(23) المرأة.. الأسرة
الأربعاء, 02 مارس 2011 - 12:00 am

magdyahmedhussein@gmail.com

كان لحزب العمل رؤية متميزة بين سائر الفرق الإسلامية فى عدة قضايا, ومن بينها قضية المرأة والأسرة, ونحسب أن رؤيتنا أصبحت الآن أكثر انتشارا بين الإسلاميين. وموقفنا كان ولا يزال مع التوسط بين تطرفين: الرؤية الغربية لدور المرأة الذى يدعو "لتحريرها", بمعنى إلغاء أى خصوصية لها بالحديث عن المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة, وإلغاء أى قيود على اختلاط المرأة والرجل والتركيز على خروجها من البيت للعمل كأساس للتقدم والحضارة والتنمية. أما التطرف الآخر فهو إنكار أى دور للمرأة فى الحياة العامة وفى العمل من أى نوع, وقصر دورها على تربية النشء ورعاية الأسرة فى البيت.

ونحن نرى أن الرؤية الإسلامية الصحيحة المستقاة من تدبر القرآن والسنة والسيرة النبوية الشريفة، هى الوسط بين هذين التطرفين.
- فالإسلام يفرض على المرأة أن تكون إيجابية فى كل ما يتعلق بدينها وأمتها: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ). هذه الآية الكريمة حاسمة فى إلزام المرأة بما نسميه الآن العمل العام، فالمرأة شريكة الرجل فى الدعوة الإسلامية وفى بناء المجتمع المسلم وإصلاحه وتطويره، وبالتالى فإن مشاركتها ضرورية فى الأحزاب السياسية والنقابات ومختلف هيئات النشاط الاجتماعى وفى الدعوة الفردية والجماعية, وأن هذا جزء لا يتجزأ من العقيدة الإسلامية. 
كما أن مشاركتها واجبة فى مختلف أشكال الجهاد بالمال واللسان والنفس. وقدمت لنا السيرة النبوية تطبيقات حية لهذا المبدأ. فالمرأة كانت شريكة فى الدعوة وهى محفوفة بأشد المخاطر، ورأينا كيف سبقت فاطمة بنت الخطاب أخاها عمر بن الخطاب فى الإسلام، ودورها فى إدخاله الإسلام، وكيف كانت النساء تحضرن اجتماعات الدعوة السرية فى دار الأرقم، ورأينا كيف أدى ذلك لتعرضها للإيذاء والاضطهاد والتعذيب، حتى كان الشهيد الأول فى الإسلام امرأة (سمية) حيث استشهدت تحت التعذيب، حين رفضت النطق بكلمة الكفر حتى قتلها أبو جهل. كما تعرضت غيرها من النساء الأرقاء للتعذيب، ولكن النساء من الطبقات الاجتماعية الأعلى لم يسلمن من أشكال أخرى من الاضطهاد والتضييق دون أن يحول ذلك دون التزامهن العقائدى.
وشاركت المرأة فى الهجرات المتوالية للحبشة والمدينة رغم ما فى ذلك من مخاطر، (راجع الفصل الخاص بالمرأة فى كتاب سنن التغيير فى السيرة النبوية) ورأينا كيف جاهدت السيدة خديجة بمالها، ومساندة الدعوة، إلى حد تحويل بيتها إلى مقر حزبى (بتعبيرات العصر)، وخلال الهجرة للمدينة تعرضت النساء للإيذاء البدنى كما حدث لإحدى بنات الرسول، أو المنع من الهجرة والتفريق بين المرأة وزوجها، وتحول بعضهن إلى سجينات فى بيوت أسرهن.
وفى مرحلة المدينة رأينا مشاركة المرأة فى الصلاة بالمسجد وطلبهن عقد لقاءات خاصة بهن مع رسول الله الذى استجاب لذلك. ورأينا مشاركتهن فى الجهاد المسلح بعدة طرق ووسائل, على رأسها القيام بدور الدعم اللوجستى (كما نسميه الآن) بالقيام بدور سقاية وتمريض المجاهدين فى ميدان المعركة، وأن المرأة كانت تساهم فى القتال المباشر عند الضرورة كما فعلت أم عمار (نسيبة بنت كعب) دفاعا عن رسول الله فى غزوة أحد. وكما قامت السيدة صفية عمة رسول الله بقتل أحد اليهود الذى كان يحوم حول منزلها خلال غزوة الخندق.
وهناك قاعدة توجب على المرأة القتال المباشر إذا دخل الأعداء أرض الإسلام، أى عندما يكون الأعداء فى وسط التجمعات السكانية، وهنا على المرأة أن تقاتل دفاعا عن دينها ونفسها ولا تستسلم للأعداء. أما فى ميدان القتال المباشر فالمرأة ليست مكلفة بذلك, وهذه إحدى تمايزات وخصوصيات المرأة عن الرجل كما سيأتى الحديث.
والمرأة تمارس دورها الدعوى مع أسرتها وفى تجمعات النساء، أما القياديات منهن فيشاركن فى الدعوة العامة مع الرجال، من خلال المشاركة فى المجالس النيابية والمحلية وتولى المسئوليات التنفيذية والمسئوليات فى الهيئات والأحزاب السياسية.
وللمرأة دور مزدوج فى محيط الأسرة، فهى ترعى شئونها الخاصة من زاوية الأعمال المنزلية المتنوعة ورعاية وتربية الأطفال، ولكنها فى نفس الوقت تقوم بدور الداعية مع أولادها ومع زوجها ومع أفراد الأسرة بمعناها الأوسع. وبالتالى فإن المرأة فى البيت خاصة مع أولادها تلعب دور المعلم والداعية، وتخرج جيلا صالحا للمجتمع متشبعا بالقيم الدينية والوطنية. وهذا هو الشق العام فى دورها الأسرى. ولا يستهين أحد بذلك حتى يقول أنه دور مع 3 أو 4 أو 5 أبناء فحسب، فقد أثبتت تجارب الحياة السياسية أن التنظيمات خاصة فى مراحل التضييق عليها، تؤسس مجموعات صغيرة من 3 أو 4 أو 5 أفراد. أما فى حالة تحويل المرأة لبيتها إلى خلية عقائدية فإن ذلك إذا حدث فى أغلب البيوت فمعنى ذلك أننا نؤسس لمدرسة كادر (أيضا بتعبيرات العصر) للأمة بأسرها! وأمة هذا حالها لن تهزم أمام أى طغيان خارجى أو داخلى. فأى طاغية مهما بلغ من استبداده فكيف سيصدر أمرا بمنع اجتماع الأسرة مع بعضها البعض داخل بيتها؟! وإذا أصدره كيف يمكن تنفيذه؟! وهذا هو المعنى الجميل والعميق للآية الكريمة: (وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً) (يونس: 87).
