(24) الإسكان والتخطيط العمرانى - التعليم
الأربعاء, 09 مارس 2011 - 12:00 am

magdyahmedhussein@gmail.com

الإسكان تحول فى بلادنا إلى مشكلة عويصة بسبب السياسات الخاطئة المتراكمة, وبسبب إغفال النظرة الحضارية الإسلامية لهذا الموضوع المهم. فكما يقول أحد علماء الإسكان, فإن الإنسان له ثلاثة مساكن على هذه الأرض: رحم أمه - البيت الذى يسكن فيه - القبر. وإذا كان الإنسان لا يعدم رحما, ولا يعدم قبرا فإن مشكلته الأساسية فى البيت الذى يسكن فيه وهو قيد الحياة!

وكما ذكرنا من قبل فإن آليات السوق (القطاع الخاص) إذا لم تتمكن من توفير مسكن ملائم وبأسعار فى متناول غالبية الشعب, فإن الدولة يجب أن تتدخل لتوفير الإسكان الشعبى لأننا أمام حاجة أساسية تدخل فى نطاق حد الكفاف لأن الإنسان لا يمكن أن يهبط عن هذا الحد.
وقد قامت الطبقات الفقيرة بحل مشكلة الإسكان فى العقود الماضية عن طريق العشوائيات والسكن فى المقابر, ويبلغ هذا العدد قرابة 12 مليون نسمة, بينهم 850 ألف شخص يقطنون فى مناطق غير آمنة, كحالة الدويقة المهددة بالصخور, أو فى مخرات السيول، أو تقع تحت خطوط الكهرباء, أو بنيت بمواد مؤقتة. ولكن هذا الحل الشعبى البائس لم يكف لسد فجوة الاحتياج للسكن, وهذه الفجوة بين المساكن المطلوبة والمتاحة تصل إلى ستة ملايين وحدة (تقرير مجموعة أوكسفورد بيزنس)، كما يصل الاحتياج السنوى إلى 600 ألف وحدة على أساس أن هذا هو عدد الزيجات سنويا.
وقد أدى هذا الوضع إلى كوارث متعددة, فالإسكان العشوائى فى حد ذاته يتسم بعدم الآدمية, ويفتح الباب لكثير من الأمراض الاجتماعية والأخلاقية. كذلك يسكن الناس فى بيوتهم القديمة الآيلة للسقوط حتى تسقط عليهم بالفعل. ويتكدس الناس فى بيوتهم الضيقة القديمة مع زيجات الأبناء بصورة غير كريمة, ويتأخر سن الزواج وتصل العنوسة إلى 13 مليون, وينتشر الزواج العرفى غير الشرعى, وأصبحت مصر تشهد توسعا فى جرائم الاغتصاب والتحرش الجنسى, وهى جرائم لم يعرفها المجتمع المصرى فى تاريخه, بالإضافة لتوسع جريمة المخدرات والسرقة بالإكراه, وبلغت عدد حالات محاولات الانتحار 104ألف حالة فى العام الأخير, وهو رقم مخيف فى بلد متدين. والعجز عن تدبير مسكن باعتباره العقبة الأساسية أمام الزواج هو من أهم أسباب الهجرة غير الشرعية للشباب إلى أوروبا وبعض البلاد العربية, وهو ما أدى إلى مقتل الآلاف, وإهانة مئات الآلاف من المصريين الذين يتم إلقاء القبض عليهم وترحيلهم إلى بلادهم.
وقد أدت هذه الأزمة إلى توجه الملاك للاحتفاظ بالعقارات خالية وغير مستخدمة, إما لاستخدام مستقبلى أو على سبيل الادخار, وكذلك فعل بعض المستأجرين وفقا لنظام الإيجار القديم. حتى بلغت قيمة الاستثمارات العقارية غير المستخدمة 800 مليار جنيه, فى وقت وصلت فيه كثافة سكان العشوائيات إلى 45 ألف فى الكيلومتر المربع الواحد, وهى من أعلى الكثافات السكانية فى العالم.
فى مواجهة هذه المشكلة المتفجرة ماذا فعلت الحكومات المتعاقبة فى عهد مبارك؟
قامت بتوجيه الميزانيات الأساسية لوزارة الإسكان لبناء عقارات للأغنياء, كذلك تم تقديم حوافز للشركات الخاصة (أرض رخيصة - مرافق.. إلخ), أيضا لبناء عقارات للطبقة العليا. أما ما أعلن عنه فى السنوات الأخيرة كمشروعات لإسكان الشباب, فقد أدت لتحقيق مكاسب بالمليارات لشركات المقاولات الخاصة مع تقديم شقق بسعر أعلى من إمكانيات معظم الشباب, بالإضافة لعدم آدميتها حيث تتراوح مساحتها بين 40 ,70 متر مربع! إن شقة مساحتها 40 مترا أقرب لجحر الثعالب منها لسكن أسرة من البشر! وحتى فى هذا الإطار فقد حصل المنتفعون من المقربين للسلطات المحلية على كثير من الوحدات من أجل المتاجرة بها (تبدأ أسعار الإسكان الشعبى من 100 ألف إلى 200 ألف, وهذا فوق إمكانيات معظم الشباب).
