(66) الحوار مع الله.. وكيف دعوت الله لحدث كبير فى مصر!
الأحد, 17 إبريل 2011 - 12:00 am عدد الزيارات: 9716

كما ذكرت فى الرسالة السابقة فإن حوارى مع الله عز وجل (دعائى) كان ممتدا على مدار العامين الماضيين، وكانت كل الظروف مهيئة لذلك، فقد كنت فى الكهف معظم الوقت، وكنت قد طلبت هذه العزلة، ولكنها جاءت أكثر مما طلبت، فلم يكن هناك إنسيا أتحدث إليه إلا لدقائق معدودة فى اليوم الواحد (حارسى)، على مدار 18 شهرا عدا أقل من ساعتين كل أسبوعين مع أسرتى، التى منَّ الله علىّ بها. حيث كان الإيمان بالله هو أيضا أهم موضوعات هذا اللقاء، والذى أصبح لقاءا أسبوعيا بعد أكثر من 6 شهور. وكنت أشكو أحيانا من هذه العزلة المفرطة، ولكننى كنت أقدر ما بها من منحة إلهية، والمنحة تأتى فى طيات المحنة، ويكون لها مذاقها الخاص.
وأؤجل الصورة لبدايات هذا الدعاء (الحوار) المتصل مع الله، لأن النهايات لا تزال تفرض نفسها، وأقصد بالنهايات ما يجرى الآن فى مصر، وأما ما وصلنا إليه حتى الآن من دوران الزمن، فأنا لا أعلم إن كنت سأخرج بعد أيام من الكهف أم يريد الله بى أن أستمر فيه لبعض الوقت.
فأنا أكتب الآن وقد دخلت الانتفاضة المصرية يومها الثانى، وهى مرشحة - من وجهة نظرى - للمزيد من الاستمرار والتصاعد رغم أن السلطات قد كشرت عن أنيابها، وبدأت تعمل بأسلوب الوأد والاستئصال، الذى وصل إلى حد استشهاد سبعة متظاهرين واعتقال 500 وإصابة أعداد غير محدودة، وعمليات واسعة لتعطيل مواقع الإنترنت وحتى التليفون المحمول، وهى كلها من علامات الذعر والضعف.
وأنا لا أتعالى على أحوالى الشخصية، فلطالما دعوت ربى من أجل زوجتى وأبنائى وأحبائى, ولطالما دعوته فى مرضى الشديد الذى أقعدنى لمدة 3 أسابيع، وأصابنى بآلام مبرحة، أن يشفينى. ولكن كان معظم دعائى من أجل مصر وإصلاحها وإعادتها إلى الطريق القويم, فمصر موطننا وموطن أهلنا، ومصر ثغرنا الذى نقوم عليه، وسنسأل عنه يوم القيامة.
وكان لدى يقين فى بداية وجودى بالكهف أن مصر سيحدث بها حدث كبير خلال فترة وجودى المقدرة فيه (عامان). وبالفعل فى الشهور الأولى حدث تصاعد غير مسبوق فى تواتر الإضرابات المطلبية حتى وصل الأمر إلى قدس أقداس النظام (مبنى الإذاعة والتلفيزيون) ولكن الأمر لم يتطور، وعادت وتيرة الإضرابات الاقتصادية إلى مستواها المعتاد فى الأعوام الأخيرة. وهذه الإضرابات عموما تطور كبير فى حياة البلاد، فقد بدأ المظلومون يتحدثون ويتحركون ويقاومون ولكن هذا النوع من التحرك أشبه بتحرك الكائن البدائى أو الطفل الصغير الذى بدأ ينطق ويحاول المشى، ولكنه لم يصل إلى مستوى الرشد بعد، فلابد من التحرك لمقاومة الظلم كنظام ومؤسسة عامة، وليس فى تجلياته الجزئية هنا وهناك فحسب، وعندما يضار المرء بصورة شخصية مباشرة وسافرة. فلابد للمؤمنين أن يكونوا كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالحمى والسهر، وقد غفل الناس فى بلادنا كثيرا عن أن مقاومة الظلم جزء لا يتجزأ من الإيمان: (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْى هُمْ يَنتَصِرُونَ) (الشورى: 39), (وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا) (الشعراء: 227), وبعد ذلك بشهور طويلة، جاء التزوير الفظ لانتخابات مجلس الشعب الذى وصل إلى حد المصادرة الكاملة لإرادة الناس، وقد اعتقدت وكتبت فى حينه أن ذلك من أبرز علامات النهاية، فعندما يتجبر الظالم ويظن أنه ملك الدنيا يفعل فيها ما يشاء دون أى حسابات للنواميس وعندما يقول المستكبرون "من أكثر منا قوة" فهذه من علامات النهاية.
