مذكرات مجدى حسين فى السجن (44) ذكريات عن مشاعر الحج, وآراء مصطفى ومحمود بكرى فى مسألة حبس الصحفيين
الإثنين, 14 يوليو 2014 - 02:43 am

الثلاثاء 20/6/2000: الساعة 6 صباحا
أصبحت أعشق هذا الوقت من اليوم.. وأنا دائما أعشقه.. ولكننى لا أملك ممارسة هذا العشق كل يوم.. إلا فى السجن.. وحتى فى السجن يحتاج الأمر لتنظيم مواعيد النوم حتى تكون ساعة الشروق مستيقظا ونشيطا, والحقيقة أننى أتمنى ولا أخطط.. والله يحقق رغائبى.. فالنوم أصبح يجافينى بعد العصر.. وبالتالى يسهل على النوم فى منتصف الليل.. ولا أتذكر أحلامى, ولكن يبدو أنها كانت أحلاما سعيدة.. أذكر معانيها دون أحداثها.. أذكر اليوم أننى شعرت خلال نومى أننى قوى.. وأقوى من الطغاة.. وأننى سعيد وهم حزانى.. وأننى أشد حبا لله.. لا ينقصنى شىء..
وسبب عشقى للشروق.. ولصلاة الفجر هو المناخ المحيط.. فالعبادة واحدة لا تتغير.. ولكن المناخ المحيط يضفى عليها جلالة معينة.. وهذا مثلا ما نلحظه بصورة أكبر فى الحج.. وكثيرا ما ينالنى العجب عندما أسمع من شخص عائد من الحج عن المتاعب التى واجهها فى صورة شكوى.. بينما الحج هو المشقة.. والعبادة فيه مشقة.. ويكفى أنه يجرى فى بقعة تتمتع بمناخ بالغ القسوة معظم شهور السنة.. ويكفى الزحام.. ويكفى المبيت فى العراء بالمزدلفة.. حتى عد الرسول صلى الله علية وسلم "الحج جهادا للمرأة"..
عندما ذهبت للحج مشوقا إلى لقاء الله ورسوله فى هذه الأماكن المقدسة.. تصورت أننى سأبكى بالدمع الهتون عندما أرى الكعبة, أو أمام قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ولا شك أن الرهبة تملكتنى وانخلع قلبى فى المكانين, ولكننى لم أبك إلا فى منى!! كنت أقيم فى منى فى أفضل مكان بعد القصور الملكية.. فى مقر رابطة العالم الإسلامى.. وهو على تواضعه وتواضعه وتواضع طعامه.. إلا أنه يعتبر فخيما بالنسبة لحياة الخيام.. وكنت أكاد لا أفعل شيئا خارج الشعائر إلا قراءة القرآن.. وأحرص على تجنب أية مناقشات وسط جمع الصحفيين الذى كان معى.. وفى يوم النفرة.. كنت أسير فى حوارى "منى" ودروبها.. وأرى المعترين الذين جاءوا للقاء الله فى هذا المناخ القائظ.. لا يكادون يملكون شروى نقير.. وجدت رجلا عجوزا يحمل أشياءه فيما يشبه "البؤجة" وفى يده كوب بلاستيك.. رأيته يلملم أشياءه ويحملها على ظهره.. ويستعد للرحيل من "منى".. تذكرت قول الله عز وجل: (ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).
عندما نظرت إلى الشيخ العجوز.. ومشاهد أخرى مماثلة لأناس فقراء.. جاءوا من أعماق قارات الأرض.. تفجرت بالبكاء كطفل صغير.. وتساءلت ما الذى جاء بكل هؤلاء الفقراء المعترين.. إلا إن يبتغوا فضلا من الله ورضوانا.. ما جاءوا يا رب فى هذا اليقظ.. وبهذه الإمكانيات المتواضعة.. وليمروا بكل هذه المشاق.. إلا تسليما لك.. وإقرار بالعبودية لك وحدك لا شريك لك.. فاللهم لبيك.. لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك.. إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك..
