الاستقلال الوطنى والقومى
الجمعة, 06 إبريل 2007 - 12:00 am

الاستقلال الوطني والقومي

 

الدراسة الأخيرة للمفكر الإسلامي

 

 

عادل حسين 

 

فهرس

 

أولاً: الاستقلال هو المبدأ الحاكم والجامع لإمكانية النهضة

ثانيًا: الاستقلال ممكن رغم أنف العولمة في إطار التعدد الحضاري 

ثالثًا: النموذج الحضاري الإسلامي وموقع العرب منه

رابعًا: تحديات رهيبة تواجه الأمة العربية في الاستقلال والوحدة

خامسًا: أمتنا العربية من التراجع غير المنظم إلى الصمود

سادسًا: المستقبل واحتمالات الاستقلال الوحدة: توقعات وملاحظات 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

أبحاث هذه الندوة تتكامل بالضرورة، ويتداخل بعضها في بعض، ولكن أعتقد أن هذا التداخل يواجه بحثي هذا على نحو خاص، فالاستقلال (ووجهه الآخر الوحدة) هو مفتاح سائر المواضيع الأخرى، بل هو يشكل الرؤية إليها ويحدد منهج معالجتها.. إذا كان فرض السيطرة الغربية الصهيونية على مقدراتنا عملية مركبة، أسهم في إنتاجها ما هو أيديولوجي وما هو سياسي واقتصادي وعسكري، فكذلك حال النهضة ومدخلها استعادة الاستقلال، فالاستقلال عملية مركبة في الاتجاه المضاد، وكذلك الطريق إلى الاستقلال عملية مركبة تضم ما هو أيديولوجي وما هو سياسي وعسكري واقتصادي، ويفرض ذلك كما قلت أن يحمل بحثي هذا تداخلاً مكثفًا مع ما جاء في أغلب الدراسات وهو أمر يقيد الانطلاق فيه عدد الصفحات المتاحة، ونسأل الله التوفيق.

هذه هي الملاحظة الأولى التي أذكرها قبل قراءة الورقة، أما الملاحظة الثانية فهي أن غرقي في هموم الشرق العربي، إضافة إلى حدود معرفتي الضيقة بتطورات المغرب، جعل البحث يميل إلى التركيز على منظور الشرق، وهذا تقصير أعتذر عنه.

أولاً: الاستقلال هو المبدأ الحاكم والجامع لإمكانية النهضة

بدأت مظالم النظام الدولي منذ ما يزيد على قرون خمسة، والصورة الإجمالية تدل على أن المظالم تتفاقم ولا تقل بالمعنى النسبي والمطلق (خاصة مع انتشار العولمة في العقود الأخيرة). وقصدنا من النظام الدولي أنه نظام السيطرة الغربية (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي) على مقدرات العالم. ويقول تقرير التنمية البشرية (UNDP – 1998) إنه في عام 1960 كان دخل العشرين في المائة من سكان العالم الذين يعيشون في أغنى الدول يعادل 30 ضعفًا من دخل العشرين في المائة في أفقر سكان العالم. أما في عام 1995 فقد أصبح دخل هذه العشرين في المائة الأغنى 82 ضعف الأفقر.

والوصول إلى هذه النتيجة لم يكن طبيعيًا ولا تلقائيًا، فهو تدبير أعدته ونفذته قوى السيطرة الغربية الشيطانية على مناطق العالم المستضعفة بدرجة أو أخرى (حسب استطاعتها). ويترتب على ذلك أن الخروج على هذا المصير يتطلب تمردًا من أجل التحرر، وهذا التمرد يفرض على أصحابه بذل تضحيات هائلة لابد من دفعها إذا أردنا النهضة. ولا أمل في النهضة الشاملة في ظل الحكم الاستعماري (أيًا كان نمطه).

هذه الحقيقة كانت من بدهيات الفكر السياسي العربي في بلادنا في ضوء خبرة تاريخية طويلة. فمنذ بدأ التوسع الغربي عانت شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية من عمليات سحق حضاري أدى إلى فرض الفقر والتخلف الاقتصادي. كان الأمر أحيانًا بالنهب الصريح والإبادة الجماعية، وكان في أحيان أخرى بشكل مقنع ومقنن باسم حرية التجارة، حيث تفرض الدول المسيطرة (الاستعمارية) زيادة صادراتها من المنتجات المصنعة مع ضبط وارداتها من المواد الخام، مخربة للاقتصادات الوطنية وإمكانية نهوضها (1).. وفي كل الأحوال كان لابد من استخدام القوة المسلحة أو التهديد بها، من أجل تحقيق الأهداف.. وعمومًا، من المؤكد أن الحضارة الغربية كانت أشد الحضارات ظلمًا ودموية في التاريخ البشري.

هذه خلاصة الخبرة التي حصلناها خلال قرون متتابعة. وقد تطورت المنافسات الدولية، وعبر حروب ضارية، حتى تسلمت الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية قيادة المعسكر الغربي في إذلال المستضعفين واستغلالهم. لقد أفصحت الولايات المتحدة عن مخططاتها (منذ لحظة توليها القيادة) في وثائق معلنة، وهذه الرؤية كانت امتدادًا للسياسات الاستعمارية الغربية في القرون السابقة، وهي رؤية تواصلت حتى اليوم، وفرضت كسياسات متصلة تعادي الحركات القومية والتنمية المستقلة، حتى تتمكن من مواصلة استغلال الدول المستضعفة عبر نظم حكم عميلة. لقد واجهت الإدارة الأمريكية الحركات القومية بلا كلل، وكانت المواجهة تتصاعد كلما زاد الخطر من بعض هذه الحركات. لقد حاربت الحركات القومية ونظم الحكم الحريصة على التنمية المستقلة بالمخابرات والعقوبات الاقتصادية والتدخل العسكري. كان هذا أثناء الحرب الباردة وبعدها في خط
ثابت (2). لقد شهدنا هذا ممثلاً في جواتيمالا (1954 و1964) والدومينيكان (1963، 1965) والبرازيل (1965) وكوبا (منذ 1959) وتشيلي (1973) إضافة إلى السلفادور ونيكاراجوا.. إلخ. ورأينا أيضًا في آسيا حربي كوريا وفيتنام، ورأيناه في مذابح إندونيسيا (1965).. إلخ. وفي منطقتنا العربية والإسلامية، نذكر الانقلاب على مصدق في إيران (1953)، ثم الحرب المتصلة ضد إيران بعد نجاح ثورتها الإسلامية (1979)، ورأينا الحروب العربية الإسرائيلية (بمشاركة أمريكية)، ثم رأينا الحصار الاقتصادي المفروض حتى الآن على ليبيا والسودان، وكذا الحصار الخانق المصحوب بعدوان عسكري لا ينقطع على العراق.. إلخ.

إن النوايا والأهداف الشيطانية هي هي ولم تتغير.. وما يقال عن العولمة الاقتصادية الآن لا يختلف في مقاصده عن الأهداف التقليدية للاستعمار، بحديث عن حرية التجارة (وما يصاحبها من حركة رأس المال) بطريقة مخطط لها أن تكون غير متكافئة، إذ يطلب منا فتح أسواقنا بلا حساب، بينما يفتحون هم أسواقهم بحساب دقيق، مع كل ما يترتب على ذلك من نهب لثرواتنا وفرض للتخلف التكنولوجي والاقتصادي. ولا يغرنك حديث ثورة الاتصالات والمعلومات أو منظر شاشات الكومبيوترات في الأسواق المالية، فكل هذا لا يغير شيئًا من المقاصد والنتائج النهائية. إن المنطق الذي عملت به شركة الهند الشرقية (عام 1600) لا يختلف عن المنطق الذي تعمل به الآن الشركات العابرة للجنسية، وكما عملت شركة الهند الشرقية تحت رعاية الدولة البريطانية وأساطيلها وجيوشها، تعمل الشركات العابرة للجنسية اليوم، وبدرجة أعلى، تحت رعاية القوة المسلحة للولايات المتحدة وحلفائها. لا جديد في المقاصد ولكن تمثل الجديد في تصور الولايات المتحدة أن بوسعها (بعد انهيار الشيوعية السوفيتية) أن تحول العولمة إلى أمركة العالم، ويتضمن هذا إحكام قبضتها على حلفائها الكبار، وإذا كانت قوتها الاقتصادية لا تمكنها من ذلك، فإنها تستخدم تفوقها العسكري المطلق. وهذا يعني (حال تحققه) تصعيب مهمة التحرر أمام الشعوب المستضعفة (3).

 ولكن مهما كانت المصاعب فإن ما يراد فرضه الآن باسم العولمة يقضي على أية آمال في نهضتنا، وعلى نحو أنكى وأشد مما جرى في القرون والعقود الماضية. وإذا كانت مناهضة الاستعمار شرطًا بدهيًا للنهضة في فكرنا السياسي السابق، فإن مناهضة العولمة في فكرنا السياسي المعاصر يجب أن تكون أكثر بداهة.. ولكن إذا كانت وسائل الفرض في أيامنا هذه قد غلظت وتعقدت، فهل يظل ممكنًا (من الناحية العملية) أن نحافظ أو يحافظ غيرنا على هدف الاستقلال رغم أنف العولمة أو الأمركة؟ (4).

ثانيًا: الاستقلال ممكن رغم أنف العولمة في إطار التعدد الحضاري

ينقلنا هذا إلى متابعة ما يجري في العالم من تطورات، والتطورات في العالم تشير إلى تراجع نسبي مطرد في قوة الغرب عمومًا (أمريكا وأوروبا الغربية) وفي قدرته بالتالي على الانفراد بفرض سيطرته الدولية. ويذكر هانتنجتون في هذا بعض المؤشرات الحاكمة. أنه يرى أن سيطرة الغرب على مصادر القوة بلغت ذروتها في عشرينيات القرن الماضي، ومنذ ذلك التاريخ أخذ في التراجع بطريقة ملحوظة وإن كانت غير منتظمة. ففي عام 2020 (أي بعد 100 سنة من الذروة)، يتوقع أن تقتصر سيطرة الغرب على حوالي 24 % من أرض المعمورة (هبوطًا من 49 % في الذروة) وعلى 10 % من سكان العالم (هبوطًا من 48 %) ويقدر أن يكون نصيب الغرب في الناتج الاقتصادي للعالم 30 % (هبوطًا من حوالي 70 % في الذروة)، وقد يصل نصيبه من إنتاج الصناعة التحويلية إلى 25 % (هبوطًا من 84 % والهبوط نوعي وليس كميًا فقط)، وفي عدد القوات المسلحة سيصبح نصيب الغرب 10 % (هبوطًا من 45 % في الذروة، ويشمل الهبوط تقلص الفجوة في نوع التسليح) (5).

وهانتنجتون لم يكن وحده في الإعلام عن هذه المؤشرات، فكثير من المراجع الغربية تذكرها، خاصة عند المقارنة مع الصين ودول شرق آسيا، والهند (6)، ولكن ترجع أهمية كتاب هانتنجتون إلى أنه بلور النتائج المترتبة على هذا الاتجاه التاريخي العام، أي أوضح نتائج مأزق انحسار قوة الغرب النسبية في مواجهة منافسيه في الكتل الحضارية الصاعدة. وقد أعلن هذا في وقت امتلأت فيه الأدبيات الغربية (والأمريكية بشكل خاص) بمزاعم السيطرة الغربية المطلقة، التي انفتحت أبوابها على مصاريعها في إطار العولمة. والكتاب يقدم بدل هذه الأسطورة الجوفاء مخططات استراتيجية وعملية لإعاقة هذا التراجع في سيطرة الولايات المتحدة (متحالفة مع الاتحاد الأوروبي). إن ثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصالات والمواصلات لن تخلق عنده قرية عالمية واحدة ولكن ستقيم تجمعات من الدول في كتل حضارية كبيرة، إن هذا الكشف لحقيقة تراجع القوة النسبية للغرب هو كشف مهم، وما يصاحب هذا من ظهور كتل حضارية (تتضمن وحدات اقتصادية) تنافس الغرب في قيادته النظام الدولي هو كشف آخر صحيح ومهم. ولكن خلافنا الرئيسي والطبيعي مع هانتنجتون يأتي مما بناه على كشوفه، فهو يحلل ويستخلص ما يراه ضروريًا لاستمرار السيطرة الغربية بقيادة أمريكا ويتورط لذلك في مغالطات سخيفة، ونحن نلحظ أن توجهاته تحولت بشكل عام إلى استراتيجيات وسياسات معتمدة للإدارة الأمريكية (7).. أما نحن فإننا نصدر في تحليلاتنا واستنتاجاتنا عما يحقق مشاركة أمتنا العربية والإسلامية في قيادة النظام الدولي للحد من مظالمه، ونرى على عكس ما يقول أن التطورات الدولية تحمل ما يعيننا على نجاح مسعانا بإذن الله (سيأتي شرح ذلك).

وقد ميز هانتنجتون في مناطق العالم الحضارية بين نوعين: حضارات ترى أنها أرقى من الحضارات الغربية، وحضارات ترى أنها مغايرة دون أن تدعي أنها الأرقى. وقد وضع الحضارة الإسلامية والحضارة الكونفوشية (حول الصين) ضمن النوع الأول، وقد توقع تحالفهما، واعتبرهما الأخطر في مواجهة السيطرة الأمريكية الغربية.. وهو في هذا صدق، ونرى مدلوله في الصراعات الدولية المعاصرة. إن هذه القراءة الصحيحة للإمكانيات والأحداث تجعلنا نوقن أن سعينا للاستقلال، في زمن العولمة المزعومة، ليس سباحة ضد التيار، ولكنه بالعكس مسايرة لاتجاه التاريخ المعاصر ومستقبله.

ويأتي في إطار ما تقدم أن الاكتساح الذي حققته العولمة (أو الأمركة)، بمكوناتها المختلفة (من الأيديولوجيا إلى الاقتصاد) بعد الحرب الباردة، هو آخذ في الانحسار السريع الآن على مستوى العالم بدرجات متفاوتة، بعد ظهور النتائج المأسوية لمنهجها، في كل الدول المستضعفة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وفي روسيا ودول شرق أوروبا ووسطها، بل وفي داخل الدول الصناعية الغربية (وعلى رأسها الولايات المتحدة) (8). لقد انتشرت المقاومة للنظام الأمريكي وسيطرته في كل مكان، والسيطرة تتراجع فعلاً، ولا ينبغي أن يدهشنا هذا الكلام، إذ يجب أن نفهم أن السيطرة الأمريكية في عالم اليوم ليست بالخطورة والجسامة التي تبدو في منطقتنا، فنحن في موقع تركيز خاص لأهمية استراتيجية فائقة، لكن لا السطوة الأمريكية بهذا الظهور في آسيا أو أوروبا ولا حتى في أمريكا اللاتينية. ورغم هذا فإننا نسجل أن السطوة الأمريكية الوحشية والمكثفة في منطقتنا العربية تلقى مقاومة سياسية فعالة ومتصاعدة خاصة في جبهة الصراع مع المشروع الصهيوني، وفي جبهة الصراع لتحرير البترول. وكل هذا يجري في تعاون مع ما يجري في آسيا، وخاصة في شرقها. وعمومًا فإن تراجع السيطرة الأمريكية والغربية على النظام الدولي لن يتحقق هرولة إلا إذا حدثت معجزة لا نستبعدها (فالانهيار السوفيتي كان زلزالاً مفاجئًا لم يتوقعه أحد). ولكن إذا كان التراجع الأمريكي سيتحقق خطوة خطوة، فإن هذا يعني أنه لن يتحقق في كل أنحاء العالم بنفس الجرأة والسرعة. فالأمر يتوقف على حيوية هذا البلد أو ذاك، وعلى حيوية هذه المنطقة الحضارية أو تلك. إن الظروف العامة تساعدنا في انتزاع استقلالنا، ونحن نجاهد فعلاً في هذا الاتجاه، فهل ننجح في مواصلة السعي بحيث تكون منطقتنا العربية قطبًا من أقطاب التحدي، قادرًا بالفعل على دحر الطغيان الأمريكي وعلى تحقيق الاستقلال؟ لقد أشرت إلى أن هذا ممكن وبادئ في الحدوث.

ثالثًا: النموذج الحضاري الإسلامي وموقع العرب منه

نحن نؤمن بأن حضارتنا هي فعلاً الأرقى والأفضل إذا قورنت بالحضارة الغربية المعاصرة التي تقوم على الفلسفة الدنيوية المادية وعلى الاستعلاء العنصري، بكل ما تفرع عن ذلك من نظم اقتصادية واجتماعية وثقافية فاسدة. إن النموذج الحضاري الإسلامي يقوم في تقديري (حال تبلوره واكتماله) على الأصول العامة التالية (9)، أذكرها بتركيز شديد:

1-     النموذج الحضاري محكوم بمبدأ التوحيد، مبدأ لا إله إلا الله، وتعمل كل العبادات كآليات لتحقيق الإيمان بهذا المبدأ، مع كل ما يتفرع عنه من التزام بالقيم النبيلة والأخلاق الفاضلة التي تثبت أركان البناء الاجتماعي بدءًا من الأسرة، والتي تحكم كل ما يجيء في الأصول الأخرى المتكاملة.

2-              تعمل كل مؤسسات الإعلام والإبداع الثقافي والفني في إطار ما سبق معينة الأسرة في دورها التربوي.

3-     يتفرع عن مبدأ التوحيد (أو الأصل الأول) مبدأ الوسطية الإسلامية بين الدنيا والآخرة وفق موجهات وضوابط: ]وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآَخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ[ (سورة القصص: 77) صدق الله العظيم.

4-     ويتضمن مفهوم الوسطية رفض رفع الاقتصاد على ما عداه من أنشطة المجتمع، بل يتضمن إخضاع الاقتصاد (في أهدافه ومناهجه) لحاجات المجتمع الأخرى، وفي مقدمتها الالتزام بالمبادئ العقدية.

5-     ويتفرع عن هذا رفض النزعة الاستهلاكية المجنونة (النهي عن التبذير والإسراف)، ويرتبط بهذا العدل في توزيع نواتج التنمية وفق آليات محددة (الزكاة والأوقاف.. إلخ)، ويبدأ هذا العدل في التوزيع من الإنتاج، إذ ينبغي التركيز على إنتاج ما يشبع الضرورات الأساسية لمجموع المواطنين.

6-     الدخل (الرزق) الحلال لا يأتي إلا من عمل منتج (يدوي أو ذهني)، وفي مجالات تزيد القيمة المضافة زيادة حقيقية (وفق منهج صحيح للحسابات القومية)، أي من الإنتاج السلعي، أو إنتاج الخدمات المطلوبة له ولتحقيق خير عام. ومن هنا تحريم الربا، وتحريم المضاربة على الأوراق المالية (الاقتصاديات العالمية المعاصرة التي تشبه كازينوهات القمار) (10).