وفى هذا السياق نتذكر بيت الشعر المعروف لأنه يعبر أدق التعبير عما نقصده:
الأم مدرسة إذا أعددتها
أعددت شعبا طيب الأعراق
لذلك ذكرت فى كتاب (سنن التغيير فى السيرة النبوية) أن أحد قوانين التغيير: مشاركة المرأة بصورة فاعلة فيه، فإذا شاركت المرأة بصورة واسعة فى حركة الإصلاح فإن هذا يعنى أن النصر قد اقترب، لأن معظم البيوت ستتحول إلى خلايا نابضة بالحياة، والمرأة هى الزوجة والابنة والأخت والأم. وقد رأينا أن نجاح حركات التحرر الوطنى من الاستعمار، والثورات الهادفة للإصلاح، قد ارتبط بالمشاركة الواسعة للمرأة، سواء فى الجزائر أو فلسطين أو لبنان أو السودان أو العراق أو إيران.
وفى ممارستنا الحديثة فى مصر نجد دور المرأة الكبير فى استخدام اختراع الإنترنت، فإذا كانت المرأة تعانى من القيود على حركتها لأسباب شرعية مقبولة، أو لأسباب غير شرعية كتسلط بعض الآباء وخوفهم على بناتهم بصورة مبالغ فيها، فإن المرأة المصرية استطاعت أن تقلب الدنيا رأسا على عقب وهى فى بيتها أو فى غرفتها الخاصة، من خلال الإنترنت. وقد لاحظت جهات الأمن أنه كان للفتيات دور مؤثر من خلال هذه الآلة الحديثة فى نشر ونجاح فكرة إضرابى 6 أبريل و 4 مايو 2008، ولذلك تعرض بعضهن للاعتقال ومختلف أنواع التهديدات الأمنية.
ولكننا نرفض فى المقابل فكرة كوتة (أو حصة) للمرأة فى الهيئة التشريعية أو غيرها، فهذا توجه خاطىء يتم تحت سياط الضغوط الغربية، والرؤية المتفرنجة لمجلس المرأة المصرى. والغرب يدرك تماما أن ضرب وتفتيت الأسرة وفقا للنموذج الإسلامى، هو الأسلوب الناجح فى ضرب استقلالنا الحضارى من الجذور. وأن الإلحاح المبالغ فيه على شعار "تمكين المرأة" وهو شعار استفزازى وغير موضوعى، بتحويل قضية المرأة إلى صراع مع الرجل، ثم التسلط والسيطرة عليه، إنما هو نوع من الشذوذ الفكرى والاجتماعى.
والأمر لا يقتصر على مسألة المجلس التشريعى، فهناك حالة من الهوس تطرح المسائل بشكل معكوس: لابد من قاضية امرأة، لابد من رئيسة جامعة امرأة، لابد من محافظ امرأة.. وهكذا. وهو أمر معكوس لأن الأساس أن تفرض المرأة القيادية نفسها على المجتمع, فيشعر بأهمية دورها ويصعدها إلى المكانة المناسبة، خاصة بعد أن توفر لها ومنذ عقود الحق فى التعليم والعمل. وليس بفرضها فرضا باعتبارها امرأة فهذا ابتذال للقضية، وإشغال المجتمع بقضية وهمية أو خاطئة، ويؤدى إلى خلل حقيقى فى البناء الهرمى للهيئات المختلفة، لأن الأساس فى الصعود الوظيفى هو للكفاءة، والكفاءة وحدها، لا الجنس أو الدين أو أى اعتبار آخر. (مسألة دور المرأة فى القضاء تحتاج لدراسة خاصة).
أما سياط الضغوط الغربية فهى تتجاوز ذلك، فهم يدعون إلى قيام المرأة بدور المؤذن وإمام الصلاة، وخطيب الجمعة، لتحويل الإسلام إلى دين مودرن (حديث) كما جعلوا المسيحية عندهم كذلك، فبدأت بعض الكنائس بتعيين قساوسة من النساء, وإن كان هذا الأمر لم يحظ بموافقة أغلب الكنائس! ومع ذلك فهم يريدون للمسلمين أن يسبقوهم فى هذا المضمار!! والآن فإن هناك استمارة (بالمعنى المعنوى) لابد أن تملأها بالإيجاب وإلا اعتبرت متخلفا ومعاديا للحضارة والتقدم ومعاديا للمرأة، وأول أسئلة هذه الاستمارة (هل توافق على تولى المرأة رئاسة الجمهورية؟!)، والطريف أنهم شغلوا الإخوان المسلمين بهذه القضية، وانقسم الإخوان داخليا بين الإجابة على هذا السؤال بنعم أم لا؟ رغم أن السائل والمسئول يعلمان أن هذه القضية غير مطروحة إطلاقا بصورة عملية. لأن الحاكم الحالى يقول أنه لا بديل له حتى الموت، وفى هذه الحالة (الموت) يرشح ابنه وهو ذكر!! والمعروف أن كبار الفقهاء يرفضون الأسئلة الافتراضية، ولا يصدرون فتوى إلا عندما تكون أمامهم قضية عملية. فإذا لم تكن هناك سيدة مصرية تقود الأمة فى مواقع المعارضة ومرشحة لتولى الحكم فى أى تغيير قادم، فما معنى طرح السؤال والانشقاق حول الإجابة عليه؟!
ونحن نصر على عدم الخوض فى هذا الموضوع الآن رغم وجود محددات فقهية فيه، حتى لا ننساق إلى هذا الهراء. فالمسألة تطرح الآن فى سياق الهوس حول تمكين المرأة، وهو سياق مرفوض من حيث المبدأ. لأننا نرفض تقسيم المجتمع إلى رجل وامرأة، لأن الانقسام الحقيقى هو بين الظالمين والمظلومين، بين المستكبرين والمستضعفين، بين المنافقين والمؤمنين، بين الفاسدين والصالحين، وأى تحويل لمجرى الصراع عن هذا المحور هو نوع من شغل الناس عن قضاياهم الحقيقية، وشق المجتمع على أساس الجنس (أو الجندر كما يقولون!)، وهو أمر لا يساهم إلا فى المزيد من تفتيت المجتمع. لأن التجربة الغربية - فى مجال المرأة وغيرها - كان لها سياقها التاريخى، ثم تحولت إلى نوع من الأيديولوجية التى لا تمت بصلة لأى دين. وإن استعارة الثمار الفاسدة لهذه الأيديولوجية لا يزيدنا إلا تدهورا وفسادا، دون أن يلحقنا بالغرب فى جوانبه الإيجابية (التقدم العلمى والتكنولوجى والانضباط الإدارى والالتزام الأكبر بفكرة سيادة القانون.. إلخ).
لقد سوى الإسلام بين المرأة والرجل فى الخلق والإنسانية والكرامة ومناط التكليف وملكاته والجزاء والحساب، ولكنه فرق بين المساواة فى الحقوق والواجبات وبين التماثل، فمن المؤكد أن التمايز الذى خلقه الله بين الذكورة والأنوثة يرتب تمايزا بالتبعية فى الوظائف الاجتماعية، وهذا ما أقره دين الفطرة (تقرير المؤتمر العام السابع لحزب العمل - ص 74).
فعلى عكس الشائع والمتأثر بالروايات الإسرائيلية، فإن المسئولية العقائدية متساوية بين آدم وحواء، ولم تكن حواء هى السبب فى إغواء آدم، بل إن الشيطان أغواهما معا، والمسئولية بينهما مشتركة: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِى الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (البقرة: 36), وأيضا: (يَا بَنِى آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ) (الأعراف: 27)، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: 3)، (أَنِّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى) (آل عمران: 195)، (وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ)(النساء: 124).