ثم جاءت ثورة تونس فقلت لعلها هى مكافأة نهاية الخدمة، واستراحت نفسى تماما وكان لدى يقين أنها ستفتح الطريق لصحوة مصرية وعربية، وكتبت ذلك، ولكننى لم أتوقع بطبيعة الحال أن يحدث ذلك فى مصر بهذه السرعة. ولكن كما ذكرت فى الرسالة السابقة أبى الله إلا أن يتم نوره باندلاع انتفاضة فى مصر لم يسبق لها مثيل منذ عام 1977.
عودة إلى البدايات:
الدعاء (الحوار) مر بعدة مراحل، المرحلة الأولى كنت كالسباح المجهد الذى واجه الأمواج لمدة 8 سنوات متصلة (وهو الزمن الذى أمضيته خارج السجن بصورة متصلة) كنت كذلك السباح الذى وجد أخيرا جزيرة أو أرض ساحلية فارتمى على الرمال مستريحا، يلتقط الأنفاس، شعرت براحة كبيرة أن عدت منفردا مع الله عز وجل. فى هذه المرحلة كنت كمن وصل بعد طول لأى إلى مول تجارى فيه كل الثمار والأطايب يمكن أن يأخذ أى منها بدون مقابل وبدون حد أقصى: استغفار، توبة، كفارة للذنوب، عبادة متصلة، تلاوة مستمرة للقرآن، تأمل، علم وثقافة، حفظ آيات جديدة من القرآن، الغوص فى كتب السيرة النبوية، وحياة الصحابة. كنت فى حالة من ترميم الروح والجسد.
كنت فى وضع من المفروض أن أكون ثائرا فيه، فقد كنت ممنوعا من الاتصال بالبشر، وممنوعة عنى الصحف (إلا صحف الحكومة)، وممنوعة الكتب تماما، ولكن كان معى القليل منها ثم بدأوا يحضرون لى كتبا من مكتبة السجن دون أن أذهب إليها، كنت ممنوعا من صلاة الجمعة، كانت الأقلام والورق ممنوعة، كان الشراء من كانتين السجن ممنوعا، كان التريض ممنوعا إلا فى ممر صغير، كانت خصوصية الزيارة مع الأسرة ممنوعة فكانت المباحث ضباطا ومخبرين أعضاء فى الأسرة رغم أنفنا، لا يسمعون فحسب بل يشاركون فى مناقشة شئون الأسرة! وحتى إدخال ساعة وراديو احتاج لموافقة خاصة من أمن الدولة، وتمت مصادرة رسائل أبنائى إلىّ, وفوق كل ذلك كان الحارس يتركنى لمدة ساعات طويلة، فإذا احتجت لشىء طارىء لا أجد أحدا يسمعنى! كل هذه الأشياء تقتضى الثورة، ولكن المساجين لم يفهموا، لماذا كنت صامتا طوال هذه الشهور التى اقتربت من ستة شهور، لماذا كنت هادئا وأنا من طبعى الثورة على الظلم وعدم البيت على الضيم، ولدى أسلحة عدة من بينها الإضراب عن الطعام. ما لم يعرفه السجانون، أنى كنت سعيدا بهذه العزلة، وأننى كنت أحتاجها لترميم الروح والجسد والتفرغ للعبادة، وصحبة الملائكة، وأن أكون بين يدى الله أسأله المغفرة وأن يتقبل جهادى فى سبيله. ولكن ماذا حدث بعد ذلك؟!
مجدى أحمد حسين
*****
المقالات الكاملة لمجدى حسين:

أضف تعليق


عدد الحروف المسموح بها 1000 والمتبقي منها
ادخل الكود التالي
CAPTCHA Image
صورة اخرى
الموقع غير مسئول قانونا عن التعليقات المنشورة