ولطالما أذانى الناس خلال الطواف.. فتجاوزت.. وكدت أداس بالأقدام عند رمى الجمرات.. بل وفقدت نعلى بالفعل, وعدت إلى مستقرى حافى القدمين.. على الأرض الملتهبة أستغرب هذا الحال.. حتى أننى لم أفلح فى رمى الجمرات إلا فى الكرة الثانية.. كذلك حال الحجاج بينى وبين الحجر الأسود بعناد.. وكأنهم يتعمدون منعى أنا بالذات.. فلم أغضب.. وما زلت حتى هذه اللحظة لم ألمس الحجر الأسود.. ولم أقبله.. حتى عندما عدت للعمرة كان ذلك فى شهر شعبان.. حيث يتصاعد الإقبال على أداء العمرة خاصة من العاملين بالسعودية تحت شعار أنهم "يشعبنون"!!
فمنعنى الزحام بإصرار من لمس الحجر الأسود.. رغم أننى كنت أقرب إليه من قربى أثناء الحج.
أقصد إن كل هذه المظاهر لا تفسد الحج كما يتصور البعض. بل هى الحج ذاته.. فالله عز وجل يفتح بيته للناس.. كل الناس.. يستقبل المثقفين وعامة الناس.. يستقبل حديثى الإسلام قليلى المعرفة بآدابه.. كما يستقبل حسنى الإسلام عميقى التقوى والورع والمعرفة بآداب الإسلام.. يستقبل الأحمر والأسود والأبيض.. يستقبل الأسيوى والإفريقى والأمريكى.. فكيف بنا نضيق بضيوف الرحمن.. حتى لو داسوا على الأقدام، أو دفعونا بالمناكب.. أو زغدونا بالكوع!! لقد كنت أستعذب كل هذه الآلام (وسط 2 مليون حاج) وكنت أعانى من آلام العمود الفقرى, ولكنها لم تمنعنى من حسن أداء الشعائر فيما أتصور..
مع الفارق الشديد.. بين صلاة الفجر.. وأداء مناسك الحج.. إلا أن ما يجمعهما هو المناخ المحيط.. فربما يرجع فضل صلاة الفجر إلى هذا المناخ المحيط.. الذى يساعد المصلى على الخشوع.. فالحياة لم تدب بعد.. والضوء لم ينتشر.. بل هناك فحسب كائنات الله الطائرة تسبح بحمده.. كل هذا مناخ يساعد على الإخبات والخشوع, ورغم أن صلاة الجماعة أفضل.. إلا إن الصلاة المنفردة الإجبارية.. كتلك التى أصليها فى زنزانتى لها روعتها وجمالها.. فأنا أنفض عن نفسى أثواب الكسل والنوم.. وأقوم لله وحده.. ولا يرانى سواه.. وأتطهر له.. وأتوضأ وأنا فى حالة لا يرثى لها.. ألم يقل الله عز وجل أن النوم هو موت مؤقت.. وبالفعل عندما استيقظ من النوم فى السجن أو خارجه أتذكر الآية الكريمة: (مِّنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ), وعندما يكون الشروق وشيكا لا أستطيع أن أستطيل فى الصلاة, وأشعر بالحزن لذلك.. ولكن الصلاة القصيرة قد تكون بها شحنات أكثر من أطول الصلوات.. فالمهم هو إحكام الاتصال بالله.. وإخلاء الذهن من كل شىء سواه.
واليوم كان هذا هو حالى.. ولم يكن بينى وبين الشروق إلا عشر دقائق, فصليت بقصار السور.. (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ{1} فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ{2} إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ), هذه جائزة الله لرسوله وللمؤمنين.. نهر الكوثر فى الجنة.. فما حاجتى إلى دنياكم أيها الطغاة الكذابون.. الذين تكذبون كما تتنفسون.. وتقتلون دون أن يرمش لكم جفن.. وتتكأكون على هذه الأمة المهيضة الجناح.. تتحكمون فيها, وبمعاونة أراذل الناس وأسوأ عناصر المجتمع.. ما حاجتى بكم وبدنياكم وأذنابكم.. بينما أتطلع إلى الكوثر.. وأضع ابهامى على أذنى لأسمع صوت هدير هذا النهر العظيم.. الذى لا عين رأت مثله.. ولا أذن سمعت.. ولكنها مجرد محاولة للاقتراب والتخيل كما قالت السيدة عائشة.. أما الذين يبغضون الله ورسوله والمؤمنين.. فمقطوع دارهم فى الدنيا والآخرة.

