(47) لا نعادى أمريكا لكفرها ولكن لعدوانها
الأربعاء, 23 مارس 2011 - 12:00 am عدد الزيارات: 9151

MagdyahmedHussein@gmail.com
فى دراستى (أمريكا طاغوت العصر) خاصة فى الطبعة الثالثة المزيدة بحث حول طبيعة النظام الأمريكى من الزاوية الدينية، وهل هو نظام يمثل ويقود الكفر العالمى (أئمة الكفر) من زاوية أنه نظام لا يؤمن إلا بالقوة والمادة وبالفلسفة العملية (البراجماتية) وهناك من الأدبيات والممارسات الرسمية ما يؤكد ذلك، أم أنه نظام ينتمى لأهل الكتاب (المذهب البروتستانتى وفقا للرؤية الأمريكية!) وانتهيت أن لأمريكا الوجهين معا، وأنه لا تعارض بينهما، وأن الطبقة الحاكمة والسائدة هى مزيج من العنصرين، وأن هناك فريقا من أهل الكتاب لا يقلون كفرا وعدوانا عن أهل الكفر والشرك الصريح: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ) وفى الحالة الأمريكية ليس لنا معضلة فقهية، ففى كل الأحوال هم أعداء سواء أحسبتهم على معسكر الكفر الصريح أم على معسكر فريق من أهل الكتاب، لأن النظام الأمريكى محارب للمسلمين، وقد أمر الله ألا نعادى ونحارب ونقاطع إلا المحاربين، فالحرابة هى على العداء والتقاتل: (وَقَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ).
وهناك فهم خاطىء شائع بين العلمانية وبعض الإسلاميين فى مصر وغيرها, وحتى لدى الغرب، فإن المسلمين يعادون الناس على أساس كفرهم, وهذا غير صحيح إطلاقا بنص القرآن المتكرر, بل لقد أمرنا الله بإقامة أفضل العلاقات مع غير المسلمين عموما, أى المشركين وأهل الكتاب وأهل أى ملة (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) المسلم  يمكن أن يشفق على المشرك, ويحاول أن يدعوه للإسلام إذا قبل الحوار, ولكنه لا يطعنه بسكين. فالله خلق الإنسان ووضعه على محك الاختيار، وهذه المواجهة الكبرى بين كل إنسان ونفسه, وبينه وبين الله. ولكن المشكلة تبدأ فى حالة العدوان: (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (الممتحنة: 9) ولابد من ملاحظة أن هذه الآيات من أواخر الآيات نزولا (بعد صلح الحديبية).
فالأصل فى الموضوع أن المباراة بين الإيمان والكفر سلمية تعتمد على الحجج والبراهين، كما تعتمد على ممارسة حق الاختيار لكل إنسان، والمسلم لا يضره أن يكفر غيره: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ), ولكنه يشفق عليه من مصيره فى الدنيا والآخرة، ولكنه لا يسعى لقتله كما يردد البعض، لأنه بذلك يكون قد أقام محكمة إلهية لعقابه، بينما هذه المحكمة ستقام أصلا فى الآخرة, والحاكم فيها هو أحكم الحاكمين سبحانه وتعالى, فلماذا أقتله فى الدنيا لمجرد كفره فقد يهتدى فيما بعد: (عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (الممتحنة: 7), وهذا ما حدث بالفعل مع أهل مكة فى النهاية، وهذا ما حدث فى كل العصور التالية, إذ عاد كثير من الذين زاغت أبصارهم عن الإيمان إلى الإيمان, وقدموا للحركة الإسلامية خدمات جليلة. لماذا أقتل إنسانا لديه حرية القرار والاختيار؟ وقد يأخذ قراره فى اليوم الأخير من حياته. من أكون أنا حتى أنهى حياة إنسان وأمنعه من الاستمرار فى ممارسة دور الاختيار؟ وكيف أجعل من نفسى إلها؟ فالقتل بنص القرآن لسببين لا ثالث لهما: (مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا).
