نص خطاب أحمد حسين إلى عبد الناصر عقب انقلاب 1954
السبت, 01 مارس 2014 - 12:53 am

عقب أزمة مارس 1954 حين قام عبد الناصر بالانقلاب على الديمقراطية واعتقال أحمد حسين سافر للخارج بعد الإفراج عنه.. وعاش معارضًا فى المنفى من أواخر 1954 حتى منتصف 1956.. ومن لندن أرسل إلى عبد الناصر عدة رسائل.. وفيما يلى هذه المقدمة الواردة فى مذكرات أحمد حسين قبل أن يضع نص الخطاب..
لندن فى 19/5/1955
قُضى الأمر، وبعثت بالخطاب الذى كنت طول الوقت أفكر فى إرساله إلى جمال عبد الناصر. لقد حاول أحد معاونى هنا -وهو سكرتير النادى المصرى سعيد لطفى- أن يثنى عزمى، ويصور لى عدم جدوى إرسال هذا الخطاب من الناحية العامة، وما يمكن أن يجىء من متاعب علىّ وعلى أولادى من ناحية أخرى، وراح يصور لى كيف أن من الخير أن أحاول الحياة وأستغل الفرص التى قد تعرض لى فى لندن دون أن أعرّض نفسى للزوابع.
ولا جدال أن ذلك تفكير صائب، ولكنى لو أخذت به لاعتبرت نفسى أكثر الناس حمقا؛ فيمَ تركت مصر إذن؟! ولماذا تركت أولادى وأسرتى إذا كان كل مبتغاى فى الحياة أن أعيش؟!

أسباب خروجى من مصر
لقد خرجت وهاجرت لأننى أريد أن أنجو برأيى وفكرى وحقى فى التعبير عنه؛ فإذا قصرت عن هذا التعبير فقد أصبحت هجرتى لا جدوى منها، بل تحولت إلى سخافة؛ فلم أكن أعدم وسيلة أعيش بها هانئا فى مصر، بل لقد كنت أعيش بالفعل هانئا، وإذا كان هناك ما يعكر علىّ فهو الخوف مما يحل بى ما دمت غير راض عن مجريات الأمور. وقد كان بحسبى أن أثنى على ما هو حاصل فى مصر حتى لا يُتعرض لى إن كان لى فى الحياة هدف.. وهذا الهدف هو أن أفيض بما فى نفسى من آراء وأفكار.
ويجب أن يعرف جمال عبد الناصر أننى خرجت من مصر لهذا السبب، ويجب أن يعرف أين نتفق وأين نختلف. وليس يهمنى تأثير ذلك فى الرأى العام؛ فليست المسألة عندى الآن مسألة صراع حزبى، أو رغبة فى تحقيق أطماع معينة، وإنما هى مجرد راحة للضمير.

الدستور المفترى عليه
ولذلك كتبت الخطاب وبعثت به إلى جمال عبد الناصر. إنه خطاب ينبض بالمجاملة والتحية لجهوده، وليس فيه هجوم عليه، بأى صورة من الصور، بل على العكس؛ فيه إكبار لجهوده وإجلال، وفيه تصوير لضعفى وترددى فى تقدير ما ينبغى أن يكون عليه الحال فى مصر، أو فيه تسليم بأننى قد أكون مخطئا فى وجهه نظرى.
ولكن بجوار ذلك هناك نقطتان واضحتان كل الوضوح فى الخطاب. أما أولاهما فهى تصوير الحكم فى مصر بأنه قد أعدم كل ضمانات الإنسان وحقوقه، وأنه من المستحيل علىّ أن أعيش فى ظل هذا المجتمع المحكوم بهذه الصورة.
والنقطة الثانية الواضحة بذلك هى القطع بأننى لن أعود إلى مصر أبدا ما لم يعلن فيها دستور.
وهكذا خرقت السفن نهائيا كما فعل طارق بن زياد لكى يحول بين جنوده وبين التقهقر؛ فلا مجال الآن للتراجع أو التقهقر.

