الشعار الذي منه الجميع ارتجف‏!!
الأحد, 04 سبتمبر 2011 - 12:00 am عدد الزيارات: 9282
حدثتك في الأسبوع الماضي عن ذلك الشعار الذي انطلق في جوف القاهرة: إسلامية.. إسلامية, وما أسفر عنه في المقابل من مخاوف رأيت أن مبعثها الجهل بالشيء وقوامهاالمعلومات المنقوصة.
وأصارحك القول بأنه لمن دواعي الإنصاف والأمانة أن أعترفبأنه لم يحدث وأن استقبلت, منذ أن بدأت أسطر هذا المقال أسبوعيا وطيلة عشر سنواتمتصلة إلي الآن, هذا العدد من الرسائل والتعليقات كتلك التي استقبلتها علي مديالأسبوع الماضي, بعد نشر هذا المقال الذي قررت فيه أن أخترق حاجز الصمت الرهيببسرعة الضوء, فسرعان ما تهاوي الحاجز ليكشف عن نمطين مختلفين من بشر: منهم من تصالحمع نفسه بشجاعة فارتضي منطقية ما طرحت; ومنهم من أسفر عن نموذج عقلي متخبط معتمد فيعناده علي الجهل بالشيء واستسلام لترويج الجهال لكرة النار كي تمتدوتستعر
!!.
ولقد لاحظت أن معظم المستنكرين لما كتبت ــ وهم قلة بالقياس للمؤيدينبالمناسبة ــ قد انصب جام خوفهم من الشريعة الإسلامية علي تطبيق الحدود وبالذات حدالسرقة, فيستنكر جميعهم مجتمعا تقطع فيه الأيادي, وما إلي ذلك من مخاوف لو يعلمونهي في الأصل مبنية بجلاء علي معلومة خاطئة راحت تتنامي ككرة الثلج في عقولهمالبسيطة فصارت جبلا جليديا!! كما لو كانت السرقة فضيلة أو شيئا نبيلا مثلا يجبالعمل علي نشره وحمايته وحماية القائمين عليه والدفاع عنهم, فجاءت الشريعةالإسلامية لتقاوم انتشار وتفشي هذه الفضيلة في المجتمعات ــ السرقة!! أما أن تكونالسرقة شيئا بغيضا مثلا أو أن تكون معظم حالات السرقة مقترنة بالقتل مثلا فهذا أمرلا يعنيهم, كلا.. بل إن يد السارق في نظرهم هي الأهم; مال الشريف وحقوقه لا تعنيهم, ويد السارق هي الأهم
!!
وعموما, وقبل أن يتفتق ذهن غير الراضين عما أكتب, فيتساءلون سؤالا ساذجا يعتقدون فيه قمة العمق فيقولون: وهل نحن طالبنا بإعفاءالسارق من العقوبة ؟ نحن فقط نعترض علي أسلوب العقاب ــ قطع اليد!! هكذا سيتساءلون, ولذا دعني أصدمهم بما لا يعـرفون
:
بداية, ما هو تعريف السرقة في الإسلام أساسا؟

السرقة في الفقه الإسلامي هي أخذ الشيء من الغير علي سبيل( الخفية) و(الاستسرار)!!
إذن, فكلمة سرقة ليست كلمة مطلقة مترامية الأطراف كل الهدف منورائها قطع الأيدي والسلام!! الأمر إذن مرتبط إسلاميا بالخفية والاستسرار; أيمسارقة عين مالك الشيء أو من يقوم مقامه, وتعرف هذه بالسرقة الصغري; أما النوعالثاني من السرقة فهو مسارقة عين الإمام; وهي قطع الطريق علي الناس, علي اعتبار أنالإمام بمعني الحاكم وأعوانه هم المعنيون بحفظ الطريق, وتعرف تلك بالسرقةالكبري
.
أما الأهم من الخفية أو الاستسرار في الفقه الإسلامي فهو فكرة الحرز وهونوعان: الأول, بمعني المكان المعد لإحراز الأمتعة كالدور والبيوت والصندوق والمحالوالخزائن وما شابه ويسمي هذا الحرز بالمكان; والثاني, ويسمي الحرز بالحافظ, وهو كمنجلس عند متاعه يحفظه أو كمثل الغفير يحفظ مكانا أو بضاعة أو ما شابه
!!
اختراقهذا الحرز وأكرر علي سبيل( الخفية) أو( الاستسرار) أي سرا هو المعتد به سرقة تستحققطع اليد في الإسلام, أما ما دون ذلك فيعد سرقة أيضا ولكنه لا قطع فيها, وإنماتعزير أي عقوبات لا علاقة لها بإقامة هذا الحد تحديدا( القطع)!! علما بأنه ويشترطفي الحرز الكمال; أي أن يكون محكما لا يسهل الوصول إليه أو اختراقه و إلا انتفتفكرته فلم يعتبر حرزا
!!.
أما المدهش في الإسلام فهو عبقرية توصيف الحرز نفسه, فليس كل أربعة جدران حرزا!! دعني أوضح
:
فمن سرق من أبويه أو ولده أو ذي رحم محرممنه لا تقطع يده ذلك لأن دخول الحرز ــ البيوت هنا مثلا ــ مباح في الوضع العاديلمن سرق فهي ليست بالنسبة للسارق حرزا!! وكذا إذا سرق أحد الزوجين من الآخر لاتقطع, وذلك لانتفاء شروط الحرز بينهما!! أما المفاجأة الحقيقية فإليك بها
:
إذانقب اللص البيت فدخل وأخذ المال وناوله آخر خارج البيت فلا قطع عليهما لماذا ؟ لأنالأول لم يخرج بالمال من الحرز, والثاني لم يخترق الحرز أصلا أية تفاصيل عجيبة تلك؟وأي توخي للحذر هذا من الظلم؟