مواجهة هذه المشكلة الكبرى بشكل حقيقى يجب أن يتم على عدة محاور:
- على الحكام أن يتعلموا من الشعب, فاتجاه الناس إلى الإسكان العشوائى من المفترض أن يشير إلى مفتاح حل المشكلة, فالناس مستعدة لبناء المساكن إذا حصلت على الأرض مجانا, لأن الأرض تمثل قيمة كبيرة فى ثمن المسكن. لذلك فإن دور الدولة يتمثل فى القيام بالتخطيط فى الأماكن الملائمة (أى ليس فوق الأراضى الزراعية أو مخرات السيول.. إلخ) وتوصيل المرافق, وطرح نماذج للبناء, وأن تقوم الأسرة ببناء المسكن تدريجيا, وأن تقوم الدولة بتقديم المشورة الهندسية حتى لا يقع الناس فى فخ المقاولات الخاصة. وكل هذه الاشتراطات لم تتوفر فى المشروع المسمى (ابنى بيتك).
كما يرتبط هذا الحل بأن يكون بناء التجمعات السكنية أو المدن الجديدة خارج الوادى وفى إطار مشروع تنموى, وإلا فإن الناس لن تسكن فى جوف الصحراء بدون عمل, أو يكون عملها على بعد عشرات الكيلومترات من سكنها. كذلك لا يوجد أى مبرر شرعى أو عملى (إذا أردنا العدالة وحل المشكلة) فى بيع الأراضى لأبناء الشعب. فالأرض ملك للشعب, والدولة لم تنفق شيئا لإيجاد هذه الأرض, بل هى هبة من الله, والبناء على الأرض الصحراوية أشبه بالبناء على الأرض الموات (ومن أحيا أرضا ميتة فهى له) حديث شريف. المطلوب من الدولة فحسب التنظيم والتخطيط وتوصيل المرافق (كما يفعلونه للمترفين فى مارينا أو مدينتى!!).
- ويرتبط بذلك الاستفادة من إبداعات علماء الإسكان (مدرسة الراحل حسن فتحى) التى ركزت على الإسكان الرخيص والعملى, من خلال استخدام مواد البناء من البيئة المحيطة, فهى تكون أرخص وأكثر ملائمة لاحتياج المساكن, وهكذا بنيت المساكن تاريخيا فى الريف. وهى رؤية يحاربها محتكرو البناء فى شركات المقاولات الخاصة, والصناعات المغذية للبناء التقليدى لأنها تقضى على أرباحهم الهائلة. والمفترض من الدولة أن تدفع قطاع المقاولات ومواد البناء للتكيف مع هذه الرؤية بالتخصص فى المشروعات الكبرى, وهذه الرؤية تميل إلى بناء المسكن ذى الدور الواحد أو الأدوار القليلة مما يخفض من تكلفة البناء فى الأساسات. والامتداد الأفقى مفتوح فـ 94% من أراضى مصر خالية!!
- ومحور آخر أن تساهم الدولة بالاستثمار المباشر فى بناء المساكن الشعبية وتوفير الوحدات بأسعار فى متناول الفقراء. ويكون التسديد على المدى الطويل بأقساط بسيطة وبدون فوائد (قرض حسن).
- وكذلك تساهم الدولة فى حل الأزمة بزيادة الدعم لمواد ومستلزمات البناء, والذى حدث فى بلادنا هو العكس إذ قامت الدولة ببيع مصانع الأسمنت بالقطاع العام بنسبة 82% رغم ما تحققه من أرباح, إلى شركات أجنبية, وهو الأمر الذى جعل أسعار الأسمنت خارج السيطرة, وكذلك الأمر فى مجال حديد التسليح, حيث تم ضرب الشركات العامة لحساب المحتكرين فى القطاع الخاص. وكل ذلك أدى إلى ارتفاع شديد فى تكاليف البناء (فى كل الأحوال لا يمكن الاستغناء عن مواد البناء التقليدية تماما).
- تشجيع ودعم الجمعيات التعاونية للإسكان.
- أن تتوقف الحكومة عن دعم أى شكل من أشكال النشاط العقارى الترفى والكمالى, وعلى الأغنياء أن يتحملوا التكاليف الفعلية لهذه الوحدات.
- لن يتم جذب السكان إلى المجتمعات العمرانية الجديدة خارج الوادى والدلتا, بدون توفير العمل المناسب فى هذه المجتمعات, وأيضا كافة أنواع الخدمات الضرورية, بل حتى الخدمات الترفيهية والثقافية (حدائق - مسارح - دور سينما - دور ثقافة - مكتبات - ملاهى للأطفال.. إلخ), وبدون كل هذه الاشتراطات فإن هذا المجتمعات الجديدة تكون طاردة للسكان كما هو الحال فى كثير من التجارب الحالية (من التطورات السلبية الأخيرة أنه وفقا لتراخيص البناء المقرة فإن الأعوام الثلاثة القادمة 2011- 2013 ستشهد بناء 150 ألف عقار فى القاهرة الكبرى, وهذه كارثة بكل المقاييس من زاوية مواصلة التكدس العمرانى فى القاهرة).
- وتضافر العمل على كافة هذه المحاور يمكن أن يؤدى إلى تقليص الفجوة الإسكانية بالتدريج. ولكن مرة أخرى فإن المسكن ليس مجرد مكانا للإيواء, فلابد أن تكون اشتراطاته آدمية بالحد الأدنى, من حيث الاتساع الذى يسمح بوجود أسرة لها عدد من الأطفال. وأن يكون صحيا, وأن يراعى الخصوصية (لا يجرح السكان بعضهم البعض)، وأن يكون جماليا سواء على مستوى الوحدة الواحدة أم على مستوى التخطيط العمرانى ككل. وأن يراعى البيئة, فالسكن فى الأماكن الحارة لابد أن يراعى حسن التهوية وممرات الهواء وارتفاع الأسقف. أما بناء علب الكبريت الحالية فيؤدى إلى مشكلتين:
1- هروب السكان معظم الوقت خارج بيوتهم.
