(62) من يجيرنى من الله؟!
الجمعة, 08 إبريل 2011 - 12:00 am عدد الزيارات: 9333

MagdyahmedHussein@gmail.com
عندما يتعرض إنسان لمخاطر فى الدنيا من شخص ذى نفوذ، فإنه يلجأ إلى شخص آخر ذى نفوذ ليحميه منه أى يستجير به، وعندما يطغى عليك حاكم ويريد أن يفتك بك فبإمكانك أن تهرب منه وتختفى قبل أن يسجنك، وإذا أراد قتلك يمكن أن تلجأ لحاكم آخر وهو ما نسميه الآن اللجوء السياسى، ولكن عندما تُغضب الله سبحانه وتعالى، فمن الذى سيجيرك منه، وأين ستختفى عن أبصاره سواء فى الدنيا أو الآخرة؟!
جاء فى القرآن على لسان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: (قُلْ إِنِّى لَن يُجِيرَنِى مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا. إِلا بَلاغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ) (الجن: 22-23). كان رسول الله يقول لمشركى مكة - كما علمه ربه - إننى لا أملك إلا إبلاغ رسالات الله مهما تكن المخاطر المحدقة بى، وليس لدى أى خيار آخر، إذ أننى إن لم أقم بذلك فلن يجيرنى أحد من الله، ولن أجد عند أى أحد ملجأ (مُلْتَحَدًا) يعصمنى من عقابه.
وهذا هو حال المصلحين من بعد رسول الله، فكثيرا ما نصحنى الناس أن أهتم بنفسى وأسرتى ولا أعرض نفسى لمكروه لأن التغيير صعب بل مستحيل، والحقيقة فإن التغيير صعب ولكنه ليس مستحيلا! وعندما نعرض على الناس المشاركة فى جهاد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر (وهو فرض عين على كل مسلم ومسلمة) فإنهم يزورون عنك، ويقولون من الأفضل أن نمشى بجوار الحائط, ثم أصبحوا يقولون بل نمشى فى داخل الحائط (لا أعرف كيف؟!) حتى لا نروح وراء الشمس ونتعرض لما لا يحمد عقباه. وكما اتهم رسول الله - ومن قبله - من الرسل بالجنون كما ورد فى القرآن الكريم 11 مرة، فهذه هى التهمة الجاهزة لكل من ينطق بالحق، ليس من زاوية أنه يقول أنه يأتيه وحى من السماء، فالمصلحون لا يقولون ذلك ويعلمون قبل غيرهم أن وحى السماء قد انقطع، وأن النبوة قد انتهت، ولكن الوحى الأخير مسجل فى القرآن الكريم كدليل ومرشد إلى آخر الزمان، ولابد لأحد أن يحمله وأن ينشره وأن يدافع عنه حتى وإن افتدى حياته فى سبيل ذلك، ولكن تهمة الجنون تأتى من زاوية أخرى: إنه يطلب المستحيل ولن ينال شيئا إلا التنكيل والاضطهاد، وأن الناس لن تستجيب له، ولن يجيره أحد من ظلم الحاكم، وأنه عندما يسجن سيتذكره الناس كل عدة أسابيع أو عدة شهور ويقولون (إنه راجل طيب) وعندما يستشهد أيضا سيقولون (كان يعيش بيننا رجل طيب).
وأنا أقول فى المقابل أن العكس هو الصحيح، فإن الذى يوسوس لك من شياطين الإنس والجن، أو من أقرب الناس إليك كالوالدين والأصدقاء، بألا تتورط فى مصيبة (الجهاد) هو الذى يعرضك لخطر النفى وراء الشمس فى الدنيا والآخرة، فتعيش بعذاب الضمير (إن كنت مؤمنا بالله) أن تخليت عن الحق، وأصابتك حالة من ازدواج الشخصية، فتصلى بالقرآن ولا تلتزم بتوجيهاته، وتموت من الخوف والجبن كل ساعة وكل دقيقة، أما فى الآخرة فلست بمنأى عن العذاب بنصوص قاطعه عديدة فى القرآن الكريم.
