أثر تذكر الموت فى استقامة أمور الحياة
الأحد, 15 يونيو 2014 - 11:45 pm

الموضوع الذى نتكلم فيه أو نكتب عنه هو من الموضوعات التى يمكن أن يكتفى الكاتب فيه بجملة واحدة أو بضع جمل ثم يصل إلى ما يريد الوصول إليه . وهو فى نفس الوقت يمكن أن تكتب فيه صفحات دون ان تكتب فيه صفحات دون ان تأتى بنتائج ترجى . ذلكم أنه موضوع يتعلق فى أصله وفروعه بالمشاعر والوجدان ، ثم بما يصوغ تلك المشاعر والوجدانات من الدين والعقيدة وما يُطف بذلك من قيم . وإذا كان الأمر كذلك فالتوسط مطلوب ، مع محاولة تبسيط الحقائق وتوضيح المفاهيم مع محاولة اللعب على أوتار الأحاسيس والمشاعر والوجدان لعل ذلك يجدى ويصل بنا إلى الغاية المنشودة من إصلاح الأخلاق واستقامة شئون الحياة . ومن المسلم به لدى إنسان عالما أو جاهلا ، مؤمنا أو ملحدا ، على دين باطل أو على ملة الاسلام دين الله الحق ، نقول من المسلم به لدى كل إنسان مهما كان حظه من العلم والتدين أنه ، موجود فى الدنيا إلى أجل محدود ، وعمر محدود لايزيد على عمره فى هذه الدنيا ساعة ولا ينقص مثلها وأن جميع ما يجرى عليه فى هذه الحياة الدنيا إنما هو خارج عن هذه الحقيقة ، فلا يؤثر فيها صحة ولا مرض ولا طول ولا قصر ولا غنى ولا فقير ، بل كل ذلك سواء وتظل الحقيقة الوحيدة ان الأجل محدود والعمر محدود والميلاد يقابله الموت والمجىء يقابله الفوت ، لذلك قال ربنا سبحانه وتعالى ـ: 
( فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) الأعراف 34 ــ النحل : 61 
وهذه حقيقة يجب أن يعيها كل إنسان عاقل ولو فى أدنى درجات العقل أو مستوى الفكر إليه وهذا الأخذ هو ما نسميه "الموت " فالموت غاية كل حى ونهاية كل شىء .
ومن الأمور ذات المغزى ان الله تبارك وتعالى ــ قد أطلق على الموت الذى يقع على كل حى  لفظة " رجوع " كما اسماه الله سبحانه وتعالى ــ " توفى أو وفاة " وكلتا اللفظتين تعطيان معنى الأخذ بعد العطاء ، كما تعطيان معنى الحتمية والإلزام ، وتعطى معنى الاسترداد فالموت ـ إذن أمر لازم حتمى ، وهو حق على كل حى لأنه لم يكن ثم كان ، والذى كونه وجعله كائنا موجودا هو الذى سيأخذه ويسترده ويتوفاه ، ولقد تعودنا أنا نقول " توفى " فلان أ, توفى الله فلانا . وكلمة توفى لا تقال بصياغة المعلوم إلا بجانب الله 
أوملك الموت أما بغير ذلك فلا تقال إلا بصيغة المجهول لأن الإنسان لا يتوفى أو يموت بنفسه ، ولكنه يموت بفعل الله سبحانه وتعالى وإرادته يتوفاه ملك الموت الذى يأمره ربه بذلك . قال سبحان : ( وماكان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ) 45 : أل عمران 
وقال تعالى : ( قل يتوفاكم ملك الموت الذى  وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون ) 11 السجدة .
وكلمة التوفى تشبه الدين الذين يعطيه الرجل لآخر ثم يستوفيه أو يتوفاه من حين يأتى موعد استرداده وكذلك كلمة " ترجعون " تعنى العودة إلى البداية الأولى .
وقد شاءت حكمة الله تعالى أن يعذر إلى الإنسان فلا يأخذه ــ عاده ــ على غرة ولكن الله تعالى ــ يرسل إلى الإنسان النذر نذيرا بعد نذير كل نذير يُذكره بالموت والتوفى فالموتى الذين يذهب بهم كل يوم بل كل ساعة وكل منهم له حال تختلف عن حال غيره لكنهم جميعا متشابهون متفقون فى المكان الذى يرجعون إليه وفى الحال التى يذهبون بها فكلهم ــ على اختلاف حالهم منهم الذى كان مريضا ومنهم من أخذه الموت شابا حدثا ، ومنهم من كان فى صحة جيدة ، لكنهم جميعا دعاهم داعى الموت فانتقلوا إلى النهاية التى ينتقل إليها كل حى ، يقول تعالى ــ :
( كل من عليها فان ، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) الرحمن  ــ سبحانه : 25 ــ26 
