مذكرات مجدى حسين فى السجن (45) بين شدو العصافير فى الفجر ورائحة المجارى, وحمى انتشار الموضوعات الجنسية فى الصحافة المصرية
الأحد, 20 يوليو 2014 - 01:51 pm

الأربعاء 21/6/2000: الساعة 6 صباحا
الحمد لله الذى جعل الزمن دوارا.. الحمد لله الذى جعل لنا الليل والنهار آيتين.. الحمد لله الذى يكور الليل على النهار.. والنهار على الليل.. لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين.. لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين.. لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين.. هذه دعوة سيدنا يونس.. أكررها عليك يا رب العالمين.. فأخرجنى من جوف الحوت.. كما أخرجت سيدنا يونس.. وأعف عنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم..
اللهم دمها نعمة وأحفظها من الزوال.. اللهم أحفظ علىّ هذا الروتين.. وأنا أصلا حياتى لا تعرف الروتين خارج السجن، فلعدة أيام متواصلة أنام فى منتصف الليل، وأصحو قبل الشروق.. لأبدأ يومى فى لحظة فارقة بين الليل والنهار، فاللهم أحفظ لى هذه التوقيتات.. فما أحلى أن أبدأ يومى معك يا رب العالمين دون باقى خلقك. اللهم إلا الطير المغرد والمسبح بحمدك.. وجهاز اللاسلكى يئن بالإشارات على مقربة بابى.. وهذه القطط الميرى تئن وتموء وتتشاجر فى بداية اليوم لا أدرى لماذا؟! ومواسير المياه تئن من اندفاع المياه فيها، لأن رجلا - لعلك تكون راضيا عنه - يدير الموتور لتندفع المياه إلينا عبر البئر.. كى نتطهر قبل أن نلقاك مصبحين.. وحتى هذا الغراب المظلوم.. الذى تتشاءم الناس منه.. استعذب أناته الغليظة, وأحب أن أراه قابعا على الأسلاك الشائكة.. أحمل إليه كل التعاطف على ما ظلمه الناس، فقالوا إنه رمز للتشاؤم.. حتى تغريد العصافير ليس واحدا, بل متنوعا من يوم لآخر, ومن دقيقة لأخرى, وكأنها أسراب مختلفة الأنواع تتبادل المواقع والمواضع, وتنوع الشدو كى تبالغ فى إدخال الأنس والبهجة على نفسى.. ولتبدد أحزانى.. ولتمسح أدمعى.. وقد حسبت أننى بائس أو مبتئس.. بينما هى دموع حب ومحبة لله عز وجل..
وأحيانا أتسأل كيف تكيفت كل هذا التكيف على روائح المجارى المقيمة أمام بابى.. إن وقف المروحة لدقائق يوضح حجم هذه المأساة.. فأحمد الله أننى لا أعانى هذه المأساة إلا دقائق.. وأننى معظم اليوم لا أنتبه لهذا الأمر الذى يكفى وحده لتحويل حياة أى إنسان إلى جحيم مقيم, فهل بلغت رحمة ربى إلى حد أن أنفى لم تعد تلتقط الروائح الكريهة.. ولا تلتقط إلا روائح الياسمين التى تأتى إلىّ عبر عشرات الكيلومترات.
* صحف الأمس حملت مقالا لصلاح قبضايا فى صحيفة الأحرار.. أعطى زخما جديدا لشكوتى لرئيس الجمهورية.. ورغم تلاعب قبضايا بحيث يبدو منتقدا لى.. وكأننى أحرض على حبس أل بكرى.. وهذا ما لم يدر فى خلدى.. وهو خطر غير قائم عليهما.. أننى دعوت للمساواة معهما فحسب.. ورغم دعوته لوالى كى يعفو عنا.. وهذا أمر كريه.. إلا أن المقال بدا فى مجموعة إيجابيا لأنه أعطى مزيدا من الحياة لشكوتى.