إن نطق الشهادتين ليس لعبة، وليس تحايلا على الله، فالإيمان بالله لا يتجزأ عن العمل بأوامره والانتهاء عن نواهيه. فليس الرسول وحده هو الذى لا يجد ملجأ من دون الله إن هو لم يبلغ رسالاته، فكل أتباع الرسول ملزمون بذات القاعدة، وإلا لتحول الإيمان إلى نوع من الهزل: (إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا) (التوبة: 39), فالذى يدعوك للجهاد هو الذى يحبك ويحنو عليك أكثر من أمك وأبيك إن كانا يحذرانك من الجهاد، فلا تستمع إليهما، أى لا تطيعهما فى ذلك، وحاول أن تقنعهما فإن لم تستطع: (فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِى الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَاب َإِلَى ثُمَّ إِلَى مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (لقمان: 15), أما الذى يحذرك من الجهاد فهو الذى يوردك مورد التهلكة. وفى حياة الجهاد لن تكون الدنيا عذابا كلها كما تتصور، فراحة الضمير وسكينة القلب التى ستشعر بها لا تقدر بمال، كما أن الله رحيم بعباده المؤمنين فيخفف عنهم فى مسيرتهم: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا . إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) (الشرح: 5-6).
بل إن رحمة الله يستظل بها الكافر والمعاند والمنافق حتى حين. فهم يتمتعون بكل متاع الحياة الدنيا. وقد يكون نصيبك فى معترك الجهاد ابتلاءات أكثر من غيرك، فقد يطول سجنك، وقد يقصر عمرك كسحرة فرعون. ولكل الأعمار محددة سلفا, وهكذا يعرف كل مؤمن بالله، وبالتالى فإن هذا الإيمان لا يستقيم مع الخوف من الموت، وليس الموت وحده المكتوب، بل كل ما يجرى من تفاصيل الحياة, بل كل ما يجرى فى الكون بأسره. وفى هذه الحالة - أى إذا كنت صاحب ابتلاءات أكبر - فهذا سيرفع درجاتك عند الله، وستكون سكينتك الروحية أكبر، وستنعم بأوكازيون تكفير الذنوب, وهذا هو المطمع الأكبر لأى مؤمن. كما أنك تشترى الخلوة فى الجنة (بـ 10 أو 20 أو 30 سنة من المعاناة) فهذه فرصة العمر فكيف تضيعها؟! (راجع كتاب كيف تدخل الجنة؟). يكفى ما أشار إليه القرآن الكريم عن لحظة النفخ فى الصور يوم القيامة، إنها لحظة رهيبة كما قال الله عز وجل: (وَيَوْمَ يُنفَخُ فِى الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِى السَّمَاوَاتِ وَمَن فِى الأَرْضِ إِلا مَن شَاء اللَّهُ) (النمل: 87), واقرأ هنا: (إِلا مَن شَاء اللَّهُ), ألا تريد أن تكون منهم؟! وأيضا وصف القرآن هذه اللحظة بالفزع الأكبر: (لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ) (الأنبياء: 103).
إذن هذه هى الصفقة الرابحة التى يجب أن نتقاتل عليها، وصفقة الهروب من الجهاد هى الصفقة الخاسرة. سمعت أن محلات ماركس آند سبنسر ستفتح قريبا فى القاهرة، وتصورت الحشود التى ستزحف عليها، وليس من السهل أن تجد هذه الحشود إذا دعوت لعمل جهادى!! وعندما يدرك المؤمنون خاصة الشباب ما ورد فى القرآن عن الجهاد والجنة والعلاقة بينهما، فإنهم سيتقاطرون ويزدحمون على مراكز الجهاد والأعمال الجهادية بأكثر من ازدحامهم على ماركس آند سبنسر أو سيتى ستارز، وكل المولات!! أما القابضون على الجمر من المجاهدين فهم سائرون فى طريقهم, لأنهم تفكروا جيدا فلم يجدوا من دون الله ملتحدا!!.
مجدى أحمد حسين
*****
المقالات الكاملة لمجدى حسين:

أضف تعليق


عدد الحروف المسموح بها 1000 والمتبقي منها
ادخل الكود التالي
CAPTCHA Image
صورة اخرى
الموقع غير مسئول قانونا عن التعليقات المنشورة