عهد أمام الله.. وسمعه الرئيس
لقد قطعت العهد وسجّلته على نفسى أمام الله وأمام جمال عبد الناصر نفسه (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئولاً).
ماذا سيكون تأثير الخطاب فى نفس جمال عبد الناصر؟ أى الانعكاسات التى ستترتب عليه.. كل ذلك علمه عند الله. والمهم أن الخطاب الآن فى طريقه إلى مصر، بل لعله يكون قد وصل؛ فقد أرسل منذ ثلاثة أيام. وليس يسعنى الآن إلا أن ألقى بنفسى مرة أخرى بين أحضان العناية الإلهية؛ فإلى الله وحده أتجه بالروح كلها ملتمسا فيه العون والمدد والحماية والنجاح والتوفيق.
وهذا هو الخطاب الذى أتصور أنه عندما يرسل لرجل مكتمل الإنسانية، فلا يمكن إلا أن يكون رده عليه نبيلا كريما. وسنرى ماذا يكون رد جمال عبد الناصر. ولست أعنى بالرد خطابا مكتوبا، وإنما أعنى بالرد التصرف أو الحركة التى سيقوم بها ليشعرنى أنه استلم خطابى. وأغلب ظنى أنه لن يفعل شيئا، وسيقف موقفا سلبيا فى انتظار الحركة الثانية من ناحيتى.
وهذا هو نص الخطاب الذى بدأت به هذه المعركة؛ لأنها ليست فى نهاية الأمر سوى معركة.. معركة فى سبيل الحياة الكريمة:


بسم الله الرحمن الرحيم
أخى الرئيس جمال عبد الناصر..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد..

فإنى أرجو أن تقبل خالص تهنئتى بعودتك سالما إلى مصر ولنجاحك فى مؤتمر باندونج ، بل دعنى أهنئك لنجاح مؤتمر باندونج بصفة عامة كمرحلة من مراحل التاريخ الحديث.
لست أعرف إذا كنت لا تزال تذكر أننى سافرت فى يناير سنة 1953 إلى رانجون لحضور مؤتمر الأحزاب الاشتراكية الأسيوية، وقد كتبت لك من هناك محييا ولافتا النظر إلى أهمية الدور الذى تستطيع مصر أن تقوم به فى حياة أسيا وإفريقيا. وعند عودتى ألفت كتابين بعنوان «يقظة العملاق»، و«أمة تُبعث»، صورت فيهما نهضة أسيا ممثلة فى الصين والهند وإندونيسيا، ودعوت إلى أن تتجه مصر صوب هذه الشعوب برعايتها وتعاونها، بدلا من اتجاهها صوب أوروبا.
وأحمد الله أنك سافرت إلى هذه البلاد، وستشهد بنفسك صحة ما ذهبت إليه. ولقد أديتم رسالة مصر وسط هذه المئات من الملايين على الوجه الأكمل؛ فشكرا لك ألف شكر.


الاعتراف بالصين الشيوعية
وأعتقد أنه يجب أن يكون من آثار هذا المؤتمر العملية بالنسبة لمصر فى السياسة الخارجية، هو أن تبادر بالاعتراف بالصين الشيوعية؛ فليس هناك أى مبرر على الإطلاق يدعونا إلى عدم الاعتراف بحكومة تمثل خمسمائة مليون من البشر، وليس هناك ما يمنع من أن نظل معترفين بحكومة كاى شيك باعتبارها حكومة فورموزا.
إننى أقيم الآن فى مدينة لندن، وستطول إقامتى فيها ما استطعت إلى ذلك سبيلا. وخوفا من أن يتقول البعض عن غيابى عن مصر تقولات غير حقيقية؛ فقد رأيت أن أنتهز هذه التهنئة التى أبعث بها إليك؛ لأكرر هذا الذى قلته لك فى آخر مقابلة جرت بينى وبينك فى أواخر شهر فبراير الماضى. لقد شكوت لك ما أعانيه من قلق مستمر وخوف من الاتهامات والمفاجآت وانعدام كل صور الضمانات والوسائل للدفاع عن النفس.
وإنى لا أزال أذكر لك شاكرا، ما تفضلت به علىّ من نعوت وأوصاف وتقدير لجهادى السابق فى تاريخ مصر، على أننى لم أفهم من كل ما قلته لى إلا أنه مجاملة وتواضع منك.
تقارير كاذبة
غير أنى أصارحك القول إننى خرجت من هذه المقابلة وأنا أشد قلقا من قبلها؛ فقد جاء فى حديثك أنك تلقيت عنى تقارير تنسب إلى كذبا مقابلات مع أشخاص معينين، وقد تلطفت فقلت لى إنك لم تصدق هذه التقارير وأهملتها، ولكن ما لا يُصدّق اليوم قد يُصدّق غدا، وما لا يصدقه الرئيس جمال عبد الناصر وفاء منه لصديق قديم، فقد يصدقه جمال عبد الناصر من زملائه.
ولقد عشت طول عمرى، سواء فى عهد الاحتلال الإنجليزى أو فى عهد طغيان الإضراب والملك السابق ، أجهر بكل ما فى نفسى كاتبا وخطيبا ومحاميا، ولقد دفعت دائما ثمن المجاهرة بهذا الرأى، ولكنى كنت سعيدا ومغتبطا دائما لاستطاعتى التعبير عن رأيى الذى أيدته الحوادث فيما بعد دائما.