وبحكم هذه الآيات ومثلها فإن المرأة لها نفس الحقوق والواجبات التى للرجل, وإن حسابها الأخروى سيتم على نفس الأساس, أى بميزان واحد.
ولكن ذلك لا يتعارض مع مسألة التمايز فى الوظائف الاجتماعية بحكم اختلاف طبيعة الذكورة والأنوثة. والشذوذ فى الفكر الغربى أنه يحارب هذه الفكرة، وهو فى الحقيقة يحارب سنة من سنن الله فى خلقه، وهو لذلك يضرب رأسه فى الحائط لأنه يحارب قانونا من قوانين الطبيعة، ويدفع ثمن ذلك كما سنوضح تاليا. ففكر الغرب الذى بدأ يتبلور مع الثورة الصناعية فى مسألة إلغاء أى نوع من التمايز بين المرأة والرجل، وكان يستهدف فى البداية جذب المرأة إلى العمل فى المصانع التى كانت متعطشة للمزيد من القوة العاملة، خاصة الرخيصة. ومرت المرأة الغربية بمرحلة من أسوأ مراحل الاضطهاد، ثم تحولت الدعوة لتحرير المرأة إلى أبعد من ذلك، بحيث يأخذ الأمر صورة تقدمية، بإلغاء أى دور خاص ومميز للمرأة فى تكوين وبناء الأسرة، ثم تطور الأمر إلى موقف أكثر تطرفا وهو "تمكين المرأة".
والحقيقة فإن التمايز بين الرجل والمرأة ليس اختلافا محدودا فى التكوين الجسدى بلا أثر اجتماعى أو وظيفى, بل هو ينعكس فى دور متميز لكل منهما فى الحياة, وهما دوران متكاملان لا غنى لأحدهما عن الآخر، واختلاف تكوين المرأة عن الرجل جعل لها خصائص متميزة، تناسب دورها الحاسم فى الحفاظ على التكوين الأسرى, بل الحفاظ على نوع البشرية! فالمسألة لا تتوقف على الحمل والولادة والرضاع وتربية الأطفال، والعناية بتدبير تفاصيل حياة الأسرة، فهذه الوظائف ارتبطت بتركيب وجدانى مختلف أكثر عاطفية، وبدونه لا تستطيع القيام بهذا الدور على نحو أكفأ من الرجل. ويقول الغربيون - ومن يتبعهم - إن حديثنا عن عاطفة المرأة يحط من مكانتها، وهذا غير صحيح، لأن العاطفة والوجدان من ضرورات الحياة، بل إننا نعرف الله سبحانه وتعالى بالعقل والوجدان معا، والإيمان بالله بدون عاطفة ووجدان، إيمان بارد ومنقوص ومشكوك فيه!! وحب الوطن لا يستقيم بالحسابات العقلية وحدها، بل بعاطفة الانتماء لهذا الوطن، ومن لا يحب عمله لا يتقنه حقيقة، وهكذا فى كل المجالات، ولذلك فإن الرجل غير مجرد من العاطفة والوجدان, وإلا لتحول إلى كائن مشوه (بل كما كشفت الدراسات العلمية فإن الحيوانات لا تخلو من العاطفة، فالعاطفة جزء لا يتجزأ من غرائزها!) غاية ما هنالك أن المكون العاطفى للمرأة أكبر من الرجل بصورة عامة، مع خلافات فى الدرجة من حالة لأخرى لا تؤثر على القاعدة العامة. وأن هذه العاطفة الأنثوية تتحول إلى نوع من الغلاف الذى يحيط بالأسرة ويحميها، كما يحمى رحم الأم الطفل قبل الولادة ويرعاه ويغذيه. وصبر المرأة على طفلها أكبر بكثير من صبر الرجل، ولولا ذلك ما عاش الطفل أو ما عاش عيشة سوية على الأقل. ومن هنا كان تكريم القرآن والسنة لهذا الدور المميز للمرأة كتلك الآية: (وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ) ولكنه يخصص الأم بشكل خاص: (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِى عَامَيْنِ), ثم تعود الآية للوالدين: (أَنِ اشْكُرْ لِى وَلِوَالِدَيْكَ إِلَى الْمَصِيرُ) (لقمان: 14).
وهذا الدور لا يتوقف على الحمل والولادة والرضاع (سنتان و9 شهور) فالتربية المباشرة حتى سن البلوغ تأخذ حوالى من 14-16 عاما، بل تظل رعاية الأم متواصلة إلى نهاية العمر، ولكننا نركز بشكل خاص على المرحلة التى تصل إلى مستوى الضرورة الكبرى، فإذا تصورنا أن أما كان لها ثلاث أولاد فحسب فإن ذلك سيشغل سنوات طويلة من عمرها.
وهذا هو سبب اتجاه المرأة الغربية إلى تحديد النسل أو إلغاء النسل، أو إلغاء الزواج من أصله والاكتفاء بالعلاقات الحرة، لأنها تريد أن تستمتع بالحياة الدنيوية حتى الثمالة - كما تتصور - ولا تريد أن ترتبط بهذا العمل الشاق، والربطة مع العيال!
والرجل الغربى يشاركها فى هذه الرؤية من زاوية توفير التكاليف والوقت أيضا. فماذا كانت النتيجة؟! فى الولايات المتحدة - وهى أكثر محافظة من أوروبا! - ارتفعت أرقام الولادات غير الشرعية من 5% فقط عام 1960 إلى 32,6% عام 1994، وظلت تواجه صعودا فى كل الأعراق المكونة للنسيج الاجتماعى كل سنة تالية (أرقام وزارة الصحة الأمريكية فى تقرير لعام 1997). ومعدلات الزواج أيضا شهدت انخفاضا، فبعد أن كانت 148 امرأة فوق سن الزواج من كل ألف امرأة وصلت عام 1996 إلى 50 من كل ألف امرأة. ومع بداية القرن الحادى والعشرين بلغت أعداد الذين لم يتزوجوا قط ارتفاعا تاريخيا: ثلث الرجال وربع النساء فى عام 2000, وهذا العدد لا يشمل بطبيعة الحال الأعداد الهائلة للمطلقين. وبينما كانت العائلات تشكل 75% من السكان فى الستينيات من القرن العشرين، انخفضت العائلة التقليدية (المكونة من زوج وزوجة وأطفال) إلى 53% من السكان (يشمل هذا أن يكون الزوج هو ذكر آخر غير الأب الأصلى للأطفال، ويشمل وجود أسرة دون زواج قانونى!) بينما بلغت نسبة المنازل التى يعيش فيها شخص واحد بمفرده 31%، وبلغت نسبة الأسرة المكونة من والد واحد - الأب أو الأم - مع الأطفال 27% من السكان.
ثم انتقلت أمريكا والغرب معها إلى الأسرة الشاذة، التى يسمونها على سبيل التجمل مثلية، أى زواج بين رجلين أو امرأتين، مع أطفال متبنين، ولا توجد إحصاءات واضحة لذلك, ولكن المبدأ أصبح مستقرا وهناك مناطق موبوءة أكثر من غيرها بهذا النوع العلنى الجديد كمنطقة سان فرانسيسكو فى الولايات المتحدة.