7-     في إحداث التنمية الشاملة لا يحق للدولة الإسلامية أن تستخدم مناهج غير إنسانية (فرض الإفقار الفظيع الذي يصل إلى حد الإبادة لفريق كبير من الأمة). وهذا أمر ملزم حتى لو ترتب عليه خفض مؤقت لمعدلات النمو الاقتصادي.

8-     رفض أية تفرقة تبرر إبادة أو تجويع قسم من الأمة باسم التقدم والتنمية على أسس عرقية أو دينية، فالحضارة الإسلامية تقوم على مبدأ المساواة مع غير المسلمين من أبنائها، وتضمن مشاركتهم الكاملة وفق مبدأ "لهم ما لنا وعليهم ما علينا" (11).

9-     مشاركة الكل في عملية النهضة هي نوع من إعلاء قيمة الإنسان (أي إنسان) ودوره، الذي كرمه الله باعتباره خليفته على الأرض، ويشمل النظام السياسي وأجهزة الدولة آليات ملزمة ومناسبة تحفز المواطنين كافة على المشاركة في شئون السياسة والاجتماع، يكون هذا من خلال الشورى الملزمة في كل مستويات القرار، إضافة إلى مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو حق وواجب الكل. وفي شئون الاقتصاد يكون الأمر حفزًا لكل القادرين على إنشاء المشروعات وإدارتها إضافة إلى تحريم الربا وما أشبه (12)، وذلك عبر سوق وطنية تخضعها الدولة لأهدافها العقدية والاستراتيجية والاجتماعية.

10-   نذكر مرة أخرى بأن هذه الأصول في السياسة والاقتصاد والاجتماع محكومة بالإيمان والأخلاق، وترسخها ثقافة وفنون مناسبة، وحصادها بناء حضاري يختلف جذريًا عن حضارة الغرب المادية الدنيوية، ويتفوق عليها. وغني عن البيان أن إقامة الاستقلال الحضاري يتطلب استقلالاً في الإرادة السياسية. إذ لا يمكن أن نحقق تنمية مركبة مستقلة إذا ملك قرارنا من يعادينا ويعادي نموذجنا المستهدف. والإرادة السياسية المستقلة تتطلب الاعتماد على النفس في التطوير التكنولوجي والاقتصادي (وهذا يتطلب الضوابط والحذر لدى التعامل مع الشركات العابرة للجنسية)، وأهم من هذا أن الإرادة السياسية المستقلة تتطلب قدرة عسكرية على ردع أعداء مشروعنا الإسلامي، وهذا كله يؤكد أنه لا يمكن لدولة إسلامية أو عربية أن تحقق المستهدف بإمكاناتها وحدها، فلا استقلال بدون وحدة.

أعلم أن التباين واسع جدًا بين النموذج المستهدف وبين حالنا الراهن، ولكن هذا لا يجعله مستحيلاً، خاصة ونحن لا نتطلع إلى تركيب هذا النموذج (بكل مكوناته) في طفرة وفي أجل قصير.. إن البداية الجادة ليست مستحيلة، ونحن موعودون بنصر الله إذا نصرنا النموذج الذي كلفنا بإقامته. وهذا ضمن الأسباب التي تجعل أهل الغرب أشد خوفًا وحذرًا من النهضة الإسلامية، فالإيمان بالإسلام وأهدافه يولد طاقة جهادية غير محدودة. إن الجهاد والاستشهاد من أجل إعلاء كلمة الله (التي تتضمن الالتزام بأحكامه ومتطلباته، وفي مقدمتها الاستقلال والوحدة)، أقول إن هذا الجهاد هو طريق المؤمن للجنة، فكيف لا يتحمل أعلى التضحيات، ويصبر على القرح، وهو يواجه الأعداء؟ إن الصحوة الإسلامية الحالية تحمل هذا التهديد لأصحاب السيطرة الغربية على النظام الدولي، وهم يفزعون من أتباع المستضعفين في كل الحضارات لأمة الإسلام المجاهدة في تمردها الظافر بإذن الله على هذا النظام الأمريكي الغربي الجائر (13).

إن أهمية الاستقلال عندنا (وفي ضوء ما تقدم) هي أهمية مركبة، فهي ليست بدوافع دفاعية فحسب (ليست لمجرد دفع الأذى الذي يعوق النهضة) ولكنها بدوافع هجومية أيضًا (أي تحقيق البديل الحضاري الأرقى الذي لا يكتمل إيماننا الديني إلا به). إننا لا نتدافع مع الغرب لمجرد تضييق الفجوة في متوسط الدخل، أو لمزاحمته في أنماط الاستهلاك السفيهة أو في تدمير البيئة والبشر، ولكن نسعى للتقدم التكنولوجي والاقتصادي من أجل مجتمع أفضل وأرقى يحل محل مجتمع الانحلال والضياع. وأكرر مرة أخرى، أن الاستقلال الحضاري (بمعناه المركب) يستحيل تحقيقه والاستمرار فيه على مستوى دولة إسلامية أو عربية واحدة.

إن تنوع الأمة الإسلامية يؤكد قيام تقسيمات فرعية داخلها (كتلة آسيا الوسطى – كتلة شبه القارة الهندية – كتلة جنوب شرق آسيا – الكتلة الأفريقية جنوب الصحراء – الأقليات المسلمة في الدول الكبرى – الكتلة العربية) (14). إن كل كتلة في هذه الكتل (باستثناء الأقليات المسلمة في الدول الكبرى) قادرة بحجمها على تحقيق نهضة مستقلة (وإن كان الأمر لا يتوقف على حجم السكان والموارد وحده). ومعروف أن الكتل التي نتحدث عنها كتل تتجاور وتتفاعل، أي أنها ليست جزرًا منعزلة، وتحقيق روابط سياسية متنامية فيما بينها أمر ضروري وممكن (وهذا يحدث عمليًا ببطء، باستثناء علاقات التحالف الصاعد بين الأمة العربية والجمهورية الإسلامية الإيرانية). وغني عن البيان أيضًا أن الكتلة العربية بالذات تمثل نواة صلبة لسائر الكتل الإسلامية الأخرى، وهي تحمل كثيرًا من أوراق ترشيحها واعتمادها لحمل أمانة القيادة، وذلك لأسباب يأتي في مقدمتها أنها صاحبة الهيبة والمكانة الخاصة لدى جمهور المسلمين، باعتبارها صاحبة الأرض المقدسة والمباركة، ويأتي في الأسباب أيضًا اللغة العربية (لغة القرآن الكريم والسنة المشرفة) بكل ما تحمله من فقه وتراث أصيل متميز.. ولكن رغم هذه الاعتبارات المقدرة، فإن الدور القيادي ليس قدرًا ولا إرثًا، وفي التحليل النهائي فـ] إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ[ (سورة الحجرات: 13). إن قيام الأمة العربية بدور خاص، أو بدور قيادي، داخل الكتلة الإسلامية، ليس حتمًا أن يتحقق، فإن تقاعسنا، أو إذا لم تخدمنا الظروف، فلا بأس أن يتحمل الريادة الأجدر والأنسب. وفي كل الأحوال، فإن دور الريادة والقيادة لا يصحبه استعلاء أو عصبية جاهلية، وهو مشروط في المقام الأول بقدر التضحيات المقدمة في مصارعة الأعداء وحجم الجهد ونوعه المبذول في إحداث النهضة المستقلة.

بقيت ملاحظتان:

1-     قلت إن الخضوع للسيطرة الغربية كان عملية مركبة وكذلك يكون التخلص من التبعية عملية مركبة (عقدية/ ثقافية/ سياسية/ تكنولوجية/ اقتصادية/ اجتماعية/ عسكرية). وقد يختلف الوزن النسبي لكل عنصر من هذه العناصر من تجربة لأخرى، ومن مرحلة إلى مرحلة. ولكن يظل العنصران الحاسمان في كل الأحوال من أجل تحقيق الاستقلال هما: عنصر العقيدة الحاكمة، والعنصر العسكري. والعنصر العسكري يعني إمكانية ردع قدرة الغرب على فرض إرادته علينا بالقوة المسلحة. وأذكر بأن العملية ممتدة زمنيًا، وتشهد استفادة كُفْأة من تناقضات الأعداء ]بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى[ (سورة الحشر: 14) صدق الله العظيم.

2-     ويأتي ضمن مفهوم التركيب في عملية الاستقلال، أن أجزاء الأمة الإسلامية (وداخلها الأمة العربية) لا تستوي في تطورها، ولا في استعدادها لقيادة النهضة، أو حتى في فاعلية الإسهام في إحداثها. إن الاستقلال (ووجهه الآخر الوحدة) ضرورة ومطلب للكل، ولكن أجزاء الأمة الإسلامية لن تصل إلى أهدافها بشكل جماعي في لحظة واحدة، فالسرعة تتفاوت، وكذا العزم والظروف المناسبة، وإذا كان قدر الله هو الحاكم للعملية ونتائجها في التحليل الأخير، فإن من الأسباب المقدرة في ظني: ظهور قيادات كاريزمية ونخب قادرة ومبدعة إضافة إلى المؤثرات الجيوسياسية، وهي أسباب لا حكم للبشر في استحداثها!

3-     إن الاستقلال الذي لا يتأكد ولا يكتمل إلا بالوحدة هو شرط أول لنهضة الأمة العربية القائمة على البعث الإسلامي، فما هو موقع أمتنا الحالي على هذا المسار؟ أي شوط قطعنا؟ وما الظروف الضاغطة والمحيطة؟

رابعًا: تحديات رهيبة تواجه الأمة العربية في الاستقلال والوحدة

 في مواجهتنا لتحقيق الاستقلال تتجمع أمام الأمة العربية ثلاث تحديات كبرى تجعل معاركنا أكثر سخونة مما هي في أي موقع آخر من مواقع الأمة الإسلامية، بل أكاد أقول في أي موقع عالمي آخر. هذه التحديات هي الإسلام – البترول – إسرائيل.

1-     بالنسبة للإسلام، أوضحت ضمن ما سبق أن ضرب الأمة العربية يعنى ضربًا لقلب الدائرة الإسلامية الأوسع، وإضعافًا بالتالي لإمكانية نهضتها وتوحدها. ويضاف إلى هذا قرب الأمة العربية (وخطرها!) من أوروبا.. ويعني كل ذلك أن يكون الإصرار على إضعاف الأمة العربية وتفتيتها أمرًا متصلاً ومكثفًا وإلى درجة الهوس.

2-     وبالنسبة للبترول، نعلم تمركز احتياطاته في المنطقة الإسلامية عمومًا وفي المنطقة العربية على وجه الخصوص (15). من هنا فإن حرص الولايات المتحدة على إخضاع أمتنا العربية له أولوية معروفة ومفهومة في استراتيجيتها الدولية (هذا سر معلن في كل الدراسات والتقارير المعنية)، ففضلاً عن حرصها على تأمين إمداداتها النفطية الخاصة (بالشروط الظالمة التي تفرضها) فإنها تستخدم سيطرتها على البترول العربي (الإسلامي) كأداة إخضاع للكتل الدولية المختلفة (اليابان – الصين – أوروبا). هذه الحقائق تفسر إصرارها المحموم على إبقاء الأمة العربية (الحاضنة للبترول) تحت سيطرتها المحكمة وتستخدم في هذا كل أدوات المكر والقوة، وعلى رأسها التواجد العسكري المباشر داخل المنطقة وفي كل البحار التي تحيط بها.

3-     أما إسرائيل، فإنها مشروع بدأ لزرع جدار بشري غريب يفصل شرق الأمة العربية عن غربها، ويفصل بالذات مصر عن باقي أقطار المشرق، ولكن إسرائيل سرعان ما تحولت من مجرد حاجز بشرى إلى إثبات أنها قوة ديناميكية قادرة على تأديب "العصاة" الراديكاليين، وعلى تدبير الفتن التي تنسف التضامن العربي وتعوق النهضة. ووفق هذا التحول تعاظم الدعم المتدفق على إسرائيل من الولايات المتحدة (والغرب عمومًا). تعاظم الدعم السياسي، ودعم التهجير اليهودي إلى فلسطين إضافة إلى دعم مالي وتكنولوجي واقتصادي، مع دعم عسكري يضمن تفوق إسرائيل النوعي على سائر الجيوش العربية. لقد أصبحت إسرائيل أصلاً مكينًا يستحيل الاستغناء عن دوره في حماية الأهداف الأمريكية في منطقتنا، ولكنها تحولت من مشروع تابع للوجود الأمريكي (والغربي) إلى مشروع له ذاتيته المتميزة وله أطماعه الاستراتيجية الخاصة داخل التحالف الغربي. وحققت إسرائيل ذلك عبر نجاحاتها المطردة في المنطقة، مع ما صاحب هذا من تنمية مطردة لشبكة فريدة من العلاقات الوثيقة مع المجموعات الصهيونية الضاغطة والمؤثرة في عواصم القرار الدولي. لقد أصبحت إسرائيل قوة عظمى وشريكًا أصغر للولايات المتحدة في منطقتنا، وعبرت عن ذلك سلسلة من اتفاقات التحالف الاستراتيجي بدأت في عهد ريجان. ورغم سرية ما جاء في هذه الاتفاقات فمؤكد أنها تهدف إلى محاربة النهضة الإسلامية ووحدة العرب وإلى ضمان السيطرة الأمريكية على البترول. وقد استخدم التحالف الاستراتيجي لتحقيق أهدافه (ولا يزال) التشويش الأيديولوجي والإعلامي، إضافة إلى إحكام السيطرة الاقتصادية التي تنشئ فئات اجتماعية وسياسية تابعة أو عميلة، ومرورًا بالمؤامرات الاستخبارية لإشعال الفتن والحروب البينية وإحداث انقلابات سياسية وعسكرية. ولكن من بين أدوات الإخضاع المختلفة يظل التشويش الأيديولوجي (غسل العقول من الإسلام والقومية)، إضافة إلى التهديد العسكري، هما أهم الأدوات كالعادة. لقد أضاف الكيان الصهيوني قوة مركبة كبيرة إلى قوة الولايات المتحدة، والقوتان تحاربان معًا وبشراسة استقلال الأمة العربية ووحدتها.

هذا الحال يبدو في وجه منه مصعِّبًا للاستقلال والوحدة ولكنه يبدو من وجه ثان ميسرًا للعملية.. إن ملكنا الإرادة.

1-     فإن كان دورنا الإسلامي داعيًا لتكثيف الهجوم علينا، فإن هذا الدور نفسه حافز لتشكيل جبهة إسلامية واسعة من حولنا تضغط على أعدائنا، فالأمة الإسلامية لا تتجاوب مع معارك مشتركة قدر تجاوبها وتضامنها مع معارك الأمة العربية في فلسطين وغير فلسطين.

2-     وبالنسبة للبترول فإن مجرد تمردنا على سيطرة أمريكا على مقدراته يحدث تشققات معتبرة في مجموعة مستهلكيه الكبار الخاضعين لابتزاز الولايات المتحدة (اليابان – الصين – أوروبا). لقد حدث هذا في حرب 1973 في عز الحرب الباردة والتمرد على السيطرة الأمريكية يكون الآن (في غيبة الحرب الباردة) أفعل في توليد التناقضات، فكتل المستهلكين الكبار تضيق من الاستبداد الأمريكي (16). إن البترول العربي اليوم (ولا بأس أن نقول البترول العربي الإيراني) هو سيف في يد الولايات المتحدة موجه إلى قلبنا وقلب العالم كله. وإذا انتزعنا هذا السيف وأصبح في يدنا سيكون موجهًا إلى قلب الولايات المتحدة. إن البترول في يدنا هو المكافئ (من حيث قدرته التدميرية المحتملة) للترسانة النووية التي تملكها دول عظمى، مع فارق المرونة التي يمثلها البترول كسلاح، أي إنه قابل للاستخدام على مستويات مختلفة من التصعيد، وهذا يعني أنه قابل للاستخدام الفعلي في الصراعات الدولية على عكس أسلحة الدمار الشامل.. ولكن هذا لا يعني الرعونة في استخدامه، حسبه أنه قائم في حسابات القوى، ومن شأن هذا تيسير مهمتنا في دحر العدوان الصهيوني، إضافة إلى تيسير مهمتنا في تحرير مواردنا وإطلاقها في تنمية مستقلة ومتكاملة.

3-     وبالنسبة لإسرائيل المتحالفة مع الولايات المتحدة ففيها يتمثل مبدأ التحدي والاستجابة، فالمشروع الصهيوني مثل تحديًا خطيرًا لمقدساتنا الإسلامية والمسيحية، وسبب أضرارًا بالغة لكياننا العربي، وولد هذا استجابة ملائمة ومتصاعدة حفزت الاتجاه دومًا نحو التضامن العربي، فلم يجتمع العرب على قضية قدر اجتماعهم حول قضية فلسطين، ورغم كل عوامل الغدر والتآمر التي رتبها الحلف الصهيوني الأمريكي ورغم الهزائم المتنوعة والمتلاحقة تعود الأمة العربية الآن للتضامن ولتنمية قوتها العسكرية ردًا على التحدي الصهيوني الأمريكي ] وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ[ (سورة البقرة: 216).

خامسًا: أمتنا العربية من التراجع غير المنظم إلى الصمود

شهد الوضع العربي في بداية التسعينيات تراجعًا حادًا في المواجهة بين الأمة العربية والملف الصهيوني الأمريكي في جبهتي إسرائيل والبترول. شهدت الفترة تراجعًا خطيرًا، انخلعت أمامه القلوب، في مسيرتنا الدامية نحو الاستقلال والوحدة. ففي الساحة الدولية حدث الانهيار المفاجئ والدراماتيكي للكتلة الشيوعية السوفيتية، مع ظهور الولايات المتحدة قطبًا واحدًا قيل إنه يقيم نظامًا عالميًا جديدًا تحت سيطرته المطلقة. ومعروف أن الكتلة السوفيتية كانت المصدر الأول للتأييد السياسي والاقتصادي والعسكري للجبهة العربية الراديكالية في مواجهتها مع الحلف الصهيوني الأمريكي.

وإقليميًا، كان تحطيم القوة العسكرية العراقية كارثة تركت أثرًا مروعًا على توازن القوى بيننا وبين الحلف المعادي، وقد صاحب ذلك قيام حالة عدائية بين أمتنا العربية (باستثناء سوريا) وإيران، إضافة إلى توسيع وجود عسكري أمريكي كثيف في منطقة الخليج وحولها، وقيدت دول مجلس التعاون باتفاقات أمنية سرية أكدت السيطرة الأمريكية على بترول المنطقة، مع مزيد من العزل لدول مجلس التعاون عن أمتها العربية.. وترتب على كل ذلك حال فظيع من انهيار الثقة بالنفس ومن شعور اليأس والضياع. لقد انهارت القوة العراقية في ظروف دولية بدا مستحيلاً تعويضها فيها، وحدث هذا بمشاركة عربية تحت قيادة عسكرية أمريكية، وهو أمر بلا سابقة ولا نظير في التاريخ العربي.

