(57) نصير الحق
الأحد, 03 إبريل 2011 - 12:00 am عدد الزيارات: 9012

MagdyahmedHussein@gmail.com
نصير الحق وكأنه يمشى وحيدا تنهال عليه الصخور من كل مكان، ومن كثرة ما يصيبه لا يعد مطمعا لأحد أن يسير معه، وتفر الناس منه فرارهم من الأسد. يمشى وحيدا، يحيا وحيدا، وأحيانا يموت وحيدا، ويبعث وحيدا، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبى ذر الغفارى رضى الله عنه (رحم الله أبا ذر يعيش وحيدا، ويموت وحيدا، ويبعث وحيدا)، وقد صدقت فيه نبوءة رسول الله، قاوم انحراف بنى أمية وحيدا، وتم نفيه فى مكان قصى بجزيرة العرب، وحين مات لم تكن معه إلا زوجته، فأوقفت قافلة تمر بها، كى يساعدها الناس فى غسله وكفنه والصلاة عليه صلاة الجنازة، وإهالة التراب عليه!! وقد قال رسول الله ما معناه إن من أحسن الناس من إذا غابوا لم يفتقدوا، وإذا حضروا لم يعرفوا (أى الجنود المجهولون).
نصير الحق أمره عجيب يستمسك باليقين، ولكن الناس تراه يتحدث فى أمور عجيبة، وهو يحدثهم عن الآخرة، بينما هم مشغولون بترقية أو عمل له راتب أكبر، أو شقة أوسع، أو سيارة يواجهون بها غائلة المواصلات!! هو يحدثهم عن الجهاد بينما هم مشغولون بالإعداد للزواج, يتصورونه مأفونا (ضعيف الرأى)، هو يحدثهم عما ورد فى القرآن والسنة، فيقولون: هذا مسكين.. والظروف الحالية لا تسمح بتطبيقها، وأين نحن من عهد الصحابة؟ وعندما يصيبه مكروه يقولون له: ألم نقل لك أنك تضيع حياتك سدى.. لماذا لا تلتفت لعيالك وشئونك الخاصة وتعيش حياتك فى هدوء!
لذلك كان الحسين رضى الله عنه على حق حين قال: (إن الدنيا تغيرت وتنكرت وأدبر معروفها واستمرئت حتى لم يبق منها إلا كصبابة الإناء، وإلا خسيس عيش كالمرعى الوبيل، ألا ترون الحق لا يعمل به والباطل لا يتناهى عنه. ليرغب المؤمن فى لقاء الله، إنى  لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا ندما).
هكذا قال الحسين وهو يواجه الاستشهاد، والدنيا تدور دورات مستمرة، حتى كأن الحسين يحدثنا عن أحوالنا الراهنة.
إن أكبر تحدى يواجه نصير الحق أن انفضاض الناس عنه عمليا وإن كانت معه قلبيا، وقلة أنصاره ومريديه، تجعله يتشكك فى صحة مواقفه أو طرائقه، لذلك دعا الله سبحانه وتعالى محمدا للصبر: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا) (الطور: 49), (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ) (القلم: 48), وربما أشرت من قبل لهذه الآية, وقصة سيدنا يونس التى جاءت فى القرآن كمثل حيث ضاق صدر يونس بعناد قومه, فخرج من بلده غاضبا منهم هائما على وجهه، حتى ركب سفينة وسقط منها فالتقمه الحوت، ولكن الله تاب عليه وأعاده إلى قومه حيث حققت دعوته نجاحا (مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) (الصافات: 147).
ونصير الحق من غير الأنبياء معرض لهذه المشكلة بصورة أكبر, فهو لا يضيق صدره بقومه فحسب, بل قد يتشكك فى لحظات فى صحة أساليبه وطرائقه، ويتشكك أساسا من إمكانية النصر! ولعل هذه الفكرة وراء هذا الزخم الكبير من الكتب والدراسات السطحية التى تملأ الأسواق عن اقتراب الساعة وظهور علاماتها، فهذه الكتب تدخل فى روع الناس أن القيامة أصبحت قاب قوسين أو أدنى, والترويج لهذه الفكرة خاطىء بنص القرآن:(يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِى عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللّهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) (الأعراف: 187), وهذه الدعوات السطحية تدفع الناس إذا اقتنعوا بها لعدم الاهتمام بإصلاح الدنيا، فأنت إذا قلت أن غدا ستنفجر الزلازل والبراكين فمن سينشغل ببناء بيت!! وإن أخذنا هذه الدعوات بحسن نية فأنها ستؤدى على الأقل إلى حالة من الانكماش الذاتى، فإذا كانت الساعة قد اقتربت جدا فإن العمل المناسب هو الجلوس فى البيت للعبادة وتلاوة القرآن, وعدم الانشغال بأمور عرضية كإقامة العدل ومقاومة الظلم والدفاع عن بيضة الإسلام ورد المعتدين عن أراضيه.
ولكن نصير الحق الأصيل لا يتأثر من كل هذه الأجواء المحيطة, ولكنه يحزن لأحوال أمته وعدم قدرته وحده, وقلة معه على التغيير. ولذلك قال جمال الدين الأفغانى (يندر فى أجيال وجود بعض رجال يقومون بإحياء أمة أو إرجاع شرفها ومجدها إليها), وأضاف: (وإن كان المتشبهون بهم كثيرين!!) وهم منافقو السياسة فى عصرنا الراهن.
سعيد بن المسيب نموذج آخر لنصير الحق الوحيد، وهو فقيه وعلامة التابعين، فعندما طلب منه عبد الملك بن مروان مبايعه ابنه لولاية العهد، رد عليه: (إن كنت تريد أن تبايع لابنك فاخلعها من عنقك واعتزل هذا الأمر فإن هاهنا (بالمدينة) من هو أولى بها منك ومن ابنك), وقال لمن حوله: (يريد أن يجعلها هرقلية)!
فقام والى المدينة بتأديبه فجرده من ثيابه وجلده، ثم حلق رأسه ولحيته وألبسه ثيابا رثة وطاف به فى الأسواق. وخسر عبد الملك من ذلك وأنب الوالى على خطئه: (والله ما أحسنت! لا أنت قتلته فأرحت منه، ولا أنت تركته فأخذته. ولكنك ضربته فشهرته!
ومع ذلك لم تثر المدينة من أجله، ولا قامت حركة تطالب بعزل هذا الحكم الهرقلى غير الشرعى.
ولكن حكام الأمس أفضل من حكام اليوم, فقد حاول عبد الملك إصلاح الأمر بطلب تزويج ابنة ابن المسيب لولى العهد الوليد بن عبد الملك، كوسيلة لاسترضائه وأخذ مبايعته بطريقة أخرى. ولكن ابن المسيب رغم فقره رفض "شرف" هذه المصاهرة ولم يبع موقفه، وتجنبا للحرج سارع بتزويج ابنته من أحد تلامذته الفقراء.
والخلاصة أن زمن الإصلاح والتغيير لا يأتى إلا عندما لا يصبح نصير الحق وحيدا!
مجدى أحمد حسين
*****
المقالات الكاملة لمجدى حسين:

أضف تعليق


عدد الحروف المسموح بها 1000 والمتبقي منها
ادخل الكود التالي
CAPTCHA Image
صورة اخرى
الموقع غير مسئول قانونا عن التعليقات المنشورة