*****

بالأمس بدأت أصداء شكوتى المنشورة فى الوفد والأهرام العربى تتفاعل, فأرسل مصطفى ومحمود بكرى ردا للوفد.. فحواه نفى أى صله لصفوت الشريف بوقف تنفيذ الحكم عليهما.. وكان إقامة علاقة مع صفوت الشريف رجز من عمل الشيطان, وحاول الرد أن يقول إن قرار النائب العام بالنسبة لوقف حكم حبسهما عادل.. وأن تنفيذ الحكم علينا أيضا..
كذلك كتب الاثنان فى الأسبوع شيئا من هذا.. مع التعريض بشخصى وبالحزب كله (محمود), أما مصطفى فكان أكثر كياسة.. وأكثر رفضا لحبسى وإغلاق الجريدة وتجميد الحزب.
وكل هذا أمر عجيب حقا، فأنا لم أستهدف من شكوتى النيل من آل بكرى. كل ما هنالك أننى طالبت بالتساوى معهما.. وأن استفيد وزميلى المحبوسين من نفس الميزة التى حصل عليها مصطفى ومحمود..
كذلك فهمت أن هذا الموضوع أثير خلال مصافحة مبارك للإعلاميين.. وأقول مصافحة لأن الرئيس تجنب إجراء حوار مع الإعلاميين فى هذه الظروف الظلامية.. وترك صفوت الشريف يتحدث عن حرية الإعلام التى تتمتع بها مصر؛ وأنه لا مثيل لها فى العالمين..
إذن فقد تفاعلت الشكوى - عندما نشرت - وهذه بعض أصدائها, وأنا لا أريد أكثر من ذلك.. فقد قمت بواجبى فى الدفاع عن حقوقى وحقوق صلاح وعصام, أما العدل والإنصاف فلا أنتظرها إلا من الله..
وأنا لن أرد على آل بكرى لأقول لهما لماذا تفرون من صفوت الشريف كما يفر السليم من الأجرب، وهل العلاقة مع وزير إعلام مصر جريمة تنفونها.. ولن أرد لأقول لهما أننا - بغض النظر عن حكاية "الشريف" - أمام قرار مزدوج للنائب العام بلا حيثيات معلنة.. فلن أدخل معهما أو غيرهما فى معارك جانبية.. ويكفى أن وجهة نظرنا أصبحت معلنة ومعروفة للكافة.

