لا معنى للوجود لو اقتصر على الحياة الدنيا‏
السبت, 22 أكتوبر 2011 - 12:00 am عدد الزيارات: 8534
تزخر الحياة الدنيا بالمفرحات والمبكيات  وبحزمة كبيرة من المتناقضات , ويذهل المتأمل فيها لما يشاهده ويلمسه ويتعامل معه من جمال ومتع ومآسي , ولما يراه من اختراعات واكتشافات علمية فاقت التوقعات , وربما القادم منها قد لا تتصوره عقول البشر. بالمطلق لا حدود للعلم , لكن الإنسان لا يمكنه امتلاك مطلق العلم وملكيته الحصرية تعود لمن أوجد الإنسان وعلمه , وهذه حقيقة تلقينا نبأها في ست كلمات أوردها الخالق في كتابه العزيز, "وما أوتيتم من العلم إلا قليلا" .
وكأني بالخالق يقول لأبناء آدم بتلك الكلمات القليلة , اكتشفوا ما شئتم من علمي بإذني واخترعوا ما شئتم بإذني , لكنكم ستبقون سجناء في نفوسكم وأجسادكم الصغيرة , ومهما بلغتم من ذكاء وعلم فلن تتجاوزوا عقولكم المحدودة , ومن يصبه الغرور منكم فينكر وجودي هو من الخاسرين . انتبهوا لأعماركم فهي قصيرة مهما طالت . أين الأولين وأين الآخرين ؟ , ما انتم بأفضل ولا بأقوى وأبقى منهم . كلكم لآدم وآدم من تراب , ومن آدم حتى آخر حي منكم مردكم إلي  فاخشوني .
نخلص لنقول.. أن الخالق ينبهنا بأن كل من استقو بعلمه وماله وجاهه وولده وظن أنها تحميه وتعظم من شأنه فقد جهل , ويكاد يقول:  ضال كل من لا يفقه مبدأ الوجود بمعناه الشامل , وجودي ووجوده ووجود السماوات والأرض , وخاسر من لا يدرك أن مكوثه في المحطة الدنيوية مؤقت وزائل , وعدو لنفسه من تغره الدنيا الفانية ولا يعمل فيها بما يؤمنه في الحياة الأزلية.
جئت بهذه المقدمة لأقول: يستفزني أولئك الناس قصيري النظر وعديمي البصيرة , الذين غرهم تقدم العلوم على يد الإنسان وما أنجزه من اكتشافات واختراعات فاعتقدوا أن الإنسان هو المالك الفريد لدنياه والصانع الوحيد لكل ما فيها , باستثناء ما أهدته إليه الصدف والتحولات في الطبيعة , فأنتجت من تلقاء نفسها الكون بكل ما فيه من أحياء وجماد , كما يقول الملحدون.
وجئت بهذه المقدمة لأشير إلى حالة الضياع التي يعيشها "الإنسان التائه" , الذي غرته الدنيا فاتبع هواه , ولقصر نظره , قدس بمحض اختياره , العلم والمال والولد والجاه والمتعة , فأخذ نصيبه من الدنيا ثم غادرها إلى المجهول.
ولأصحاب العقول المستنيرة التي لا تحيط فيها غشاوة , نصيب في الحديث, فهؤلاء هداهم تفكيرهم السوي والسليم لفهم عميق يستوعب حقيقة الوجود , فأدركوا بالعقل والمشاهدة والفطرة هذه الحقيقة وعلموا أن أبناء آدم وما يحيط بهم هم من صنع خالق مبدع , وأنهم ليسوا سوى كائنات حية ذكية تكتشف وتخترع  لكنها تبقى ضعيفة ومحدودة الإمكانات ,  وأن الغرائز المادية التي يتمتعون فيها من حب للمال والطعام والجنس والولد , ما وجدت إلا من أجل استمرار حياتهم ورفاهيتهم المقيدة , ولتجميل وتيسير إقامتهم في دنياهم التي هم فيها ممتحنون . تعلم هذه الطائفة من الناس المؤمنة والمبصرة أن مصير ابن آدم النهائي  سوف يدركه في محطة الوجود الثانية والأخيرة .

أضف تعليق


عدد الحروف المسموح بها 1000 والمتبقي منها
ادخل الكود التالي
CAPTCHA Image
صورة اخرى
الموقع غير مسئول قانونا عن التعليقات المنشورة