وكان طبيعيًا أن يستفيد الحلف الصهيوني الأمريكي من هذه اللحظة الفريدة في انحطاطها وضياعها، فبادر إلى تحرك سريع لفرض اتفاقات وتطورات تكمل اتفاقات إخضاع الخليج، وتثبت استسلام الأمة العربية في جبهة الصراع مع الكيان الصهيوني. وقد تحقق التالي بطريقة كاسحة:

1-     تمكن صندوق النقد الدولي من فرض مبادئ العولمة على الأغلبية العظمى من الأقطار العربية (مع تركيز خاص على مصر: اتفاق 1991). وقد أفضت هذه التطورات إلى إعادة هيكلة الاقتصادات المعنية على نحو يقلص سلطة الدولة على أداء اقتصادها وتنميته، أي يقوض دعائم الاستقلال، وهذا يفضي إلى خلق روابط عضوية مصلحية بين دوائر الأعمال المحلية (بعد توسيعها عبر السياسات الاقتصادية وما شملته من خصخصة مشوهة) وبين الشركات العابرة للجنسية والدول التي تقودها، وهي روابط يقنع فيها رجال الأعمال المحليون بقسم ضئيل من الأرباح المحققة، ويقبلون في سبيلها التضحية بالمصالح القومية العليا التي لا تحققها إلا تنمية مستقلة. لقد تم هذا عبر آليات الاتفاقات الموقعة مع صندوق النقد المتعاون مع الحلف الصهيوني الأمريكي، ودعمتها آليات الشراكة الأوروبية (مع دول المغرب العربي كل على حده). ولكن هذه الآليات الاقتصادية كانت مدعومة بطبيعة الحال بآليات المخابرات في اختراق المجتمع ومؤسسات الحكم، وكان مفروضًا أن تكون هذه التحولات مدخلاً لمشروع الشرق أوسطية الذي يسقط كل القيود على العلاقات الاقتصادية (وغير الاقتصادية) مع إسرائيل في إطار العولمة وفي إطار مشروعات التسوية المزمع تحقيقها.

2-     أحيط كل هذا بحملة أيديولوجية وإعلامية مكثفة سلطت على النخب والجماهير، تذكي أسباب اليأس من وجود بدائل للمشروعات المقترحة، فأي بديل آخر سيواجه ببطش عسكري رهيب من الحلف الصهيوني الأمريكي، وبتجويع (وحالة العراق في منطقتنا كانت إنذارًا مشهرًا لكل من يفكر بالتمرد). ولكن كانت هناك أيضًا الجزرة، فقد تكرر بالإلحاح الأيديولوجي والإعلامي أنه حتى إذا لم يكن هناك بديل فإن ما يطرح علينا يحقق خيرًا عميمًا، من خلال ادعاءاته العولمة، وتحرير الأسواق في قرية عالمية واحدة تنتهي فيها الصراعات السياسية، ولا يبقى فيها إلا التنافس الاقتصادي لتحقيق الرفاهية للجميع، وفي إطار من الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان! لقد كان وعدًا بتحقيق جنة على الأرض "ينتهي عندها التاريخ"، فيا ويل من يتخلف عن ركب أصحاب العولمة. وبالفعل أدى هذا الضلال إلى زيغ الأبصار وذهاب العقول، فتم قبول واسع للالتحاق بالركب، وتسارعت غالبية بلاد العالم (وليست بلاد العرب وحدها) إلى إتباع سياسات صندوق النقد والهيئات الدولية المكملة، بعد تمنع طويل، فوافقت على تصفية دور الدولة، وأسقطت تحفظاتها السابقة على حرية التجارة الدولية وحركة رءوس الأموال (أي حرية الدولة المسيطرة في غزو أسواقها) لقد تم هذا في المنطقة العربية، وتم هذا التحول انخداعًا بالأوهام إلى جانب عصا التهديد، ولكن كان دور الضلال (في تقديري) أقوى في تحقيق التحول لدى النخب والرأي العام، في بداية التسعينيات، وارتبط بهذا شيوع الميل إلى سرعة الإنهاء للصراع العربي الصهيوني باعتباره من مخلفات الماضي التي آن لها أن تنتهي مجاراة لمتطلبات الإلحاق بالعولمة، مع ما يتفرع عن ذلك من قبول الشرق أوسطية باعتبار التعاون مع إسرائيل يفتح لنا باب تحصيل الخيرات من الاندماج في السوق العالمي والقرية الواحدة (17).

3-     في هذا الإطار وقعت الاتفاقات مع صندوق النقد ومع غيره، جنبًا إلى جنب مع عقد مؤتمر مدريد (1991)، ومع شيوع الضلال وإشهار التهديد وقعت اتفاقات أوسلو ووادي عربة، ولم تصبر الأمة العربية في أغلبها على الانتهاء من المفاوضات المتعددة الأطراف مع إسرائيل، وعلى عقد مؤتمرات "الدار البيضاء" و"عمان"، دون انتظار للانسحاب.

4-     .. جرت مياه كثيرة منذ تشكلت هذه الصورة الكريهة في بداية التسعينيات. ولكن قدر الله أن تصمد بعض القيادات العربية. لقد احتفظت برباطة الجأش وعمق النظرة الاستراتيجية، فصبرت ولم تنجرف مع التيار، لا تحت تأثير العصا ولا تحت تأثير الجزر. وجنبًا إلى جنب مع هذا الصمود تحركت الأحداث في المنطقة والعالم، مبددة للأكاذيب والأضاليل، ومستعدية لأسباب القوة. لقد أثبتت الأحداث والتجارب أن انفراد الولايات المتحدة بقيادة العالم لم يغير طبيعة أهدافها الاستراتيجية الشيطانية، بل زاد شرهها للطغيان والاستعلاء. وفي منطقتنا ثبت أن أهداف الحلف الصهيوني الأمريكي ضد أمتنا بقيت كما هي، بل انكشف بالتجربة وبشكل قاطع حرص إسرائيل على أن تستفيد من ادعاءات السلام لتوسيع دائرة سلطانها، وثبت أن كل الوعود عن الرخاء كانت مجرد عملية نصب كبيرة.. هنا أصبح الاستمرار في مسيرة السلام، ولواحقها الشرق أوسطية، يتطلب إظهار القوة وحدها، بعد أن سقطت الجزرة. في بداية التسعينيات كان مؤيدو مسيرة السلام وطنيين مضللين أو عملاء، أما الآن وبعد أن استعاد المضللون وعيهم وذاكرتهم فلم يبق مؤيدًا لمسيرة السلام، التي أصبح مفضوحًا أنها مسيرة الاستسلام، لم يبق إلا العملاء معزولين.

5-     وماذا عن الترويع والتهديد باستخدام القوة؟ لقد تراجعت حالة الضياع التي سادت في بداية التسعينيات تدريجيًا وبتسارع، وعاد العمل خطوة خطوة (على الجانب العربي) لجمع أدوات القوة بمفهومها المركب ويذكر هنا أن صمود العراق (أمام محاولات تفتيته واختراق دولته) وكذا الصمود السوري (في المفاوضات و"الشرق أوسطية"، ثم دعم المقاومة اللبنانية) كانا الصخرة التي تكسرت عليها أمواج الهجوم، ثم توسعت قاعدة الصمود فتوقفت مؤتمرات الشرق أوسطية، وتلاها وقف المفاوضات الثنائية. لقد توثقت الروابط بين الثلاثي المصري – السوري – السعودي، وانعكس هذا في دعم سياسي وعسكري عام للمقاومة اللبنانية المسلحة، ووصلنا الآن إلى دعم جماعي للمقاومة الفلسطينية في القمتين العربية والإسلامية. إننا نشهد الآن عودة إلى تعاون مطرد بين سوريا والعراق ويصاحبه تعاون مواز بين مصر والعراق، وبين مصر والسودان، بل حدث تقارب بين دول مجلس التعاون والعراق، وتقدم ملموس في العلاقات الخليجية الإيرانية، والعلاقات العراقية الإيرانية، وتقدم مقدر في علاقات مصر مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية.. إضافة إلى توثيق العلاقات المحورية والاستراتيجية بين سوريا وإيران. لقد تمت إذن خطوات كبيرة في استعادة التضامن العربي والتضامن العربي الإيراني، وطبيعي ألا يكون التفهم والتضامن على درجة واحدة لدى الجميع.

6-     وقد أدى هذا كله إلى تغير في توازن القوى لصالحنا، ولم يكن لهذا التغير أن يؤكد أثره إلا بتوفر قوة عسكرية، وهنا لابد من الإشارة إلى التطورات الدولية التي حدثت من خلالها التطورات السياسية الإيجابية في منطقتنا، فقد حدث أثناء التسعينيات أن تعددت الأقطاب التي تحيط بالولايات المتحدة، وتحد من سيطرتها على النظام الدولي، فانحسرت حكاية العولمة وقريتها العالمية الواحدة، وظهرت التكتلات المنافسة أو المتصارعة التي تحدث عنها هانتنجتون، بل وصل الانحسار إلى حد تصاعد الهجوم على العولمة داخل الدول الصناعية الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة. وقد حد كل هذا من آمال الولايات المتحدة في فرض سيطرتها الظالمة والمنفردة على النظام الدولي، وفي فرض السيطرة الكاملة للحلف الصهيوني الأمريكي على أمتنا العربية. لقد كانت أمتنا على رأس المستفيدين من التطورات الدولية، وفي مقدمة الاستفادة حصولها على دعم سياسي وعسكري حاسم. أما عن الدعم العسكري، فإنه تمثل في إمداد المنطقة بالصواريخ وأسلحة الدمار الشامل(18).  الأمر الذي أدى إلى تحييد التفوق العسكري الإسرائيلي وتهميش الأثر من الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، وبالتالي انخفضت إلى حد كبير حدة التهديد الموجه لأمتنا. وبالقوة السياسية المتراكمة إلى جانب القوة العسكرية المحققة، وصل صراع أمتنا مع الحلف الصهيوني الأمريكي (في جبهتي إسرائيل والبترول) إلى أعتاب مرحلة جديدة نسأل الله فيها دوام التقدم نحو النصر (*).

سادسًا: المستقبل واحتمالات الاستقلال
الوحدة: توقعات وملاحظات

استمرارًا للتقدم الذي أحرزناه، نسعى لاستقراء مكونات المسار المقبل، مع ملاحظاتنا وهواجسنا وتمنياتنا، مذكرين بأن الصراع مع الكيان الصهيوني المتحالف مع الولايات المتحدة هو محور الصراع من أجل استقلال الأمة العربية ووحداتها.

1-     ونبدأ بأمل الاستمرار في تشغيل الاستراتيجية القتالية الحالية ضد إسرائيل، وهي استراتيجية تقوم على ثلاث ركائز: الردع المتبادل بأسلحة الدمار الشامل، أو توازن الرعب، من خلال توفر الصواريخ والرءوس النووية أو البيولوجية أو الكيميائية لدى جانبي القتال: الجبهة العربية الإيرانية في مقابل الحلف الصهيوني الأمريكي (في جبهتي إسرائيل والبترول). هذه هي الركيزة المعتبرة والحاكمة. أما الركيزة الثانية فتتمثل في الجيوش العربية، القادرة على الصمود في اشتباكات محدودة مع العدو (هي محدودة بحكم السقف المفروض على تصعيدها خوفًا من تحولها إلى استخدام متبادل لأسلحة الدمار الشامل). وتأتي بعد ذلك الركيزة الثالثة المتمثلة في الحرب الجهادية غير النظامية، وهي حرب تستنزف دماء العدو ومعنوياته، في ظروف تجبر العدو على خوض المواجهة منحصرًا داخل الأرض المحتلة، وتمنعه من استخدام تفوقه العسكري في نقل المعركة خارج حدوده لترويع الدول المعاونة للمجاهدين فيمنعون عنها الإمداد بالمال والسلاح حتى تذوى وينتهي خطرها (والعدو مضطر إلى حصر ميدان القتال بسبب الركيزتين الأولى والثانية). إن هذه الاستراتيجية القتالية الجديدة قابلة لاستمرار التشغيل، والعدو لا يحتمل ذلك، وقد رأينا هذا لدى هرولته من جنوب لبنان، ويمكن أن يتكرر الموقف في فلسطين بإذن
الله (19).

2-     ولكن نعلم أننا أمام صراع معقد وطويل، وهو صراع مع عدو شرس وعنيد. ومع انتشار أسلحة الدمار الشامل لدى جبهتي القتال، فإن المعالجة السياسية والإعلامية لنتائج الصراع ومناهجه تتطلب حكمة بالغة ومرونة دبلوماسية. وفي ضوء ذلك لا نتصور أن ينتهي الصراع العربي الإسرائيلي (ولا الصراع في جبهة البترول) بهزيمة كاملة لطرف من طرفيه، وفي جولة واحدة، ولذا فإن غاية ما نستهدفه في هذه المرحلة هو الوصول إلى حل نسترد به قدرًا طيبًا من حقوقنا في جبهتي إسرائيل والبترول. وحيث إن الأمر صفقة سياسية مرحلية، فلابد من مفاوضات تحدد لكل طرف ما يأخذه وما يعطيه، ولكن الشرط الأول لنجاح المفاوضات هو أن تجري المفاوضات من خلال إظهار دائم للقوة. لا يجب أن نعيد السيف إلى غمده، ويجب أن تمضي المفاوضات في ظل الاستمرار في استنزاف العدو وترويعه. وإذا كانت المواجهة من خلال القوة العسكرية هي الأساس، فإن مواصلة شحذ أدوات القوة الأخرى ضرورة، خاصة شحذ العقيدة الإسلامية العربية، مع زيادة التعاون العربي، واستخدام الضغط البترولي.

3-     إن تحقيق ما سلف يتطلب براعة عالية في إدارة الصراعات والعلاقات، أي فن استخدام القوة المتاحة بطريقة متناغمة باتجاه تحقيق الهدف، مع الحذر الدائم من مكر الحلف الصهيوني الأمريكي. ويشمل ذلك فن إدارة المفاوضات التي تتطلب قاعدة معلومات واسعة وتحليلات متجددة عن نوايا العدو ومخططاته، وعن أوجه ضعفه، مع قدرة على المبادرة في لحظة مناسبة بتقديم مخارج للمآزق... وحتى التدقيق في كل لفظ عند صياغة الاتفاقات. ومؤكد أن الجانب العربي قد كسب في كل ذلك خبرة لا تقدر بثمن أثناء تعامله المباشر مع الأبالسة، خاصة في مفاوضات العقد الماضي.

4-     في مجال توسيع قاعدة المعلومات والتحليلات، وفي مجال التأثير في الجبهة الداخلية للأعداء، وفي مجال التصدي لمؤامرات الأعداء، وفي مجال التسليح.. إلخ، تحقق ارتفاع كبير في مستوى الكفاءة لدى الأجهزة الأمنية في عديد من الأقطار العربية، وتعذر على العدو اختراقها، وهذا كسب لابد من صيانته وتنميته. إن دور أجهزة الاستخبار جوهري جدًا في الصراعات الدولية، وأقول إن معيار التقدم نحو الاستقلال يظهر في قدرة الدولة على المحافظة على أسرارها الاستراتيجية (20).

5-     لابد من ازدياد القدرة على الاستفادة من تناقضات الكتل الدولية وصولاً إلى عزل الحلف الصهيوني الأمريكي. وهذه الاستفادة تتطلب بطبيعة الحال مهارة سياسية ودبلوماسية، ولكن أهم من ذلك أنها تتطلب منا أن نثبت للكتل الدولية جدارتنا بتأييدها بحيث لا يكون وقوفها معنا ضد الحلف الصهيوني الأمريكي مغامرة غير محسوبة. وغني عن البيان أن الدعم الدولي لقضية استقلالنا ووحدتنا لن يكون على مستوى واحد من الجميع.

6-     لابد من المثابرة على تنمية التناقض داخل الحلف الصهيوني الأمريكي نفسه، وهي محاولة ممكنة إذا استخدمنا كل أدوات القوة المتاحة، إذ يظل أفق المصالح الاستراتيجية الكونية للولايات المتحدة أوسع كثيرًا من أفق المصالح الصهيونية الضيق والذي يتركز حول تأمين الوجود في فلسطين، بتعصب أعمى ومنغلق. وهذا التباين في درجة اتساع الأفق هو الذي يفسر الاختلاف في المواقف الذي شهدناه فعلاً في عديد من لحظات الصراع(21). إذا استمرت ضغوط القوة العربية (أو العربية الإيرانية) على نحو يجعل تكلفة الدفاع عن توسعات إسرائيل أعلى جدًا من المكاسب المقدرة، يمكن للإدارة الأمريكية أن تضغط من أجل انسحاب إسرائيل من الأرض المحتلة، ولكن لا ننسى هنا عبارة "إذا استمرت ضغوط القوة العربية الإيرانية"، وسيكون هذا على حساب تنازلات تطلبها الولايات المتحدة من الأمة العربية في مجال البترول، بحيث لا تفقد سيطرتها بالكامل عليه، إضافة إلى تنازلات مكملة في مجال القبول بالعولمة، إضعافًا لإمكانات النهوض العربي الموحد.. ولكن كل هذا يمكن الحد منه "إذا استمرت ضغوط القوة العربية الإيرانية".

7-     إذا أدرنا الصراع، ودخلنا المفاوضات، في إطار استمرار الضغوط من القوة العربية الإيرانية، يكون من المرجح بإذن الله أن تنتهي إلى تحقيق ما قدرته القيادات العربية من أهداف مرحلية، وهو ما يلخص في تنفيذ القرارات الدولية، أو مبدأ كل الأرض المحتلة عام 1967 مقابل السلام (المنضبط)، ويعني هذا انسحابًا كاملاً من الجولان ومزارع شبعًا تقابله التزامات أمنية متبادلة (مثلاً مناطق منزوعة السلاح على جانبي الحدود، ونزع أسلحة الدمار الشامل لدى كل الأطراف المعنية)، مع الامتناع عن إقامة علاقات سياسية واقتصادية خاصة.. ويعني هذا في القضية الفلسطينية إقامة دولة فلسطينية مكتملة السيادة على الضفة وقطاع غزة. دولة تسيطر على مواردها وترتبط بالدول العربية، ولا تكون منزوعة السلاح. إضافة إلى حل مشكلة اللاجئين.