اعتقلتنى الثورة وساهمت فى نجاحها
فما إن جاءت الثورة واعتقلتنى فى المرة الأولى، حتى خرجت بعد الاعتقال وقد فرضت على نفسى عزلة وبعدت أياما عن الحياة العامة، ورأيت أن أساهم فى إنجاح الثورة بالتضحية بآرائى وأفكارى باعتبارها آراء قديمة.
ومع أنى التزمت بكل دقة هذا المنهاج، فقد ظللت غير آمن تتعقبنى التقارير والمراقبات؛ ما يجعلنى أنام كل ليلة على فراشى ولا أعرف إذا كان الفجر سيطلع علىّ وأنا لا أزال بين أولادى وأسرتى، أم سأكون فى مكان آخر. ولقد كان ذلك فوق احتمالى وأرجوك أن تقدر ظروفى.
ولذلك فعندما وجدت نفسى خارج مصر بمناسبة الزيارة الرهيبة، لم أتحمس للعودة إلى مصر، بل توجهت صوب دمشق، ثم جاءت قضية فريد ندا التى تستدعى سفرى إلى إنجلترا فسافرت إليها. وفى ظل الحرية السانحة التى يعيش الناس فيها هنا، بدأت أعصابى تهدأ وترتاح؛ ولذلك سوف أحاول أن أطيل مدة إقامتى هنا قدر استطاعتى محاولا أن أستزيد من معارفى فى اللغة الإنجليزية حتى أستطيع أن أؤلف بها.
وأخشى ما أخشاه أن يُساء تفسير خروجى من مصر، فيقول البعض، ولعل قد قيل بالفعل، إننى خرجت هاربا من مصر، وإننى سأعمل فى الخارج ضد الثورة ورجالها. وهذا كله غير صحيح.

لن أعادى الثورة أو أهاجمها
إننى رجل لم تعد له مطامع فى هذه الدنيا إلا أن يعيش فى هدوء وسكينة، داعيا إلى الحب والسلام والأخوة البشرية، وعدم العنف فى العلاقات الإنسانية، ولو استطعت أن أكرس ما بقى من حياتى لهذا الغرض، فإن ذلك يكون هو النجاح فى نظرى، ومن أجل ذلك أريد أن أتعلم التأليف بالإنجليزية؛ علّه يكون فى قدرتى مخاطبة العالم بهذا الأسلوب.
إن نفسى لا تصبو كى أكون وزيرا أو نائبا أو رئيس حزب، بقدر ما تصبو إلى أن أعيش ما بقى من حياتى معلما وداعيا إلى التحابّ بين البشر، ولذلك فإن أبعد الأشياء عن خاطرى هو أن أعادى الثورة أو أهاجمها.
لقد عشت أسعى فى سبيل تحقيق الخير لمصر. ولقد تحقق بعض هذا الخير على يد الثورة، ولا جدال أنها تصبو لتحقيق البعض الباقى؛ ولذلك فمن المستحيل علىّ ألا أكون صديقها، بل إن حياتى كانت مهددة لولا قيام الثورة؛ فأنا مدين لها شخصيا فوق ذلك كله.

