(63) لن تقوم الوحدة الوطنية على أساس إلغاء الإسلام
السبت, 09 إبريل 2011 - 12:00 am عدد الزيارات: 9377

مذبحة الإسكندرية الإجرامية التى راح ضحيتها 22 من أخوة الوطن المسيحيين الأبرياء وأصيب فيها ثمانون معظمهم من المسيحيين فى التفجير المجهول - حتى الآن - الذى جرى فى كنيسة القديسين بالإسكندرية أول أيام العام 2011، هذه المذبحة لا تحتاج لمجهود للبرهنة على حرمة ذلك فى الإسلام، وهذا العمل إذا كان قام به من ينتمون للإسلام، فقد أساءوا للإسلام وأضروه، وأساءوا للمسلمين، كما أن نتائجه سلبية بشدة على الصعيد الوطنى، وعلى صعيد المعالجة الرشيدة للفتنة الطائفية القائمة بالفعل, بل لقد استغلت للإعلاء من الشأن الطائفى، وأتاحت الفرصة لعلو صوت المنادين بالعلمانية، والتى يسمونها "الدولة المدنية", والدولة المدنية قد تعنى الدولة العلمانية والملحدة، التى تريد تحول الإسلام إلى مجرد علاقة بين المسلم وربه دون باقى شئون المجتمع، فى حين يرفع الإسلاميون الذين يعرفون الإسلام بحقيقته، شعار الدولة المدنية فى إطار الإسلام، بمعنى أن الإسلام لا يعرف الدولة الدينية التى عرفها الغرب فى عصوره الوسطى، حيث تم تألية الحاكم أو البابا باعتبارهما ظل الله على الأرض، أو الممثلين الشرعيين الوحيدان لله على الأرض، بحيث من يعارضهما يستحق القتل بعد اتهامه بالتخريف والكفر. وأقول الحاكم والبابا لأن البابا مارس الحكم أحيانا بصورة مباشرة أو غير مباشرة فى أوروبا فى هذه العصور المظلمة.
أما الحاكم فى الدولة الإسلامية المدنية، فهو ليس مقدسا, ويمكن الاختلاف معه وعزله عند الضرورة إذا خرج عن المشروعية الإسلامية أو انحرف أو فسد أو فسق أو خان أو استبد واستكبر. والدولة الإسلامية المدنية تعترف بالمواطنة الكاملة لغير المسلمين كما شرحنا ذلك فى أماكن أخرى (راجع الحلقة 16 من دراسة لماذا حزب العمل الإسلامى).
وعندما نقول أن مرتكب جريمة الإسكندرية - إن كان مسلما - قد وقع فى الحرام، فقد رأينا دائما أن الحرام يتواكب مع الإضرار بالناس وبالمجتمع الإسلامى، فكل ما أحله الله هو لمصلحة المسلمين والبشر, وكل ما حرمه الله يضر بهم جميعا، إذا أعملنا المناقشة العقلية فى كل منهما، فلا تعارض بين النقل والعقل، كما برهنت تجارب البشر فى المجتمعات قاطبة.
لقد حذرنا مرارا فى الآونة الأخيرة من أن الفتنة الطائفية قد أصبحت خطرا ماثلا وليس متوقعا (راجع دراستى فى منبر الشرق منذ عدة شهور), وذكرنا أن المستقبل القريب يحمل فى طياته المزيد من التصعيد الذى يمكن أن يخرج عن حدود السيطرة، إن لم ينتبه العقلاء من الطرفين إلى ضرورة كبح جماح الأزمة، ثم مواجهتها بصراحة وموضوعية بعيدا عن المداهنة والمنافقة المتبادلة من الأطراف والمؤسسات الرسمية على الجانبين.
