(55) لماذا قال الله لسيدنا محمد: ولا تكونن من المشركين؟!
الخميس, 31 مارس 2011 - 12:00 am عدد الزيارات: 9195

MagdyahmedHussein@gmail.com
كما ذكرنا فى الرسالة 53 إن الله هو العدل يضع الميزان القسط لكل الناس ولا يحابى المسلمين إذا نطقوا بالشهادتين, فالإسلام لا يعرف هذا التحريف اليهودى الذى يتحدث عن شعب الله المختار, فالعمل هو الذى يفرق بين الناس, لأن العمل الصالح هو الذى يصدق صحيح الإيمان أو يكذبه, يزيد منه أو ينقص. وبالتالى فإن الداخلين فى الإسلام لا يخرجون عن نفس القياس (المسطرة). فى المسطرة الحديثة تجد السنتيمترات على حافة والبوصات على الحافة الأخرى. مسطرة الإيمان والكفر كذلك: على حافة درجات الإيمان, وعلى الحافة الأخرى درجات الكفر, ولكن مع فارق أساسى أن تدرج الدرجات معكوس, فإذا كانت درجات الإيمان تبدأ من اليمين، فعلى الناحية الأخرى نجد درجات الشرك والكفر تبدأ من اليسار, وكل زيادة فى ناحية, نقصان من ناحية أخرى. فكلما زادت درجات الإيمان تقلصت درجات الكفر أو الشرك إلى أقصى حد, والعكس بالعكس. ولا يعنى ذلك أن معسكر المؤمنين ومعسكر الكفار مختلطان إلى درجة تفقد التمييز بين المعسكرين, ولكن يعنى أن المؤمنين لا يحسمون أمرهم فى لحظة فارقة وكفى, بل يظلوا فى اختبار دائم ما ظلوا على قيد الحياة, وأنهم سيكونون هدفا دائما للشيطان: (لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) هكذا قال الشيطان لله عز وجل, وأنه سيسعى للنفاذ من أى ثغرة لدفعهم إلى المعاصى. وفى المعاصى نقصان فى الإيمان, وإذا لم يتم تداركها بالتوبة فإنها تدفع للكبائر, وإذا لم يتم تداركها بالتوبة, وحدث إصرار عليها, فإنها تفتح الطريق للكفر الصريح والعياذ بالله. وكل هذه المراحل موثقة فى القرآن الكريم. وهذه المسطرة العقائدية تشير على حافة الكفر لدرجات, فهناك الكفار الذين لا دين لهم ولا يؤمنون بوجود إله, وهناك من هو أسوأ منهم (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ) أى ذلك القسم النشيط فى عدوانيته ومحاربته للإيمان, وهناك الأقل منهم درجات فى الكفر (أهل الكتاب), وهناك المنافقون, ونحن لا نوزع الدرجات على أحد, ولكننا نستشف المعايير من القرآن, أما ميزان العدل والحساب الدقيق فهو فى يد الله يوم القيامة, وليس معنى وجود درجات, أن بعض الكفار سينجو من عذاب الآخرة (جهنم) ولكننا فهمنا من القرآن أن بجهنم درجات حين قال: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِى الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ).
ولكن أهمية مفهوم الدرجات فى الحياة الدنيا, أن الأقل عدوانية من الكفار أو غير المحاربين للدين دون أن يدخلوا فيه (كحالة بعض بنى هاشم فى صدر الدعوة) وبعض أهل الكتاب تكون فرصة تحولهم للإيمان أكبر كقاعدة عامة وإلا فإن الله يهدى من يشاء, ويمكن لأكثر غلاة أعداء الدين أن يهتدوا للإيمان فى لحظة! أما المنافقون فهم أخطر خلق الله, لأنهم مستترون ويدَّعون الإيمان ويندسون فى قلب المؤمنين, يثيرون بينهم الفتن ويخلخلون جبتهم الداخلية, لذلك هم أخطر من الأعداء السافرين الذين تعرف كيف تتقى شرهم بسهولة وتجمع الناس ضدهم بيسر, وسنعود إلى مسألة