(54) العودة إلى الكهف!
الأربعاء, 30 مارس 2011 - 12:00 am عدد الزيارات: 8917

MagdyahmedHussein@gmail.com
اعتذر اليوم عن مواصلة سلسلة "إعادة الاعتبار لقضية الكفر والإيمان", فاليوم وجب الشكر علينا ما دعا لله داع, اليوم احتفال روحى واستراحة محارب وتذلل إلى الله العلى القدير, اليوم عدت إلى الكهف من جديد, فمرحبا بالكهف, اليوم وكـأننى أعود إلى الله, وكأننى - والعياذ بالله - زغت عنه وعن نوره, اليوم جاء الفرج والإفراج, من عند الله تعالى مقدر الأقدار, اليوم عدت إلى كهفى الانفرادى, بعد أن حرمت من لذته ومن لوعته, وما بى لوعة, والحمد لله. اليوم لقاء الأحبة محمد وصحبه. اليوم أقرأ القرآن وأتلوه بصوت مرتفع فأكحل عينى بكلام الله, أتفكر فى آياته بعقلى ووجدانى كله, وبكل حواسى، فكلمات الله تملأ المكان، ثم تعود فتسكن فى عظامى, فتشفى أوجاعى وكل أسقامى وما بى علة, ويتطهر جسدى من كل الأمراض, وتحلق روحى فى السموات العلا، ويشفى صدرى, وأتنفس بشفافية وهدوء ليس كالشهيق والزفير المعهودين. ثلاثة شهور وثلاثة أسابيع مضت حُرمت فيها من الخلوة مع الله. واستخرت الله كثيرا حتى اطمأن قلبى فاخترت الموت (الإضراب عن الطعام) أو العودة إلى هذه الخلوة. واختار ربى لى الخلوة, أرجو أن يكون ذلك من علامات رضائه وغفرانه وعفوه وقبوله.
ثلاثة شهور وثلاثة أسابيع مضت كنت وكأنى أعبد الله خلسة، وبصوت منخفض أو صامت, وأبكى من خشيته ومحبته فى جنح الظلام بدموع صامتة. أما الآن فقد عدت من جديد أجهر بالدعوة وأنهى عهد السرية, ليكون الوقت كله لله!! سألوا أحد الحكماء: ما أصبرك على الوحدة؟ فقال: ما أنا وحدى, أنا جليس الله تعالى, إذا شئت أن يناجينى قرأت كتابه, وإذا شئت أن أناجيه صليت. وقال ذا النون المصرى: سرور المؤمن ولذته فى الخلوة بمناجاة ربه. وقال مالك بن دينار: من لم يأنس بمحادثة الله عز وجل عن محادثة المخلوقين فقد قل علمه, وعمى قلبه, وضيع عمره. ويقول الإمام ابى حامد الغزالى: إن من فوائد العزلة أن ينقطع طمع الناس عنك، وينقطع طمعك عن الناس, فأما انقطاع طمع الناس عنك ففيه فوائد, فإن رضا الناس غاية لا تدرك, فاشتغال المرء بإصلاح نفسه أولى!
فعلا ما أروع العزلة ولكن ديننا وسط فى كل شىء, وهو فى هذا المجال وسط بين العزلة ومخالطة الناس. والمؤمن يحتاج فى حياته إلى العزلة, ولكن لا يمكن أن يؤدى رسالته التى استخلفه الله فيها إلا مع الناس, وأن يتحمل عناء مخالطتهم, والتى هى أيضا لا تخلو من فائدة ومتعة إن كانت فى سبيل الخير. ولأن ديننا يحرم علينا الرهبانية, فإن متعة العزلة لا تتحقق إلا فى حالة مثل حالتى, أما خارج الأسوار وخارج الكهف فيصعب جدا أن تضبط ذلك, ومن هنا تأتى أهمية العبادة فى جوف الليل, لأنها تنشأ لك كهفا مؤقتا لمدة ساعة أو ساعتين. الخلوة الحقيقية مع الله لا تحدث وحولك ضجيج من أى نوع, أو موعد تخشى أن يفوتك, أو رنين هاتف يناديك. الخلوة الحقيقية مع الله تحتاج إلى ما يسميه الصوفية (الفراغ) بمعنى الانقطاع الكلى المادى والمعنوى عما