2- عند القادرين يتم استخدام أجهزة التكييف, وهى تكلف المجتمع استهلاكا للطاقة بدأ يدخل فى نطاق المليارات سنويا بالإضافة إلى أن الحياة فى التكييف غير صحية.
ولا يتصور أحد أنه لابد من تأجيل هذه الرؤية حول المسكن لأننا نريد أن نضع الناس سريعا فى أماكن مغلقة!! وبعد ذلك نفكر فى التحسين, فهذا غير ممكن فبمجرد بناء المسكن بصورة معينة فلا يمكن تعديله, أو يتم تعديله بتكلفة عالية. ولا يوجد تعارض بين البناء السريع, وحسن وجمال وصحية هذا البناء, ولتتضافر الجهود لتحقيق الهدفين معا قدر الإمكان, مع ملاحظة أن تحسين اشتراطات المسكن لا يعنى بالضرورة زيادة التكلفة أو التأخير فى البناء, إذا أخذنا برؤية علمائنا الأجلاء فى مجال فن العمارة الإسلامية (المقصود بالإسلامية هنا مراعاة الأخلاقيات الإسلامية كالخصوصية, ومراعاة ظروف البيئة المحيطة ومراعاة اللمسات الفنية والجمالية لتراثنا المعمارى).
- وضع قيود على ملكية الأجانب للعقارات: فقد زاد من أزمة العقارات توجه الحكومة مؤخرا لبيع الأراضى والعقارات للأجانب, الأمر الذى ساهم فى ارتفاعات فلكية فى الأسعار. ولنضرب مثلا من ماليزيا وهى بلد منفتح اقتصاديا على العالم ولكن لا تباع فيها الأرض والعقارات إلا للمواطنين, ويسمح للأجنبى بشراء وحدة عقارية فى حدود 68 ألف دولار بشرط أن يكون ذلك للاستعمال الشخصى, لا للاستثمار. كذلك فإن كل مستثمر يبنى عقارا جديدا فعليه أن يخصص 30% من الوحدات على الأقل للمواطنين (د. محمد السيد سليم).
- سياسة المزادات: لجأت وزارة الإسكان لسياسة جديدة أشعلت أسعار العقارات, بانتهاج أسلوب المزادات على أراضى البناء, وهى سياسة لا تؤدى فى النهاية إلا لمزيد من توجه الاستثمار للعقار الفاخر للأغنياء حتى يمكن تحقيق أرباح كبيرة مع استعواض ثمن الأرض. وقد أدت هذه السياسات مجتمعة إلى ارتفاع أسعار العقارات فى مصر حتى بالمقارنة بالأسعار العالمية حتى أن سعر الأراضى فى بعض المناطق فى مصر أصبح يفوق أسعار الأراضى فى الريفييرا الفرنسية كما أكد أحد المتخصصين بالشئون العقارية.
إصلاح نظام التمويل العقارى:
يقوم هذا النظام حاليا على قيام شركة التعمير والتمويل العقارى (قطاع عام) بدفع ثمن الشقة التى يريدها المواطن ثم يقوم هو بسداد ثمنها بالتقسيط للشركة, ولكن هذا القرض يسدد بفائدة مرتفعة تصل إلى 16%, وهى فائدة مركبة وليست بسيطة, لذلك يصل سعر العقار فى النهاية إلى ضعف أو ثلاثة أمثال سعرها الأصلى, وهو الأمر الذى يفوق إمكانيات معظم الشباب (مجدى إبراهيم - الرئيس السابق لشركة التعمير للتمويل العقارى - جريدة الدستور - 11 ديسمبر 2010).
التعليم:
التعليم هو حجر الزاوية فى أى تنمية, وأى حضارة, ورقى التعليم والاهتمام به هو المدخل الأول للبحث العلمى, وهو العلامة الأولى على تحضر أو انحطاط الأمم, لذلك فإن من أبرز علامات الانحطاط الحضارى فى مصر على مدار العقود الماضية, هو انهيار التعليم الذى يجمع بين انخفاض مستواه والفوضى التى عمت نظمه ومناهجه.
وأول خطوة هى مجانية التعليم, فنحن إزاء تعليم وتثقيف أمة, والعلم يجب أن يكون للجميع وليس امتيازا لفئة مخصوصة. والتعليم المجانى كان قاعدة مستقرة فى تجربة الحضارة الإسلامية منذ صدرها الأول, والتعليم المجانى أصبح قاعدة مستقرة لدى كافة الأمم المتحضرة شرقا وغربا, وليس له علاقة بالاشتراكية كما يتصور البعض, وكان موجودا قبل ثورة يوليو فى مصر عبر مراحل تاريخها المختلفة, أو مقابل رسوم رمزية. وهناك اتفاق بين مختلف الأمم الآن على مجانية التعليم, على الأقل حتى المرحلة ما قبل الجامعية, ولكن بلادا كثيرة من التى سبقتنا جعلت التعليم الجامعى مجانا أيضا أو برسوم محدودة. والقاعدة هى عدم منع من لديه قدرة على الاستزادة من العلم بسبب أوضاعه الاقتصادية. وينص دستورنا على مجانية التعليم, ولكن ذلك - ككثير من النصوص الجيدة فى الدستور - أضحى حبرا على ورق. فالتعليم الحكومى لم يعد يؤمن الكتب الدراسية, كما يلجأ طالب العلم للدروس الخصوصية, ومجموعات التقوية داخل المدارس, مما يؤدى إلى تكلفة الأسر بالمليارات سنويا. كما تحايلت الحكومة على الدستور بالتوسع فى المدارس العامة التجريبية وهى بمصروفات متزايدة, وأيضا من خلال التوسع فى المدارس الخاصة والأجنبية.