كذلك أبرزت صحيفة "الميدان" خبرا عن الحوار الذى دار بين مبارك ومصطفى بكرى فى عيد الإعلاميين (وهو حوار على الواقف).. فقال مبارك: صحيح يا مصطفى صفوت الشريف هو الذى أوقف الحكم الصادر ضدك.. فرد بكرى لا يا افندم ده المحامى بتاعى قدم طلبا للنائب العام الذى قبله.. وتساءلت مع نفسى: وأنا أيضا لدى محامين على أعلى مستوى؛ وقدموا طلبا للنائب العام فلماذا استنكف؟!
فى الصباح أيضا أقلب كل صحف ومجلات المساجين قبل توزيعها.. وأتعجب عن هذا الذى يجرى فى مصر؟ نساء مجلة الشبكة لا يرتدين من الملابس إلا قليلا.. وأحيانا قليلا جدا.. ولكن هذه على أى حال مجلة مستوردة، ولكن ما بالنا بصحف ومجلات مصرية لا هم لها إلا نشر الرذيلة, وبها من الصور الخليعة ما تتوارى فيه السواتر تدريجيا، وأحيانا على الأغلفة, ما هذا الذى أرى وأقرأ فى "حريتى" على الغلاف صورة امرأة شبة عارية, والافتتاحية مقال للكاتب الكبير "سمير رجب" يكتب فى ذكرى المولد النبوى الشريف, و"شاشتى" تنشر غلافا لا يقل سخونة.. أما مقال سمير رجب الثابت فهو بعنوان: "بالحق أقول" وهذا كلام الله عن نفسه فى القرآن الكريم, ولكن أحدا لم ينبه سمير عجب يا دى الرجب.. إلى هذه الخطيئة, و"المواجهة" ترجمة لكل البذاءات الجنسية لكازنوافا، والمواقع الجنسية الإسرائيلية على الإنترنت, وكل الانحرافات الجنسية التى تجرى فى شتى أنحاء مصر والعالم, و"آخر خبر" أو "النبأ" تتصدرها بطولات الاغتصاب والزنا على الأسّرة وفى الهواء الطلق، ولم يبق إلا القليل عن المصطلحات.. كى يكون كل شىء شفافا.. ألسنا نعيش فى عصر الشفافية؟!
*****
* على صعيد السياسة سأعطى للنظام مهلة 48 ساعة بعد انتهاء المؤتمر الدولى لمجموعة الـ 15 لأرى هل سيتم إقالة "روقة" أم لا؟! لا تضحك يا قارىء المذكرات.. ولا تسخر منى.. ولكن حقيقة لا أستطيع أن أتصور أن يصل تحدى الناس والواقع إلى هذا الحد؟!
إذا بقى "روقة" حتى الانتخابات أو إلى ما بعدها أيضا.. يحق لله أن يعذب هذه الأمة فى الدنيا والآخرة..
لقد أصبح الحديث عن سياسة البلاد أمر ممقوت ومقزز, أى سياسة فى هذه الأوضاع.. لابد من دك عرش الطغيان.. ولابد لكل إنسان شريف أن يعلن موقفه بصورة ما.. لابد أن يتبرأ كل إنسان أمام الله لا بعمل ما.. بموقف ما.. فلسنا عبيدا فى سوق نخاسة الحكام.. كيف نسمح لهم أن يستهزئوا بنا إلى هذا الحد؟! منذ عدة أيام حولوا فودة إلى المحاكمة بتهمة التربح والحصول على 5 ملايين جنيه - وهذا المبلغ تافه - باستغلال نفوذه فى محافظة الجيزة، وهو أمر استفزازى إلى أبعد حد, أو هكذا يتصور الحكام أنهم يظهرون فى صورة المحاربين للفساد!! يحولون فودة للمحاكمة دون محافظ الجيزة ووزير الثقافة، ما هذا الاستهزاء بالعقول والازدراء بالناس؟ وهم على سبيل التمويه حولوا محافظ الجيزة القديم منذ سنوات بعيدة (عبد الحميد حسن) إلى محاكمة ما.. فى مسألة ما.. حقا ما هذا الذى يجرى فى مصر؟! عندما تقرأ العنوان تتصور أنهم حولوا ماهر الجندى للمحاكمة, وعندما تقرأ الخبر تجد عبد الحميد حسن.. ولماذا عبد الحميد حسن؟! يعنى هو اللى وقع من قعر القفة؟!
