مذكرات مجدى حسين فى السجن (46) رحمة الله الواسعة أثناء مرضى المفاجىء فى أذاربيجان
الجمعة, 01 أغسطس 2014 - 05:24 am

الخميس 22/6/2000: الساعة السابعة صباحا  
مزاجى مش ولابد.. سمعت بالأمس نبأ كدرنى على المستوى الشخصى, كان كنقطة خل أفسدت برميلا من العسل.. وأحيانا أكون فى حالة لا تصدق من التكدير والحزن والأسى عندما أسمع خبرا سيئا وأنا هنا مقيد الأقدام والأرجل لا أستطيع حيلة ولا أملك فى زنزانة منفردة أن أحول تفكيرى عن نقطة ما حيث يتوقف الكون من حولى, فلا شخص أحدثه أو يحدثنى فيخرجنى مما أنا فيه, ولا أملك أن أنزل إلى الشوارع أتمشى لأخفف من تكديرى.. أو أركب السيارة وأقودها فى الشوارع فى جوف الليل بغير هدى.. هدنى الألم والحزن.. وشعرت بجسدى يتهاوى من تحتى.. قرأت فى مجموعة قصصية من أمريكا اللاتينية لما يقال لهم كبار الأدباء فى هذه القارة.. فلم استسغ قصة واحدة منها, وشعرت بمسئولية الترجمة.. أنك لا تترجم أى شىء والسلام حتى ولو كان لكاتب كبير.. فليس كل الأدب  يصلح أن يكون عالميا أو إنسانيا.. فقذفت بالكتاب.. وأطفأت النور.. وقلت: يا رب إذا تواصل تداعى جسدى من شدة الحزن فإن خط الدفاع الأخير هو قراءة القرآن.. فهو البلسم الشافى المضمون.. ولكننى نمت بعد دقائق من إطفاء النور نوما عميقا وكأن شيئا لم يكن.. وكأننى لم أمضى واحدة من أسوأ الليالى فى السجن.. وصحوت اليوم أكثر استبشارا بالحياة وأكثر واقعية.. وأكثر قدرة على تحجيم شعورى بمساوئ الحياة الدنيا.. فلا يمكن للحياة أن تمضى يسيرة هنية وألا ما كانت حياة.. وعلينا فى الحياة أن نتصرف كالجيوش المتقدمة المظفرة فهى تخترق الخطوط وتتقدم.. وإذا استعصى عليها موقع فإنها تطوقه بجزء منها وتواصل التقدم والاختراق بالجزء الأعظم من القوات.. حتى يتسنى فى وقت لاحق تطهير هذا الجيب, وهكذا فى حياتنا إذا أصابنا "خراج صديدى" أو "جرح" نضمده أو نضع عليه "لبخة".. ونواصل الحياة.. رغم كل شىء؛ حتى يتم تطهير الخراج أو الجرح الصديدى بعد حين.. والزمن هو الطبيب.. فهناك أمراض وجروح لا شفاء لها إلا بمرور الوقت.. وكل ألم يحتاج لوقت حتى ينقشع تدريجيا.. والمهم هى القدرة على تحمل الألم والعلو عليه.. وهذا كلام سهل على الورق.. ولكن بالغ الصعوبة على أرض الواقع، فرب جرح صغير أو مشكلة فى الأسنان تستبد بالجسد كله.. وتجعله يتداعى بالسهر والحمى. بل هذا كثيرا ما يحدث بالفعل.. وهنا تكمن أهمية الإرادة.. وأحيانا الألم يكون أقوى من أن تتجاهله وتمضى فى طريقك, وهنا يكون دور الإرادة أن تتحمل الألم.. دون انهيار نفسى.. دون اليأس من رحمة الله.
فى أذاربيجان عندما سقطت مريضا هناك كان لى خبرة بالمعنى الحسى.. الجسدى لهذه التجربة.. فقد عانيت من آلام لم أعرفها فى حياتى على الإطلاق.. حتى عجزت عن قراءة القرآن.. وكان القرآن فى يدى؛ ولكننى عاجز عن القراءة.. ودعوت الله أن ينقذنى.. وقد كان ذلك بعد عدة ساعات عندما أخذت حقنة مسكنة لحين نقلى من الفندق إلى المستشفى.. حيث تولى علاجى واحد من أفضل أطباء العظام فى باكو.. فكان هو ملاك الرحمة.. اسمه (يشار).. وكنا نتحدث معا بصعوبة ونحتاج لمترجم.. وبعد فترة بدأ يتذكر بعض