(59) قانون القلة/الكثرة: وأن تطع أكثر من فى الأرض يضلوك عن سبيل الله
الثلاثاء, 05 إبريل 2011 - 12:00 am عدد الزيارات: 12171

MagdyahmedHussein@gmail.com
ذكرت فى دراسة (لماذا حزب العمل؟)، مسألة الكثرة فى القرآن الكريم، وأن الكثرة لم تذكر عادة بالخير, بل وردت فى انتقادها بل ودمغها بالضلال أكثر من 90 آية. وأشهرها الآية التى تقول: (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ) (الأنعام: 116), وامتدحت القلة فى أكثر من 30 آية مثل: (مِّنْ عِبَادِى الشَّكُورُ) (سبأ: 13).
ويتهرب بعض الدعاة من هذه القضية الواضحة وضوح الشمس فى القرآن، لأنها مسألة غير شعبية. فالداعية يريد أن تلتف الناس حوله، ويخشى أن هذا المعنى ينفر الناس منه أو من الدعوة، وقد يرى الداعية أن هذا المعنى قد يشيع اليأس ولا يبشر بانتصار الحق فى الدنيا. فلا يتوقف كثيرا عند هذا المعنى، بل إن أحدهم قال مرة إن هذا كلام نوع من التهديد والوعيد! ويتهرب آخرون بطريقة أخرى بنسبة هذه الحقيقة للماضى. وقد رفضنا مرارا هذا المنهج الذى يحول القرآن الكريم إلى كتاب تاريخ بينما هو كتاب هداية ويتضمن النواميس الأساسية التى تحكم الكون ومجتمعات الكرة الأرضية.
نرى فى المقابل إن التعامل المباشر مع معانى القرآن الصريحة والواضحة التى لا تحتمل رأيين فى اللغة أو التأويل، هو المنهج الذى ساعدنا على فهم واستخراج جواهر القرآن.
ونحن بعد 14 قرنا ونصف القرن نستطيع أن نؤكد أن قانون الكثرة والقلة كما ورد فى القرآن قانون اجتماعى قد عمل بدقة طوال هذه المرحلة وحتى الآن، كما عمل قبل البعثة المحمدية، منذ عرفت الحياة على الأرض. ففى القصص القرآنى اختار الله لنا ما يفيدنا من التاريخ الذى يمكن أن تملأ صفحاته مجلدات لا نهائية، اختار الله لنا ما يريد أن يرشدنا به إلى أشياء محددة, ولذلك فقد قص علينا أحسن القصص!! (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ) (يوسف: 3).
وبالتالى فقصة نوح مثلا هى قصة الماضى والحاضر والمستقبل. فقد أوحى الله سبحانه وتعالى لنوح: (وَأُوحِى إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ) (هود: 36) وأوحى له ببناء السفينة. وبالتالى مهما كبرت هذه السفينة، فستبقى سفينة لا تحمل إلا قلة قليلة من المجتمع. وعندما نقول أنها أيضا قصة للمستقبل. فلا يعنى ذلك أن المستقبل قاتم بالضرورة، ولكننا أمام دورة حضارية متواصلة: (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ) (هود: 48), فظلت الدورة مستمرة بعد إقامة مجتمع جديد كله من المؤمنين: (ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ) (المؤمنون: 31), وتكررت نفس الدائرة بشكل آخر غير الطوفان (الصيحة), ثم تواصلت الدوائر: (ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ) (المؤمنون: 42), وتشعر بهذه الدورة بشكل مكثف ومزلزل للنفس فى سورة الشعراء حيث تتكرر الآية الكريمة فى نهاية كل قصة من قصص الأنبياء: (إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ)، وكلما تأزمت الأمور واستحكمت الحلقات وساد الكفر على الإيمان، كان المفتاح دائما فى يد القلة المؤمنة الصابرة الصلبة، وكان نصر الله يأخذ صورة إنقاذ المؤمنين وتدمير الكافرين ومحقهم، ولكن مع مرور الأيام بدأ النصر يأخذ صورة انتصار المجاهدين المؤمنين على الكافرين, وكان ذروة هذا التحول فى بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، الذى انتصر بالسنن التى يدركها البشر (دون معجزات), حتى يتسنى لمن يأتى بعده أن يحاكيه حتى فى الأساليب والطرائق. فقد كان هو خاتم المرسلين.
وسيظل قانون (القلة/الكثرة) يفعل فعله فى كل المراحل, فحتى فى ظل الدولة العادلة ستظل الفئة العارفة بالله المخلصة لدينه هى ضمان استمرار واستقرار هذه الدولة. وقانون (القلة/الكثرة) له أهميته من عدة زوايا.. فالقرآن يعلمنا ألا نربط بين الحق والكثرة، والشائع أن الناس تندفع مع الأفكار الرائجة فى وقت معين. ويخشى كل فرد على حدة أن ينعزل عن المجموع فينساق مع التيار, وهو ما يسميه علم النفس الاجتماعى الحديث (الجماعة المرجعية), وما هو إلا القانون الذى ذكره القرآن مرارا: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ) (الزخرف: 22).
وفى الحوارات بين الجماعات الإسلامية فإن المنتمى للتنظيم الأكبر يحسم الحوار عادة بأنه ينتمى للتنظيم الأكبر. وهذا يعنى أنه على حق. ويتصور أصحاب التنظيم الكبير أن مهمتهم المقدسة الأولى هى الحفاظ على هذا التنظيم، فلا يواجهون الطواغيت، وليس فى هذا الموقف أى أصل من قرآن أو سنة، بل لم نسمع أصلا عن نبى كان له تنظيم كبير!! والمسألة لا تتعلق بالحجم ولكن بصحة الموقف وأداء الواجب. وعلى رأس ذلك إعلان الكفر بالطاغوت، والرسول يحذرنا من أن نكون إمعات: (لا تكن إمعة بين الناس إن أحسنوا أحسنت وإن أساءوا أسأت). الحق مستقل بذاته ولا علاقة له بالعدد، ويمكن التوصل إليه بالفطرة والمنطق السليم. بالعقل والقلب معا. وأن أهم عوائق التوصل إلى الحق، أو الضباب الذى يحول دون الرؤية السليمة. هى الأهواء والمصالح الشخصية. ومصالح الجماعة أو الفئة الحاكمة. الحق قديم ومعروف وسرمدى. الحق أبلج. ولكن الانحياز له يكلف المرء كثيرا من العناء، لأنه يتعارض مع شبكة المصالح المستقرة. وأن الانسياق وراء الجماعة الكبيرة فيه دفء ومصالح نفسية واجتماعية كثيرة. والانسياق وراء الحاكم حتى وإن حكم بغير ما أنزل الله. فيه كثير من الراحة الظاهرية من كثير من المشكلات. إن مقياس عناء الدنيا، دون عناء الآخرة، أو مكاسب الدنيا دون مكاسب الآخرة هو الذى يغلب على الناس. والحق يحتاج لتجرد أو ما يسميه القرآن (التقوى)، ويحتاج لتضحية تصل إلى حد الاستشهاد.
أيها الأخ المسلم لا تقرأ هذه الآية المزلزلة وكأنها لا تخصك: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ) (يوسف: 106). وهذا موضوع الرسالة القادمة.
مجدى أحمد حسين
*****
المقالات الكاملة لمجدى حسين:

أضف تعليق


عدد الحروف المسموح بها 1000 والمتبقي منها
ادخل الكود التالي
CAPTCHA Image
صورة اخرى
الموقع غير مسئول قانونا عن التعليقات المنشورة