ورغم أنه لا توجد أية قيود قانونية على ممارسة الجنس (عدا الاغتصاب) فإن استطلاعات الرأى أكدت أن 61% من الأمريكيين مارسوا الجنس فى الأماكن العامة, أى فى الشوارع, والمعروف أن كثيرا من الحيوانات تستتر أثناء ممارسة الجنس, (بالإضافة لاغتصاب 1,3 امرأة كل دقيقة), أى أننا أمام حالة من انحلال الأسرة أدت إلى حالة من الانحلال الخلقى غير المسبوق، بل والغريب على المجتمع الأمريكى المحافظ منذ نشأته حتى الستينيات من القرن العشرين (الفردوس المستعار والفردوس المستعاد - د. أحمد خيرى العمرى - مرجع سابق - ص 494 حتى ص 502 - بتصرف).
وفى تجربة فرنسا نجد أنها تماثل الولايات المتحدة فى مشكلة الفرد الذى يعيش وحده, ففى أمريكا ذكرنا أن نسبة هؤلاء 31%, وفى فرنسا حوالى ثلث الفرنسيين (20 مليون)، وقد أصبحت تسمى مشكلة الوحدة, حتى أن رئيس وزراء فرنسا أعلن عام 2011 عاما لمحاربة العزلة. أى محاربة هذه الظاهرة، ولكن يبدو أنها مجرد حملة إنسانية للتعاطف معهم!! دون إدراك جذور المشكلة. وانحلال الأسرة يؤدى إلى نقص المواليد, ولكن الولايات المتحدة تغلبت على آثار نقص المواليد باستمرار استجلاب المهاجرين، ولذلك لم تحدث مشكلة نقص فى العمالة، ولا فى تجديد شباب المجتمع، وإن كان المهاجرين أصبح معظمهم من منابع غير أوروبية (أى من أمريكا اللاتينية أساسا ثم من آسيا وأفريقيا), وهذا يغير تركيبة المجتمع الأمريكى ويضعف قبضة سيطرة البيض الأنجلوسكسون, ولكن هذا موضوع آخر. المهم أن المهاجرين الجدد يعوضون بأنفسهم وبمعدل تناسلهم الأعلى نقص القوى البشرية الشابة والصاعدة. أما فى البلدان الأوروبية فقد أخذت قيم انحلال الأسرة والحد من التناسل منحى أكثر خطورة، لأن الدول الأوروبية أقل سكانا ومساحة من الولايات المتحدة بكثير وتخشى من موجات المهاجرين وكثير منهم مسلمون، لذلك تحاول الآن الحد من هذه الهجرة، وهو ما يعرضها لمشكلة نقص الأيدى العاملة، لأن سكان أوروبا الأصليين لا يتناسلون بمعدل يحافظ على عدد السكان على الأقل وهو 2,5 مولود للأسرة الواحدة، فأغلب الدول يهبط معدل مواليدها عن 2 لكل أسرة، فسكان أوروبا فى تناقص. وبالتالى فهى تعانى من نارين: نار نقص الأيدى العاملة خاصة فى الأعمال غير الماهرة التى يأنف الأوروبى القيام بها، ونار المهاجرين الذين يغيرون بنية المجتمع الأوروبى ويهدده بالأسلمة!
كذلك فإن الدول الأوروبية تعانى من شيخوخة المجتمع حيث تصل أعداد المتقاعدين إلى ثلث عدد السكان أحيانا، ونقص الشباب، وهو ما يصيب المجتمع بحالة من الهرم، واختلال التوازن، ونقص الحيوية وتجديد الدماء.
وهذه هى النتائج الكارثية اجتماعيا وأخلاقيا واقتصاديا لتدمير مفهوم الأسرة ودور المرأة المحورى فى الحفاظ عليها، وللإصرار غير العقلانى على إخراج المرأة من بيتها بنفس معدلات خروج الرجل ودون أى تمييز، وإصرار المرأة على عدم التضحية بسنوات من عمرها للأطفال، فنحن أمام أمم معرضة للانقراض لأنها كما ذكرنا تحارب قانونا من قوانين الطبيعة (سنة من سنن الله) وهذا ما قصدناه عندما قلنا إنهم يضربون رؤوسهم فى الحائط.
وفى تجارب الشيوعية حدثت خبرات مختلفة أدت إلى نفس النتيجة، فقد قام النظام فى الاتحاد السوفيتى على المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة. وأن المرأة بمجرد ولادة الطفل وبعد عدة شهور أو أقل تسلم الطفل لحضانات الدولة، حيث تتولى هذه الحضانات تربية الطفل بديلا عن أمه، وإذا تصورنا أن المربية فى هذه الحضانة ممتازة فإنها إذا كانت مسئولة عن أربعين طفل فلا تمتلك أن ترعاهم أو تبث حنانها فيهم كما تفعل الأم مع طفل واحد، بالإضافة لإحساسها بأنه طفلها. والتجربة السوفيتية لم تصل إلى المستوى الاسبرطى (حيث يظل الطفل بعيدا عن أسرته) ولكن الأم تأخذ طفلها بعد العمل, ومع ذلك فقد كانت النتيجة انخفاض معدل التناسل فى الاتحاد السوفيتى ثم فى روسيا الاتحادية، بنفس المعدلات الهابطة الأوروبية، لأن الأم الراغبة فى ممارسة حياتها كالرجل تماما لا تريد أكثر من طفل واحد فى أغلب الأحيان. كذلك فإن الأجيال التى تربت فى هذه الملاجىء أخرجت نسبة لا بأس بها من المنحرفين والمجرمين، وأصبح معدل الجريمة فى روسيا الاتحادية عاليا ومقلقا وخطيرا.
ولذلك فإن أصوات العقلاء فى الغرب تتزايد بإعادة النظر فى دور المرأة وفى مفهوم الأسرة، بل تحض الحكومات الأوروبية على زيادة النسل وتقدم حوافز مادية لذلك، ومع ذلك فإن رجع الصدى محدود لأن قيمة اللذة الفردية، ومبدأ الاستمتاع الأقصى بملذات الحياة الدنيا وهى المفاهيم التى عمقتها الفلسفة الأوروبية، ثم الممارسة الفعلية لذلك لا يزال لها السيادة والصوت الأعلى. وعندما نتحدث عن أفول الحضارة الغربية ودخولها مرحلة الهبوط فإن مفهوم "تحرر" المرأة وانحلال الأسرة من أهم علامات ومؤشرات ذلك.
لذلك فإن مفهوم الإسلام عن المرأة وتميز دورها، وأهمية الحفاظ على الأسرة كخلية أولى للمجتمع، إذا تحللت تحلل المجتمع بأسره، هو المفهوم الأصح والأكثر حضارية والأكثر توافقا مع سنن الحياة التى وضعها الله عز وجل.
