(58) الفرائض قبل النوافل
الإثنين, 04 إبريل 2011 - 12:00 am عدد الزيارات: 9444

MagdyahmedHussein@gmail.com
إذا تحدثنا عن الاستزادة من الإيمان, فإن أول ما يطرأ على ذهن السامع هو الاستزادة من النوافل, لأن هذا هو الذى يردده كثير من الدعاة المسموح لهم بالوصول للناس عبر المساجد أو القنوات الفضائية أو الصحف السيارة. ولا شك أن النوافل إحدى وسائل المؤمن للتقرب من الله، ورفع درجات إيمانه على مسطرة الإيمان، وما يشعر به من حلاوة الإيمان من خلال ذلك، ولكن النوافل لا تسبق الفرائض، والفرائض لا تنحصر فى الصلوات الخمس وصيام رمضان وغيرها من الأركان الخمس, فالعمل الصالح وعلى رأسه الجهاد من الفرائض التى لا يصح إسلام المؤمن إلا بها, وهو جزء لا يتجزأ من بطاقة أو استمارة دخول الجنة بنص القرآن الكريم.
ونحن نرى خلال العقود الثلاثة الماضية تزايد كبير فى الصحوة الإيمانية, ولكنها تتجه أساسا إلى النوافل، فنحن نرى المصريين يقبلون على أداء العمرة بشكل متكرر، وعدد كبير منهم يصوم فى عاشوراء ويوم عرفات، ونرى إقبال الملايين على أداء صلاة القيام فى رمضان، وعلى أداء صلاة السنن طوال العام، والذى يتبادر إلى الذهن لأول وهلة أن ذلك أفضل من إضاعة الوقت فى توافه الحياة الدنيا. ولا شك أن ذلك صحيحا لحد ما, ولكن المعيار الأساسى هو الالتزام بدين الله كما نزل، وكما هو فى القرآن والسنة، بحيث نأخذه متكاملا ووفقا للأولويات الواردة فيها.
دائما ما أتوقف عند هذا الحديث الشريف.. جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله عن الإسلام فقال رسول الله: خمس صلوات فى اليوم والليلة. فقال: هل علىّ غيرهن؟ قال: لا، إلا أن تطوع, وصيام رمضان. فقال هل علىّ غيره؟ فقال:لا، إلا أن تطوع، وذكر له رسول الله الزكاة فقال: هل علىّ غيرها؟ قال لا إلا أن تطوع. فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلح إن صدق (أو لئن صدق ليدخلن الجنة). صحيح أن هذا الرجل كان لا يزال فى بداية إسلامه، ولكنه إذا أخذ هذه الفرائض بجدية فسيصل إلى كل تعاليم الإسلام. فالصلاة تكون بالقرآن، ومعنى العبادة بالقرآن أن تلتزم بما تتلوه أو تسمعه فى حياتك كلها، وإلا تحول الأمر إلى هزل، أو مجرد رسوم لا انعكاس لها فى الواقع على العمل والسلوك. لذلك فى حديث آخر مكمل له أن رجلا وافق على ذلك، ولكنه أكثر معرفة بالإسلام، وسمع عن الجهاد، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعفيه من الجهاد على أن يكتفى بالصلاة والصوم والزكاة والحج، رفض رسول الله بيعته وسحب يده وقال: ألا إن سلعة الله غالية (وكررها ثلاث مرات) ألا إن سلعة الله هى الجنة.
ويفهم من الحديث الأول أن التمسك المخلص بالفرائض كاف كى يصل الإنسان لكمال الإيمان, بمعنى أن يعقل ويفقه ما يتعبد به من قرآن، حتى لا يكون كبنى إسرائيل (كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا).