و لا قطع علي خائن أو خائنة ونقصد هنا خائنالأمانة, وذلك لقصور في الحرز, فما دمت قد ائتمنت شخصا علي شيء, انتفت فكرة الحرزبالنسبة له!!
ولا قطع علي منتهب ولا مختلس ذلك لأن الاثنين يجاهران بفعلهما ــأي السرقة ــ فتنتفي فكرة الخفية والاستسرار
!!
أما الصدمة الصادمة فهي أن السارقمن بيت المال لا يطبق عليه حد السرقة; ذلك لأن بيت المال به مال عام والسارق شريكفيه ضمنيا, وكذا بالقياس فإنه لا يطبق حد السرقة علي سارق من شركة هو شريك فيها, لذات السبب
!!
ولا قطع فيما يوجد تافها مباحا في دار الإسلام كالخشب والحشيش أيالحشائش والقصب والسمك والطير والصيد
..!!
ولا قطع فيما يتسارع إليه الفسادكاللبن واللحم والفواكه الرطبة
!!
ز ولا قطع في الفاكهة علي الشجر والزرع الذي لميحصد إن سرقها السارق ليأكلها لا ليبيعها!! بل و لا قطع في الطعام أساسا إلا إذاأواه الجرين ــ أي تمت تعبئته في أكياس أو أشولة ــ ذلك لأن الجرين يقوم مقامالحرز
!!
الأخطر من كل ذلك مجتمعا في الشريعة الإسلامية هو نصاب السرقة نفسه; أيذلك المبلغ الذي تحتسب عنده السرقة سرقة: فهل تعلم أن سرقة ما دون الألف جنيه لايقام فيه الحد; ذلك لقول الفقهاء إذا سرق العاقل البالغ عشرة دراهم أو ما يبلغقيمته عشرة دراهم مضروبة من حرز لا شبهة فيه وجب عليه القطع والعشرة دراهم من الفضةتساوي دينارا, والدينار يساوي مثقالا من الذهب المدموغ والمثقال خمسة جرامات إلاربع
!!
أما المدهش فهو أن حد السرقة لا يقام إلا بشهادة شاهدين, فإذا تعذروجودهما لا يقام الحد إلا بإقرار من السارق نفسه مرة واحدة( عند أبي حنيفة وتلميذهمحمد ابن الحسن), أما تلميذه أبو يوسف ــ قاضي القضاة ــ فيري أن إقرار السارق لايعتد به إلا إذا أقر بذلك مرتين, وفي مجلسين مختلفين ــ أي أماممحكمتين, فإذا لميقر السارق بسرقته لا يقام عليه الحد لأنه لا شهود عليه
!!
أما الأكثر إثارةللدهشة, فهو أنه إذا اشترك جماعة في سرقة فأصاب كل واحد منهم عشرة دراهم قطع, وإنأصابه أقل لا يقطع!! أي أنه لو اشترك أربعة من اللصوص في سرقة ما يعادل3999 جنيهاالآن فإنه لا يقام عليهم الحد; ذلك لأن تقسيم المبلغ علي الأربعة لا يبلغ بأي منهمنصاب السرقة منفردا, وهو ألف جنيه للص الواحد
!!
بل والأكثر عجبا هو أن من سرقمتجرا بالنهار فلا يقام عليه حد السرقة ذلك لأن المتجر مأذون للناس بالدخول فيهنهارا فهو ليس حرزا في هذه الحالة; فإذا سرق اللص نفس المتجر بالليل يقطع; ذلك لأنهغير مأذون للناس بالدخول فيه ليلا
!!
وإليك بهذه أيضا: من نقب البيت ــ أي أحدثفي جداره فتحة ــ وأدخل يده فيه وأخذ شيئا لم يقطع; ذلك لأن اللص لم يدخل الحرزوكان من الممكن أن يدخله, بخلاف إذا ما فعل ذلك في الصندوق مثلا; ذلك لأنه الممكنفيه إدخال اليد فقط دون الدخول بالجسد
!!
الأمثلة كثيرة ودقيقة, ولكن المشكلةدائما هي في الجهل بها والترويج لما هو عكسها استنادا إلي شائعات متواترة بينالناس, في مقابل عدم اهتمام أهل العلم بالإفصاح عن الحقيقة المختبئة في ثنايا الكتبــ وتلك مصيبة أخري!!

أضف تعليق


عدد الحروف المسموح بها 1000 والمتبقي منها
ادخل الكود التالي
CAPTCHA Image
صورة اخرى
الموقع غير مسئول قانونا عن التعليقات المنشورة