كذلك لا ندرى لماذا لا يريد الغربيون - ومن تبعهم - أن يعترفوا أن من ضمن تمايز الرجل عن المرأة القوة البدنية والجسمانية، أو الاستعداد الأكبر لذلك، وهذا من أسباب تخصص الرجال فى الأعمال الشاقة وعلى رأسها الجهاد المسلح (القتال)، بالإضافة لمسئولية المرأة المباشرة عن أطفالها التى لا تسمح لها بتركهم أسابيع متصلة للمرابطة فى الثغور أو الدورات التدريبية، أو فى خطوط الجبهة الأمامية أثناء اندلاع القتال!! وما ينطبق على القتال يسرى على كثير من الأعمال الشاقة أو التى تستدعى التغيب لفترات طويلة بعيدا عن البيت.
ولم يؤد إقحام بعض البلدان (كالولايات المتحدة) للمرأة بشكل واسع فى وحدات الجيوش إلا إلى حالات متفاقمة من الانحلال الأخلاقى أو التحرش أو الاغتصاب، دون رفع مستوى أداء الجيش. ورغم إقحام المرأة بشكل قسرى وسخيف فى أنواع مختلفة من الرياضات العنيفة والشاقة، كرفع الأثقال والمصارعة والملاكمة، فإنها لم تتفوق ولم تحقق أرقاما أكثر من الرجل.
وما تزال المسابقات الأولمبية - والتى يتحكم فيها الغرب - تفصل بين منافسات الرجال والسيدات. ولا تزال الأرقام القياسية للنساء أقل من الأرقام القياسية للرجال. ومع ذلك ورغم ما فى ذلك من حقائق علمية يظل العناد هو سيد الموقف عندهم: لا فرق مطلقا بين المرأة والرجل!
وهناك علاقة بين الحالة الجسمانية وصفات الشخصية، وهناك علاقة بين هذين العاملين وبين الدور والوظيفة الاجتماعية. فمن الحقائق الثابتة والمشاهدة بالعين المجردة فى كل المجتمعات أن متوسط أعمار النساء أكبر من متوسط أعمار الرجال. وقد كُتبت أبحاث علمية تشرح أسباب ذلك فى الفرق بين التركيب الجسمانى والعصبى لكل من الرجل والمرأة، يضاف إلى ذلك ما يتعرض له الرجل من استهلاك أكبر لقواه فى إطار مسئوليته عن الإنفاق على الأسرة بل وما يتعرض له من مخاطر فى بعض المهن، وأن الرجل أكثر كتمانا لمشاعره مما يحمل جهازه العصبى أحمالا أكبر، فى حين أن المرأة أكثر تنفيسا عن مشاعرها وعواطفها وهذا ما يقلل من تعرضها لبعض الأمراض الناجمة عن الضغوط النفسية والعصبية. ومؤدى ذلك أن متوسط الأعمار الأعلى للمرأة أكثر فائدة للمجتمع، لأن المرأة الأم أو الجدة أكثر فائدة للأسرة وللأطفال والأحفاد من الرجل من زاوية الاهتمام والرعاية والمتابعة وتدبير الشئون المختلفة. وفى هذه النقطة كغيرها نحن نتحدث عن القاعدة العامة ولكل قاعدة استثناءات, فهناك قلة من الرجال ربما لديهم قدرة وميول للمساهمة الفعالة - أكثر من المتوسط العام للرجال - فى تربية الأطفال ومراعاة شئونهم وما يتطلبه ذلك من صبر غير عادى، بالإضافة للمساهمة الفعالة فى كل أنواع التدبير المنزلى. ولكن هذه حالات لا يقاس عليها. ويروجون فى الغرب لضرورة تقاسم العمل المنزلى بالتساوى بين الرجل والمرأة، ولكن هذا الأسلوب لا يفلح فى أغلب الأحيان، أو يؤدى إن فلح إلى توقف المرأة عن التناسل إلا فى حدود طفل واحد على الأكثر وهو ما يؤدى إلى الكوارث التى أشرنا إليها.
والرؤية الإسلامية تحتم على الرجل مشاركة المرأة فى أعمالها المنزلية، كنوع من الإيجابية والتفاعل والتعاطف وتخفيف الأحمال، ولكن دون إلزام برفع هذه النسبة إلى 50% بحكم الوقت، وبحكم الجهد المبذول خارج الأسرة. كذلك من واجب الأب أن يقوم بدور نوعى - لا كمى - فى تربية الأطفال, وهذا أمر لا يمكن التحلل منه.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخصف نعله ويرقع ثوبه ويخدم فى مهنة أهله ويقطع اللحم معهن، وكان لا يسأل أهل بيته طعاما محددا، إن أطعموه أكل وما أعطوه قبل وما سقوه شرب. وكان ربما قام فأخذ ما يأكل بنفسه أو يشرب. إذن قدر من المشاركة مطلوب وضرورى دون إلزام بنسبه محددة, والأمر يختلف من حالة لأخرى، ولكنه أمر يقوم فى المقام الأول على التفاهم بين الزوجين.
إذن نحن - ووفقا للرؤية الإسلامية - نعلى من شأن دور المرأة فى تربية الأولاد, "فإنتاج" المواطنين الصالحين أهم وأفضل من مشاركة المرأة فى إنتاج الأحذية أو السيارات فى المصانع، كما أن البيت بإمكانه - كما كان - أن يكون وحده إنتاجية للتفصيل والتطريز والمواد الغذائية والحلوى والخبز وتربية الدواجن والطيور ومراعاة الماشية, أى وحدة إنتاجية للأسرة وللسوق. وإن التطورات الحديثة يمكن أن تساعد فى بعض الأمور بأشكال مختلفة عن الأشكال التقليدية القديمة. فاليابان أنتجت منذ زمن فرن، يمكن إعداد الخبز فيه بكل مراحله آليا فى البيت. والكمبيوتر يوفر أشكال مختلفة من العمل بالمنزل، بل إن الإنتاج الصناعى المتطور أصبح يعتمد على إنتاج حلقات من عملية الإنتاج فى البيوت. ونساء غزة مثلا يشاركن فى تصنيع مرحلة من إنتاج الآر بى جى المضاد للدروع والدبابات، فى منازلهن! وهكذا.
ومع ذلك ليس المقصود هو منع المرأة من الخروج أو العمل. فلابد من تعليم المرأة, وأن تصل إلى أعلى المراتب الممكنة وفقا لاستعدادها ورغبتها. كذلك فإن عمل المرأة خارج المنزل غير مرفوض من حيث المبدأ فى إطار ظروف واحتياجات الأسرة وحتى فى إطار رغبة المرأة ذاتها أو إذا كانت صاحبة ملكات متفوقة تحتاج إليها الأمة، ولكن من المهم ألا يكون ذلك على حساب مهمتها المقدسة فى تربية الأطفال ورعاية شئون البيت. ويمكن التوفيق بين الأمرين بوسائل شتى، كأن يكون العمل قريب من مكان السكن، أو أن تكون ساعات العمل أقل، وأن يكون لها الحق فى أجازات طويلة خلال فترة صغر سن الأطفال, خاصة قبل التحاقهم بالمدارس (حوالى 6 سنوات), أى ينبغى على المجتمع أن يرتب ظروف المرأة خارج بيتها على النحو الذى يتلاءم مع مسئوليتها الأولى.