لو تصورنا حدوث ذلك (وهو ممكن بإذن الله لو صبرنا وثبتنا)، فإن الهلع سيصيب الكيان الصهيوني في مساحته الهزيلة التي ستتبقى له (22). وأهم من الجوانب الأمنية والعسكرية، فإن مشروعية المشروع الصهيوني ستنهار من جذورها مع تبدد الأسطورة عن أرض الميعاد بحدودها التوراتية، وعن القدس والهيكل.. إلخ. إذا أصبحت المسألة مجرد انسحاب من أرض سبق اغتصابها عام 1967، فما الذي يمنع في مرحلة قادمة المطالبة بإعادة الأرض المغتصبة عام 1948؟ إن الموافقة على الانسحاب من كل الأراضي المحتلة عام 1967 سيترتب عليها ارتفاع هائل في معنويات الأمة العربية، يقابله سقوط مدو في معنويات الصهاينة (داخل إسرائيل وعلى مستوى العالم)، وأشير في السياق الحالي إلى الاندماج المتوقع لفلسطينيي إسرائيل مع إخوانهم في الضفة والقطاع، وهو أمر يهدد بتفجير الكيان الصهيوني من داخله، وينهي الطابع اليهودي لدولة إسرائيل، وكل هذا سينعكس في هجرة عكسية واسعة، أي هرب اليهود من إسرائيل (23)، ومن يبقون ستعصف بهم الخلافات، وسيكون ] بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ[ (سورة الحشر: 14). ونترك تداعيات كل ذلك لخيال القارئ.

والخلاصة أن تحقيق المطالب العربية المرفوعة بالكامل يقوض قدرة الصهاينة على الاحتفاظ بتماسكهم، وقدرتهم على أداء دورهم في تخريب الأمة العربية وإشعال الفتن داخلها، فيقل وزنهم الاستراتيجي الدولي، ويكون كل هذا خطوة جبارة باتجاه الاستقلال والوحدة.

8-     إن التقدم في اتجاه ما سبق، يتطلب الاستفادة العميقة من دروس المرحلة الدامية السابقة في تاريخ الصراع العربي الصهيوني. إن الأهمية الاستراتيجية الفريدة لأمتنا (الإسلام – البترول – إسرائيل) تسببت في الكثافة غير المعهودة في الصراع (24)، ولم تكن الكثافة تتمثل في شدة الصراع، بقدر ما تتمثل في التنوع العبقري لمخططاته ومكره (25)، ولذا يحق لنا أن نتوقع (أو نتمنى) أن تكون النخب السياسية التي قدر لها أن تكون في أتون هذا الصراع، أو على رأسه، نتمنى أن تكون قد حصلت على قدر مناسب من العبر والخبرات، كسبتها بالدم وإهدار الموارد، وحرق الأعصاب. نأمل أن تكون النخب السياسية قد حصنت سياستها، وسدت أغلب الثغرات التي ينفذ منها المتآمرون، حتى لا تتكرر المحن والهزائم. إذا كنا نقول إن القوة العسكرية هي عامل حاسم في تحقيق النصر، فإننا نؤكد أنها وحدها لا تحسم النصر. وإذا كنا الآن قد حققنا مستوى مرضيًا من القوة العسكرية، فإن هذا لا يعد إنجازًا للمرة الأولى، فقد وصلنا فعلاً إلى لحظة توازن أو تفوق مع العدو في ثلاث مناسبات سابقة: كانت الأولى في حرب رمضان (أكتوبر) – وكانت الثانية بعد نجاح الثورة الإيرانية وتحول قوتها العسكرية إلى الكفة العربية – وكانت الثالثة بعد الحرب العراقية الإيرانية وخروج العراق منها بقوة عسكرية مهولة. ومعروف أننا في المناسبات الثلاث عجزنا عن تحقيق أهدافنا الاستراتيجية لأننا لم نمتلك بنفس الجدارة مكونات القوة الأخرى، فخسرنا في ميادين السياسية ما وفرته لنا القوة العسكرية، وبتعبير آخر أدت هزائمنا السياسية إلى إجهاض قوتنا العسكرية (26). لقد كشفت عديد من الكتابات سيناريو التآمر المركب الذي حيك لإخراج مصر من ساحة الحرب العربية بعد حرب رمضان (أكتوبر)، وكشفت قبلها فنون التآمر المركب التي سبق أن وُوجه بها عبد الناصر، فنجح في مواجهة بعضها وفشل في البعض الآخر، وقد تم ذلك بفضل كتب محمد حسنين هيكل التي سجلت أغلب وثائق المرحلة وتحليلاتها (27). ومؤكد أن هناك سيناريوهات لمؤامرات مركبة شبيهة حدثت مع سوريا والعراق وإيران، وهذه لم يكشف الستار عنها بعد. وغني عن البيان أن التآمر الخارجي يشمل الاستفادة اليقظة من أخطاء القيادات في هذا القطر أو ذاك(28). إن وثائق وواقع تلك الفترة ووقائعها لم تكشف بعد ولم تحلل، ولكن مؤكد أنها حاضرة في ذاكرة النخب التي وقعت في شباكها، وتبدو الآن بوادر الاستفادة العملية من دروسها المريرة الدامية في صمت.

لقد رأينا هذا مثلاً في الموقف المصري السوري الصلب في معارضة تفتيت الدولة العراقية حين وصل هذا المخطط إلى ذروته عام 1996. ورأينا هذا أيضًا في مناسبة التهديد بحرب سورية تركية (1997) تم إجهاضها بدور مصري سوري بوعي وهدوء (دون تهديد سوري صاخب باستخدام صواريخها مثلاً). ثم رأينا هذا أيضًا عند محاولة توريط مصر في اشتباكات عسكرية مع السودان تم إخمادها. ورأينا ذلك أيضًا في مناسبة التهديد بقيام حرب إيرانية أفغانية (1998) تم إسكاتها. ثم رأينا ونرى محاولات متكررة لإشعال فتن تفض التحالف السوري اللبناني، يجري علاجها بحكمة وحزم.. إلخ. يبدو أن الجميع قد وصلوا – في ضوء الخبرة – إلى تجنب الوقوع في فخ حروب أو فتن جانبية تستنزف الكل بلا طائل، وتخرجهم من جبهة الصراع الرئيسي.

يبدو كما قلت أن هناك استفادة صامتة من خبرات الماضي، ولكن أتمنى لو كانت الاستفادة عبر دراسات ومناقشات مشتركة تكون علمية وصريحة. وأقدر أن هذا صعب في الوقت الحالي.

9-     والدروس المريرة لا تقف عند جبهة الصراع المباشر مع الكيان الصهيوني في إسرائيل، فهي تمتد بالضرورة إلى جبهة البترول في الخليج. حين تفقد السعودية موجوداتها في الخارج (كانت حوالي 180 بليون دولار في مطلع الثمانينيات) فهذا ليس مزحة، وحين يثبت لدول مجلس التعاون الخليجي أن الوجود العسكري الأمريكي أفقدها مصالحها الحيوية في بترولها ومداخيلها فإن هذا درس لا ينسى. في فترة الذروة (منذ أواخر السبعينيات حتى أوائل الثمانينيات) حدث في دول مجلس التعاون أن فوائضها بالبلايين أسكرتها فتعالت على أشقائها، ولم تعبأ بتبديد قسم كبير من فوائضها في الاستهلاك الترفي ومضاربات البورصات.. إلخ. وكذلك فإن نصائح الخبراء الأجانب المغشوشة أضلت دول مجلس التعاون، ولكن أهم من هذا أنه مؤكد أن التهديدات الأجنبية أخافتها فأجبرتها إجبارًا على انتهاج سياسة الابتعاد عن باقي العرب، خاصة من حيث استثمار قسم كبير من فوائضها المالية في التنمية الاقتصادية المتكاملة للأمة العربية. وقد حدث أكثر من ذلك حيث أجبرت دول مجلس التعاون إجبارًا على قبولها دور المتلاعب في أسعار النفط خدمة للمخططات الأمريكية، وإضرارًا بالمصالح الوطنية والقومية. وقد انتهى كل هذا – كما ذكرت – إلى إفلاسها حيث أصبحت كلها مدينة، بل أصبح عليها أن تنفق على قوات احتلالها. أرجو وأتمنى أن تستفيد دول مجلس التعاون من الخبرة، فتسعى في المرحلة القادمة (مع استعادة استقلال القرار) إلى دمج بترولها (قوة سياسية وأموالاً) في مشاريع التنمية العربية التي تحقق مصالح كل الأطراف.

أما إيران والعراق، فإن إشعال التنافس بينهما على زعامة الخليج أحدث مصائب رهيبة نفذ منها الأعداء (الحلف الصهيوني الأمريكي). والحقيقة أن دول مجلس التعاون الخليجي كيانات بالغة الهشاشة (باستثناء السعودية)، وهذا يعني أنها أعجز من أن تخوض معركة البترول الكبرى إلا في كنف الاطمئنان إلى حسن الجوار، والتفاهم بلا إكراه. يجب أن يكون مضمونًا أن الترسانة العسكرية الإيرانية والترسانة العراقية (وضمنها أسلحة الدمار الشامل) لا تستخدم إلا للتأمين الجماعي ضد المخططات الأمريكية الصهيونية، والأمر لا يكون بتعهدات شفهية ولكن تضمنه ترتيبات محددة على الأرض تشارك فيها كل الدول الخليجية، بل وبعض الدول العربية من خارج الخليج. وهذه الهيئة الحامية لأمن الخليج وبتروله، تتدعم من خلال إشرافها وحفزها لمشروعات التنمية في المنطقة.

10-   لابد من الوعي العميق لحقيقة التباين في مواقف الأقطار العربية بين الراديكاليين والمستضعفين. ومع أهمية توثيق العلاقات التحالفية الخاصة بين دول الصف الأول في الهجوم، فإن الرفق بالمتخلفين أو المترددين واجب. وفقًا لتجاربنا السابقة منذ الخمسينيات، ينبغي تجنب الانقسام السياسي الحاد داخل الأمة العربية في المرحلة القادمة.

11-   المهام السابقة هي في جوهرها تطوير لما بدأ تحقيقه فعلاً، ولكن لابد من الإشارة إلى أن أضعف الثغرات في صفنا، والذي يتطلب علاجًا سريعًا، يتمثل في الجبهة الاقتصادية والاجتماعية. إن المفاتيح الحاسمة للقوة – كما نقول ونكرر – تتمثل في الجبهتين الأيديولوجية والعسكرية، ولكن تبقى الجبهة الاقتصادية مهمة جدًا. لقد خضعت غالبية الأقطار العربية لهوجة العولمة في بداية التسعينيات (كما ذكرت)، وهي غارقة فيها الآن، مقيدة باتفاقياتها وما ترتب عنها من وقائع. لقد فرض من خلال الاتفاقات فتح أسواقنا على مصاريعها أمام فوضى الاستيراد، وفرضت بذلك سيادة أنماط الاستهلاك الغربية التي لا يشيعها إلا الموردون الغربيون، فازداد الترابط بين جمهور المواطنين وبين هؤلاء الموردين، على حساب المنتجين المحليين، وعلى حساب الترابط في العلاقات الاقتصادية والمعيشية بين كل قطر عربي وجيرانه، وهذا يفضي إلى اعتماد كل قطر عربي على المنتجين الأجانب، مستغنيًا عن المنتجين العرب والمتاجرة معهم، مما يرسخ التفتت والتجزئة (29). ولا يقل أهمية عن ذلك ربط رجال الأعمال في كل قطر (مستوردين ومنتجين) بقيادات في الخارج (الشركات العابرة للجنسيات) بدلاً من الترابط مع قرنائهم وشركائهم العرب. والقيادات الأجنبية في الخارج ترشو رجال الأعمال المحليين بجزء من الأرباح حتى تكسب ولاءهم وتعاونهم معها في إجهاض التنمية المستقلة المتجهة للوحدة.

إن المواجهة مع كل ذلك ليست لغزًا من الناحية النظرية(30). وقد تضمنت "ندوة الوطن العربي ومشروعات التكامل البديلة" – على سبيل المثال – رؤية أعتبرها صحيحة في جوهرها تقوم على مبدأ الاعتماد الجماعي على النفس، ولكن، تعنُّ لي بعض الملاحظات على بعض ما جاء في أبحاث هذه الندوة القيمة، أولها أنها أهملت وزن البترول سياسيًا واقتصاديًا في استراتيجياتها البديلة للتنمية المستقلة(31). والملاحظة الثانية أنها لم تعط اهتمامًا كافيًا لخطورة الوحدة الاقتصادية العربية على الاستراتيجيات الدولية التي تستهدف إبقاء أمتنا مجزأة ومفككة، وهذا يعني أنه إذا كان الفارق النوعي بين الوحدة الاقتصادية العربية والوحدة الأوروبية يتمثل فعلاً في المدخل الإنتاجي مقابل المدخل التجاري (كما قال بحق أصحاب الاستراتيجية البديلة)، فإن أهم من هذا أن الوحدة الأوروبية لم تواجه "فيتو" خارجيًا صريحًا (قابلت تحفظات أمريكية وتعديلات ولكن ليس رفضًا للمبدأ). أما بالنسبة لنا فإن مشروعنا يقابل بحرب اقتصادية ضارية (تصل إلى فرض الحصار) وقد تصل إلى حرب بالسلاح لو أمكن (32). ولذا فإن التقدم نحو الوحدة الاقتصادية العربية مرحلة بعد مرحلة، وبالتراخي في جو مشمس ظريف، هو تصور خيالي عقيم. بسبب هذه الحقيقة – في المقام الأول – كان التعثر في خطواتنا طوال العقود الماضية.

ويترتب على هذا أننا نقبل بحد أدنى يستطيع الكل إدراكه، وهذا ممكن في ظل التقدم العام الحالي نحو الاستقلال والتضامن السياسي، ولكن يبقى أن الاقتحام الجريء للتنمية المستقلة المتكاملة عربيًا، يتطلب البدء بدول طليعية تمكنها ظروفها من هذا الاقتحام وتحمل تبعاته، وأول التبعات الصبر على دفع الثمن، فولوج التكامل الاقتصادي قد لا يحمل نتائج إيجابية منذ يومه الأول، بل سيسبب بعض المشاق والتضحيات نتيجة المخططات الخارجية الشيطانية (33). إن التقدم في اتجاه الاستقلال والوحدة الاقتصادية يواجه تحديات سياسية أكثر منها اقتصادية. ولكن التقدم (بسرعات متفاوتة) تحت راية أيديولوجية صحيحة، وفي اتجاه التحييد للتهديدات العسكرية كفيل بإعادة المد العظيم الذي اجتاح منطقتنا في الستينيات، وهذا هو المناخ المطلوب لمواجهة التحديات كافة، فساعتها سيتهاوى الفيتو الغربي والأمريكي على استقلالنا ووحدتنا.

12-   يبقى أن أشير إلى شروط النخبة القائدة لمسيرة مشروع النهضة، المحكوم بالاستقلال والوحدة. والشرط الأول والأهم – في تقديري – هو أن ترعى التفاهم والتحالف الصاعد بين أصحاب التيار الإسلامي وأصحاب التيار القومي. وقد ظهرت بوادر ذلك مثلاً في تحالف القيادة البعثية في سوريا مع الجمهورية الإسلامية في إيران، ومع حزب الله في لبنان. وقد ظهر التحالف والتفاهم في دعم القيادتين القوميتين في سوريا والعراق للسودان. وكذلك في التحالف بين كل القوى داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وكذا في دعم عديد من الأنظمة العربية لعمليات حماس والجهاد الإسلامي ولكنني أتطلع إلى ما هو أبعد من التفاهم والتحالف، فالتحالف المحقق قام في مواجهة مباشرة مع الحلف الصهيوني الأمريكي، أي في مواجهة خطر داهم يهدد الكل بالسحق، لقد كان هذا التفاهم والتحالف تطورًا طيبًا، ولكنه إلى حد كبير رد فعل طبيعي (أو غريزي) من أجل البقاء.. ولكنني أرنو إلى وحدة أيديولوجية نستقر عليها، وتكون عروة وثقى لمجموع الأمة. يجب أن يكون الإسلام والانتماء العربي وجهين لعملة واحدة في أيديولوجية (أو عقيدة) أمتنا العربية.

لقد انفصل التياران (القومي والإسلامي) في الماضي، وتحاربا، رغم وحدة الهدف المعلن: استقلال الأمة العربية ونهضتها الموحدة. وكان للخلاف بعض التبرير، فالتيار الذي رفع المطالبة بدولة إسلامية بدا متخلفًا في فهم آليات السعي لتحقيق هذا الهدف في عالمنا المعاصر، وبدا بالفعل ماضويًا وعاجزًا عن الاجتهاد من أجل بلورة البديل الحضاري. وقد ساعد ذلك في إبعاد كثير من العقول اللامعة والمجاهدين عن منهج الإسلام كله، فوقعوا في براثن الفكر الغربي (خاصة في شقه الماركسي) (34)، وقد نجح هؤلاء في بعض سعيهم لإحداث النهضة، وأخفقوا في بعض آخر، ولكنهم في كل الأحوال حصلوا لأنفسهم ولمجموع أمتهم ونخبها خبرات ثمينة، كان على رأسها أن بعضهم أعاد اكتشاف الإسلام، مزودًا باجتهادات طازجة، وبخبرة غنية في إدارة الصراع مع الأعداء.

إنني أعتقد أن الطبعة الجديدة من القوميين، والطبعة الجديدة من الإسلاميين، مرشحتان لنسج العقيدة الجامعة (35). وغني عن البيان أنني لا أقصد من التيار القومي مجرد أحزاب معينة، وكذلك لا أقصد من التيار الإسلامي أحزابًا معينة أخرى، فالأمر أكبر من هذا كله. إننا نتكلم عن بلورة عقيدة جامعة للكل، نتكلم عن اكتشاف لحقيقة موضوعية تعلو على الانتماءات الفرعية وتحكمها. وقد أعجبني هانتنجتون في ملاحظة أن المد الإسلامي (بمعناه المعاصر) هو ظاهرة عامة، تجذب أبناء الطبقة الوسطى، وتجذب كل الكفاءات التي كانت تحسب تقليديًا في خانة المتغربين. لقد تجاوز التحول العام نحو الإسلام كل حركاته السياسية التقليدية، ووصل إلى كثير من النخب الحاكمة التي عادت لا تتردد في إعلان انتمائها الإسلامي، رغم جذورها القومية ومواقفها العلمانية السابقة.