*****

* بالأمس واصلت جولتى الشعرية فى مختارات من شعر محمود درويش, وهو شاعر يتسم بالتلقائية والسلاسة, ولطالما ألهب مشاعرنا فى شبابنا تجاه فلسطين.. إلا أننى لم أعد استسيغ قراءة أدب وشعر لا يلتزم بآداب الإسلام.. والتدين عموما.. ولم أجد ضالتى المنشودة فى شعره للغزل.. ولكن أعجبتنى قصائد قليلة.. فى مجال آخر.. مجال الشدة على الطغيان وقوى البغى والعدوان.. إنه يضع الحيثيات للغلظة على الظالمين, وقد كانت تصلح هذه الأبيات للمرافعة عنى فى المحاكمة، إذا كانوا قد سمحوا لنا بالمرافعة أصلا.. ومنها مثلا:
بايعت أحزانى..
وصافحت التشرد والسّغب
غضب يدى
غضب فمى
ودماء أوردتى عصير من غضب
يا قارئى!
لا ترج منى الهمس!
لا ترج الطرب
هذا عذابى
ضربة فى الرمل طائشة
وأخرى فى السُحب
حسبى بأنى غاضب
والنار أولها غضب
*****
حملت صوتك فى قلبى وأوردتى 
فما عليك إذا فارقت معركتى
أطعمت للريح أبياتى وزخرفها
إن لم تكن كسيوف النار قافيتى!
آمنت بالحرف.. إما ميتا عدما 
أو ناصبا لعدوى حبل مشنقة 
أمنت بالحرف نارا.. لا يضير إذ
كنت الرماد أنا.. أو كان طاغيتى!
فإن سقطت.. وكفى رافع علمى
سيكتب الناس فوق القبر: لم يمت
*****
أنا لا أكره الناس
ولا أسطو على أحد
ولكنى.. إذا ما جعت 
آكلُ لحم مغتصبى
حذار.. حذار.. من جوعى
ومن غضبى!!
*****
أما عندما يزاوج بين فلسطين والحبيبة فيقول: 
أنا آت إلى ظل عينيك آت
من غبار الأكاذيب.. آت
من قشور الأساطير آت 
أنت لى.. أنت حزنى وأنت الفرح
أنت جرحى وقوس قزح
أنت قيدى وحريتى
أنت طينى وأسطورتى
أنت لى.. أنت لى.. بجراحك
كل جرح حديقة
أنت لى.. أنت لى.. بنواحك
كل صوت حقيقة
أنت شمسى التى تنطفئ
أنت ليلى الذى يشتعل 
أنت موتى.. وأنت حياتى
وسآتى إلى ظل عينيك.. آت 
وردة أزهرت فى شفاه الصواعق
قبلة أينعت فى دخان الحرائق
فاذكرينى.. إذا ما رسمت القمر
فوق وجهى، وفوق جذوع الشجر
مثلما تذكرين المطر
وكما تذكرين الحصى والحديقة 
واذكرينى
كما تذكرين العناوين فى فهرس الشهداء 
أنا قاومت كل عروش القياصرة الأقوياء 
لم أبع مهرتى فى مزاد الشعار المساوم
لم أذق خبز نائم
لم أساوم
لم أدق الطبول لعرس الجماجم
وأنا ضائع فيك بين الراثى وبين الملاحم
بين الشمس وبين الدم المستباح

*****

ولكن جاء يوم أصبح الشيوعيون المتقاعدين يقولون أننى أسب وأقذف الطغاة.. فهذا شعر يسارى.. حجة عليهم.. عندما كان اليسار وطنيا، ولم يتحول إلى مجرد يسار (بمعنى الثراء والغنى), لم يكن اليسار الشيوعى قد استنار قلبه بالإيمان بالله.. ولكنه كان ما يزال مستضيئا بنور الوطنية والحرية.. وإذا تمسك كل يسارى بموقفه الوطنى بصورة متماسكة ومستقيمة وحازمة.. فيصل حتما - وعلى الأغلب - إلى الإيمان بالله.. وهذا ما حدث لكثير من اليساريين, ولكن كثيرا آخرين استحبوا الكفر على الإيمان.. واستحبوا الشواذ على الرجال، واستحبوا العولمة.. على الوطن المستقل, واستحبوا الصهيونية على مصر!!

*****

* وأخيرا عدت للانهماك بشدة فى دراساتى.. وفتح الله علىّ.. وهو ما أعطانى مضادات حيوية لمقاومة لوعة فراق زوجتى.. وشوقى لها كان قد وصل إلى حد الخطر.. وتعين علىّ أن أقاوم الحب.. إلى حد ما.. حتى لا يصرعنى!!
فالحمد لله.. الذى خلقنا ضعفاء.. ولكن أعطانا سبل المقاومة والقوة..

 


أضف تعليق


عدد الحروف المسموح بها 1000 والمتبقي منها
ادخل الكود التالي
CAPTCHA Image
صورة اخرى
الموقع غير مسئول قانونا عن التعليقات المنشورة