أما على المستوى الجامعى فقد تم إبداع نظم تعليمية لا وجود لها فى العالم إذ تجمع الجامعات الحكومية بين ثلاثة أنواع من النظم:
1- التعليم العام الذى يعانى فيه الطالب من تكاليف الكتب الدراسية والدروس الخصوصية والأدوات والمواد التعليمية.
2- تعليم مواز باللغات الأجنبية وبمصروفات عالية.
3- التعليم المفتوح وهو أيضا بمصروفات مرتفعة ولا تنطبق عليه الشروط المفروضة على التعليم العام من زاوية مجموع الثانوية العامة. وهو تعليم لا يستلزم الحضور. وقد توسع القبول فى التعليم المفتوح والخاص حتى بلغ فى آخر عام دراسى (2010-2011) 60% من إجمالى عدد الملتحقين الجدد بالجامعات. أى أن التعليم "المجانى" أصبح يمثل الأقلية (40%). علما بأن الداخلين للتعليم المفتوح داخل نفس الكليات, لم يحصلوا على نفس المجموعات العالية التى تطلب من الداخلين للتعليم العام, الأمر الذى يضرب أبسط قواعد العدالة.
أما الجامعات الخاصة والأجنبية فتصل المصروفات فيها إلى 100 ألف جنيه سنويا (الجامعة الأمريكية) بينما لا تقل فى الجامعات الخاصة الأخرى عن 20 ألف جنيه سنويا, وقد أصبح عددها أكبر من الجامعات الحكومية, فبينما توجد 17 جامعة حكومية بلغ عدد الجامعات الخاصة 23 جامعة بالإضافة إلى 135 معهدا عاليا خاصا. كما ترتفع مصروفات التعليم باللغات الأجنبية داخل جامعات الحكومة (وبالمخالفة للدستور) إلى 17 ألف جنيه لتعلم مواد الكلية باللغة الإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية. وهذا أمر لا وجود له فى العالم, وهذه من علامات فوضى التعليم فى بلادنا. والواقع أن التعليم فى الجامعات الأجنبية وبعض الجامعات الخاصة, وبالأقسام الأجنبية بالتعليم العام, أفضل مما يسمى التعليم العام المجانى, وهذا يتيح لهم فرصا أكبر فى الحصول على العمل بعد التخرج. وهكذا أصبحت المجانية أثرا بعد عين.
وتزعم الحكومة - كما تفعل فى موضوع الدعم - أنها لا تستطيع أن تغطى التكاليف الكبيرة والمتزايدة للتعليم, وكأنها لا تدرك أن الاستثمار فى البشر هو أهم استثمار لنهضة البلاد ورفعة الوطن, حتى بالمقاييس المادية الحسابية. ووفقا لموازنة 2010 فإن الحكومة تنفق 5% من إجمالى الناتج المحلى, بينما البلاد الجادة والناهضة لا تنفق أقل من 20% من الناتج المحلى على التعليم, وأصبح الوضع معكوسا لدينا فالحكومة المصرية تنفق20% على الأقل من الناتج المحلى على الأجهزة الأمنية والسيادية (83% من ميزانية التعليم تنفق على الرواتب) وقد أدى هذا الإهمال للتعليم إلى أن 18% من السكان يعانون من أوجه الحرمان الشديد من خدمات التعليم (تقرير التنمية البشرية الصادرة عن الأمم المتحدة 2010).
وجاءت ترتيب مصر فى المركز 110 فى مجال التحصيل العلمى فى تقرير صادر عن المنتدى الاقتصادى العالمى عام 2010 والذى شمل 134 دولة! (نصيب الفرد من إنفاق التعليم 16 دولار سنويا), كما أدى هذا الإهمال إلى استمرار الأمية عند نسبة 30%, بينما تقلصت فى قطر إلى ما دون 7%, والسعودية إلى ما دون 15%, ولبنان إلى ما دون 12% وسوريا إلى ما دون 20% وقد ساعد على ذلك استمرار ظاهرة التسرب من التعليم التى وصلت إلى قرابة 2 مليون تلميذ, بل أن 27% ممن بلغ سن 23 سنة لم يدخلوا التعليم أصلا أو دخلوا وتسربوا.
- ضرورة إعادة الاحترام للعمل اليدوى والتعليم الفنى بكل فروعه, والإنفاق لتطوير وتجهيز مدارس التعليم الفنى بالأدوات والأجهزة اللازمة, بعد أن أدى إهمال هذا القطاع إلى تحوله لمجرد جهة لتقديم شهادة متوسطة لا تسلح خريجيها بالمهارات المطلوبة فى تخصصهم وأصبحوا مصدرا أساسيا للبطالة.
- إنهاء الانقسام بين التعليم الدينى والتعليم المدنى, فلابد أن تكون مناهج التعليم موحدة فى إطار تعاليم الإسلام, وأن تكون المدارس جميعا مصانع لتخريج مواطنين مسلحين بالقيم السامية والتربية الوطنية والدينية السليمة, وهذا يعنى الاهتمام بالتربية الدينية المسيحية للتلاميذ المسيحيين. فلا يركز التعليم الأزهرى على مناهج دينية تقليدية بدون مواكبة لمشكلات العصر وفقا لاجتهادات العلماء الثقاة المعاصرين, بينما يتحول الدين والتربية الوطنية إلى مواد هامشية فى المدارس العامة, أحيانا لا تدخل فى المجموع, وأحيانا لا يهم فيها النجاح أو الرسوب! (كان حفظ 3 أجزاء من القرآن الكريم جزءا أساسيا من التعليم العام قبل الثورة!), والأمر لا يقتصر على مادة الدين بل يمتد إلى كافة العلوم ذات الأثر فى بناء الشخصية: اللغة العربية - التاريخ - الجغرافيا - الفلسفة - التربية الوطنية, وأن يتولى تطوير المناهج أرفع مستويات العلماء والمشهود لهم فى دينهم ووطنيتهم وأخلاقهم, ولا تقر المناهج كما يجرى الآن وفقا للمسابقات!! ولا وفقا لتدخل خبراء أجانب.