يجب أن تكون عقيدة الأمة واحدة جامعة، ثم تتفرع عنها بعد ذلك اجتهادات متباينة وحركات سياسية واجتماعية متنافسة. تتنافس وتتباين في إطار العقيدة الواحدة، وبنهج يختلف من قطر إلى آخر. إن الوصول إلى ذلك قد يتعذر في إطار الجيل الحالي، الذي أشقته وأدمته صراعات الماضي، ولكن حسبنا أن تبدأ العملية ويتوقف اضطهاد فريق لفريق آخر، متطلعين إلى دور الشباب في المستقبل.

13-   وينقلنا هذا إلى قضية النظام السياسي الملائم لطريق الاستقلال/ الوحدة (أي الديمقراطية حسب مفهومنا لها)، فنحن لا نتكلم عن الديمقراطية باعتبارها موضة العصر، بل نؤمن بأن دعاة هذه الموضة (دول الغرب) لا يتصورون تحقيق ديمقراطية حقيقية، ولا يموتون عشقًا في حب حقوق الإنسان. إنهم يتصورون دعوتهم للتعددية والديمقراطية طريقًا لتفريق وحدة الأمة وتمكينًا لهم في إطار العولمة (وما تنشئه من أوضاع اقتصادية اجتماعية) من تولية عملائهم، بحيث يكون الحكم دولة بينهم. وبمجرد فشل "ديمقراطيتهم" في تحقيق ذلك يكشرون عن أنيابهم، ويعصفون بكل ما أقاموه بلا تردد أو حياء (36). إن الديمقراطية الأصيلة ليست مجرد انتخابات وبرلمانات، فالديمقراطية دولة مؤسسات متكاملة: سياسية وعسكرية وأمنية، تعمل في إطار مجتمع مدني واسع في قلبه قطاع خاص وطني. والمؤسسات المنتخبة (مع مؤسسات المجتمع المدني) هي درع قادر على منع طغيان المؤسسات العسكرية والأمنية، ولكنها (أي المؤسسات المنتخبة) يجب أن تظل بدورها بعيدة عن اختراق الشياطين لها. إن حديث النظم الراديكالية عن هواجسها الأمنية ليس حديثًا عن أمور وهمية، أو مجرد ذريعة تبرر بها الاستبداد، فالنظم الراديكالية تواجه تحديات حقيقية وخطيرة، ولكن، صحيح أيضًا في الوقت نفسه أن الجمع بين تأمين النظام والشورى (أو الديمقراطية المنظمة) ليس هدفًا مستحيلاً، بل هو ممكن وضرورة، ولذا يجب فتح باب المشاركة الواسعة أمام النخب الوطنية، ويجب أن يسمح النظام السياسي بتجدد وتغيير النخبة الحاكمة (في إطار الاختيارات الوطنية المتاحة) (37)، وغني عن البيان أن هذا النظام السياسي المستهدف يتضمن احترام حقوق الإنسان كافة، شاملة حق الإنسان في المعرفة والتعبير.. هذا ضرورة (في إطار الضوابط الوطنية للانطلاق التنموي، بقدر ما هو ضرورة لدعم المواجهة مع المخططات الصهيونية الأمريكية انطلاقًا نحو الاستقلال/ الوحدة. إن التطور السياسي في الاتجاه الذي ندعو إليه سيعرض كثيرًا من الأنظمة الراديكالية إلى هزات لم تعتدها، ولكنها هزات تعكس الصحة والعافية للمجتمع..

أدرك أن تحقيق المستهدف صعب بعد أن تكلست مناهج الحكم، ولكن لا نملك إلا الصبر على مكاره السعي، آملين في أن يكون التقدم العام نحو الاستقلال/ الوحدة، معينًا على هذا الإصلاح السياسي.

1 مارس 2001

 

على الهامش

1-     أدى غزو العالم الجديد إلى كارثة القتل الجماعي للسكان الأصليين في نصف الكرة الغربي واستراليا، وإلى كارثة إفراغ أفريقيا من سكانها (تصل بعض التقديرات إلى تهجير عشرين مليونًا) كي يتحولوا عبيدًا لتنمية الإنتاج و"الحضارة" في الولايات المتحدة. ونذكر أيضًا محاولة الإبادة البشرية في الصين عبر فرض بيع الأفيون. ونذكر محاولة إبادة اليابانيين بالقنابل الذرية، وكذا العراقيين اليوم.. إلخ – وبالنسبة للنهب المقنن تكفي الإشارة إلى البخس المتعمد والقاسي لأسعار البترول في منطقتنا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، الأمر الذي أفقر الدول العربية وإيران وأجهض تنميتها. بينما أسهمت الطاقة الرخيصة في إنعاش الاقتصاد الغربي. الطاقة الرخيصة أسهمت في تعمير أوروبا أكثر من إسهام مشروع مارشال. انظر: حسين عبد الله، مستقبل النفط العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2000)، القسم الأول/ الفصل الأول.

2-     لمدة نصف قرن حملت الولايات المتحدة مسئولية حماية مصالح "الأمم المكتفية" و"الأغنياء الذين يعيشون بسلام في بيوتهم" و"الذين يجب أن تسلم إليهم حكومة العالم" كما طرح الأمر ونستون تشرشل بعد الحرب العالمية الثانية، وقد تولت الولايات المتحدة بالفعل حماية المصالح الغربية الاستعمارية، وأول ما يهدد هذه المصالح هو ما أسمته وثائق التخطيط عالية المستوى "الأنظمة الراديكالية والقومية" التي تستجيب للضغوط الشعبية من أجل تحسين فوري في مستويات المعيشة المتدنية للجماهير، وتتعارض هذه الميول مع الحاجة لمناخ سياسي واقتصادي يسهل الاستثمار الخاص مع ترحيل كاف للأرباح (وثيقة مجلس الأمن الأمريكي القومي N. S. C – S432/ 1 – 1954) – وأشير في هذا الصدد للرؤية الصافية التي أعلنها جورج كينان المشتهر (رئيس هيئة التخطيط السياسي في وزارة الخارجية عام 1948 حيث قال "يجب أن نكف عن الكلام على أهداف غير واقعية وغامضة مثل حقوق الإنسان ورفع مستويات المعيشة ونشر الديمقراطية"، ويجب أن نتعامل "بمفاهيم القوة المباشرة التي تعيقها الشعارات المثالية من قبيل الغيرية ومنفعة الناس. هذا إذا أردنا الحفاظ على حالة التفاوت التي تفصل ثراءنا الواسع عن فقر الآخرين". هذا جوهر الفكر الاستراتيجي الأمريكي حتى الآن، ودعك من التلاعب الإعلامي والادعاءات الكاذبة عن غرامهم بحقوق الإنسان.. عندما تولت أمريكا مهمة القيادة بعد الحرب العالمية، ظهرت على الفور نواياها في القضاء على أي مستقبل تنموي في آسيا، وما خطط في هذا الأمر فيما يتعلق باليابان رهيب (يشبه تمامًا ما خطط مؤخرًا بالنسبة للعراق). في مشروع قرار مجلس الأمن القومي الأمريكي رقم 48 لعام 1949 كان المبدأ الأساسي المعلن هو "التبادل والمنفعة المشتركة"، وبالتالي مرة أخرى معارضة التطور المستقل، وفي إطار هذه المنفعة المشتركة قدروا أن الأمم الآسيوية "لا تملك أي منها مصادر كافية للتصنيع العام" قد تستطيع الصين والهند واليابان "توفير قدر من الشروط الضرورية ولكن ليس أكثر من ذلك". وقد اعتبرت آفاق اليابان محدودة تمامًا. قد تنتج بعض الخردوات وبعض المنتجات للعالم المتخلف، ولكن ليس أكثر من ذلك". لقد قدر لهذا الاستعلاء العنصري أن ينهار، ولكن هذه هي النوايا لكل من يستطيعون الإمساك به.. ولا بأس من الإشارة إلى أن وثائق تلك الفترة (بعد الحرب العالمية الثانية) تكشف أهمية منطقتنا في مخططاتهم الاستراتيجية. وكان الهم الأكبر كما جاء في الوثائق (ولا يزال) أن يبقى نظام الطاقة (أو النفط) في اليد الأمريكية، ويمكن أن يعهد لواجهة عربية بالإدارة المحلية ولكن "لا يجوز أبدًا أن نخاطر بفقدان السيطرة"، كما حذر جون فوستر دالاس.. هذا ما يأملون ولا يكفون عن السعي في تحقيقه. وأنصح في مجال المتابعة للمواجهة بين الولايات المتحدة والحركات القومية الساعية للاستقلال، الرجوع إلى الثبت المعلوماتي والتحليلي في: نعوم تشومسكي، سنة 501 الغزو مستمر، ترجمة مي النبهان، (نيقوسيا: المدى، 1999).

3-     حين انهار الاتحاد السوفيتي وانتهت الحرب الباردة كان الوزن النسبي للاقتصاد الأمريكي قد تراجع كثيرًا. في عام 1950 كان أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي في العالم من نصيب الولايات المتحدة. كان الناتج المحلي الإجمالي لأمريكا ضعف مثيله في أوروبا الغربية. وكان نصيب شرق آسيا لا يتجاوز سدس اقتصاد الولايات المتحدة.. في 1990 كانت نسبة الاقتصاد الأمريكي (في إطار NAFTA، أي مع إضافة كندا والمكسيك إلى الولايات المتحدة) لا تصل إلى ثلث الاقتصاد العالمي. كان اقتصاد دول شرق آسيا (مجتمعة) قد أصبح 66 % من اقتصاد نافتا، و73 % من اقتصاد أوروبا الغربية.. في توازنات من هذا القبيل أصبح متعذرًا أن تظل الولايات المتحدة قاطرة العالم الاقتصادية، وأصبح متعذرًا أن تعتمد على تفوق اقتصادي كاسح يبرر انفرادها بقيادة النظام الدولي، ولذا كان اعتمادها الأساسي بعد الحرب الباردة على قوتها المسلحة فهنا (بعد غياب الاتحاد السوفيتي) تملك التفوق المطلق على حلفائها. وقد حذرتهم من محاولة الخروج على السقف المحدد لهم. لقد سرب للصحافة العالمية (1992) مشروع سري لقرار أصدره البنتاجون وجاء في هذا المشروع أن على الولايات المتحدة امتلاك سلطة عالمية واحتكار القوة فهي ستقوم بحماية النظام الجديد مع السماح للآخرين بالبحث عن مصالحهم المشروعة كما تحددها واشنطن. "ويجب أن تكون الولايات المتحدة مسئولة عن مصالح الدول الصناعية المتقدمة بحيث تثنيها عن تحدي قيادتنا أو التطلع إلى قلب النظام السياسي الاقتصادي القائم" أو حتى "أن تأمل بدور إقليمي أو دولي أكبر"، ولا يجوز أن يوجد نظام أمني أوروبي مستقل، بل يجب بقاء الناتو الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة الإدارة الرئيسية للدفاع والأمن الأوروبي".. وقد جاءت بالمناسبة سيرة الشرق الأوسط في هذه الوثيقة السرية، فهنا يجب أن يكون هدفنا الأكبر أن نظل القوة الخارجية المهيمنة وأن نحافظ على القوة الأمريكية والغربية للوصول إلى النفط": أنظر ن. تشومسكي، سنة 501 الغزو مستمر، المرجع السابق ص 87. ولكن هكذا كانت الآمال الأمريكية بعد نهاية الحرب الباردة. وقد كان تسريب المشروع استفزازيًا ويعكس الاستكبار فووجه أيامها بمعارضة معلنة.. ولكن مع التطورات الدولية التي تطيح بالآمال الأمريكية خطوة خطوة ظهرت اتجاهات السياسة الدفاعية لدول الاتحاد الأوروبي داعية إلى اعتماد أوروبا على نفسها في تحقيق أمنها، وتقرر في ديسمبر 2000 تشكيل قوة أوروبية للانتشار السريع، قوامها 60 ألف جندي، ومهما قيل إنها ستنسق عملها مع الناتو فمؤكد أنها خطوة كبيرة في اتجاه استقلال الحركة عن الهيمنة الأمريكية، خروجًا على توجهات البنتاجون.

4-     نذكر أن تساقط البلاد في القبضة الاستعمارية وُوجه بمقاومة تفاوتت في شدتها وكفاءتها وهي لم تنتصر إلا في حالات نادرة، وإن كان بعضها بالغ الأهمية كما في حالة اليابان. والمنطقة العربية كانت من مناطق المقاومة الضارية والممتدة ويذكر هنا فضل قيام الدولة العثمانية. وكانت المقاومة من أسباب البحث الأوروبي عن طرق جديد إلى أفريقيا وآسيا لا تكون خاضعة لسيطرة الدولة الإسلامية. وحين شاخت الدولة العثمانية جاءت عوامل تجديدها من الداخل على يد محمد علي فتضافرت كل القوى الأوروبية من أجل وأد هذه النهضة، واستخدمت في ذلك الحيلة والقوة. ومؤكد أن العوامل الجيوسياسية لعبت دورًا رئيسيًا في انتصارهم، فمنطقتنا على مقربة من مخالبهم. وقد لعبت الاعتبارات الجيوسياسية دورًا مضادًا في حالة اليابان قلعة الجزر البعيدة، إضافة طبعًا إلى نجاح الديناميكية اليابانية في خلق أدوات القوة. أعتقد أن أروع مرجع في هذه المقارنة هو: د. مسعود ضاهر، النهضة العربية والنهضة اليابانية: تشابه المقدمات واختلاف النتائج، سلسلة عالم المعرفة (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1999). وأهمية هذه الإشارة هي التذكير بإمكان تكرار هذا الآن، فهزائم البعض ممكنة وانتصارات البعض الآخر في تحقيق استقلاله ممكن أيضًا.

5-              S. p. Huntington, The Clash of Civilizations And The Remarking of World Order (New York: Simon & Schuster, 1996), p. 91

هانتنجتون صهيوني وكتابه يستحق وصف الصهيوني الآخر كيسنجر بأنه يقدم تصورًا خطيرًا ومثيرًا لواقع السياسة العالمية في القرن القادم. إن كتاب هانتنجتون هو من أهم الكتب التي برزت منذ نهاية الحرب الباردة. وأعتقد أن كل ما قال كيسنجر صحيح. وأعود إلى الكتاب فأنقل (إضافة إلى ما جاء في المتن) أنه من الناحية الاقتصادية كان الغرب يستحوذ (عام 1950) على حوالي 64 % من الناتج الإجمالي العالمي. وفي الثمانينيات انخفضت هذه النسبة إلى حوالي 49 %، وتقول بعض التقديرات إن النسبة ستصل في 2013 إلى 30 % فقط من الناتج العالمي. وفي عام 1991 (وفق تقدير آخر) كان 4 من أكبر 7 اقتصادات في العالم تنتمي إلى أمم غير غربية: اليابان (في الموقع الثاني)، الصين (في الموقع الثالث)، روسيا (السادس)، الهند (السابع). وفي عام 1992 كانت الولايات المتحدة صاحبة أكبر اقتصاد في العالم، وبين العشرة المتربعة على القمة 5 دول غربية إضافة إلى الدول القائدة في مناطق الحضارات الأخرى: الصين واليابان والهند وروسيا والبرازيل – P. 87. ومن الناحية العسكرية أركز على ملاحظاته:

·        تراجع القوة السوفيتية.

·        تراجع كبير في القوة العسكرية للغرب مصحوب ينخفض في الإنفاق العسكري.

·   زيادة مقابلة للإنفاق العسكري في شرق آسيا (النفقات العسكرية الغربية انخفضت 10 % بين 1985 و1993، بينما زادت في شرق آسيا بحوالي 50 %).

·   من الستينيات للثمانينيات زادت دول العالم الثالث المنتجة للطائرات المقاتلة من واحد إلى ثمانية. والمنتجة للدبابات من واحد إلى ستة. والصواريخ التكتيكية من دولة واحدة إلى سبعة. وهو يقول إن التسعينيات شهدت نموًا في التنسيق والتكامل في صناعة السلاح أدى إلى مزيد من التآكل في المزايا الغربية. وهو يضيف أن كثيرًا من المجتمعات غير الغربية أصبحت تملك أسلحة نووية (روسيا – الصين – الهند – باكستان – كوريا الشمالية)، وهناك بلاد تبذل جهودًا مضنية لامتلاكها (إيران – العراق) أو تضع نفسها في وضع يمكنها من امتلاكها بسرعة في حالة الحاجة (اليابان). ثم هو يشير إلى انكفاء كل دولة محورية على المنطقة المحيطة بها (دليلاً على انقسام العالم إلى كتل حضارية متنافسة)، وحتى أمريكا التي تعلن عالمية اهتماماتها يقول هانتنجتون إنها أعلنت صراحة تحويل استراتيجيتها من محاربة الاتحاد السوفيتي وردعه على مستوى عالمي إلى الإعداد بحيث تكون مستعدة لمواجهات في الخليج وشرق آسيا في الوقت نفسه.. وواضح أنها تعجز حتى عن ذلك، فمن أجل هزيمة العراق نشرت في الخليج 75 % من طائرات القتال التكتيكية و42 % من دباباتها الحديثة و46 % من حاملاتها للطائرات و37 % من مشاة البحرية. ومع مزيد من خفض القوات في المستقبل سيكون متعذرًا على الولايات المتحدة أن تخوض حربًا واحدة لا حربين (ص 88 – 90).

6-     هناك شبه إجماع في الأدبيات الغربية الاستراتيجية على التراجع النسبي لقوة الغرب بشكل عام وتراجع نسبي للولايات المتحدة بشكل خاص، ويكاد الخلاف ينحصر في المدى الزمني الذي تستغرقه العملية. ونظرًا لاعتماد هذه الكتابات على المؤشرات الاقتصادية في الأساس نجد أن المقارنات تقتصر على شرق آسيا وبعده بمسافة تأتي الهند (يصدق هذا بشكل خاص قبل مؤامرة تحطيم شرق آسيا عام 1997). ولا تأتي المجموعة الإسلامية في هذه الكتابات إلا باعتبارها مجموعة تثير القلاقل والإرهاب دون أن تدخل في ميدان المنافسة التي يحسب حسابها. أما هانتجتون الذي استخدم مفهومًا مركبًا للقوة الحضارية يعطي للأيديولوجيا حقها، فإنه يضع التحدي الإسلامي في الذروة.