فالقتل والقتال لا يحل لنا كمسلمين إلا إذا اعتدى علينا, والمقصود هو الاعتداء علينا بسبب ديننا لنتراجع عنه (كما حدث فى البوسنة مؤخرا امتدادا للتاريخ الأوروبى الكريه فى قتل المخالفين فى المذهب, وليس الدين فحسب) أو الاعتداء على أوطاننا واحتلالها وإخراجنا من ديارنا، أو معاونة الأعداء فى تحقيق هذه الأهداف العدوانية: (وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ).
وهذا هو الفساد فى الأرض الذى أشارت إليه الآية السابقة، فالفساد فى الأرض يعنى أعمالا محددة وقاطعة فى تخريب المجتمع المسلم, وليس (الأفكار)، فلا يوجد قتل بسبب الأفكار العقائدية، ولكن يوجد قتل لأعمال التجسس والتعاون مع الأعداء, خاصة فى زمن الحرب، كما هو معمول به فى مختلف البلدان, وفى إطار النظم المختلفة.
الأصل فى مسألة الكفر والإيمان عند الإسلام هو المبادرة السلمية، وكان طلب رسول الله الأساسى لحكام مكة أن يخلو بينه وبين الناس، أو أن يخلوا بينه وبين العرب, ولكن أهل الشرك هم البادئون دائما بالإكراه والعنف واستخدام القوة، لإدراكهم فى قرارة أنفسهم، أن حجج أهل الإيمان أقوى، أو أن الناس إذا تُركت وشأنها فستميل إليهم، فلم يحدث أن دعوة نبى أو رسول بدأت بحمل السلاح، ولم يحدث لأى حركة إصلاحية أن بدأت بحمل السلاح، أو إراقة دم إنسان واحد. كان الطغاة دائما هم البادئون, ولم يكن رد أصحاب الدعوات السماوية بمبادلة العنف بالعنف إلا فى حالات محدودة ارتبطت بالإخراج من الديار (قصة طالوت وجالوت)، ولأن محمدا صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء فقد شرع الجهاد فى الكتاب الأخير، دفاعا عن دعوة الإسلام، ودفاعا عن دولة الإسلام ومجتمع المسلمين الذى كان فى علم الله أنه سينمو، وأن هذه هى الصورة النهائية لدعوات السماء. وقد برهنت السنون على حكمة هذا التشريع الإلهى، فالمسلمون لم يتركوا وشأنهم أبدا. ولم يتوقف العدوان عليهم على مدار أكثر  من 14 قرنا. والجهاد له أصوله وقواعده وفقهه, ويعتمد أساسا على حماية العقيدة، والدفاع عن المسلمين حتى لا يفتنوا فى دينهم (كما حدث فى البوسنة وكوسوفا) وحماية الأراضى (الديار الإسلامية)، ولكننا لا نغزو بلدا لفرض الإسلام عليه، ولابد من إعادة قراءة تاريخ الغزوات الإسلامية للتثبت من ذلك (راجع على سبيل المثال كتابات الشيخ محمد الغزالى).
كان تشريع الجهاد من عند الله لمواجهة سنة من السنن، وهى أن أهل الشرك لن يقبلوا المباراة السلمية لأنهم يخسرون فيها، وأنهم حتما سيلجأون إلى البطش والقوة والعنف، وما الجهاد إلا درع لحماية المسلمين ومجتمعاتهم من هذا العدوان، أو مظلة واقية لأمنه واستقراره من مكر الأعداء (والحديث متصل).
مجدى أحمد حسين
*****
المقالات الكاملة لمجدى حسين:

أضف تعليق


عدد الحروف المسموح بها 1000 والمتبقي منها
ادخل الكود التالي
CAPTCHA Image
صورة اخرى
الموقع غير مسئول قانونا عن التعليقات المنشورة