسع وانتقام.. وعقدنا اجتماعا تنظيميا لفرع حزب العمل بمزرعة طرة تحت ظلال الزيزفون (أو بالأحرى تحت ظلال التوتة) فى فناء المستشفى.. وكان الهواء عفيا.. وقلت لهما: أين لنا هذا المجلس الرائع خارج طرة؟! وقيمنا الموقف وأحسب أننا اتخذنا قرارات معقولة ومفيدة.. والمشكلة أننى متورط فى التنفيذ!! وعلى رأس هذه القرارات كتابة رسالة إلى الجمعية العمومية للصحفيين, وأخرى لرئيس محكمة النقض..
عندما عدت من صلاة الجمعة أمس قال لى وليم: حرما, فقلت له جمعا إن شاء الله.. وعندما دخلت زنزانتى تذكرت إنه وليم.. وما كان لى أن أقول له جمعا، ولكن ماذا أفعل لقد قال لى: حرما!! وأخذت أضحك وحدى بصوت عال؛ وتذكرت حادثا طريفا, ففى إحدى الشركات الإسلامية.. حيث تتخذ قرارا بعدم تشغيل المسيحيين (وهذا ما أرفضه بشدة).. كانت الشركة تعتمد أحيانا على عمال مؤقتين كعمال الترحيلة.. وكانت الشركة تحتفظ بمسيحى واحد كان يعمل فى بداية تأسيس الشركة؛ وذلك على سيبل الوفاء الشخصى.. وكان اسمه "وليم".. وكان "وليم" مكلفا بإحضار هؤلاء العمال المؤقتين الذى يركبون عربة نقل مع كتابة أسمائهم.. ووقف وليم يشرف على إركابهم.. وكتابة الأسماء.. وينادى على كل اسم مع صعوده للعربة، ونادى: جرجس.. اركب.. اللى بعده، فقال له زميله فى العمل الواقف بجواره: مش معقول يا وليم.. ده مسيحى يا وليم!! المهم أن أحد قادة هذه الشركة هو الذى يروى هذه النادرة الواقعية، ويقهقه.. وأنا أيضا قهقهت معه.. ولكننى لم أقل له أن هذه الطرفة تؤكد أن موقفهم خاطئ.. ويتنافى مع الإسلام (من وجهه نظرى) ومع الوطنية، والإنسانية, وكل الأعراف الجميلة. 
بالأمس كان يوما جميلا.. فيما عدا بعض الحزن.. أثارته إحدى الذكريات. وقرأت فى سورة سيدنا يوسف.. واستمعت لها فى الإذاعة لخامس أو سادس مرة.. وكل مرة أتوقف على زاوية جديدة لم أرها من قبل.. بالأمس وقفت عند الموقف الرائع لهذا الصنف من الحكام.. الذى يعترف بخطئه ويعلن توبته علنا.. أين منهم حكام اليوم؟! حتى امرأة العزيز التى راودت يوسف عن نفسه، وحتى النسوة من علية القوم..
عندما طلب الملك من يوسف أن يأتى إليه من السجن.. ليكون مستشاره.. لم يفرح سيدنا يوسف بإطلاق سراحه رغم أنه أمضى بضع سنين وهى تتراوح حسب الروايات بين 7 - 9 سنوات.. بل هو الذى أخذ يشترط على الملك: (قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ{50} قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ{51} ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ{52} وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ{53})..
ولاحظوا هذه الآية التى تشير لمعانى قد لا تكون واضحة لأول وهلة: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ) ومعناها: هذا اعتراف منى بالحق أقدمه ليستيقن يوسف إنى لم استغل غيبته فى السجن وأتمادى فى الخيانة وأعول على تثبيت اتهامه, ولأن الله لا ينجح تدبير الخائنين. ما أروعك حقا أيتها السيدة التى أنار الله قلبك بالإيمان.. بعد الضلال.. إننا فى عصرنا الآن لا نجد رجلا واحدا ولا امرأة من أهل الحكم يعترفون بأى خطأ مهما كان صغيرا، فما بالنا بهذا الاعتراف فى هذا المجال الخطير الذى يمس العفة والشرف, فالمرء أحيانا يسهل عليه الاعتراف بأى شىء.. إلا هذه الجوانب الحساسة، خاصة المرأة.. ويحدث هذا فى اجتماع علنى!!
فى كل مرة كنت أركز إعجابى على يوسف.. وهذه المرة ألتفت بعمق لأول مرة إلى عظمة امرأة العزيز.. ولا شك أن القرآن الكريم يسجل توبتها النصوح: (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ).
*****
أما بالنسبة لحكاية تطويح النقض.. فقد عبرت الصدمة.. وكيفت حياتى.. وأمضيت ليلة رائعة من الإنجاز الفكرى.. وهذه من علامات توفيق الله.. ثم أنهيت المجموعة القصصية الثانية لإحسان عبد القدوس (وتاهت بعد العمر الطويل) ودرست فى كتاب عن التداوى بالإعشاب, وتبينت للمرة الثانية (المرة الأولى عندما قرأت كتابا لابن سينا قبل دخولى السجن) صعوبة هذه المسألة، فهناك مواد كثيرة قد لا تكون متوفرة، والعطارون ينقرضون.. وبعض الأعشاب قد تكون ضارة إذا لم تستخدم بكميات وطريقة معينة، لابد من وجود علماء متخصصين فى هذا المجال، ولابد من إدخال هذا العلم فى كليات الصيدلة والطب إن كانوا يفقهون!
أما قراءة مجموعة قصصية لمحمد مستجاب.. فتحتاج لإرادة حديدية.. وسأحاول وربما أفلح.. وربما أؤثر السلامة.. وأرجع المجموعة لصاحبها!
يكفى هذا القدر.. أو هذا هو كل شىء!!
اللهم لا تجعل لنا ذنبا إلا غفرته، ولا مريضا إلا شفيته، ولا مظلوما إلا أنصفته، ولا كربا إلا فرجته، ولا محزونا إلا رحمته.. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آل محمد.

 


أضف تعليق


عدد الحروف المسموح بها 1000 والمتبقي منها
ادخل الكود التالي
CAPTCHA Image
صورة اخرى
الموقع غير مسئول قانونا عن التعليقات المنشورة