ويقول ــ عز وجل : ( كل شىء هالك إلا وجهه له الحكم والية ترجعون ) القصص :88
إن الإنسان العاقل يعرف أنه منذ وجد فى هذه الحياة وهو على سفر دائم حتى ولو كان مقيما فى قصر منيف ، أو مستقرا لا يغادر موطنه فهو حقيقة أمره على سفر إلى ربه إلى النهاية المحتومة ، وبداية سفره وجوده فى هذه الحياة الدنيا ونهاية سفره وصوله إلى مستقره عند ربه فى حفرته التى ينتظر فيها حتى قيامه للحساب وحتى هذه الحفرة هناك حساب ونعيم أو عذاب .
ولقد قال رسولنا صلى الله عليه وسلم : ( القبر أول منازل الآخرة ) .. والعاقل هو من لا يغتر بالدنيا مهما كان حظه فيها من الثراء والغنى أو الصحة والجاه أوإغراء الكرسى الذى يسعى للجلوس عليه ومن العظات فى هذا المجال ما ذكره المفسرون والوعاظ من أن أحد العلماء العاملين دخل على هارون الرشيد ــ رحمة الله ــ وهو فى قمة عزة ومجده . فقال له هارون الرشيد : عظنى فقال له الواعظ : ياأمير المؤمنين لو أنك احتجت إلى شربه ماء فمنعك الله منها ، أفكنت تشتريها بملكك ؟ قال نعم ، فقال الواعظ :  لوإنك شربتها ثم أردت إخراجها فمنعك الله من إخراجها ، أفكنت تشترى إخراجها بملكك ؟ فقال هارون : نعم . فقال الرجل : ياأمير المؤمنين ، اتق الله ولا تغتر بُملك لا يساوى عند الله شربه ولابولة. 
إن الموت  يأخذ الإنسان على غرة وغالبا لا يكون الإنسان مستعدا له وقليلون هم الذين يمنعهم  تذكر الموت من  الارتكاس فى المعاصى أو التقاتل على كراسى السلطة ، بل وإزهاق النفوس البريئة  سعيا إلى هذا .. ومن الناس من يظن ان ارتكاب المعاصى هو نهاية المطاف وهذا خطأ   ينبغى التنبيه اليه وتيسيرا على فهمه نضعه فى أمور : 
أولا : ارتكاب المعاصى قدر الله  فى الإنسان ولا يوجد معصوم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم . والحديث الصحيح ورسول الله لم يقل إن الخير ين هم الذين لا يعصون ،  ولكنه صلى الله عليه وسلم قال ــ أن الخيرين هم الذين يتوبون من معاصيهم بعد ان حصر الناس جميعا فى أنهم خطاءون .
ثانيا : تاريخ البشرية على هذه الأرض بدأ بمعصية وليس بحسنة فبسبب المعصية كان وجود آدم ـ عليه السلام ــ على الأرض . ولكنا لا ينبغى أن نقصر هبوطه إلى الأرض على المعصية ولكن يجب ان نذكر أنه ـعليه السلام  قد تاب منها توبة مقبولة فوجدنا بدا بمعصية وتوبة من تلك المعصية .
ثالثا: كانت المعصية رغم إنها معصية ــ قدرا قدره الله تعالى وقضاء قضاه لعمارة الأرض . فلقد قال الله تعالى ـ لملائكته قبل أن يخلق آدم ( إذا قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة ) البقرة 30 
وليس أراد خليفة عن الله ــ تعالى الله كما يظن بعض الجهال ، ولكن خليفة يخلف بعضهم بعضا كما قال تعالى ــ وفى أخر سورة الأنعام : ( وهو الذى جعلكم خلائف الأرض ) 165.
رابعا : عرفنا من رسولنا ــ صلى الله عليه وسلم أ، المعاصى من الجن والأنس أمر طبيعى وهو قدر الله ولذلك جاء فى الأثر  إن أنين المتضرمين أحب إلى الله من تسبيح الملائكة ) .
أما بعد ، فقد عرفنا أن العصاه أنواع ، وأنهم فى المعاصى دركات ، كما أن المؤمنين الطائعين فى الطاعات درجات . لكن شر العصاه نوعان ، أحدهما شر من الأخر :
الأول : ذلك العاصى الذى يبيع دينه ودنياه فيضحى بدينه والدار الباقية فى سبيل دنياه .
الثانى : أم ذلك الذى هو شر خلق الله ، وهو أشدهم غباء وحمقا ومن عجب أن النوع الثانى كثير كثير .
فهل وصل المعنى ؟ وهل فهمنا العبرة ؟

 


أضف تعليق


عدد الحروف المسموح بها 1000 والمتبقي منها
ادخل الكود التالي
CAPTCHA Image
صورة اخرى
الموقع غير مسئول قانونا عن التعليقات المنشورة