7-     رغم ادعاءات الموضوعية تورط هانتنجتون في مغالطات سخيفة ومكشوفة يتمثل أهمها أنه افترض في خط تحليله الأساسي وحدة أوروبا والولايات المتحدة كمسلمة دائمة. واعتبر أن اليابان ستظل (في مرحلة الاستقطاب الحضاري) أقرب إلى الولايات المتحدة منها إلى الصين وشرق آسيا (دون أي تبرير مقنع). وكذلك تعامل مع انعزال الهند عن باقي الحضارات الآسيوية كمسلمة. وكذلك عزل أفريقيا جنوب الصحراء عن منطقة الحضارة الإسلامية. إن الموضوعية لم تكن رائدة في هذه التحديدات، ولكن حرصه على التقليل من مأزق الانحسار الغربي هو السبب – وهناك ملاحظة جوهرية أخرى تتعلق بمستقبل العلاقة بين الكتل الحضارية المختلفة، فقد حدده هانتنجتون (بدءًا من عنوان الكتاب) بأنه صراع وتصادم. وقد ذكر أن الأمر قد لا يصل إلى الحرب الشاملة في كل الحالات، ولكن يلاحظ أنه لم يذكر منهج الحوار وسيلة للتعارف والتفاهم، بأمل اجتياز بعض الخلافات الموروثة، ولم يهتم بالأثر السلبي الجسيم لسيطرة الغرب على مجمل علاقاته الدولية مع الحضارة الأخرى.

في مقابل كل هذا أشير وأشيد بالدعوة التي ظهرت من العالم الإسلامي على لسان خاتمي رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية لتنظيم "حوارات الحضارات". إن الثورة الإسلامية في إيران، واستنادًا إلى قيمها وتصوراتها على استعداد كامل لفتح باب الحوار وفي مختلف المجالات مع المفكرين والمحققين المنصفين في العالم الإسلامي والحضارة الغربية والعالم المسيحي ومع جميع الأديان للتوصل إلى سلام دائم، في مقابل العالم الذي تحكمه القوة والاغتيال والمجازر والخديعة. ونحن نؤمن بأن التوصل إلى السلام العالمي الدائم الذي تحتاج إليه البشرية يكون ممكنًا من خلال الحوار والمناقشات وتحكيم "المنطق" في العلاقات بين بنى الإنسان ونبذ التعصب والتزمت: انظر محمد خاتمي، الإسلام والعالم (القاهرة: مكتبة الشروق، 1999). إن خاتمي يقول إنه يقدم فكرة الحوار مقابل "الفكرة الخطيرة والخاطئة القائلة بالمواجهة بين الحضارات"، مقدرًا الصعوبة البالغة في تحقيق ما يطلبه بسبب الانغلاق والعصبية من ناحية، وبسبب المصالح الاستعمارية من ناحية ثانية. وأقول من ناحيتي، إن العلاقة بيننا وبين الحضارة الغربية الظالمة يحكمها قانون "التدافع" الإسلامي ] دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ[ (سورة الحج: 40) فشرط لاستقرار العمران صراع المؤمنين مع أصحاب الشيطان والهوى، صراع بكل الأشكال، حتى القتال بالسلاح، وهو كره لنا. ولكن يظل واجبنا إبلاغ الناس دعوتنا لترشيد الصراع المفروض علينا وتقليل خسائره.. دعوة خاتمي تحولت على أي حال إلى برنامج للأمم المتحدة عام 2001.

8-     التكلفة الاقتصادية والإنسانية التي تكبدتها شعوب العالم مهولة في ظل التطبيق الواسع للعولمة (خاصة في شقها الأبرز: المالي والنقدي). فقد توالت الانهيارات عبر المراهنات على "المشتقات المالية" و"العقود المستقبلية".. إلخ. رأينا هذا في الأسواق المالية للمكسيك (94/ 1995). وبعدها كوريا (1997) وإندونيسيا وتايلاند (1997). ثم روسيا الاتحادية والبرازيل (98/ 1999). وقد تطلب هذا تدبير صندوق النقد لمبالغ تصل إلى حوالي 230 بليون دولار بهدف إنقاذ الغرقى والضحايا. ويخلص محمود عبد الفضيل من ذلك إلى أنه إذا كانت جملة "فاتورة" دعم وتقويم النظام الرأسمالي العالمي نحو 230 بليون دولار خلال فترة وجيزة لا تتجاوز خمس سنوات بين عامي 1994 و1999، فإن معنى ذلك أن النظام الرأسمالي يحتاج لكي يستمر إلى دعم دائم وحقن خارجي بواسطة مؤسسات مالية وحكومية.. ولن تنجح الأسواق وحدها – كما يزعمون – في تصحيح نفسها بنفسها. انظر: مجموعة عبد الفضيل "الولايات المتحدة الأمريكية ومبدأ حرية التجارة" في: رامزي كلارك (وآخرون)، الإمبراطورية الأمريكية، (القاهرة: مكتبة الشروق، 2001) ج1. ولكن أهم من الاستنتاج السابق، أن الـ230 بليون دولار لا تمثل إلا مؤشرًا بسيطًا من مؤشرات الخلل الجسيم في مسيرة العولمة، فقد تسببت الكوارث في خسارة الاقتصادات المصابة أضعاف ما قدمته مبالغ "الإنقاذ"، فأغلقت أو صفيت مشروعات كبيرة وأصبحت معدلات النمو بالسالب وانتشر الفقر وزادت معدلات البطالة بدرجة مهولة. وبرامج الإنقاذ استهدفت ضمان مصالح الممولين والمستثمرين الأجانب في المقام الأول، وكذلك كانت مصحوبة بشروط تؤدي إلى مزيد من انكماش دور الدول في إدارة اقتصادها، وتيسير نقل ملكية المشروعات إلى الأجانب، أي كانت الشروط تفرض مزيدًا من العولمة (على طريقة داوني بالتي كانت هي الداء)، وإذا سارت الأمور في هذا الاتجاه فإنها ستؤدي إلى كوارث قادمة أكبر.. ولكن حدث أن الضحايا بدأت في المقاومة بدرجة أو أخرى وانتقل أصحاب العولمة من موقع الهجوم (أيديولوجيًا وسياسيًا) إلى موقع الدفاع، والمؤشر الظاهر في ذلك تطورات ما جرى داخل مؤتمرات دافوس المتعاقبة وحولها.

9-     كثير من هذه البنود تجده مبثوثًا (بصيغة أو بأخرى) في عديد من المؤلفات الإسلامية المعاصرة مصحوبة بأدلتها الشرعية وشواهدها التاريخية. وأشير هنا على سبيل المثال إلى مؤلفات يوسف القرضاوي ومحمد عمارة. انظر مثلاً: يوسف القرضاوي، دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الإسلامي (القاهرة: دار الصحوة، 1998)، ومحمد عمارة، هل الإسلام هو الحل؟ (القاهرة: دار الشروق، 1995) ويلاحظ أن ما نطرحه في هذا التصور الحضاري يؤلف إلى حد كبير بين مقاصد الإسلاميين والقوميين في طبعتهما الجديدة.

10-   انفصلت في إطار العولمة دائرة التداول المالي عن دائرة التداول في سلع عينية حقيقية في أول بادرة من نوعها في التاريخ الاقتصادي، فالمتاجرة في الأسواق المالية العالمية (مضاربة في الأسهم والسندات والعملات) كانت نسبتها إلى جملة التجارة العالمية (في السلع والخدمات) لا يتجاوز 1: 1 حتى مطلع السبعينيات فأصبحت 1: 10 (عام 1980) ثم 1: 50 عام 1992، ثم 1: 70 عام 1995، واقتربت من 1 – 100 الآن، وهذا يعني انحرافًا خطيرًا وجسيمًا عن المعنى الاقتصادي للسوق الذي ينبغي أن يقوم في الأساس على التبادل في مجال الإنتاج وما يرتبط به. إن الدائرة المالية تتضخم وتتضخم بآليات مستقلة ومؤسسات عملاقة تعمل بها ألمع العقول والكفاءات، حيث ترتفع الأسعار وتنخفض في الأوراق المالية والنقود، وفق اعتبارات محدودة الصلة بالاقتصاديات الفعلية لوحدات الإنتاج والخدمات، وتوضع في ذلك نظريات معقدة تحاول ضبط العمل والحد من مخاطر انفجار "الفقاعة" (وقسم كبير من أصحاب جائزة نوبل في الاقتصاد أصبح من أصحاب هذه النظريات) ولكن عملية التضخيم في "الفقاعة" لا تتوقف (فهي خارجة عن أية سيطرة مؤسسية) ومخاطر انفجارها في أية لحظة واردة، وقد رأينا مقدمات هذا في عديد من الأسواق المالية خلال الأعوام الماضية. والكارثة ستكون مهولة إذا تمكنت من السوقين الأمريكي والأوروبي.

11-   ما حدث في التنمية الأمريكية معروف من حيث استحلالها الإبادة العنصرية للسود، ثم تحريمها الطويل لحقوق العمال في تنظيم نقاباتهم ضغطًا على أجورهم. وقد اعتمدت في أوروبا نظرية مالتوس عن السكان، فحين ظن مالتوس أن عدد السكان يتزايد بمعدل أعلى جدًا من معدل النمو من الموارد العينية أفتى بحصر الفقراء في أماكن محددة كي تفتك بهم الأمراض وسوء التغذية حتى ينخفض تكاثرهم وتقل أعدادهم، من أجل ضمان الرخاء لباقي السكان. وغني عن البيان أن مفهومنا الإسلامي ينسف الظن الذي قامت عليه نظرية مالتوس، فوعد الله في القرآن قاطع بأنه ]وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا[ (سورة هود: 6) وقال تعالى ] وَبَارَكَ فِيهَا
(أي في الأرض) وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا
[ (سورة فصلت: 10)، وقد صدق وعد الله، فلاحظنا أن التطور التكنولوجي سبق دومًا في استزادة الإنتاج بحيث لم يختل الميزان أبدًا بين عدد السكان وحجم الموارد المتاحة (إلا بظلم البشر) ومع هذا مازال الغرب يروج لنظرية مالتوس حتى الآن مبررًا دعوته لخفض عدد السكان في الأمم غير الغربية، وهي دعوة تقوم على أهداف استراتيجية (الحد من الانخفاض البشع في عدد أهل الغرب بالنسبة إلى سكان العالم) ولا سند لها من العلم والمنطق.. ما علينا، نعود إلى قضية تحريم إهلاك البشر باسم احتياجات التنمية والتقدم المادي، ونضيف إلى جانب التجربة الغربية السلبية تجربة التنمية السوفيتية التي استحلت بدورها إبادة أعداد كبيرة من البشر (يقال 12 أو 15 مليونًا) بحجة اعتصار التراكم المطلوب للتنمية والتقدم الصناعي.

12-   يرى عدد من المفكرين الإسلاميين (انضم إلى رأيهم) أن تحريم الربا (أي فوائد البنوك وما أشبه) يعود إلى إعلاء قيمة العمل إلى جانب قيمة المال. والبديل الإسلامي هو المشاركة بين أصحاب قوة العمل والخبرة وأصحاب المال في المشروعات الإنتاجية والخدمية، فالكسب شركة بينهما في حالة النجاح، والخسارة كذلك شركة في حالة الفشل. وهذا يمنع تواكل صاحب المال بنفض يده تمامًا من متابعة مشروعه مطمئنًا في كل الأحوال إلى أنه حاصل على عائد ثابت من تشغيل أمواله. ومن هنا نقول إن تحريم الربا حفز للكل على المشاركة في إدارة المشروعات ومتابعتها بدرجة أو أخرى. وهذا يضاعف طاقة المجتمع على زيادة الإنتاج.. ويدخل في هذا الباب تحريم العائد من المضاربات الحالية في الأسواق المالية التي لا تمثل عائدًا من عمل منتج. وصدق بعض كتاب الغرب في تسميتهم لاقتصاديات الأسواق المالية الحالية بأنها اقتصاديات كازينو القمار، والقمار محرم شرعًا.

وبالنسبة لإلزامية الشورى فإنها تعني الإلزام بمبدأ الشورى على مختلف مستويات القرار بدءًا من الأسرة (وهذا يعني توسيع دائرة المشاركة إلى حدها الأقصى). ولكن من حيث الإلزام بنواتج الشورى فإنها قد تكون ملزمة في بعض الأحيان، ومعلمة في مجالات أخرى، فالحال في القرارات السياسية والتشريع يختلف عن حال الإدارة لوحدات الإنتاج أو الخدمات.. مثلاً. في موضوع الشورى بمعناها الإسلامي المتكامل أشير بشكل خاص إلى: توفيق الشاوي، فقه الشورى والاستشارة (القاهرة: دار الوفاء، 1992).

13-   المراجع التي تؤصل بامتياز لرفض السيطرة الأجنبية، ولضرورة الجهاد ضده عديدة جدًا ومتنوعة، ولكنني أشير بشكل خاص إلى: مجدي أحمد حسين، أزمة الخليج بين أحكام القرآن وفتاوي السلطان (القاهرة: دار الشرق الأوسط، 1991)، مجدي أحمد حسين، أحكام القرآن الكريم في موالاة الكفار والمشركين (القاهرة: 2000)، ومجدي أحمد حسين، الجهاد صناعة الأمة (القاهرة: 2000). ففي كل هذه الكتابات تأصيل للمبادئ الإسلامية الحاكمة، مع تنزيلها (وهذا هو المهم) على الواقع المعاصر.

14-   يلاحظ هانتنجتون أن المجموعة الإسلامية دون سائر الكتل الحضارية، لا تتحلق حول قطب محوري (مثل فرنسا/ ألمانيا في الكتلة الأوروبية – وروسيا في الكتلة الأرثوذوكسية.. إلخ) وهو سعيد بذلك لأنه يوفر منافذ تشتيتها، ولكنه يتجاهل الآليات المضادة لذلك والتي توفرها العقيدة الإسلامية، وهو يتجاهل إمكانات الدور الخاص والمحتمل للأمة العربية في سد هذه الثغرة.

15-   هناك حكمة ربانية تتمثل في تمركز احتياجات البترول الدولي (الداخل في التجارة الدولية) في الدول الإسلامية بالذات. فخارج البلاد العربية نجده في أفريقيا متمركزًا في نيجيريا، وفي آسيا نجده في إيران وإندونيسيا، وفي جمهوريات آسيا الوسطى المسلمة، وحتى في الصين نراه متمركزًا في سينكيانج (تركستان الشرقية).. ولكن التمركز الأكبر في المنطقة العربية عمومًا. تحتكر منطقة الخليج، شاملة إيران، حوالي 67 % من احتياطي البترول العالمي الثابت، وقريب من هذه النسبة نصيب الأقطار العربية في مجملها، وهناك حرص من وكالة الطاقة الدولية بقيادة السبعة الكبار لتقليل اعتمادها على بترول أوبك وخاصة بترول العرب وإيران (الواردات البترولية من الخليج العربي وشمال أفريقيا لا تتجاوز 30 % من واردات البترول العالمية). انظر حسين عبد الله، مستقبل النفط العربي، مرجع سابق، خاصة ملحق الجداول. ولكن كل الأرقام المعلنة عن البترول واحتياطاته وتوقعات إنتاجه واستهلاكه لا تقرأ إلا باعتبارها مجرد مؤشرات فهي مليئة بتضاربات غير معقولة لا تعكس نقصًا في المعرفة الفنية بقدر ما تعكس حرص الدوائر الغربية المعنية على إخفاء الحقائق الكلية عن البترول، وهي الجهة الوحيدة التي تسيطر على المعلومات. في كل الأحوال ورغم التباينات هناك إجماع على ضرورة الاعتماد المتزايد في المستقبل على بترولنا.

16-    بعد التحرك العسكري الظافر أضيف هجومان في الساحة البترولية هزَّا المجتمعات الغربية من الأعماق: في 16 أكتوبر قررت دول الخليج (شاملة إيران) رفع سعر البترول 70 %. أهمية القرار لا تتمثل في الزيادة على أهميتها بقدر ما تتمثل في أنه انتزع للدول المنتجة للبترول حق تحديد السعر من جانبها وكان هذا حقًا للشركات وحدها. وحق تعديل الأسعار وفق ما هو حق وعدل في سلعة استراتيجية حاكمة، يعني أن مجموعة من الدول المستضعفة قد أخذت في يدها لأول مرة في التاريخ حق إصدار قرار استراتيجي يهز النظام الدولي.. وقد أضافت الدول العربية هجومًا ثوريًا ثانيًا في سياستها النفطية حين قررت في اليوم التالي (17 أكتوبر) انتزاع حق استخدام البترول سلاحًا للمستضعفين في الصراعات السياسية الدولية، حيث قررت تطبيق منع البترول بطريقة متصاعدة على الدول المساندة لإسرائيل وفي مقدمتها الولايات المتحدة شخصيًا. وهناك فيض من المراجع التي ترصد وتحلل هذه الفترة (بكل اللغات). وأختار هنا منها:

Daniel Yergin, The Prize. The Epic of Quest for Oil Money & Power (New York: London, Toronto, Sydney, Tokyo, Singapore: Simon & Schuster, 1994).

راجع بشكل خاص القسمين الرابع والخامس، ص 439 – 768.

يقول دانييل "لقد تسبب منع البترول في واحد من أخطر الانقسامات التي أصابت التحالف الغربي منذ تأسيسه بعد الحرب العالمية الثانية، ومؤكد أنه كان الأسوأ منذ أزمة السويس 1956" وقد شرح هذا الكتاب طبعًا أوجه هذه الأزمة الغربية.

أذكر من ناحية أخرى أزمة المواجهة بين أمريكا وحلفائها، فسيطرتها الحالية على البترول تزعج حلفاءها، ومن هنا تعاطفهم مع الدول البترولية المحافظة على استقلالها وفي مقدمتها العراق (المعارضة المتزايدة لاستمرار حصارها) وحين أرادت الولايات المتحدة (تطبيقًا للاحتواء المزدوج) مد قدر من المحاصرة على إيران (إضافة إلى ليبيا) وافق كلينتون على إصدار قانون (داماتو – كيندي عام 1997) الذي يفرض عقوبات على الشركات "غير الأمريكية" التي تستثمر في تنمية البترول الإيراني والليبي. وقد حدث تمرد واسع من حلفاء أمريكا (بقيادة ألمانيا وفرنسا) فجمد أثر القانون.

17-   تمت أطنان من الأبحاث والمؤلفات وانعقدت آلاف من المؤتمرات والندوات شارك فيها كبار الأساتذة من مختلف الجامعات والمؤسسات الدولية وكلها كانت تبشرنا بالمستقبل المشرق إذا تدافعنا نحو العولمة والشرق أوسطية، ويكفي أن أشير إلى أعمال مؤتمر الدار البيضاء وإلى درجة أقل مؤتمر عمان، أتمنى لو توافرت إحدى مؤسساتنا القومية البحثية على إلقاء نظرة طائر على كل هذه الهوجة كشفًا لأكبر حملة جرت في العالم لنشر الإفك والضلال تحت سمت البحث العلمي الوقور.