ومن المهم الإشارة هنا إلى حقيقة أن كثيرا من الأعمال تكون المرأة فيها أنسب، كما فى التعليم وبعض أفرع الطب. أما الخروج للعمل بسبب نقص راتب أو أجر الزوج فهذا وضع ظالم لا يقاس عليه, لأننا نطالب بأجور عادلة للعاملين لا تقل عن الحد الأدنى 1200 جنيه, وهو حد الفقر المقرر عالميا. وكما أن انشغال الرجل فى كسب العيش وزيادة الدخل لا يسقط عنه فريضة المشاركة فى هموم مجتمعه على المستوى العام وعلى المستوى المحلى، فإن قيام المرأة بوظيفتها الأولى لا يسـحب حقها فى مثل هـذه المشاركة، بل إن هذه المشاركة - كما ذكرنا - فرض دينى عليها، كما هى فرض على الرجل. وفى هذا الإطار فإن للمرأة أدوارا متميزة, فهى تربى أولادها على قيم الجهاد (لا السير بجوار الحائط)، وهى قائدة فى مجال نشر العديد من القيم الإسلامية والجهادية, كمقاومة الإسراف والتبذير، وتشجيع المنتجات الوطنية أو ذات المنشأ العربى أو الإسلامى، وعدم شراء المنتجات الأجنبية بشكل عام، ومنتجات أمريكا وإسرائيل بشكل خاص، ولها أدوار مميزة فى جمع التبرعات لأغراض عامة، أو إقامة الأسواق الخيرية لخدمة أهداف اجتماعية أو سياسية وطنية أو دعما للمقاومة العربية، وأيضا فى النشاط الاجتماعى بشكل عام، وتشجيع وتنظيم الصناعات الصغيرة. وإن كانت كل مجالات العمل العام مفتوحة أمامها، وهى تثبت نفسها بالكفاءة والقدرات والتفوق العملى لا عن طريق الكوتة ولا أن يقال لابد من تعيين وزيرة أو اثنتين، فالأمر الصحيح أن تفرض المرأة نفسها فى مجال معين بحيث يصبح اختيارها لموقع الوزير (أو غيره) هو القرار الأنسب للمصلحة العامة، وليس لمجرد التزيين أو التمثيل الرمزى للمرأة، وحتى يقال أننا دولة متحضرة!!
(الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ) (النساء: 34).
ما تحدثنا عنه من تمايز الرجل عن المرأة ببعض الخصائص يصب فى هذه الآية الكريمة: (بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ)، والقيادة أو الرئاسة أو القوامة فى الأسرة لا تعنى الاستبداد أو التسلط, فالشورى قيمة أساسية فى المجتمع المسلم تبدأ من الأسرة حتى قمة نظام الحكم، فهذه صفة المؤمنين عموما: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) (الشورى: 38)، بل إن أخطر القرارات (الانفصال) لابد أن تتخذ بالتشاور والتراضى: (فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا) (البقرة: 233).
وإثارة نعرة تسلط الرجل على المرأة فى مسألة القوامة أمر لا محل له، ولا يستقيم مع أبسط معانى الحياة الاجتماعية، فالرئاسة لا تعنى أى نوع من التعالى أو التسلط أو الإهانة لكرامة المرؤسين، فوجود رئيس للمصلحة أو الشركة أو الهيئة أو الدولة ككل، لا يعنى أى إهانة أو انتقاص من قدر المرؤسين أو استبعاد دورهم فى اتخاذ القرار، ولكن لابد لكل وحدة أو جماعة بشرية من أى نوع من قائد (إذا خرجتم فى ثلاثة فأمروا أحدكم). والأمير العاقل يدرك أن قراره لا يمكن أن يكون بمعزل عن آراء وميول جماعته، ولكنه يقوم بدور التقدير والتوازن. وحتى الأولاد حين يبلغوا الحلم أو حتى قبل ذلك لابد من أخذ آرائهم وميولهم فى حين الاعتبار، مع وجود ثوابت أخلاقية وتربوية لا يمكن التنازل عنها. فالقيادة المشتركة للوالدين للأسرة ضرورية مع امتلاك الرجل لحق الفيتو فى القرارات المهمة، وقد لا يستخدم هذا الحق كثيرا فى ظل التشاور والتراضى والتفاهم. كما تقرر الآية الكريمة مسئولية الرجل على الإنفاق على الأسرة، ولكل الاعتبارات السابقة التى أشرنا إليها، يتبين أن هذا الوضع هو الذى ينسجم مع سنن الحياة، لأن التساوى فى مسئولية الإنفاق سيؤدى إلى كل الكوارث التى تحدثنا عنها: الخروج المبالغ فيه للمرأة للعمل على حساب تكوين ورعاية الأسرة. وإذا كنا قد أشرنا إلى تجربة الغرب، فإن أمراض هذه التجربة بدأت تزحف إلينا، وتشير آخر إحصاءات جهاز التعبئة والإحصاء إلى ارتفاع معدلات الطلاق بصورة غير مسبوقة فى حياة المصريين (وفقا لجهاز التعبئة والإحصاء فهناك حالة طلاق كل 3 دقائق خلال عام 2009 - 141 ألف حالة وهى نسبة كبيرة لأن عدد الزيجات كان 760 ألف)، كما أن مظاهر التفكك الأسرى أصبحت بادية للعيان. فعندما يكدح الزوجان من أجل مزيد من المال، فإن الجهد البدنى والذهنى المتبقى للأولاد وشئون الأسرة يكون محدودا ويكون ذلك بداية المشكلات الأسرية، ومسئولية الرجل عن الإنفاق هى التى توضح عدالة قانون الميراث الإسلامى: (فِى أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) فهى ليست ميزة لتسلط الرجل على المرأة كما يقولون، ولكن للوفاء بهذه المسئولية والالتزام بها. ولنلحظ هنا أن هذه القاعدة للأولاد أى المقبلين على مسئولية الزواج. أما إذا كان الأولاد إناث: (فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ) أى أن البنات يأخذن الثلثين! والغربيون والمتغربون لا يذكرون ذلك أو لا يعرفون! (وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ) أى تأخذ النصيب الأكبر، بينما: (وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ) وهنا يتساوى الرجل مع المرأة لأنهما ليسا فى مرحلة الإعداد للزواج حيث يتعين على الذكر تحمل مسئولياته المالية، وهذا فى حالة ترك ولد واحد (الولد هنا بمعنى ذكر أو أنثى) والولد هنا له الأولوية سواء أكان ذكرا أو أنثى لأنه فى مقتبل العمر، أما فى حالة غياب الأولاد فتعود القاعدة من جديد: للذكر مثل حظ الأنثيين, فتحصل الأم على الثلث والأب على الثلثين. ولا نريد أن ندخل الآن فى تفصيلات فقه الميراث لأنها متشعبة ولكننا نكتفى فقط بالإشارة لحالات التساوى أو حصول الأنثى على نصيب أكبر، فالزوج لا يحصل إلا على ربع ميراث زوجته إن كان لها أولاد منه أو من غيره. كما يتساوى الأخ والأخت فى حالات معينة: (وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِى الثُّلُثِ) وهى حالة الميت رجلا أو امرأة ولا ولد له ولا والد. (النساء: 11-12).