أما فيما يتعلق بالعلوم الطبيعية فلابد من الاستفادة من خبرة وإنتاج الدول التى سبقتنا فى هذه المجالات, حتى يكون الطلاب مواكبين لأحدث التطورات العلمية والتكنولوجية المعاصرة.
والاهتمام باللغة العربية وإعادة الاحترام لها مسألة مركزية, فاللغة هى الوعاء الثقافى للأمة, ولا تتقدم أمة بدون الاعتزاز بلغتها وبدون الحفاظ على نضارتها ومواكبتها لتطورات ومصطلحات العصر. واللغة هى خزانة لتاريخ الأمة وذاكرتها. فما بالنا ولغتنا هى لغة القرآن الكريم. ويدخل فى ذلك مسألة تعريب العلوم, فكل الأمم الناهضة قامت على أساس تطوير لغاتها لتستوعب العلوم الجديدة من لغات أخرى, فالتعليم فى روسيا بالروسى, وفى اليابان باليابانى, وفى الصين بالصينى, بما فى ذلك وعلى رأس ذلك العلوم الطبيعية. لأن البحث العلمى باللغة القومية يفتح آفاقا أكبر للعلم, لأن الباحث يستطيع أن يتعمق فى المجالات العلمية بسهولة أكبر بلغته التى خبرها وتربى عليها, وكذلك فإن إسقاط اللغة القومية من العلوم الطبيعية, يؤدى إلى ضمورها على حساب اللغة الأجنبية. والمدهش أن بعض البلاد العربية قطعت شوطا كبيرا فى ذلك كسوريا. وهذا ينقلنا إلى مسألة التعليم الأجنبى.
- مسألة التعليم الأجنبى بدعة جاءتنا مع الاستعمار الأوروبى, وبدأت بالمدارس التبشيرية, فكل أمة لها ثقافتها وحضارتها وشخصيتها الخاصة, والتعليم هو المؤسسة التى ترعى هذه الثقافة وتنميها فى كل مجتمع, وبالتالى فإن إقامة مؤسسات تعليمية أجنبية من الحضانة حتى التعليم العالى هو نوع من التبعية الثقافية, وشرخ فى عقل ووجدان الأمة, وخريجو هذا التعليم إما سيكونون مادة للتبعية, أو يتمزقون بين قيمهم الوطنية والولاء للأجنبى, وقد يؤدى بهم ذلك إلى الهجرة!, أو قلة يمكن استنقاذها واستعادتها للوطن بتأثير المد الدينى المتصاعد حاليا. ولكن ما حاجتنا لكل هذه المعاناة, كأن تعرض الإنسان لجراثيم وفيروسات ضارة وترى هل سيقاومها أم لا؟! هل سيعيش أم لا؟!
وعندما يسافر طالب أجنبى للدراسة فى روسيا أو الصين أو اليابان (أو غيرها من البلاد التى تحترم نفسها وثقافتها) للدراسة فى أى فرع من فروع العلوم فإنه يمضى العام الأول فى دراسة اللغة الروسية أو اليابانية أو الصينية, فهذه البلاد وغيرها لا تعرف التعليم بالإنجليزية حتى للأجانب! بل عند ظهور الآلات الكاتبة ثم الكمبيوتر حورت الصين فى حروفها الـ 500 لتتلائم مع هذه الأجهزة الجديدة ولم تصنعها باللغة الإنجليزية.
إذن كل دولة لها مناهجها الخاصة بلغاتها الخاصة وإذا لم تحترمها فكأنها أخذت قرارا بالانتحار أو التلاشى. أما فى بلادنا فقد أصاب الهوس القوم, فلم نعد نكتف بالجامعة الأمريكية بل أصبح هناك ألمانية وروسية وكندية.. إلخ, بل كما ذكرنا أنشأنا أقساما فى كليات الجامعات الحكومية باللغات الأجنبية, ولا شك أن الجامعات الخاصة توسعت فى ذلك أيضا. وهذا أمر لا مثيل له فى أى أمة جادة تريد أن توظف التعليم فى بناء نهضتها الوطنية الخاصة, بل رأينا كيف سعى محمد على منذ 200 عاما لتعريب العلوم (راجع رسائل التاريخ لكاتب هذه السطور).
وهذا الانهيار الحضارى تقوده الحكومة تحت شعار الانفتاح على العالم. وهذه كلمة حق يراد بها باطل. فالانفتاح على الثقافات الأخرى والتقدم العلمى لدى الأمم الأخرى له أصول. وتتخصص فى ذلك النخبة المثقفة والمؤهلة, والتى تقوم بمشروع ترجمة واع يميز الخبيث من الطيب, ويأخذ ما يهمنا ويفيدنا وتستبعد غير ذلك, وهذا أساسا فى العلوم الإنسانية والاجتماعية, بل حتى فى العلوم الطبيعية ليس دورنا أن نكون مجرد ناقلين, فسننقل وفقا لأولويات اهتماماتنا, وقد نختلف مع أشياء أو نظريات, ونبدع طرائق أخرى, وقد نضع مسائل ثالثة للبحث والاختبار. وكمثال توضيحى نشير إلى الطب فى الغرب وكيف أنه يختلف عن علوم الطب فى مجالات محددة فى الصين أو روسيا. فحتى فى مجال العلم هناك نظريات مختلفة وقد تميل لهذه أو تلك. وليس معنى ذلك أن ننشىء كلية طب وفقا للمنهج الغربى وأخرى وفقا للمنهج الشرقى, إننا لن نفعل بذلك إلا خلق حالة من الفوضى. إن العلماء والمتخصصين فى كل مجال على حدة هم الذين يقومون بعملية الغربلة هذه, وينتقون منها ما يدخلوه فى المناهج العامة.