الكلمات الإنجليزية.. وأنا بدأت أحفظ كلمات أذاربيجان (لغة تركية معدلة!).. وبدأنا أحيانا نتفاهم دون مترجم.. ببعض الإنجليزى وبعض التركى.. كان بالنسبة لى مبعوث العناية الإلهية.. وكان إنسانا شفافا.. وعندما انتهى علاجى.. وأوشكت على الرحيل سلمت على الرجل بحرارة, وقبلته على وجنتيه.. فإذا به يبكى ويخرج من الغرفة متأثرا.. وتعجبت كثيرا.. هو يبكى لأننى قبلته.. والحق أننى الأجدر بالبكاء.. لأنه كان سببا فى شفائى فى هذه الغربة الموحشة.
والألم النفسى يكون أحيانا أشد عنفا من الألم الجسدى.. وكلاهما يتبادلان التأثير والتأثر.. والوصفة واحدة.. والعلاج واحد.. الصبر والصمود.. وعدم اليأس من رحمة الله.. والكلام سهل, المهم هو الاختبار الواقعى.. فى السجن ألتقى بنماذج تستفزنى.. أناس لا يكادون يتحملون السجن.. فهم دائما على حافة الانهيار, وهؤلاء هم الناس الذين لم يكتشفوا ما أودعه الله فيهم من قوة.. هم أشبه ببلد فقير.. لا يريد أن يبذل جهدا فى التنقيب عن الثروات فى باطن الأرض, أو الثروات الكائنة فى أنفسهم (اليابانيون عندما اكتشفوا ندرة ما يمتلكونه من موارد طبيعية، اكتشفوا أهمية الموارد البشرية!!).
وهكذا استطعت أن انتشل نفسى من الحزن الشخصى إلى التفلسف العام. وهذه هى طريقتى الخاصة فى تجاوز الألم أو بالأحرى من استغفاله!! وهى يمكن أن تكون طريقة عامة.. والأمثال الشعبية تختزن خبرات بالغة الأهمية فى هذا المجال (من شاف بلوه غيره هانت عليه بلوته) هذه طريقة مجربة فى تحمل الألم ثم تجاوزه. ودائما سيجد الإنسان من هو فى كرب أشد منه. وقد قلت لمسجون فى حاله نفسية بالغة السوء رغم أن فترة حبسه لا تزيد عن سنتين, قلت له تذكر أن السجن أفضل من المرض الذى يشل الإنسان ويحوله قعيدا بلا حراك حتى الموت.. وأنه أفضل من الموت.. موت السجين أو أحد أعزائه كزوجته وأولاده.. فرد علىّ قائلا: لا المرض أفضل من السجن، لا شىء أسوأ من السجن، أنا مستعد أذبح واحدة من بناتى وأخرج الآن من السجن).. قلت لنفسى: هذه حاله لا يرجى لها شفاء.. هو يستعذب التداعى النفسى.. ولا يريد أن يخرج منه.. وهى حالة أشبه بحالة مريض يرفض أن يأخذ الدواء الشافى له.. فماذا تفعل له؟!
لقد أمعنت فى التأملات.. وهذا هو الذى يتناسب مع كتابة المذكرات فى أعقاب صلاة الصبح.. ومع أجواء الشروق التى تدفع الإنسان للتفكير فى خلق السموات والأرض.. وفى تقلبات هذه الدنيا الفانية التى ما هى إلا لهو ولعب..
أما بالنسبة للأمس فلم تكن هناك أحداث تذكر, ومر يوما رتيبا وواصلت دراساتى.. وما زلت متوقفا عن ممارسة الرياضة لأن جسدى اشتكى من هذه الجرعات الزائدة غير المعتادة.. ولم أجد فى الصحف ما يلفت الانتباه أو يعلق بالذاكرة. 
اللهم أصلح لنا ديننا الذى هو عصمة أمرنا.. وأصلح لنا دنيانا التى فيها معاشنا.. وأصلح لنا آخرتنا التى إليها معادنا.. وأجعل الحياة زيادة لنا فى كل خير.. وأجعل الموت راحة لنا من كل شر.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله.

 


أضف تعليق


عدد الحروف المسموح بها 1000 والمتبقي منها
ادخل الكود التالي
CAPTCHA Image
صورة اخرى
الموقع غير مسئول قانونا عن التعليقات المنشورة