حولك لفترة من الزمن حتى لا يشغلك خبر أو حادث أو مشكلة أو طلب. المقصود بالفراغ هو خلو الذهن تماما إلا من ذكر الله وعبادته والتفكر فى ملكوته. فأنَ لك ذلك فى عصر الإنترنت والمحمول والفضائيات وما لف لفهم. ومن هنا تأتى أهمية صلاة الفجر لأن النوم قبلها يقوم بدور مسح مؤقت لشريط المخ, فعندما يستيقظ الإنسان فكأن عقله شريط جديد أو اسطوانة مدمجة جديدة بلا أى تسجيلات, فيكون الذهن صافيا لترتيل القرآن أو سماعه. وهناك حالة غير السجن أو صلاة الفجر, حالة المتقاعدين عن العمل, فبعضهم يشغل فراغه بالجلوس على المقاهى, أو جلسات النميمة أو الجلوس الدائم أمام التلفاز, فى حين أن عزلته هنا لفترات طويلة نسبيا أفضل ما يمكن أن يمضى به وقته, وهناك حالة رابعة مفترضة أن تنقطع مجموعة من الشباب فى مكان معزول لمدة يوم أو يومين بلا مواقف أو اتصالات ويتفرغوا للعبادة, ويمكن للفرد الواحد أن يفعل ذلك ولو لمرة واحدة فى الشهر.
أقول ذلك حتى لا أبدو من المحرضين على التطرف الصوفى الذى يؤدى إلى العزلة الدائمة عن المجتمع, وكما ذكرت من قبل أن الصوفية فيها ما يمكن ويجب أن نتعلمه, دون أن نسير إلى نهاية الخط مع بعض أفكار وممارسات بعض طرقها. فكل المذاهب والطرق يؤخذ منها ويرد. ومن ذلك العزلة الدائمة, فذلك مما يتعارض مع اتباع سيرة رسول الله قدوتنا وإمامنا. ومن هنا مكمن سعادتى, فأنا أستمتع بالخلوة والعزلة الكاملة بشكل شرعى, ولا يمكن أن يتهمنى أحد بالتطرف, لأننى مجبر عليها، ولذلك قال المجاهدون عن السجن أنه (منحة) كما يحدث فى الجامعات والمؤسسات (منحة تفرغ) لإنهاء بحث أو رسالة علمية. هى منحة وهبة من الله يحقق المؤمن فيها ما يستحيل أن يحققه بنفس القدر والنوعية والجودة! خارج الأسوار. وكما ذكرت من قبل هذه ليست دعاية أو ترويج للسجون أو للطغاة، ولكن كشفا لسنن الله, فالرحمة فى باطن العذاب، والخير ينتزع من باطن الشر!!
وغير صحيح أن الأمام أبى حامد الغزالى كان صوفيا بالمعنى المتطرف فى العزلة إلا فى أيامه الأخيرة, وهذا كما ذكرنا طبيعى مع تقدم السن، وهذا ما ذكرناه كأحد أشكال العزلة الطبيعية. أما موقفه الفقهى فهو واضح وقاطع, فهو مع التوازن بين العزلة ومخالطة الناس. وهذا واضح فى كتابه: إحياء علوم الدين.
هآنذا أعود من جديد للتفكير العقلانى والتنظير, بينما اليوم يوم احتفال وحبور وإفراج, فقد عدت من جديد إلى الحبس الانفرادى، إلى كهفى العزيز, أو كبسولة الفضاء التى أسبح بها فى الفضاء, ولكن بدون دفع تذاكر بالملايين, وعندما تضيق المساحات حولى دائما ما أتذكر هذه الآيات: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا . لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا . وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا) (الفتح: 1-3).
مجدى أحمد حسين
*****
المقالات الكاملة لمجدى حسين:

أضف تعليق


عدد الحروف المسموح بها 1000 والمتبقي منها
ادخل الكود التالي
CAPTCHA Image
صورة اخرى
الموقع غير مسئول قانونا عن التعليقات المنشورة