أما التلميذ أو الطالب الذى هو فى طور الإعداد والتنشئة فليس هو المطالب بالقيام بذلك. والانفتاح على العالم لا يعنى أن يذهب الطفل المصرى للحضانة فيتعلم اللغة الإنجليزية والحديث بها, ويصبح جاهلا بلغته الوطنية, هذا ليس انفتاحا, هذا تسليم لأطفالنا للثقافة الأجنبية.
إن حضانتنا هى الكُتاب الذى يحفظ ويعلم القرآن الكريم، وزعماء أمتنا كانوا دوما من خريجى هذه الكتاتيب، وهم فى مراحل متقدمة يمكن أن يتعلموا لغات أجنبية، ويمكن أن يدرسوا فى الخارج، بعد أن تكون قد تكونت شخصيتهم الوطنية وليس قبل ذلك. كذلك فإن تعلم اللغات الأجنبية ليس فريضة على كل مصرى ومصرية ولا على كل مسلم ومسلمة، وليكن الإلمام باللغات الأجنبية ليس قبل المرحلة الثانوية. وبعد ذلك تكون هناك كليات خاصة باللغات كالألسن والآداب أو معاهد خاصة لتعليم اللغات فى مراحل متقدمة نسبيا من العمر لمن يرغب، ولمن يتطلب عمله ذلك. أما إتقان الـ 80 مليون مصرى للغات الأجنبية فليس هدفا عقلانيا، ولا أحد فى الدنيا يقول بذلك إلا فى بلاد التبعية. وكم اختلطنا بشعوب وجدناها لا يعرف معظمها لغات أخرى، ولم تُصب بالتخلف، أو الغباء، بل حققت نجاحا باهرا أكثر من أمثالنا الذين ظنوا أن التقدم هو تعلم اللغة الإنجليزية أو الفرنسية، دون أن نسهم بشىء فى تقدم البشرية! إذن هذا الانقسام بين التعليم العام والدينى والأجنبى، يؤدى إلى تخريج مواطنين مختلفين عن بعضهم البعض، ولا يتحدثون نفس اللغة ولا يسلكون نفس السلوك ولا ذات القيم وكأننا أمتان فى أمة واحدة! أو إن شئت ثلاث أمم فى أمة واحدة!
فى البلاد التى سبقتنا قام تطوير التعليم على أساس مجلس أعلى للتعليم، أعلى حتى من وزير التعليم، يضع سياسات عامة موحدة للتعليم وعلى رأس ذلك المناهج، وتصبح سياسة ملزمة لجميع قطاعات التعليم العامة والخاصة. ولا يوجد شىء اسمه التعليم الأجنبى إلا فى إطار مدارس لأبناء الدبلوماسيين والأجانب المقيمين، وهى مدارس تنشئها الدول الأجنبية لرعاياها ولا علاقة لها بالنظام التعليمى للدولة المقيمين فيها، ولا يلتحق بها إلا أبناء الدبلوماسيين الأجانب أو أبناء الجاليات الأجنبية، فهى امتداد للتعليم الوطنى فى الوطن الأم.
وإذا كانت الاستفادة مما أبدعه غيرنا مسألة لا حرج فيها، فإن هذه الاستفادة الجادة تتطلب ارتباطا واعيا وعميقا بأصول حضارتنا، لا أن ننقطع عن هذه الجذور كما فعل المتفرنجون منا فضاعت هويتهم، وضمرت قدرتهم على الإبداع المستقل. إن الثقة بالنفس والاعتزاز بما أنجزنا فى تاريخنا هو أساس التعامل مع الآخرين بندية وروح نقدية وليس اتباعية (عادل حسين - الإسلام دين والحضارة - ص 41، 42), ولتتذكر حقيقة مهمة أن الغرب عندما درس واستوعب تقدم الحضارة الإسلامية، أخذ منها العلوم الطبيعية، والعديد من نظم وقواعد الإدارة، وتنظيم المجتمع, ولكنه لفظ عقيدة التوحيد والرؤية العامة للقرآن الكريم فى جوانب العقيدة والأخلاق والقيم، كما استوعب بعض التشريعات وقواعد النظام السياسى، ورفض البعض الآخر.
وإذا عدنا لمسألة مجانية التعليم نؤكد أن التعليم الأساسى يجب أن يكون إلزاميا مجانيا لجميع الأطفال والفتيان، أما فيما يتعلق بالتعليم الجامعى فالأساس هو عدم غلق الجامعة فى وجه المؤهلين لتحصيل العلم فيها, ولا يصدهم عن ذلك عجز قدراتهم المالية. ومن الأمور المعروفة فى هذا المجال أن الجامعات فى بلاد عديدة تجرى اختبارا خاصا لقدرات المتقدم لها فى أى كلية من الكليات ولا تكتفى بمجرد المجموع. ويجب أن يكون واضحا أنه ليس بالضرورة أن يلتحق كل خريجى المدارس بالجامعات بنسبة 100%، ولابد من الخلاص من العقدة الوهمية بأن الشهادة الجامعية هى المصدر الأساسى للاحترام الاجتماعى، حتى أصبحت الشهادة الجامعية مجرد مظهر للوجاهة وليس تعبيرا عن مستوى علمى محدد. وقد نتج ذلك عن حالة الاحتقار غير المبرر وغير الحضارى للعمل اليدوى، والتعليم الفنى. فالناس تتفاوت فى قدراتها وميولها وذكائها، وهناك من يتحلى بالذكاء العملى أكثر من النظرى وبالعكس، والأفضل لمن تكون ميوله للعمل اليدوى أن يتجه بعد التعليم الأساسى (الإعدادى أو الثانوى) إلى التعليم الفنى, شريطة أن يؤهله ليكون فنيا ماهرا، وأن يكون مرتبه مجزيا كما هو الحال فى البلاد الناهضة.