ولكن لا شك أن فى أغلب الأحوال فإن للذكر مثل حظ الأنثيين، وهذا هو العدل، لأن المساواة فى حالة عدم التماثل فى المسئوليات ظلم. وهذه القاعدة تقوم على أساس مسئولية الرجل عن الإنفاق على الأسرة، وإذا لم تتقرر هذه القاعدة تعرضت الأسرة للتحلل والانحلال كما ذكرنا, ولكم فى أحوال الأوروبيين والأمريكان عظة يا أولى الألباب.
والغرب يشن منذ عدة عقود هجوما مركزا على مفهوم الأسرة، فهم بدلا من إصلاح أحوالهم وإدراك ما أصابهم، يريدون نشر قيمهم لتسود فى العالم باعتبارها القيم الإنسانية المثلى، ومن خلال مؤتمرات دولية تابعة للأمم المتحدة تحت عنوان (السكان أو المرأة أو الطفولة) يريدون أن ينشروا فكرة التحرر الجنسى, وإقامة العلاقات بين الرجل والمرأة خارج مؤسسة الزواج, بالإلحاح على نشر ما يسمونه الثقافة الجنسية, أى تعليم الفتية والفتيات فنون ووسائل منع الحمل، لتشجيعهم على هذه العلاقات، ولصرف نظرهم عن فكرة الزواج لتكوين أسرة، أو تأجيلها إلى أقصى حد ممكن، ولذلك فهم يطالبون بتأخير سن الزواج, وقد استجابت السلطات المصرية لذلك الطلب, وأصدرت تشريعا منافيا للشريعة الإسلامية برفع سن الزواج، فى حين أن الإسلام يبيح الزواج بدءا من مرحلة الحلم.
والزواج المبكر هو أحصن للشباب، ومدعاة لنشر العفة، والاستقرار الاجتماعى، وفى المقابل فإن تأخير سن الزواج مدعاة لكثير من المشكلات والأمراض الاجتماعية. كما تروج "الشرعية" الدولية المزعومة لفكرة الأسرة المثلية أى الشاذة (بين رجلين أو امرأتين) لتصبح مسألة شرعية وقانونية فى كل بلاد العالم! وتفرض الأجندة الدولية مسألة تجريم ختان الإناث بغض النظر عن العادات أو التقاليد أو الرؤى المختلفة حول ذلك فى الإسلام. وقد استجابت الدول الإسلامية - كمصر - لذلك وسط حالة من الهوس الإعلامى، وتم تجريم ختان الإناث بالقانون. ونحن نرى أن يترك الأمر اختياريا لكل أسرة, خاصة وأن المذاهب الإسلامية تختلف حول هذا الموضوع. وحتى إذا أخذنا برأى رفض الختان فإن تجريم ذلك قانونيا يؤدى إلى كوارث, لأن كثيرا من الأسر تقوم بذلك سرا, وهذا ما يعرض الإناث لمخاطر وأحيانا للوفاة، وهذا ما حدث بالفعل فى عدد من الحالات. والمهم فى هذا الموضوع أو غيره أن يكون موقفنا انطلاقا من قيمنا وشريعتنا الإسلامية, وليس بأوامر غربية. كذلك يضغط الغربيون فى اتجاه إلغاء نظام المواريث الإسلامى, ولكن النظام المصرى وعلماء السلطة يصعب عليهم الاستجابة لذلك, لوجود نص قرآنى قاطع فى هذا المجال.
أما بالنسبة للطفولة فهم يريدون نقل تجارب الغرب لنا، بأن يصبح الأطفال متساوين مع الآباء، بمعنى أنه فى حالة حدوث مشكلة بين الطفل ووالديه، أن يتجه الطفل لشكوتهم فى قسم الشرطة, وأن يتم التحقيق فى الشكوى وتتدخل الدولة بين الوالدين والطفل وتفصل فى النزاع. أى أن الفتنة بين الرجل والمرأة انتقلت للفتنة بين الأولاد والوالدين. ووفقا لتقاليدنا الإسلامية فإن النزاعات التى يمكن أن تنشأ بين الرجل والمرأة فيفضل حلها أولا فى إطار الأسرة: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا) (النساء: 35) وذلك قبل اللجوء للمحاكم. وبالقياس على ذلك فإن وجدنا أن الوالد يسىء معاملة الأطفال فإن الحل البسيط الذى يتبادر إلى الذهن، هو اللجوء لكبراء الأسرة لحل هذه المشكلة، كالجد أو الجدة أو الخال أو العم أو الخالة أو العمة، وليس قسم الشرطة!! ولا يفترض للشرطة أن تتدخل إلا فى حالة وقوع جريمة فى إطار القانون الجنائى.
وهذا يعود بنا إلى المفهوم الإسلامى العام للأسرة، فالزوج والزوجة والأولاد وحدة واحدة متكاملة متماسكة تحكمها آداب مشروحة بالتفصيل فى القرآن والسنة، ثم وحدة أكبر هى الأسرة الممتدة. ويتضح الاهتمام المركزى للإسلام بمسألة شئون الأسرة، أن القرآن الكريم تعرض فيها لتفصيلات دقيقة، والقرآن كما ذكرنا لم يتعرض بالتفصيل للنظم السياسية والاقتصادية, ولكنه وضع القواعد العامة لها باعتبارها من المتغيرات، أما شئون الأسرة فلحكمة الله العلى القدير تعامل معها كثوابت لا تتغير عبر الزمان، وهو ما أثبتته الأيام، فالمشكلات بين الرجل والمرأة تكاد تكون ثابتة عبر العصور، ومن الكهوف إلى القصور، ومن العصر الحجرى حتى عصر الفضاء. ففى موضوع الأسرة بالتحديد نجد القرآن يتعرض لتفاصيل دقيقة، كحرمة البيوت، وفى أى بيوت يمكن أن نأكل بلا حرج، وكيف يتعامل الأبناء مع الوالدين حتى وإن كفرا بالله، ومتى يدخل الأبناء على مخدع الوالدين ومتى لا يدخلا؟! وأحكام الزواج والطلاق والميراث، وكيف تحل المشكلات بين الزوجين، وكيف يجب أن يتعاملا؟ وكيف يجب أن يصبرا على بعضهما البعض، وحتى بعض ضوابط العلاقات الجنسية بينهما. ولا نريد عرض هذه الآيات حتى لا يستطيل البحث، ولا نخرج عن فكرتنا العامة الأساسية، وهى هذه الأهمية العظمى التى حظيت بها الأسرة وشئونها فى القرآن الكريم, فإذا أضفنا إليها ما ورد بهذا الصدد فى السنة النبوية الشريفة فسنجد أننا أمام دستور كامل دون باقى الموضوعات الأخرى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. بل لعل شئون وأحكام الأسرة لا يدانيها من حيث الدخول فى التفصيلات فى القرآن الكريم إلا أحكام الجهاد، لأهمية الموضوعين من جهة, ولأن أحكامهما وقواعدهما تتسم بالثبات. وهما من آخر الموضوعات التى نحتاج رأى الغرب فيها!! بل ليس من قبيل الصدف أن الغرب لا يكره فى الإسلام أكثر من موقفه فيما يتعلق بالأسرة والجهاد! والفلسفة الغربية تقوم على الإعلاء من الفردية بصورة متطرفة، ثم وصل هذا الإعلاء إلى حد وضع الرجل أمام المرأة والوالدين أمام أولادهما، وهى الفردية فى صورتها القصوى التى لا تخلق سلاما ولا محبة ولا مودة. فى حين جعل الإسلام المرأة والرجل وحدة واحدة, وهذه الوحدة تمتد للأولاد تماما كما تتشكل الذرة، فهى وحدة لا تنفصم تتشكل من النواة والبروتون والنيوترون. وكما برهن العلم أن الذرة إذا انشطرت يحدث انفجار نووى، فإن انشطار الأسرة يؤدى إلى تفجير اجتماعى يشمل المجتمع بأسره.
