(65) آيات الله فى تونس.. وحوار مع الله
الجمعة, 15 إبريل 2011 - 12:00 am عدد الزيارات: 9272

حوار المؤمن مع الله متصل أبدا سواء كان داخل الكهف - الذى أنا فيه - أو الدنيا الواسعة, لأنه أيضا فى الدنيا الواسعة خارج الكهوف لا يغنى عن الله شىء. فإذا أردت أن تتحدث إلى الله تصلى، وإذا أردت أن يكلمك الله فاقرأ القرآن. والصلاة تنطوى على الدعاء، وأيضا قراءة القرآن كلها دعاء لله. والدعاء مخ العبادة. وهذه العلاقة الخاصة جدا مع الله هى طريق الإيمان، وهى الإيمان ذاته فى آن معا، فالمعراج إلى الله وسيلة وغاية كل مؤمن. وعندما ذهبت إلى غزة وعدت فى وضح النهار من المدخل "الشرعى": الجوازات، لم أستبعد أننى ذاهب إلى السجن (وإن كنت لم أتوقع أن أمكث فيه عامين كاملين حتى الآن).. ولذلك فقد دخلت السجن وأنا بكامل قواى العقلية، ومع سبق الإصرار والترصد!! والله وجل شأنه يعلم أننى لم أبتغ إلا سبيله، وأن ما قمت به من عمل رمزى لأهل غزة كان التزاما بأوامر الله، كذلك فى كل ما قلته وعملته من أجل تحرير مصر من الطغيان.
لذلك فإن السؤال الذى يتبادر إلى الذهن عندما تجد نفسك منفردا مع الله فى أحد الكهوف، السؤال الذى تتوجه به إلى الله يكون عن حكمته فيما أصابك، وكل ما يأتى به الله خير، ولكنك تسأله عن حكمته، والإجابة تكون بآيات الله، فى القرآن، وفى الواقع. وقد مرت المناجاة مع الله بعدة مراحل خلال هذين العامين المباركين، ولكننى أبدأ بالنهاية على طريقة بعض الأفلام السينمائية ثم نعود بالكاميرا إلى الخلف بعد ذلكflash back .
كنت دائما على يقين أن حدثا كبيرا سيحدث خلال هذين العامين، وأن هذا الحدث سيكون عزاءا لى، من أننى لم أضيع حياتى سدى كما يتصور البعض، وبطبيعة الحال ففى حدود عقولنا القاصرة فلم أكن أتوقع أو أنتظر هذا الحدث إلا فى مصر, فهى التى تعنينى فى المقام الأول، ولقد سجنت من أجل مصر قبل أن أسجن من أجل غزة, ولكن الأخبار المفرحة كانت تأتى من خارج مصر! ولا ضير فى ذلك فحب مصر مرتبط بعروبتها وإسلامها، وقضية التحرير متشابكة فى الأمة, وكل جزء من الأمة يتحرر يساهم فى تحرير باقى أطرافها فهى كالجسد الواحد. كانت الأخبار المفرحة تأتى من أفغانستان حيث الهزائم المتوالية للأمريكان وحلفائهم، ثم فى حادثة السفينة مرمرة التى راح ضحيتها 9 شهداء أتراك ولكنها كانت واقعة مفرحة، لأنها أعادت كارثة حصار غزة إلى الضوء، وأدت بالفعل إلى تخفيف الحصار نسبيا. ولكن الأخبار من مصر ظلت تتسم بالكآبة، وإن كنت لم أر أن ما جرى فى الانتخابات كارثة كما يولول البعض، بل كان تجلية للصورة، بدون خداع أو رتوش، هكذا تُحكم البلاد فإما أن نغير أو نصمت! فحماقة النظام يستفيد منها المصلحون، ومع ذلك فإن سرقة إرادة الشعب بتزوير الانتخابات لا يمكن أن تعد من الأخبار المفرحة!! ليس هذا بعد ما كنت أناجيك به يا رب العالمين، نحن - المؤمنين - نصبو إلى حدث يزلزل أركان هذا البناء الخرب الجاثم على صدور الأمة. وأخيرا قبل أن ينصرم العامين، جاء الزلزال الذى دعوت الله من أجله، حقا إنه جاء أيضا من خارج مصر، ومن آخر بلد كان يتوقع أحد أن يحدث فيه ثورة، جاء من تونس، وقد استشعرت أهميته من بوادره وكتبت حوله قبل أن يصل إلى ذروته وقلت أن ما يحدث فى تونس سيغير وجه المنطقة بما فى ذلك مصر، وعندما كان بن على ما يزال جاثما على صدر تونس وقبل أن يهرب سألت الله النصر (نسألك الصبح.. نسألك الصبح) وكانت هذه أسرع استجابة لدعوة. أعلم أن ثورة تونس قد لمست شغاف قلب كل مصرى وعربى ومسلم وكل حر فى العالم. ولكن علاقتى بثورة تونس لها مذاق خاص عندى، فمنذ 16 عاما كرست حياتى للدعوة إلى العصيان المدنى فى مصر وسائر البلاد العربية، كوسيلة وحيدة وشرعية للخلاص من الطاغوت. حقا إن كل ما دعوت له وحدث بحذافيره، حدث فى تونس وليس فى مصر!
