(61) سحرة فرعون.. قدوتنا!
الخميس, 07 إبريل 2011 - 12:00 am عدد الزيارات: 9973

MagdyahmedHussein@gmail.com
فى الرسالة السابقة تحدثنا عن السنن الربانية التى جاءت فى ختام سورة يوسف من الآيات 103-111, وفى الآية الأخيرة وصف القرآن القصص الوارد فيه بعدة صفات من بينها: (وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ) وهى جملة مفتاحية تستحق التوقف والتأمل, فهى تشير إلى ما نلح عليه من أن القصص القرآنى يحتوى على كل مقاصد الشريعة: التوحيد - التشريع - الأخلاق, وتلاحظ فيه بشكل خاص السنن الاجتماعية والسياسية التى تحكم حركة البشر. وعدم التعامل مع القصص القرآنى بهذه الجدية والمنهجية يجعلنا نفقد أثمن ما فيه من إرشادات ونصائح جاءت فى صيغة قصص مشوق, وهو واقعى وحدث بالفعل, ولكن الله سبحانه وتعالى انتقى منه ما يفيدنا ويرشدنا, وما يريد أن يلفت انتباهنا إليه ويأمرنا به, أما غالب القصص فهو يجعل الأمر سهلا فى متناول الجميع مهما كانت ثقافته وعلمه, وفى دراستنا النظرية لا نفهم كثيرا من الأمور إلا عندما يقدم لنا الشارح أو الأستاذ أمثلة عملية لتوضيح المعنى النظرى المجرد. وبالتالى فإن ما ورد فى القصص هى أوامر إلهية للإقتداء وليس لمصمصة الشفاه, والتأوه على عظمة الأنبياء والمرسلين والمصلحين, ثم لنقول ما أروع هؤلاء, ولكن نمضى فى طريقنا ولا نجعلهم قدوة لنا!!
وأقف اليوم عند مثل واحد (قصة إيمان سحرة فرعون) التى تكررت ثلاث مرات فى القرآن الكريم, وإذا أخذت نفسى كعينة فأنا أستمع لخطب الجمعة منذ عشرات السنين, بالإضافة للدروس الدينية والبرامج الدينية, ولم أسمع ولو مرة واحدة أحد الدعاة يتعرض لهذه القصة, وعلى كثرة ما قرأت من كتب إسلامية معاصرة لم أجد أحدا يتعرض لهذه لقصة. ولا شك أن ثمة من تعرض لها أو هكذا أعتقد ولكننى قلت أننى آخذ نفسى كعينة, لأثبت أن هناك إهمالا متعمدا لشرح مغزى هذه القصة للمؤمنين. أما الإهمال والتهرب فسيعرف سببه بمراجعة هذه القصة لأنها مكلفة!
القصة التى يعرفها أى قارىء للقرآن تتعلق بالمبارزة التى حدثت بين سيدنا موسى وسحرة فرعون بعد أن استدعى فرعون سحرته من شتى أنحاء مصر ليبرهن لموسى أن الآيات التى أظهرها مجرد سحر, وأن عتاة علماء الشر من سحرة مصر الكبار سيهزمونه لأن سحرهم أعلى, فلما هزمهم موسى عليه السلام خروا سجدا (أى السحرة) وآمنوا برب العالمين. فارتج على فرعون واغتاظ أنهم آمنوا به بدون إذنه!! فهددهم بأقصى ما يملك من عقاب, وقال لهم ما يقوله أى طاغية للمعارضة: (فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ)! (وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى)!! أى بلغه اليوم (حتعرفوا شغلكم) (وأنتم تعرفون ما الذى يمكن أن أفعله بكم), ثم حدد على الفور أنه سيعذبهم ويقتلهم إذا لم يتراجعوا عن موقفهم هذا: (لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ), أى يقطع اليد اليمنى والقدم اليسرى أو العكس, وهذه مرحلة, ثم الصلب على جذوع النخل كمرحلة ثانية من الإعدام البطىء, حتى يتعذبوا بضعة أيام ولا يموتون فورا. فماذا كان ردهم؟ كان يمكن بداهة أن يقولوا أعطنا فرصة لنفكر ولكنهم قالوا بلا تردد: (لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ), بنفس البساطة التى يرد بها شخص على صديقه الذى يدعوه لنزهة، فيوافق فورا!! 