18-   ثابت الآن أن عمليات تسليح كبرى يمكن أن تجري سرًا وبدرجة تؤثر في التوازنات الدولية تأثيرًا كبيرًا. وقد تجري هذه العمليات بسبب الفوضى (كما حدث في روسيا في الفترة التي أعقبت الانهيار السوفيتي)، أو بسبب رغبة بعض الشركات في تحقيق أرباح عالية (في بعض الدول الغربية)، أو (وهذا هو الأهم) تحقيقًا لمصالح استراتيجية متبادلة مع حرص على أن يتم ذلك دون اعتراف صريح، ومن خلف ظهر الولايات المتحدة. والأمثلة الأبرز في هذا المجال ما يقال عن الصفات مع روسيا والصين وكوريا الديمقراطية، والتي يقال إنها شملت إلى جانب الأسلحة التقليدية الصواريخ وأسلحة الدمار الشامل. وقد استفادت من ذلك (كما تقول المصادر الغربية): إيران ومصر وسوريا. ويلاحظ أن بعض الدول الأوروبية تشارك أيضًا في هذه العملية، فقد ذكر الرئيس الأمريكي نيكسون أن بعض الشركات الألمانية زودت العراق (قبل حرب الخليج) بأسلحة متفوقة وبخبرة إنشاء التحصينات المنيعة لمواقع التوجيه والقيادة. وكذلك أقاموا مصنع الرابطة للأسلحة الكيميائية (في ليبيا). أنظر: Richard Nixon, Seize the Moment: America's Challenge in a One – superpower World (New York: Simon and Schuster, 1992), p. 121.

وإذا كان نيكسون قد لمس هذا الموضوع برفق ودبلوماسية مؤكدًا أن الأمر لابد من أنه قد جرى بعيدًا عن الحكومة الألمانية، فلا أظن أن هذا صحيح أو يعقل، لابد من أن يكون الأمر قد تم وفق تشجيع ألماني رسمي سري للقوى المقاومة لسيطرة أمريكا على البترول العربي، ومؤكد أن ما سربه نيكسون له أمثلة أخرى في ألمانيا وغير ألمانيا.

والحديث عن عمليات التسليح السري يكشف من غير شك براعة عالية جدًا أبدتها أجهزة الأمن المحلية مع أجهزة الأمن الخارجية المتعاونة، بحيث تمكن الطرفان من مغافلة أجهزة المخابرات الأمريكية وإبطال إمكاناتها في الرصد وجمع المعلومات من لحظة توقيع الاتفاقات إلى وصول التجهيزات ونشرها.. كله في السر ومن خلف عيونها وظهرها.

19-   للمزيد من التفصيل والتحليل للاستراتيجية الجديدة، انظر: عادل حسين، "الصراع العربي – الإسرائيلي: هل الحرب لا تزال ممكنة؟ وكيف؟" المستقبل العربي، السنة 23، العدد 265 (آذار/ مارس 2001).

20-   في عمق أعماق التبعية يتحقق ركوب الدولة المسيطرة على الأجهزة الأمنية للدولة التابعة (بدرجة أو أخرى) فتتابع من خلالها كل المعلومات المتوفرة عن المتغيرات القائمة بهدف التحكم، تحقيقًا للاستقرار أو إشاعة للقلاقل. وفي الدول المستقلة يسعى المسيطرون على النظام الدولي إلى اختراق أجهزتها الأمنية وقد ينجحون في ذلك، ولكن فارقًا كبيرًا بين الاختراق أو محاولة التنصت من الخارج، وبين الركوب والسيطرة. ولذا قلت إن من معايير الاستقلال المعتبرة: القدرة على صيانة أسرار الدولة. من الأمثلة البارزة على الدول المستقلة بهذا المعيار (خارج الدول العظمي) إسرائيل – فيتنام – كوبا – العراق (الذي فشلت الولايات المتحدة في كشف أماكن صواريخها إلى ما بعد العدوان، وفشلت في رصد مواقع قياداته على رغم حرصها الشديد، وعلى رغم تعاونها الوثيق في ذلك مع بعثة التفتيش على أسلحة الدمار الشامل) – ونضيف إيران طبعًا – ومن الواجب أن نضيف أيضًا (بعد انكشاف حقيقة التسليح السري) مصر وسوريا.. إلخ.

21-   نذكر بالضغط الذي سلطته الإدارة الأمريكية (تحت رئاسة أيزنهاور) وأجبر إسرائيل على الانسحاب من سيناء (حرب 1956).. ثم نقفز إلى عهد الرئيس فورد ومعاونه كيسنجر حين أوقف تصدير السلاح ردًا على تشدد إسرائيل في مفاوضات فض الاشتباك الثاني في سيناء (1975) على رغم أن السادات قد بدأ وقوعه في المصيدة.. وأشير أيضًا إلى مثل تجميد بوش لاتفاق القروض من أجل بناء المستوطنات (1990) ضغطًا على إسرائيل من أجل حضور مؤتمر مدريد.. وأشير أخيرًا إلى فضيحة مونيكا التي مثلت ضغطًا صهيونيًا مضادًا لشل مركز القرار الأمريكي.. مونيكا يهودية، والسيدة التي سجلت اعتراف مونيكا عن علاقاتها بالرئيس الأمريكي يهودية والمحقق الذي حقق في القضية يهودي، والمحقق الذي حل محل المحقق السابق يهودي، وأهم نائب في الكونغرس تحدث في الموضوع يهودي: ليبرمان (وهو من حزب الرئيس ورشح بعد ذلك لمنصب نائب الرئيس مع آل جور). وقد صاحبت الفضيحة وتحقيقاتها أكبر حملة من الإعلام الذي يسيطر عليه الصهاينة.. فحتى في إدارة كلينتون التي احتكر الصهاينة كل مناصبها الحاكمة، بشكل غير مسبوق ولا متصور، ظل هناك التباين بين الرؤية الأمريكية وبين رؤية المنغلقين من الصهاينة (على عهد نتنياهو) الذين يرفضون أية زحزحة عن مواقعهم ولو لمجرد التجمل، فتقرر شل الإدارة الأمريكية عن أي تصرف – في هذه المناسبات وغيرها كانت الولايات المتحدة تنجح أحيانًا بفرض رأيها وكانت تضطر للتراجع في أحيان أخرى. والضغط الصهيوني ينجح عبر استخدامه العديد من أدوات القوة التي يملكها وفي مقدمتها قدرته على تقديم الخدمات القيمة للمصالح الاستراتيجية الأمريكية (نذكر في المرحلة الأخيرة الدور البارز للشبكات الصهيونية في إنهاء الشيوعية وتخريب الدولة في الاتحاد السوفيتي ودول شرق أوروبا ووسطها. فضلاً عن الدور المقدر في تقويض اقتصادات شرق آسيا). عبر مثل هذه الخدمات يتمكن الصهاينة من توثيق تحالفهم مع صقور الإدارة الأمريكية في تحقيق أهدافهم المشتركة. ولكن على رغم كثافة التشابكات في مؤسسات المجتمع والدولة (وبخاصة في فترتي كلينتون) ظلت هناك خطوط حمر تظهر بالذات في مجال الاختراقات الاستراتيجية والأمنية، فقضية بولارد الذي سرب أسرارًا استراتيجية وعسكرية إلى إسرائيل شهدت إخفاقًا صهيونيًا في إخراجه من السجن منذ عهد ريجان إلى عهد كلينتون. ونذكر مؤخرًا إجبار كلينتون لباراك على تعليق صفقة الأواكس للصين بسبب خطورتها البالغة على التوازنات الاستراتيجية التي تقيمها أمريكا في شرق آسيا.

22-   كتب نتنياهو في كتابه الشهير "مكان تحت الشمس" رافضًا رأي المدافعين (داخل إسرائيل ومن أصدقائها في الخارج) عن الانسحاب من بعض الأراضي المحتلة عام 1967. وقال في مجال شرح الأخطار المميتة في حالة الانسحاب. "إن قدرة إسرائيل على الردع تعتمد على ثلاثة عناصر رئيسية: قوتها العسكرية مقابل القوة العسكرية العربية، المدة الزمنية للإنذار المبكر المتوفرة لديها لتمكينها من تجنيد قوات الاحتياط لديها، إضافة إلى الحد الأدنى من المساحة المطلوبة للجيش الإسرائيلي كي يستطيع الانتشار لمواجهة أي خطر محتمل".. "وحتى يتم الانتهاء من عملية تعبئة الاحتياط تكون مسئولية المحافظة على بقاء إسرائيل، ملقاة على كاهل القوات النظامية المرابطة على خطوط الجبهة، وإذا فشلت هذه القوة النظامية في الاحتفاظ بهذه الخطوط ريثما يتم إلحاق قوات الاحتياط فقد تصل الحرب بسرعة كبيرة إلى المستوطنات والمدن الكبيرة في إسرائيل".. "وقد كانت الطائرات المقاتلة تحلق في سماء إسرائيل ليلاً ونهارًا طيلة حرب الخليج، وقد تمكنت إسرائيل من اتخاذ هذا الإجراء لأن الأمريكيين أبلغونا سلفًا بموعد الحرب، لذا فإن هذا المستوى من التأهب غير ممكن ضد هجوم مفاجئ.. "لكم هي مهمة (محطات الإنذار المبكر) التي أقامتها إسرائيل على قمم جبال نابلس وهضبة الجولان، فقد أقيمت هذه القواعد على ارتفاعات توفر إمكانية مراقبة تحركات الجيش السوري وكل جيش عربي يتحرك داخل الأراضي الأردنية وكذلك النشاطات الجوية في هاتين الدولتين، ولو أن دولة معادية نجحت في السيطرة على هذه المرتفعات لأصبح الوضع معكوسًا: سيكون باستطاعة العرب مراقبة كل ما يجري على السهل الساحلي والجليل ولأصبحت إسرائيل عمياء وفاقدة لجزء كبير من قدرتها على تحقيق الإنذار المبكر. (ويرى نتنياهو أن الأقمار الصناعية عاجزة عن سد هذه الفجوة بطريقة محكمة. إن سور الضفة الغربية الحاجز الطبيعي الذي يحمي السهل الساحلي من أي هجوم لا يحمي بصورة مباشرة سكان إسرائيل الذين يعيشون على الساحل فحسب إنما يمنح الجيش الإسرائيلي الوقت المطلوب لنقل قوات الاحتياط إلى الجبهة".. "إن الطبوغرافية الجبلية لجبال الضفة الغربية تتلاءم جيدًا مع عمليات الإعاقة المطلوبة للدفاع عن إسرائيل". ويذكرنا نتنياهو بأن "المسافة بين جبال الضفة الغربية والبحر المتوسط لا تزيد عن 15 كم وسيكون بمقدور قوات معادية اجتياز هذه المسافة في غضون بضع ساعات".. إلخ.. في ضوء ما تقدم يستنكر نتنياهو مطالبات دولية بضرورة الانسحاب (ويشارك في هذه المطالبة إسرائيليون فقدوا أي صلة لهم بالواقع، كما يقول)، "وإذا وافقت إسرائيل على هذه المطالبة فلن يكون بمقدورها العيش طويلاً". انظر: بنيامين نتنياهو، مكان تحت الشمس.. (عمان: دار الجليل، 1997)، الفصل السابع.

هذه صورة المخاطرة الأمنية التي تتعرض لها إسرائيل حال انسحابها على خطوط 4 يونيو. ولا يوجد داخل إسرائيل من يختلف مع نتنياهو عليها. ولكن من منطلق الواقعية وتحت الضغط والقهر سيتزايد في إسرائيل من يطلبون الانسحاب اختيارًا لأهون الشرين.

23-   يكفي أن أشير هنا إلى مصيبة المهاجرين السوفييت (والأصح أن نقول المهجرين). تشير الدراسات الذائعة إلى أنهم مثلوا إضافة كمية كبيرة إلى إسرائيل (تقاس بعدد العلماء والفنيين من بين هؤلاء المهجرين) والصحيح أنهم كانوا قوة تفسخ داخل الكيان الصهيوني بحكم ابتعاد أغلبهم عن الولاء، بل إن عددًا كبيرًا منهم ليس من اليهود أصلاً. راجع الدراسة التحليلية الرائدة والعميقة: عبد الوهاب المسيري، هجرة اليهود السوفيت. منهج في الرصد وتحليل المعلومات (القاهرة: دار الهلال، ديسمبر 1990).

24-    إشارة إلى السخونة الخاصة لصراعات المنطقة وإلى الانتشار السريع لنتائجها الدولية، أقول إن حرب 1956 شهدت إنذارًا سوفيتيًا بالتدخل النووي. وشهدت حرب 1967 إعلان حالة استنفار دولي بين القطبين العظم (الاتحاد السوفيتي وأمريكا)، وقد مثلت حرب 1973 ثورة في علم الحرب من حيث نوع السلاح وفنون القتال ومن حيث معدل الخسائر في المعدات بالتالي، وقد ضاعف البترول أثر الامتداد الدولي الموجع في حربي 1967 و1956 وفي حرب 1973 بشكل خاص وفي حرب الخليج الأولى كانت كثافة تسليح الجانبين مشهودة، الأمر الذي أدى إلى إطالة متعمدة لأمد الحرب وتعظيم خسائرها لدرجة غير عادية، مع دخول الولايات المتحدة بنفسها في بعض مراحل القتال.. وحرب الخليج الثانية كانت حربًا عالمية بالمعنى الحرفي حيث أقامت الولايات المتحدة حلفًا بقيادتها شاركت فيه قوات حوالي 30 دولة، وقد مثلت حرب الخليج الثانية ثورة أخرى في علم الحرب حيث استخدمت لأول مرة نتائج ثورة المعلومات والاتصالات في توجيه مركز للنيران على البعد بتكامل متقن من البر والبحر والجو والفضاء الخارجي.

25-   ينبغي أن نذكر أن الحركة الصهيونية هي ابتلاء حقيقي للبشر، ] وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ[ (سورة إبراهيم: 46) صدق الله العظيم. ولتقدير هول ما نواجهه من مكر وتآمر ينبغي أن نلحظ نتائج السعي الصهيوني في أمريكا وبريطانيا وألمانيا وروسيا.. إلخ وكلها دول عظمى لها خبرة واسعة ومعقدة في فنون الإدارة السياسية وحريصة على استقلال مؤسساتها، وتذكر هذا يقلل من حجم دهشتنا واستنكارنا لما فعله الصهاينة معنا، مع العلم بأنهم استخدموا عندنا ما في جعبتهم بكثافة تعلو عما فعلوه في أية منطقة أخرى من مناطق العالم، وفي وقت كنا فيه في حالة من الانحطاط السياسي وقلة الخبرة. وقد تبدل الحال الآن والحمد لله إلى حد كبير.

26-         لمزيد من شرح المناسبات الثلاث التي أشير إليها أقول:

معروف أن حرب رمضان (أكتوبر) أحدثت انهيارًا معنويًا وعسكريًا مدويًا داخل إسرائيل وداخل الحلف الصهيوني الأمريكي. وضاعف من أثر القتال العسكري المبهر دخول البترول المعركة على الواسع. وقد أدى هذا كما أشرت في الهامش (16) إلى سرعة انفضاض حلفاء أمريكا من حولها، ولكن تبدد كل ذلك ولم نجن الثمار الاستراتيجية والسياسية بسبب النجاح الذي حققه الحلف الصهيوني الأمريكي في شق قلب الجبهة العربية (جبهة مصر – سوريا – السعودية)، وكان هذا أساسًا من خلال القيادة المصرية التي تورطت في مسيرة حل منفرد فتصدعت أسباب القوة العربية، وتوالت النكبات، وبالتالي أفلتت مناسبة كان ممكنًا أن نحقق فيها أهدافنا الاستراتيجية نحو الاستقلال/ الوحدة.

أما المناسبة الثانية فكانت لدى نجاح الثورة الإسلامية الإيرانية. لقد ضمت هذه الثورة قوة إيران العسكرية إلى كفة الجبهة العربية (نظريًا) ولو أمكن (عمليًا) جمع هذه القوة إلى القوة السورية العراقية لأمكن تعويض النقص الذي سببه انسحاب مصر، ولعدنا إلى مخاطبة الحلف الصهيوني الأمريكي من موقع قوة، ولكن لم تكن الكفاءة السياسية لدى كل الأطراف المعنية في المستوى الذي يمكنها من تحويل الإمكانية النظرية إلى فعل، وبدلاً من ذلك نشبت الحرب العراقية الإيرانية التي استنزفت الدولتين طوال سبع سنوات، ولو بذل عشر الطاقات التي أهدرت في هذه الحرب في جبهة الصراع مع إسرائيل لانتهى المشروع الصهيوني من زمان.. ولا أتهم نوايا القيادتين العراقية والإيرانية، ولكن هذا ما كان.. ومؤكد أن مخططات شيطانية خارجية أسهمت في هذه النتيجة.. إنها مناسبة ثانية هزمنا فيها بالمكر السياسي وفقدنا فيها ميزة التفوق العسكري.

أما المناسبة الثالثة فكانت بعد خروج العراق من حرب الخليج الأولى قوة عسكرية جبارة. لقد كسب الجيش العراقي خبرة قتالية ميدانية فريدة، وتمكنت القيادة العراقية من تجهيز جيشها بأحدث أدوات القتال وفي مقدمتها الصواريخ وأسلحة دمار شامل تردع أسلحة الدمار الشامل الإسرائيلية، وكان من شأن هذا كله تعديل توازن القوى العسكري على نحو واضح لصالح الأمة العربية، ولكن منع استخدام هذا التوازن الجديد العلاقات المتردية بين العراق وسوريا وإيران من ناحية، ثم نجاح التآمر في شق العلاقات العراقية الخليجية من ناحية ثانية، وكانت ذروة ذلك غزو الكويت. لقد ثبت مرة أخرى أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لتحقيق النصر الاستراتيجي، إذ لابد من توافر مكونات القوة الأخرى وفي مقدمتها القوة السياسية.

27-   أخص بالذكر: محمد حسنين هيكل: ملفات السويس (القاهرة: مركز الأهرام للترجمة والنشر، 1986)؛ سنوات الغليان (القاهرة: مركز الأهرام للترجمة والنشر، 1988)، و1967: الانفجار (القاهرة: مركز الأهرام للترجمة والنشر، 1993). وكتب الأستاذ هيكل لا ينبغي أن تقرأ باعتبارها تحكي تاريخًا مضى، فهي تبصرنا بما يجري حولنا الآن. إنها تشبه مراجع الشطرنج التي تسجل مباريات اللعبة العالمية السابقة. وقارئ هذه الكتب من اللاعبين يدرك أنه لن يكرر وقائع أية مباراة من هذه المباريات، ولكنها تشحذ ملكاته في فنون المناورة وتحريك القوات، في مباريات جديدة تحكمها نفس القواعد وتنتهي إلى نفس النتيجة: مصرع ملك من الملكين. إن كتب هيكل مفيدة جدًا إذن في إثراء فهمنا للواقع الحالي ومعاركه، وتشحذ ملكاتنا في فنون المناورة وتحريك القوات، وفي استيعاب مكر الأعداء المحتمل في معارك اليوم. وملاحظتي النقدية على كتب الأستاذ هيكل أنها التزمت بالرؤية والتحليلات التي سادت وقت وقوع الأحداث، ولم تعد فحص هذه الرؤية والتحليلات على مسافة منها، لتعيد تقييم ما اتخذ من قرارات، وتحدد بالتالي ما كان صحيحًا وما كان خاطئًا أفاد الأعداء.