* بالأمس حققت إنجازا فى كتابة دراساتى وهذا توفيق من الله، فخلال البحث نتوصل إلى أفكار جديدة لم تكن لديك فى بداية البحث.. وهذا رائع ودائما أدعو الله وأقول له إذا حفظت لى هذه الأوراق.. ولم تقع فى قبضة الشرطة.. فأننى اعتبر ذلك علامة على رضائك عنها.. فاللهم أحفظ لى هذه الأوراق من خطر المصادرة؛ إلا إذا كنت غير راضى عن الاستنتاجات التى توصلت إليها فيها.
فى لحظات التحضير للكتابة أكون فى ذروة التوتر والقلق والاضطراب.. وعندما أكتب وأصيغ الأفكار وأستريح لها.. أكون أهدأ نفسا.. بل أشعر بحالة رائعة من الارتياح كأم ولدت مولدها.. ورأته أمامها يبكى ويصرخ فى صحة جيدة.. ساعتها لابد أنها تنسى آلام الولادة!!
وعندما يحدث ذلك فى السجن فإن السعادة تكون مضاعفة عدة مرات.. لأن أى إنجاز فكرى أقوم به داخل السجن يعنى أننى حطمت كل الأسوار والجدران والقضبان, ودمرت كل الأغلال.. فهذا أصلا أهم إنجاز فى حياتى.. فإذا تم داخل أو خارج السجن فلا يعنينى.. والمفارقة أن السجن يهيئ لى من الوقت والسكون ما هو مستحيل أن يحدث خارجه مهما خططت.. لأنه فى حزبنا ليس لدينا حتى الآن ما يكفى من القادة والكوادر بحيث يسمح الأمر بتفريغ واحد مثلى للعمل الفكرى.. إلا عندما تعتقلنى السلطات!
أما على صعيد الفرفشة والتسلية.. فقد توقفت مؤقتا عن قراءة الشعر, ووجدت أننى أشعر من الشعراء (ولكن بالنثر)!! بل لقد حاولت أن أكتب قصيدة عمودية، ثم انفجرت فى الضحك لفرط سذاجتها، وهذا ما كان يحدث لى فى شرخ الشباب, وعدت سيرتى الأولى لهوايتى الأصلية (القصص والروايات).. وانتقلت إلى "فتحى غانم" وقد يتعجب متابع الأدب من قراءة هذه المذكرات.. إذا علم أننى لم أقرأ قط لفتحى غانم, وإن كنت أسمع عنه سمع خير (من اليساريين طبعا) وكانت القرعة على مجموعة قصصية "عيون الغرباء", وقد قرأت حتى الآن 6 من 11 قصة, وأعجبتنى جميعا, ومن الصعب أن تعجبك كل القصص القصيرة فى سفر واحد حتى مع أكبر الأدباء.. ولكن هذا ما حدث معى؛ لقد استمتعت بالقصص الست الأولى كلها.. ثم غلبنى النوم.. وسأواصل اليوم.
* بالأمس حدثت موقعة بينى وبين أحد اليساريين فى السجن, لعدم جديته فى الحوار.. وأنا لا أحب المصادمات, ولكنها تُفرض علىّ، وكان فى ذلك نوع من الخروج غير المقصود عن الروتين، وأتلقى ببالغ السعادة والترحيب الإيجابى بكتابى "أحكام القرآن الكريم فى موالاة الكفار والمشركين" من كل من قرأه.. فالحمد لله من قبل ومن بعد.
*****
أقول كما تقول المذيعة اللبنانية فى نهاية نشرة الأخبار: هذا كل شىء!!

 


أضف تعليق


عدد الحروف المسموح بها 1000 والمتبقي منها
ادخل الكود التالي
CAPTCHA Image
صورة اخرى
الموقع غير مسئول قانونا عن التعليقات المنشورة