وحتى بالنسبة لتلاوة القرآن, والقرآن يحضنا على ذلك بجوار الصلاة (اتْلُ مَا أُوحِى إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ) وجاء فى الحديث: (من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له) أى أن معيار صحة الصلاة أن تسهم فى ضبط السلوك وتؤدى إلى الاستقامة. أما بالنسبة لتلاوة القرآن فقد عجبت من روايات تتحدث عن صحابة يقرأوا القرآن كله كل يوم. فهو أمر غير مطلوب، لأن قراءة القرآن كله بقراءة متأنية تحتاج لـ 16 ساعة (حسب خبرتى الخاصة فى الاعتكاف) ومعنى ذلك أن القراءة اليومية للقرآن على مدار السنة (وليس فى الاعتكاف) تعنى ألا يوجد أى وقت لتنفيذ كل ما ورد فى القرآن الكريم من توجيهات!! لأن الوقت المتبقى يكفى بالكاد للأكل والنوم والصلاة. قال رسول الله لأحد أصحابه: (علمت أنك تجمع القرآن فى ليلة وإنى أخشى أن يطول بك العمر وأن تمل قراءته. اقرأه فى كل شهر مرة، اقرأه فى كل عشرة أيام مرة، اقرأه فى كل ثلاث مرة). أما بالنسبة لصيام التطوع فقد جاء صحابى لرسول الله وقد غاب عنه فترة والشحوب باديا على وجهه وقال للرسول: ما أكلت طعاما منذ فارقتك إلا بليل. فقال رسول الله: لم عذبت نفسك صم رمضان وعن كل شهر يوما. قال الصحابى زدنى. قال: يومين. قال الصحابى زدنى: قال ثلاثة أيام.
ومن تأملاتى وخبرتى الخاصة فإن تلاوة القرآن الكريم إذا جرت فى حالة من الاعتكاف التام، والانقطاع عما حولك، بحيث تكون متأنية ومتعمقة، فإنها تفضى إلى البكاء الشديد حتى يشعر المرء وكأن قلبه وجسده ينفطران من شدة التأثر، ولا يستطيع المؤمن أن يتحمل ذلك 16 ساعة متواصلة، فى هذه اللحظات أتذكر الآية الكريمة: (لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (الحشر: 21). ومع ذلك فى حالة الخشوع والتصدع لدى قارىء القرآن تؤدى إلى حالة لا محدودة من السكينة والراحة النفسية والجسدية، لذلك فالعبرة بالكيف لا بالكم، فهى أعلى درجات اللذة التى قال عنها العارفون بالله أن الطغاة إذا عرفوا بها لجالدونا عليها!! والحمد لله أن هذه الحلاوة الإيمانية ليست شيئا ماديا يمكن أن يقتنصوه من المؤمنين، بل هى آيات بيانات فى صدور الذين أوتوا العلم.
ولكن يظل أن ذروة التعانق مع آيات الله. هو العمل بها بعد ذلك، وهذا هو الذوبان أو الفناء الحقيقى فى الله وبيع النفس والمال والولد, أى التضحية بكل شىء فى سبيل الله, وفى سبيل أن تكون كلمة الله هى العليا وكلمة الذين كفروا السفلى. وهذا معنى حلاوة الإيمان. قال رسول الله: (ثلاثة من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه ممن سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود فى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف فى النار).
وحب الله ورسوله ليس بالأناشيد والأشعار, ولكن بتكريس حياة المؤمن لإعلاء كلمة الله. فما أعجب من أمة تزحف بالملايين لصلاة التراويح. وتصمت عن حصار حكامها للمؤمنين فى غزة. وتقبل أن تحكم بغير ما أنزل الله، وتقبل بالظلم والعدوان والفساد، وتقبل أن تكون كلمة أمريكا وإسرائيل وعملائها هى العليا فى أهم شئون المجتمع.
ألم يقرأوا أو يسمعوا فى صلاة التراويح الآية التى تقول: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِى اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (التوبة: 24).
مجدى أحمد حسين
*****
المقالات الكاملة لمجدى حسين:

أضف تعليق


عدد الحروف المسموح بها 1000 والمتبقي منها
ادخل الكود التالي
CAPTCHA Image
صورة اخرى
الموقع غير مسئول قانونا عن التعليقات المنشورة