وحتى وإن كان مرتكب هذا الحادث من خارج البلاد، فقد تحرك واخترق على أساس وجود مشكلة طائفية ملتهبة بالفعل، فزادها التهابا. وقد دعونا إلى لجنة حكماء من رموز المسلمين والمسيحيين للقيام بهذه المهمة، بعيدا عن قيادات النظام والكنيسة لأنهما هما اللذان خلقا الأزمة وزاداها تعقيدا. وذكرنا أن المهمة الملحة لهذه اللجنة التوصل لحل للمشكلات المتفجرة (الأسيرات فى الكنيسة حتى وإن كن عدن من الإسلام للمسيحية فهم من مواطنى الدولة، بل إن الاستمرار فى إخفائهن يرجح الروايات المتواترة أنهن أسلمن بالفعل، ثم مشكلة بناء الكنائس), ثم تتوالى معالجة الأمور الأخرى. ولا شك أن تشكيل اللجنة الشعبية هذه نفسه لن يكون سهلا نظرا لصعوبة التوصل إلى رموز مسيحية معتدلة ذات نفوذ أدبى خارج إطار القيادات الكنسية، تقبل بهذه المهمة، ولكن ليس أمامنا من سبيل إلا ذلك، حتى إذا تعذر ذلك فيمكن أن تشارك بعض القيادات الكنسية، لأن موقفنا سيظل الحوار ثم الحوار ثم الحوار. أما إذا رفض الطرف الآخر ذلك فسيكون هو المتعنت أمام الرأى العام.
أما الصعوبة التالية فهى تحديد الخطوط العريضة التى ستعمل فى إطارها هذه اللجنة وهى من وجهة نظرنا لابد أن ترتكز على التالى:
1- إن مصر دولة إسلامية، وستظل دولة إسلامية، بنص الدستور وبغير نص الدستور (أى حتى إذا أقدم نظام على إلغاء المادة الثانية من الدستور), فإسلامية مصر حقيقة تاريخية وسياسية راسخة، أى أننا أمام مشروعية تاريخية ثابتة، وليس نصا فى الدستور. وأمام مشروعية وطنية تاريخية ترسخت عبر أكثر من 14 قرنا، وليست بنت أمس أو اليوم، وليست بنت هذه الجماعة أو تلك، هذا الحزب أو ذاك.
2- أن الإسلام يعطى حقوقا كاملة للأقليات الدينية، أكثر من أى نظام آخر بما فى ذلك النظم الغربية. وأن النظام الإسلامى هو أول نظام يخترع المواطنة بحيث لم يعد يشترط الدخول فى الدين الرسمى كما كان الحال فى العالم بأسره قبل الإسلام، حتى قيل (الناس على دين ملوكهم) - راجع التفاصيل فى الدراستين المشار إليهما - وأن مواقع محدودة للغاية فى بنية الدولة يتعين أن يتولاها من يفهم ويؤمن بالشريعة الإسلامية هى وحدها القاصرة على المسلمين.
3- وبالتالى فإن أى تمييز ضد المسيحيين فى مناصب الدولة والمجالس التشريعية والمحلية وغيرها من هيئات الدولة مرفوض إسلاميا، فأهل الكتاب يتمتعون بما نسميه الجنسية الإسلامية السياسية، ونحن نتحدث عن النموذج الإسلامى لا وضع الدولة الحالى، فالنظام الإسلامى الكامل أكثر إنصافا لأهل الكتاب من النظام الراهن.
4- أن المسيحى المتدين يكون أقرب للمسلمين وشريعتهم، من شريعة الغرب التى لا تعترف عمليا بأى دين، ولا تحترم أى قيمة من قيم المسيحية الواردة فى الإنجيل, والمسيحية فى الغرب مجرد حلية كوضع الصليب على أعلام الدول الأوروبية بينما قوانين هذه الدول تبيح كل المحرمات الواردة فى الإنجيل.
5- إن الوحدة الوطنية لن تقوم على أساس إلغاء الإسلام!! أو شريعته، بل إن مطالبة بعض المسيحيين بذلك علنا، هو نوع من الخروج عن كل الخطوط الحمر للسلم الأهلى، فالأغلبية لن تلغى عقيدتها (وهى 94% ويقال 90%) لوجود 6% أو 10% على دين آخر، كما أن العقيدة الإسلامية لا تنتقص شيئا من عقيدة الآخرين ولا تحجر عليهم، فلماذا هذا الاستئساد على عقيدة الأغلبية بسبب ضعف الدولة؟!
مجدى أحمد حسين
*****
المقالات الكاملة لمجدى حسين:

أضف تعليق


عدد الحروف المسموح بها 1000 والمتبقي منها
ادخل الكود التالي
CAPTCHA Image
صورة اخرى
الموقع غير مسئول قانونا عن التعليقات المنشورة