ومن ناحية أخرى لا يوجد لدينا أى تحفظ على إنشاء جامعات خاصة وطنية، شريطة أن تلتزم بالسياسات العليا الموحدة للتعليم، وألا يكون استهداف الربح هو مقصدها الأول، وألا تغالى فى المصروفات، ولا يكون دفع المصروفات المرتفعة وسيلة لالتحاق غير المؤهلين، ثم وسيلة للحصول على شهادة لا تعكس مصداقية علمية حقيقية. وكل ذلك يكون تحت الإشراف العام لوزارة التعليم العالى.
ولكن فى المقابل لابد أن تواصل الدولة الاهتمام بتطوير وزيادة عدد الجامعات الحكومية بالقدر اللازم لاستيعاب كل المؤهلين والراغبين فى التعليم العام المجانى وأن يكون فى كل محافظة جامعة واحدة متكاملة على الأقل. ولا يوجد ما يمنع إنشاء مدارس خاصة وطنية، تحت الإشراف الصادق والصارم لوزارة التربية والتعليم بنفس القواعد العامة السابقة ولكن دون أن تتخلى الحكومة عن دورها الأساسى فى هذه المرحلة.
لابد من إعادة إحياء الأزهر كجامعة أولى للعلوم الإسلامية فى العالم، بعد التدهور الشديد الذى أصابه فى هذا الصدد، ولابد من مواكبة مناهجه لحركة التجديد الفقهى المعاصرة، ولابد لتحقيق ذلك من إصلاح مؤسسى يؤكد استقلاله. وعلى رأس ذلك أن يكون شيخ الأزهر منتخبا من هيئة كبار العلماء، لا معينا من رئيس الجمهورية.
- لا يمكن الحديث عن أى نهضة تعليمية بدون العناية بالمدرس الذى هو عماد العملية التعليمية والتربوية. وذلك بالاهتمام بكليات التربية, وبإعداد المعلم عبر دورات تدريبية وتثقيفية مكثفة, وليس عبر مشروع الكادر المهين حاليا الذى يعرض المدرس لاختبارات فيها نجاح ورسوب!، والارتفاع بمرتب المعلم إلى حد كاف لا يلجئه للدروس الخصوصية. وزيادة الإنفاق العام على التعليم يتضمن سد هذه الثغرة. وإلغاء ما يسمى فصول التقوية فى المدارس لأن الحصة الدراسية يجب أن يكون فيها الكفاية. وبعد القيام بإصلاح وضع المعلم، يجب تحريم مسألة الدروس الخصوصية ومراكز التقوية الخاصة التى أفسدت العلاقة بين التلميذ وأستاذه، وبين التلميذ ومدرسته، وأن تحرم بشكل خاص الدروس الخصوصية بين التلميذ ومدرسه المباشر فى المدرسة.
وما ينطبق على المدرس ينطبق على أستاذ الجامعة الذى أدى تدنى مرتبه، إلى لجوئه للدروس الخصوصية، والمغالاة فى أسعار الكتب والمذكرات، أو سفر أفضل الأساتذة للخارج، أو الدخول فى مشروعات بحثية مع جهات أجنبية خاصة فى الكليات النظرية، لا تراعى أولويات اهتمامنا الثقافى والتعليمى.
ولابد من إعادة إحياء الأنشطة المدرسية المتنوعة التى كانت تحبب التلميذ فى مدرسته، كالاهتمام بحصص الرياضة ووجود ملاعب تسمح بذلك، أو الانتقال لملاعب قريبة، وكذلك أنشطة الكشافة، والرحلات، والهوايات المختلفة، كالمسرح وحصة الاطلاع فى المكتبة، وحصة التدبير المنزلى، وحصة أعمال البساتين وتنسيق الزهور، والموسيقى والذهاب لمسجد المدرسة فى حصة الدين. وتوثيق صلة المدرسة بأولياء الأمور والتنسيق فى متابعة التلاميذ وما قد يواجهونه من مشكلات. والاهتمام بإقامة مسابقات رياضية، ودورى بين الفصول فى المدرسة، ثم بين المدارس فى مختلف أنواع الرياضيات. وأن المدرسة الحقيقية هى التى تجرى فيها كل أو معظم هذه الأنشطة، ولابد أن تكون بها المساحات التى تسمح بذلك، وهذا سيكون ممكنا بتوسع أكبر من خلال ما أشرنا إليه من خطة التوسع العمرانى خارج الدلتا والوادى. إن الأمور مرتبطة ببعضها البعض، وإن النهضة الشاملة - التى تحل كل المعضلات الصغرى والكبرى - يجب أن تكون مترابطة الأركان، وإلا سيبدو كل هدف وكأنه خيالى أو بعيد المنال.