وإذا نزعنا ملابسات القصة المرتبطة بالزمان والمكان.. إلخ, فإن المعنى المجرد للموقف هكذا:
1- إن هؤلاء السحرة كانوا بشرا عاديين, أى ليسوا بأنبياء أو مرسلين، بل كانوا من شرار الناس، من كبار العلماء بصناعة السحر الذى يسمى علم الشر. وإذا كان السحر قد اضمحل فى عصرنا (وإن لم ينته)، فإن هؤلاء السحرة يماثلون الآن سدنة أى نظام طاغوتى، من كبار الكتاب والإعلاميين وفقهاء السلطان، وكل من يبرر مشروعيته.
2- إن معرفة الحق تعنى أن يصدع المرء به فورا دون أى فاصل زمنى، وأن يعلن عن إيمانه دون فاصل زمنى أيضا، حتى وإن كان ذلك فى حضرة السلطان صاحب الهيل والهيلمان.
3- إن الانحياز للحق والإعلان عن ذلك لا علاقة له بموازيين القوى، ولا بعدد المؤمنين ولا بقوتهم، ولا بوجود تنظيم كبير أو صغير، ولا بتقدير حجم العدو وقوته وآلات قمعية, فموازيين القوى لها مجال آخر، أى فى حسابات المعارك العسكرية أو حسابات الانتفاضة الشعبية من أجل التغيير. بل الإعلان عن الحق مطلوب فى كل وقت وأوان، بل هو مطلوب أكثر فى بداية الدعوة لأن الدعوة لن تنتصر إلا بنشر الأفكار الصحيحة.
4- إن رواد الإصلاح وقادته بالتحديد هم المطالبون بذلك حتى يتشجع الآخرون، وفى ذات القصة لقد أدى هذا الموقف الشجاع إلى أن يبرز رجل من ملأ فرعون كان يكتم إيمانه ويعلن انحيازه بدوره لرب موسى وهارون.
5- إن الاستشهاد قانون إجبارى لا يمكن تجنبه لمن يسعى إلى إصلاح جدى وحقيقى، (خير الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله) حديث.
والشهيد لا يحضر لحظة النصر، ولكنه يفتح الطريق للنصر، ويساهم فيه، ويمد حركة الإصلاح والتحرير بطاقة معنوية هائلة، ولا يوجد نصر فى مواجه سلمية أو عسكرية بدون شهداء، ولم يعرف أبدا هذا الحق الذى انتصر دون أن يكون مخضبا بدماء الشهداء وتضحيات الأسرى والمعذبين.
6- إن التهديد بالإعدام لا يجعل المؤمن تطرف له عين، ولا تجعله يتردد لحظة فى موقفه: (لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ), أى نحن سائرون إلى الموت اليوم أو غدا، فلا ضير من الموت فى حد ذاته، المهم أن ننقلب إلى ربنا وقد غفر خطايانا وأدخلنا فى عباده الصالحين: (إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَن كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ).
ويروى عن الذين حضروا إعدام الشهيد سيد قطب أنه كان فى حالة عادية جدا حسب قولهم! وهذا اليقين بالحياة الآخرة وجنتها ونارها هو أساس هذا الثبات: (فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِى هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا . إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى), هذا ما قاله سحرة فرعون ردا على قرار الإعدام!
*****
لقد بارك القرآن هذا الموقف, ولم يقل لنا أن هؤلاء كانوا متهورين أو مجانين أو حمقى ولم يقوموا بتقدير سليم للموقف أو حسابات (الإسلاميون تعلموا حكاية الحسابات!!)، الحسابات لها مكان آخر, أما قول الحق فليس فيه حسابات، لأن الحق لا يكون حقا إلا إذا كان كاملا دون إخفاء أى جزء منه.
مجدى أحمد حسين
*****
المقالات الكاملة لمجدى حسين:

أضف تعليق


عدد الحروف المسموح بها 1000 والمتبقي منها
ادخل الكود التالي
CAPTCHA Image
صورة اخرى
الموقع غير مسئول قانونا عن التعليقات المنشورة