ولكننى أؤمن - والكل يقول ذلك الآن - بترابط أحوال الأمة العربية وأن رياح التغيير إذا هبت فى أى ركن فستصل إلى باقى الأركان. لقد كنا نبشر بمعادلة رياضية، أو تجربة كيميائية، ولكنها لم تختبر فى المعمل منذ ثلاثين عاما (أى منذ ثورة إيران 1978 / 1979) وأصبحت الشكوك تحيط بها، فالثورات تقوم فى كل مكان إلا فى الوطن العربى! ولكننى لم أيأس أبدا وكنت أقول دائما أن سنن الله تعمل فى كل مكان، ولسنا خارج نطاق عملها وسيأت الدور علينا. لا تيأسوا.. لا تيأسوا.. ولكننى وصفت بسبب هذا الإصرار بالجنون والتطرف أو الرومانسية أو العصبية (نسبة للأعصاب لا التعصب!!) أو اليأس أى أن مواقفى نابعة من اليأس!! وقال البعض الآخر أننى لست سياسيا ولا أفهم فى السياسة، وأننى أعانى من حالة نفسية (كهؤلاء المنتحرين الآن فى كل مكان) نابعة من حدة طباعى. وأكثر الناس حياءا هم من اتهمونى بالرومانسية أى غير الواقعية. ويعلم الله أنه رغم هذا الأذى فإننى لم أبال به، ولكننى فى نفس الوقت استبطأت النصر، وسألت الله كثيرا عن السبب، هل أنت غاضب على الشعب المصرى إلى هذا الحد؟! هل بلغ السوء بنا إلى هذا الحد؟ لم أشك لحظة فى عدالة الله ورحمته، ولكننى اعتبرت تأخر النصر بسبب قلة تقوانا وقلة إيماننا على شدة انتشار مظاهر التدين.. ولا أتصور أن الشعب التونسى أكثر تدينا من الشعب المصرى، ولكن نجاح الثورة هناك آية من آيات الله (فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ) (النمل: 51) من زاوية أخرى أكثر عمقا تقول أن سنن التغيير, وسقوط الطغاة ثابتة ولا تزال تعمل فلا تيأسوا، وإن الثورات كالزلازل والبراكين لا تحدث كل يوم، ولكنها تحدث حتما، وتأتيكم بغتة كما يأتى يوم القيامة. وليس بالضرورة أن يقتصر سقوط الطغاة أو يتلازم مع قيام دولة إسلامية، فسقوطهم فى حد ذاته عبرة لأولى الألباب.
أنا إذا قدر الإله مماتى الآن، فأنا أسلم الروح راضيا مرضيا، فالمعادلة الرياضية أو التجربة الكيميائية التى دعوت لها (وهى مشتقة من القرآن والسنة) قد ثبت أنها ما تزال صالحة للتشغيل كما حدث فى التاريخ القريب والبعيد، لقد نجحت التجربة، وأصبحت - بلغة الجيش - بيانا عمليا لمن شاء أن يستعين بها، وأنا أقبل بما حدث فى تونس كمكافأة لنهاية الخدمة!! رغم أننى لم أشارك فيه، ولا أحسب أن كثيرا من التونسيين قرأوا ما كتبت، ولكن أحسب أن غير قليل من المصريين قد قرأوا. وأشعر بثورة تونس وكأنها جائزة خاصة بى كى أقر عينا. فأنا فى حالة لا توصف من السكينة، وهذه نعمة من الله لا تقدر بثمن. كانت هذه نهاية الحوار مع الله خلال عامين، ولكن كيف بدأ الحوار؟!
 إلى الرسالة القادمة إن شاء الله.
*****
ويأبى الله إلا أن يتم نوره:
كتبت الرسالة السابقة قبل اندلاع انتفاضة 25 يناير المباركة، فقد أبى الله عز وجل إلا أن يتم نوره وقد حدث ما كنت أتمناه وأتوقعه وأعمل من أجله، ولا أدرى كيف سيتطور الأمر ولكننى متفائل بالمستقبل القريب، ومهما حدث فالأمر المستيقن منه حتى الآن، أن الشعب المصرى قد استيقظ يقظته المتوقعة والمأمولة والتى طالما بشرت بها، ولقيت من سخرية الساخرين ما لقيت، فسبحان الله مالك كل شىء، والقادر على كل شىء. بل لقد كتب مرارا كيف تقولون أن مصر لا تحدث فيها ثورة، وأن حكم مبارك لن ينتهى، وإذا مات الأب سيورث الابن. كتبت أقول: كيف تقولون ذلك والله يقول عن نفسه فى القرآن كريم إنه قادر على كل شىء؟!
ونحن لا ندرى ماذا يخبىء لنا القدر بعد لحظة؟! فكنت أتصور أن جائزتى من تونس، وأن جائزتى من مصر لم تأت بعد, ولكنها أتت وبينى وبين الخروج من الكهف حوالى أسبوعين. وقد يؤدى ذلك إلى تأخير الإفراج عنى، ولكنى أعلم أن أيامى فى الكهف معدودة سلفا فى علم الله، فى كتاب. وأنا لا يهمنى مصيرى الخاص (إلا فى رضاء الله عنى) بقدر ما يهمنى مصير البلاد والعباد.
مجدى أحمد حسين
*****
المقالات الكاملة لمجدى حسين:

أضف تعليق


عدد الحروف المسموح بها 1000 والمتبقي منها
ادخل الكود التالي
CAPTCHA Image
صورة اخرى
الموقع غير مسئول قانونا عن التعليقات المنشورة