الكتاتيب:
الكتاتيب ومجالس تحفيظ القرآن فى الريف والمدن هى الحجر الأساسى للتعليم فى بلادنا، فالقرآن هو دستور هذه الأمة، والسن الملائم لحفظ القرآن هو السن الصغير (التعليم فى الصغر نقش على الحجر). والقرآن يرسخ فى الأطفال والصبية المعانى السامية، ويربطهم بمحور ثقافة الأمة، ويرسخ لديهم امتلاك اللغة العربية فى أسمى صياغاتها. وقد كان قادة السياسة وكبار الكتاب قبل الثورة بلغاء وفصحاء لأنهم من خريجى الكتاتيب. ويبدأ تحفيظ الأطفال فى فترة الحضانة، ويمكن أن يستمر فى المدرسة الابتدائية، مع استمرار عمل الكتاتيب فى العطلات الصيفية. وحفظ القرآن أو أجزاء واسعة منه هو الأساس الذى ينطلق منه المتعلم بعد ذلك للتخصص فى الفروع المختلفة من العلم، فقد كان كبار العلماء فى مختلف التخصصات النظرية والعلمية فى حضارتنا الإسلامية قد بدأوا حياتهم بحفظ القرآن ودراسة تفسيره.
كثيرا ما يردد المثقفون فى مقالاتهم عن التعليم،أن التعليم يجب أن يتجاوز أسلوب التلقين والحفظ إلى مستوى استخدام العقل والتفكير، وهذا الحديث يخلط بين مراحل التعليم المختلفة. ففى المراحل الأساسية يكون التلقين والحفظ هو الغالب، فعقل الطفل الفارغ من المعلومات كيف نطلب منه الإبداع والتفكير؟! لابد من تخزين كم كبير من المعلومات الصحيحة فى ذاكرة المخ، حتى يستطيع أن يعمل بعد ذلك، فالكمبيوتر لا يعمل إذا كانت ذاكرته (الهارد ديسك) خالية. والتفكير بدون حد أدنى من المعلومات المخزنة، يصبح طحنا للهواء، ومدعاة للسطحية والتفاهة. وهذا يخص القرآن الكريم كأفضل ما يمكن تخزينه فى عقل الطفل، وأيضا كافة المعلومات الأساسية عن الحياة. والطفل يمر بمرحلة التلقى والتلقين والحفظ، ومع مرور سنين التعليم تزداد مرحلة التجريب والتفكير والإبداع وإعمال العقل فى الاستنتاج والتركيب المنطقى للأشياء.
سألت مرة أحد التلاميذ الذين يدرسون بإحدى المدارس الفرنسية فى القاهرة عن منهج التعليم لديهم، فقال لى أنه المنهج المصرى المقرر من وزارة التعليم بالإضافة لمنهج التعليم الفرنسى فى المراحل المماثلة. ومعنى ذلك أن التلميذ فى المدارس الأجنبية يدرس ضعف ما يدرسه التلميذ فى المدرسة الحكومية، وهذا يوضح أن عقل الصبية قادر على استيعاب كم هائل من المعلومات أكثر مما تعطيه مدارسنا، هذا من حيث الكم, أما من حيث النوع فإنهم يدرسون نصوصا كاملة لأبرز كتاب وأدباء فرنسا بينما فى مناهجنا الحكومية فلا يوجد إلا نص أدبى مصرى واحد فى كل عام دراسى. وهل يملك التلميذ الذى يدرس هذا الكم الهائل من المواد إلا التحصيل والحفظ وتلقى التلقين.
- من الأمور التى يجب أن تتوقف إسناد تطوير المناهج الدراسية للأجانب، فقد بلغ من سفاهة الحكم أن أسند مهمة تطوير المناهج لعناصر أمريكية ويهودية، وهذا معناه أن التبعية قد وصلت إلى النخاع, بل إلى المخ، فكيف نسلم مناهجنا لأعداء الأمة بمناهجهم المعادية للعروبة والإسلام وأبسط مفاهيم الوطنية التى لا يعرفها إلا أهل البلد، وأن يقوم هؤلاء الأجانب بصياغة عقول الأمة من خلال أجيالها الصاعدة. فهذه العملية أشبه بتسليم القلعة من الداخل. وهناك وثائق عن تدخل إسرائيل مباشرة فى هذه العملية من خلال وثيقة وقع عليها حسن التهامى الوزير برئاسة الجمهورية ومستشار بيجن رئيس وزراء إسرائيل لشئون الدين الإسلامى تضمنت ضرورة حذف آيات الجهاد وهو الأمر الذى تم تطبيقه, بينما لم توجد أى إشارات لتعديل المناهج الدراسية فى إسرائيل! وتم إلغاء كل ما يشير للصراع العربى - الإسرائيلى، وفلسطين واستبدالها بلفظ (مشكلة الشرق الأوسط!) وزاد التركيز فى مناهج التاريخ على التاريخ المصرى والفرعونى دون العربى والإسلامى والقبطى. وتم إنشاء مركز لتطوير المناهج يعمل به 21 خبيرا أمريكيا ويتقاضى كل منهم 10 آلاف دولار شهريا، وتطوير المناهج يشمل التربية دينية! بالإضافة للتطبيع الأكاديمى بين الجامعات المصرية والإسرائيلية.

وهناك دراسات عديدة فى الأسواق لكتاب مصريين فى مجال التعليم تشرح تفاصيل هذه الكارثة. إن مناهج التعليم يجب أن تستند لهويتنا الوطنية والدينية, ولا دخل للأجانب فى هذا الموضوع من قريب أو بعيد.

مجدى أحمد حسين
 

أضف تعليق


عدد الحروف المسموح بها 1000 والمتبقي منها
ادخل الكود التالي
CAPTCHA Image
صورة اخرى
الموقع غير مسئول قانونا عن التعليقات المنشورة