خلافى مع مجلس قيادة الثورة
كل ما فى الأمر أنه أصبح هناك خلاف فى وجهة النظر بينى وبين مجلس قيادة الثورة (وليس بينى وبينك) ولم أدع وسيلة فى أحاديثنا الشخصية معك ومع زملائك لم أنتهجها لشرح وجهه نظرى. ويتلخص الخلاف فى أننى لا أؤمن بصواب استمرار حكم البلاد بالأسلوب الحالى، وهو الأسلوب المباشر المطلق؛ حيث لا دستور ولا ضمانات من أى نوع كان لحماية حقوق الإنسان؛ هذه الحقوق التى ناديتم بها فى مؤتمر باندونج، والتى اعتُبرَت حجر الزاوية فى إقامة صرح السلام العالمى، وذلك فضلا عن أنه لا توجد فى مصر وسيلة لكى يعبر الشعب عن إرادته فى أى شأن من الشئون العامة والخاصة، وأن يكون له ممثلون نختارهم ولو على الطريقة (الشيوعية). فى نظرى، إن استمرار الحكم على هذا الأسلوب يحرم البلاد من الاستقرار اللازم لنهضتها بعد الثورة، وينشر فيها موجة من الذعر يتغلغل فى عقل الشعب الباطن، فتحد من قواه ومن نشاطه وانطلاقه.
هذا هو رأيى، فيما يرى مجلس قيادة الثورة -فيما يبدو لى- عكس هذا الرأى تماما، ويؤمن بأن الاستمرار بهذا الأسلوب هو السبيل الوحيد لازدهار الثورة وتحقيق أهدافها، وتنفيذ المشروعات المعطلة، ومن ثم دفع البلاد قدما نحو الأمام.
الثورة وأهدافها
وقد يكون الحق بجانب مجلس قيادة الثورة، ولكن هذا لا يمنع من أن يسمح لأمثالى ممن يحب أن يكون إخلاصهم للثورة فوق كل شك.. يسمح لهم –دون أن يُعتبروا خصوما أو أعداء- أن يقولوا رأيهم ولو كان خاطئا.
لقد نجحت الثورة نهائيا فى تحقيق كل أهدافها عندما طردت فاروق وأعلنت الجمهورية وألغت الألقاب والإقطاع واتفقت مع الإنجليز على الجلاء عن أرض الوطن.
ولا يزال الهدف الأول الذى أعلنته الثورة منذ الساعة الأولى بغير تحقيق، وهذا هو ما بَقِى عليها أن تحققه بإعطاء الشعب الحرية الكاملة فى التعبير عن رأيه بالقول والكتابة فى حدود القانون، وأن تضمن كرامة المواطنين وحرمة مساكنهم وسلامة أشخاصهم وحريتهم الشخصية وحقهم فى الدرجة الأولى ألا يحاكموا إلا بناء على قانون سابق على وقوع الأعمال التى يحاكمون عليها، وأن تتوفر فى المحاكمات الضمانات التى اجتمعت البشرية عليها، وفى كلمة هذا الذى يطلق عليه «حقوق الإنسان». ولا سبيل لرعاية هذه الحقوق إلا فى ظل دستور. وليس الدستور عنا ببعيد؛ فهو من عمل الثورة نفسها التى شكلت لجنة لهذا الغرض وقد فرغت مهمتها. وفى اعتقادى أنه بإعلان الدستور يدعم قادة الثورة مراكزهم ويؤكدون رسالتهم ويخلّدون أشخاصهم فى تاريخ مصر.
أما أنت يا سيدى وصديقى.. أما أنت يا جمال عبد الناصر، فيوم أن تعلن الدستور فى البلاد وتمكن الأمة من أن تصبح مصدر السلطات فعلا بطريقة عملية واقعية وفق النظم التى اجتمعت البشرية على أنها السبيل الوحيد لمزاولة الشعب لسلطاته.. لو أنك فعلت ذلك بعد كل هذا الذى قدمته لمصر لأصبحت أعظم رجل فى تاريخ مصر كلها قديمها وحديثها...


أضف تعليق


عدد الحروف المسموح بها 1000 والمتبقي منها
ادخل الكود التالي
CAPTCHA Image
صورة اخرى
الموقع غير مسئول قانونا عن التعليقات المنشورة