28-   يبدو لي أن أغلب المخططات الخارجية قامت على حيلة بسيطة ومتكررة، فهي تعمد إلى إيهام طرف عربي أو إسلامي بأنه أثير لديها لسبب أو آخر (يبدو وجيهًا ومقنعًا)، والمقابل لذلك أن ينعزل هذا الطرف عن باقي العرب أو المسلمين أو يسعى لشق الصف والاستعلاء على من حوله (وأحيانًا يسمح له بأن يكون هذا باسم الراديكالية المتطرفة.. لا بأس). ولكن يحدث في اللحظة المناسبة، وقبل أن يحقق الطرف المنشق أهدافه، أن تنقض القوى الشيطانية بعد إضعافها الجميع وتؤكد سيطرتها عليهم.. حدث هذا منذ زمن طويل جدًا، منذ استخدام التنافس بين محمد علي والدولة العثمانية (راجع هذا في كتاب مسعود ضاهر، المشار إليه في هامش 4)، وحدث هذا في "الثورة العربية الكبرى"، ثم تكرر كثيرًا في تاريخنا المعاصر، فهل من متعظ؟

29-   يبلغ عدد مواطني الأمة العربية حوالي 270 مليون نسمة. ويعني هذا أننا نحتل المرتبة الرابعة في العالم من حيث عدد السكان (حال وحدتنا) بعد الصين والهند والولايات المتحدة. ولكن الروابط الاقتصادية بين الأقطار العربية هزيلة بل متنافرة. فبعض الأقطار العربية مدينة ومذلولة للعالم الخارجي بحوالي 157 بليون دولار بينما الموجودات المالية في الخارج لبعض الأقطار العربية الأخرى كانت أضعاف هذا المبلغ (تبخرت هذه الموجودات للأسف الآن وأصبح الكل مدينًا). والتجارة البينية محدودة. كانت الصادرات البينية العربية لا تتجاوز طوال التسعينيات 9 % من إجمالي صادرات الأقطار العربية للخارج، وكانت النسبة المقابلة في الواردات مماثلة فلم تتجاوز 10%. ويزيد قتامة هذه الأرقام، أنها تضخمت أيضًا بسبب الصادرات البترولية أساسًا في التجارة البينية. وهذا يعني اعتماد كل بلد في معاشه على تعامله وترابطه مع الأسواق الغربية وما يشبهها. ويؤكد المنحى نفسه تراجع المشاريع العربية المشتركة التي تزيد درجة الاعتماد الجماعي على النفس، وأظهر من ذلك يبدو في مجال الغذاء الاستراتيجي، فرغم الإمكانيات الغنية للتوسع الزراعي عربيًا، نرى أن حجم الفجوة الغذائية للأمة العربية وصل إلى حوالي 11 بليون دولار. وأكبر المجموعات الغذائية التي عانى فيها الوطن العربي هي مجموعة الحبوب (أكبر المجموعات وأخطرها) فهي تمثل 51 % من قيمة الفجوة الغذائية الكلية.

30-   أشير إلى: يوسف صايغ، التنمية العصية: من التبعية إلى الاعتماد على النفس (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1992)؛ إسماعيل صبري عبد الله، وحدة الأمة العربية: المصير والمسيرة (القاهرة: مركز الأهرام للترجمة والنشر، 1995)؛ إبراهيم سعد الدين، "ف 15 – البديل العربي"، في: إبراهيم سعد الدين (وآخرون)، الوطن العربي ومشروعات التكامل البديلة. أعمال المؤتمر العلمي الثالث للجمعية العربية للبحوث الاقتصادية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1997). وقد شملت دراسة إبراهيم سعد الدين عرضًا طيبًا لكتابي صايغ وإسماعيل.

31-   أقدر أن أبحاث الندوة كتبت ونوقشت في بداية التسعينيات، أي في ظل الهرولة نحو الشرق أوسطية وفي جو من الإحباط العام، خاصة فيما يتعلق بدول مجلس التعاون التي خضعت للاحتلال الأمريكي، وذاع أيامها أن دول مجلس التعاون سيوكل إليها تمويل مشروع الشرق أوسطية. لعل هذا سبب أدى لملاحظتي وأرجو أن يكون ما أثرته في هذا الصدد (في بند 9 في المتن) مزيلاً لهذا الشعور باليأس قبل إسهام البترول في التنمية العربية.

32-   قد لا يشبهنا في حالنا هذا إلا دول شرق آسيا حيث يتعرض تجمعه لمعارضة أمريكية قوية لنفس السبب: أثر هذا التجمع على التوازنات الاستراتيجية الدولية. وقد حدثت الإعاقة ونجحت إلى حد كبير رغم وجود عملاقين في شرق آسيا: اليابان والصين. لو تجمعت الطاقة الاقتصادية لدول شرق آسيا فإن مجموع الناتج المحلي الإجمالي لها كان يمثل 23.7 % من الناتج الإجمالي العالمي، مقابل 30.4 % لأمريكا الشمالية، و30.1 % لأوروبا الغربية (عام 1990)، وكان متوقعًا إذا استمرت معدلات النمو في الكتلات الثلاث على حالها أن تصبح النسب 28.2 % لشرق آسيا و28.2 % لأوروبا الغربية، و27.7 % لأمريكا الشمالية (المرتبة الثالثة)، ولكن اختلت هذه التوقعات مع كارثة الانهيار "لنمور آسيا" ومع استمرار الركود في اليابان (وكذلك مع التباطؤ النسبي في معدلات النمو في الاقتصاد الأوروبي).. المهم أن التغير الذي يحدثه التقدم السريع في شرق آسيا يعدل التوازنات الاقتصادية الدولية، يقع الآن في غيبة تجمع مؤسسي اقتصادي، فكيف يكون الحال لو قام هذا التجمع؟ من هنا يأتي الفيتو الأمريكي مدعمًا بكل أدوات القوة.. ولكن مع البعد الجغرافي لشرق آسيا عن أمريكا وأوروبا الغربية من ناحية، وبسبب وجود الصين واليابان من ناحية أخرى، حدث تسارع في التجارة البينية رغم العوائق وبدون "اتفاقية روما" التي أنشأت السوق الأوروبية، فزادت التجارة البينية في شرق آسيا (الصادرات والواردات) منسوبة إلى مجمل التجارة الدولية لهذه الدول من 33 % (1980) إلى 39.7 % (1990) إلى 41.8 % (1991)، إلى أكثر من 46 % عام 1996.. وبينما يمثل شرق آسيا أقل من ربع الاقتصاد العالمي، فإن 42% من صادرات شرق آسيا يذهب إلى شرق آسيا.. ويمكن أن نقدم مؤشرات مشابهة الدلالة في مجال الاستثمار الأجنبي (داخل المنطقة)، والتدفقات المالية، ونقل التكنولوجيا، والسياحة. حدث هذا في غيبة علاقات مؤسسية ثابتة (أو تحايلاً على غيابها) وليكن هذا عبرة. أنظر:

Nooridin Sopiee, Economic Integration & Economic Cooperation in PaciFic Asia (Malaysia, Institute of Strategic and International Studies, 1994).

ولكن يبدو أن هناك إقدامًا حاليًا على إنشاء العلاقات المؤسسية، وقد تمت خطوة كبيرة في هذا الاتجاه في قمة ASEAN + 3 أي رابطة أمم جنوب شرق آسيا، بحضور رؤساء اليابان والصين وكوريا الجنوبية (نوفمبر 2000). فقد أسفرت هذه القمة عن حفز مشروع إقامة صندوق نقد آسيوي، مع اتفاقات تحضيرية تحد من أثر الهزات المالية والنقدية على اقتصادات المنطقة. إضافة إلى دفع منظم للتدفقات المالية والاستثمارات في مشروعات المنطقة.

33-   لهذا السبب لا نولي اهتمامًا كبيرًا (أو لا نرحب) بالوحدات على أساس جغرافي (الخليج مثلاً أو المغرب) التي تهدف إلى ربط كل مجموعة مع الخارج (بل ربط كل قطر من هذه المجموعة على حده مع الخارج)، إنها عامل تثبيت للتجزئة أكثر منها طريقًا للتكامل العربي، وهذا يختلف عما نقترحه، وقد بدأ الأخذ بمقترحنا في اتفاقيات السوق الحرة التي بدأت بمن وافق، وستستمر دون حاجة إلى إجماع.

34-   لا ندخل في حديثنا هنا عن المتغربين دعاة الليبرالية المعاصرين، إذ نسقط أغلب هؤلاء من حسابنا ونحن نتحدث عن مشروع الاستقلال والنهضة الموحدة. إنهم في خانة أعداء المشروع، على عكس من تأثروا بالماركسية في عقود ماضية، محتفظين بجوهرهم القومي والأصيل، مع تسليمنا الطبيعي بالنواقص الخطيرة في المنهج الماركسي بدءًا من أصوله الفلسفية المادية، ولكننا نلحظ للأسف تحول كثيرين من الذين تأثروا بالماركسية (في الخمسينيات وحتى الثمانينيات) إلى معسكر الليبراليين المتغربين.

35-   أشير هنا إلى إسهام حزب العمل في مصر في تركيب العقيدة المركبة (الإسلامية والقومية)، وقد عالجنا من خلال هذه الرؤية العقدية كل القضايا المعاصرة. وفي الحقيقة لم نكن نقصد إنشاء أيديولوجية لحزب، ولكن كنا نستهدف إنشاء أيديولوجية للأمة، يمثل حزب العمل مجرد فصيل سياسي يعمل في إطار العقيدة الجامعة، مع تفهمنا لأن تنشأ أحزاب أو هيئات أخرى تعمل في إطار العقيدة نفسها، وفق اجتهادات مغايرة في البرامج أو أساليب العمل – في مقابل هذا أشير إلى أعمال مشروع مصر 2020 (منتدى العالم الثالث. مكتب الشرق الأوسط). فأعمال المشروع تستشرف المستقبل على أساس استمرار الخلافات الواسعة جدًا بين دعاة المشروع الإسلامي والآخرين، في الأيديولوجية والبرامج. رغم أن النظرة الموضوعية لأدبيات التيار الإسلامي (في مجموعه) لا توحي بذلك. أرجو أن نتجاوز هذه الاتجاهات التي تؤدي إلى استبعاد التقارب والتفاهم.

36-   يثبت جون جراي باقتدار أن الديمقراطية والسوق الحرة – من حديث المبدأ – على طرفي نقيض وليسا حليفين، فالسوق الحرة تنشئ بالضرورة تشوهات ومظالم يتصادم معها الناس من خلال الديمقراطية، وينتهون إلى تقييد الحرية الاقتصادية، ولا تعود للازدهار، إلا بالحد من الديمقراطية.. ولذا "فإن هؤلاء الذين يسعون إلى التخطيط لقيام سوق حرة على نطاق عالمي كانوا يصرون دائمًا على أن الإطار القانوني الذي يعرفها ويحصنها يجب أن يكون بمنأى عن متناول أية سلطة تشريعية ديمقراطية".

John Gray, The False Dawn: The Delusions of Global Capitalism (G. Britain: Granta Books, 1999).

إن هذه القيود التي تفرض ما يسمى الأسواق الحرة، تقيد الحكومات "الديمقراطية" والبرلمانات المنتخبة في الدول المستضعفة بشكل خاص، فأي من هذه المؤسسات "الديمقراطية" لا تستطيع مناهضة اتفاقات صندوق النقد، أو مبادئ منظمة التجارة العالمية WTO ولكنني أتوقف عند مثال طريف جاء في كتاب نتنياهو:

فقد صدع رءوسنا بالحديث عن الديمقراطية، وأسهب في محاولة إثبات أن فشل إسرائيل في التوصل إلى اتفاقات سلام مستقرة مع العرب، يعود إلى أن العرب تحكمهم نظم استبدادية لا يمكن ضمان مصير الاتفاقات معها، بينما إسرائيل دولة يلزمها نظامها الديمقراطي باحترام تعاقداتها(!). وحين استطرد في شرح المطلوب لتحويل البلاد العربية إلى الديمقراطية ظهر أنه يقصد إفساح المجال السياسي أمام عملاء إسرائيل داخل الدول العربية، وحين توقف عند سؤال: ماذا لو نجح في الانتخابات القوميون الراديكاليون أو الإسلاميون، كان رده – بلا تردد – ليذهب هؤلاء للجحيم، والقوانين الرادعة لهم يجب أن تظل قائمة!

بنيامين نتنياهو، مكان تحت الشمس (مرجع سابق)؛ الكلام الحلو عن مزايا الديمقراطية ص 305 – 306.. ثم الرأي الحقيقي والتكشير عن الأنياب ص 398.

37-   أسباب عديدة أفضت إلى قيام الحكم الشمولي في الدول الراديكالية العربية، وكان ضمن الأسباب الفكر السياسي المستورد من النظم الشيوعية، والذي ربط ربطًا محكمًا بين مواجهة الأخطار الخارجية وقيام نظم استبدادية قمعية، حتى أصبح الأمران صنوين متلازمين. وأشير في هذا الصدد إلى نجاح الجمهورية الإسلامية الإيرانية في نسف هذا القانون المزعوم. فالدولة الإيرانية لا شبهة في محافظتها على استقلالها، وفي تصديها الحازم لمؤامرات الشيطان الأكبر الأمريكي، الأمر الذي أوقعها تحت التهديد والحصار منذ قيام الثورة حتى الآن، ولكن الجمهورية الإسلامية جمعت في نظامها السياسي بين دعم لوحدتها الوطنية محروسة بأجهزة أمنية قوية وجيش كبير، وبين توسيع هائل في المشاركة السياسية (أعلى نسبة مشاركين في انتخابات نزيهة في العالم)، وأدى هذا إلى تغيير النخبة الحاكمة أكثر من مرة عبر منافسة حامية حكمتها صناديق الاقتراع. وقد رسخت هذه التجربة من خلال مجتمع مدني قوي، وبازار (قطاع خاص مؤثر)، إضافة إلى توزيع متوازن للسلطات، وتقاليد في إدارة الشورى بطريقة منظمة تمنع تجاوز الخلافات للخطوط الحمر.. الأمر ممكن إذن، ولكل بلد طريقه الخاص للوصول إلى ما يشبه هذا النموذج.

 

المراجـع

1- العربية:

·   إبراهيم، سعد الدين. مستقبل المجتمع والدولة في الوطن العربي. ط 2. عمان: منتدى الفكر العربي، 1988. (سلسلة دراسات الوطن العربي).

·   الأنصاري، محمد جابر. تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية: مدخل إلى إعادة فهم الواقع العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1994.

·   بلقزيز، عبد الإله. الإنفاق والآفاق: رؤية مستقبلية للصراع العربي – الإسرائيلي. بيروت، الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2000.

·   ثابت، أحمد. الدولة والنظام العالمي: مؤثرات التبعية ومصر. (القاهرة): جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، مركز البحوث والدراسات السياسية، 1992.

·   الجابري، محمد عابد. تكوين العقل العربي. ط 3 بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1988. (نقد العقل العربي، 1).

·   جرجس، فواز. "التسوية السلمية والتطور الديمقراطي في الوطن العربي." المستقبل العربي: السنة 23، العدد 261، تشرين الثاني/ نوفمبر 2000.

·        حرب، أسامة الغزالي. "خمسون عامًا على الصراع العربي – الإسرائيلي" الأهرام: 29/ 4/ 1998.

·   صراع القرن.. الصراع العربي مع الصهيونية وإسرائيل عبر مائة عام. تحرير غسان إسماعيل عبد الخالق، مراجعة على محافظة. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، عمان: مؤسسة عبد الحميد شومان، 1999.

·   العربي ومواجهة إسرائيل: احتمالات المستقبل: بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية. بيروت: المركز، 2000، 2 ج.

ج1: الدراسات الأساسية.

ج2: نحو استراتيجية وخطة عمل.

·        عيساوي، شارل. تأملات في التاريخ العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1991.

·   مطر، جميل وعلي الدين هلال. النظام الإقليمي العربي: دراسة في العلاقات السياسية العربية. ط 2. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربي، 1980.

·        المهدي، الصادق. العودة من تهتدون إلى تفلحون.

·        المؤتمر القومي العربي: حال الأمة. تقارير سنوية.

·   هيكل، محمد حسنين. "سياحة صيف في الوثائق الإسرائيلية". الكتب: وجهات نظر، السنة 2، العدد 21، تشرين الأول/ أكتوبر 2000.

* * *

2- الأجنبية:

Benvenisti. Meron. Saered Landscape: The Buried History of the Holy Land since 1948. Translated by Maxine Kaufman – Lacusta. Berkeley, CA: University of California press, 2000.

Goodman. Hirsh and W. Seth Carus. The Future Battlefield and the Arab – Israeli Conflict. New Brunswick. NJ: Transactions publishers, 1990. (Near East Policy Series).

Ha'aretz: 23/ 10/ 2000.

International Institute for Strategic Studies (IIss). The Military Balance, 2000 – 2001. London: Oxford University Press, 2000.

Kodmani – Darwish, Bassms et Mary Chartouni – Dubarry (dirs.). perceptions de securite et strategies nationals au Moyen – Orient. Paris: Masson. 1994. (Travaux et recherches de l'lRFl).

Lewis, Bernard. <> foreign Affairs: vol. 71, no. 4, fall 1992.

McNamara. Robert S. The Essence of Security: Reflections in Office. New York: Harper and Row. (1968).

Rubinstein, Amnon: from Herzl to Rabin: the Changing Image of Zionise. New York: Holmes and Meier, 2000.

 

 

 

(*) كتبت هذه الدراسة قبل غزو واحتلال العراق بعام كامل في ظل خيانات عربية رسمية تجاوزت التوقعات، ومع ذلك فإن المقاومة العراقية تقوم منذ ذلك الوقت بدور تاريخي لإضعاف الولايات المتحدة وهيبتها في المنطقة والعالم. وهي معرضة لهزيمة أشد أثرًا من هزيمتها في ڤيتنام. (الناشر).

 

أضف تعليق


عدد الحروف المسموح بها 1000 والمتبقي منها
ادخل الكود التالي
CAPTCHA Image
صورة اخرى
الموقع غير مسئول قانونا عن التعليقات المنشورة