المنافقين. ولكن دعونا الآن نستكمل ما بدأناه ونعود إلى الجانب الآخر من المسطرة (الإيمان) فهناك عدة زوايا مهمة للنظر إلى هذا الأمر وفهمه ضرورى لحسن الإيمان, وله انعكاسات عملية بالغة الأهمية, نبدأ اليوم بالفرق بين دخول الإسلام ودخول الإيمان فى القلب بشكل حقيقى, فإعلان الدخول فى الإسلام, وهو يعنى أيضا من يكتسب إسلامه بالوراثة. لا يعنى بصورة آلية أن الإيمان قد تغلغل واستقر فى القلب. فهناك لدى الداخلين فى الإسلام أو الوارثين له, أسباب عملية كثيرة تدعوهم لذلك, المصلحة التى قد تكون وراء ذلك, أهمية الارتباط بالأسرة والعشيرة, الرغبة فى عدم الخروج عن المألوف فى المجتمع المحيط, العادة وإتباع الآباء. أما المصلحة فهى تتنوع من الرغبة فى الزواج من مسلمة مثلا, حتى تحقيق مكاسب سياسية عندما تجد معظم المجتمع قد دخل فى دين الله, أو عاد إليه بعد انقطاع, وضرورة أن تجارى التيار العام. هذه المعانى وغيرها يمكن استنباطها من الآية الكريمة: (قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِى قُلُوبِكُمْ) (الحجرات: 14). أما علامة الإيمان الصادق فهى الجهاد بالمال والنفس, وهذه مهمة جدا لمن يعيش فى كامب ديفيد حيث يتم تحريم الجهاد!! (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحجرات: 15), وأجمع جمهور أهل السنة على أن الإيمان أخص من الإسلام استدلالا بهذه الآية، ونقول ذلك لا لنصيب المؤمن بالحيرة والارتباك, بل لنسلحه بالحذر خاصة والحلال بين والحرام بين، وبالتالى لا يجوز للمؤمن أن يقع فى الحيرة من حقيقة إيمانه، ولكن يتعين عليه أن يراقب نفسه ويحاسبها أولا بأول, ولا يظن أن حقيقة إيمانه قد حسمت بالنطق بالشهادتين. ويؤكد ذلك أن القرآن يعلمنا مرارا فى مواضع عدة أن الإيمان يزيد وينقص، فيقول عن المجاهدين: (هُوَ الَّذِى أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ) (الفتح: 4), وأيضا: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا) (الأنفال: 2).
لذلك يخاطب الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم فى شخصه الكريم فيقول له: (وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (القصص: 87), وقبلها: (فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِّلْكَافِرِينَ) (القصص: 86), ثم يختتم السورة: (وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ) (القصص: 88)، والله يعلم مكنون فؤاد سيدنا محمد، ولكنه يوجه الخطاب إلينا من خلاله، حتى نثبت على الحق، ونتبع آياته، ونتمسك بها، وإن لم نفعل سنكون عونا للكافرين، بل سنكون من المشركين، لذلك فإننا فى عصرنا الراهن عندما نحذر من إتباع رغبات أمريكا والصهيونية خشية الوقوع فى مصيدة الشرك، فإننا لا نكفر أحدا بقدر ما نحذر المؤمنين من السقوط فيه، أما إذا أصررنا على إتباع أمريكا وعملائها من دون الله فإننا نسقط فى مهاوى الشرك فعلا: (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ).
مجدى أحمد حسين
*****
المقالات الكاملة لمجدى حسين:

أضف تعليق


عدد الحروف المسموح بها 1000 والمتبقي منها
ادخل الكود التالي
CAPTCHA Image
صورة اخرى
الموقع غير مسئول قانونا عن التعليقات المنشورة