والإسلام عبر عن معنى تكامل المرأة والرجل بأروع الأشكال إذ جعلهما من نفس واحدة، وفى هذا إشارة إلى بدء الخلق، ولكن أيضا إشارة إلى استمرار هذا المعنى الجميل والراقى. وليس من قبيل الصدف أن جاء ذلك فى مفتتح سورة النساء التى اشتملت على العديد من أحكام الأسرة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (النساء: 1).
(هُوَ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا) (الأعراف: 189).
(خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا) (الزمر: 6).
فالأسرة هى اللبنة الأولى للمجتمع, وليس الفرد كما يرى الغربيون. ولا يستوى البناء إلا إذا كانت لبناته مستوية، وإلا لاختل وتهدم. وتشديد القرآن والسنة على التمسك بصلات الرحم امتداد لهذه الرؤية لضمان التماسك الاجتماعى، وكأن صلات الرحم هى خيوط الغزل التى ننسج منها المجتمع المتراحم المتكافل.
وبالتالى فإن تشريعاتنا وثقافتنا فى التعليم وخارجه وفى الإعلام لابد أن تراعى تنمية قيم الحفاظ على الأسرة وتماسكها.
ويرتبط كل ما سبق بالضجيج المثار والذى لا ينتهى عن تحديد النسل، والواقع فإن ذلك من شعارات وأهداف الغرب الموجهة إلينا، نحن دول الجنوب وخاصة العالم الإسلامى، بينما هم يرفعون شعارات زيادة النسل فى بلدانهم ويعطون حوافز مادية لذلك (300 دولار شهريا لكل مولود فى كندا على سبيل المثال) ومن أهداف ما ذكرناه عن الحرية الجنسية وتأخير سن الزواج ونشر الشذوذ هو تقليل نسل فقراء العالم خاصة المسلمين, لأنهم يخشون من تأثير هذه الزيادة على سيطرتهم العالمية فى ظل تناقص أعدادهم هم بصورة مطلقة ونسبية.
ويردد حكامنا كالببغاوات هذا الحديث عن تحديد النسل، وحيث يعلقون على مشجب زيادة النسل كل مشكلات التنمية التى تسببوا هم فيها بسياستهم الخاطئة. فى حين برهنت التجارب التنموية الكبيرة فى العالم أن زيادة عدد السكان كانت من أهم عوامل نجاحها: الهجرات المتوالية للولايات المتحدة، الاتحاد السوفيتى عندما كان يضم أعدادا هائلة من البشر, والآن فإن روسيا لا تزال من أكثر دول العالم سكانا، كما نجد فى مقدمة العالم: الصين - الهند - البرازيل, وهى جميعا دول كثيفة السكان. كذلك برهنت التجارب التنموية الناجحة على أن الإنسان هو العامل الجوهرى للنمو، شريطة الاهتمام بتعليمه وتثقيفه وتوظيفه فى مهام التنمية.
كذلك فإن مصر ليست معزولة عن عمقها العربى والإسلامى والأفريقى، وإذا أخذنا البعد العربى، فإن المقارنة العامة بين مجموع الموارد المادية الطبيعية المتاحة فى الوطن العربى وبين عدد البشر المقيمين والعاملين فيه، تكشف أن إمكانات التنمية تتطلب معدلات عالية من الزيادة السكانية فى مصر وفى البلاد العربية ككل. وتحدثنا من قبل عن أهمية السودان، وكذلك عن أهمية الانتشار البشرى فى مصر خارج الوادى والدلتا (راجع دراستنا عن تحديد النسل فى العدد الأول من مجلة منبر الشرق).

وكما يرى حكام الغرب أن زيادة عدد سكان مصر وغيرها من دول العرب والمسلمين خطرا على أمنهم القومى فينفقون على حملات تنظيم الأسرة معونات مالية متوالية، فيجب علينا أن ندرك - بمفهوم المخالفة - أن زيادة النسل أحد مقومات الدفاع الوطنى عن غزوات الغرب المتوالية على ديارنا، فهى تساعد فى بناء جيوش كبيرة، وفى خلق قاعدة واسعة للمقاومة الشعبية. ومن نافلة القول أننا لا نطالب بزيادة النسل إلا بربط ذلك بالإعداد والتربية والتعليم وخطط التنمية الشاملة، وإقامة الجسور المتينة مع أى جاليات مصرية تتجه إلى البلاد العربية أو الأفريقية أو غيرها من البلدان.

مجدى أحمد حسين

التعليقات

زينهم صلاح
الأحد, 06 مارس 2011 - 12:00 am


الأستاذ الفاضل مجدى حسين: ألا تستحى جريدة الأهرام القاهرية أن تنشر صورة "سوزان ثابت هى و أحد أبنائها بمطار ألماظة فى القاهرة قادمين من شرم الشيخ من بعد ما قرأت جموع الشعب المصرى و ثائق أمن الدولة الخاصة بولدها "جمال" و حصته الرسمية من أتفاقية "حسين سالم" فى الغاز مع أسرائيل،و من بعد ما علمت جموع مصر ما نهبته "سوزان" من صندوق الأعانات لجمعيات الطفولة و الأمومة،لشخصها بدلا من أهل مصر،و من بعد ما تسربت الوثائق عن ال"فرضة" التى كان "ينتزعها" أبنها "علاء" من توكيلات التجارة بمصر؟ .جريدة الأهرام يفترض أن يكون عندها "حد أدنى" من الولاء لثورة يناير المجيدة،فلا "سوزان" و لا أبنها أهل لأن تلاحقهم الكاميرات بالتصوير و هم فى رياش الثياب و فاخر الطائرات. كنا نود يا أستاذ مجدى من جريدة الأهرام القاهرية أن تسعى جهدها لتصوير هؤلاء ال"لصوص" و هم فى ال"بدلة الزرقاء" أى بدلة السجون،و كنا نود أن يكون تصويرهم و هم يبكون فرقا من العدالة التى يفترض أن تنزع رقابهم،لا أن يبدو فى صورة الحر الطليق و كأنه لم يقتل القتيل و مشى فى جنازته .
أبراهيم سيدهم
الإثنين, 07 مارس 2011 - 12:00 am


الأستاذ المفكر و المبدع مجدى حسين: بخصوص ما سمعناه من تذمر طبقة من رجال الشرطة طالبين زيادة راتب و طالبين عودة ال"هيبة"،يستطيع مجلس أدارة شباب الخامس و العشرين من يناير أن يطالبوا حكومة عصام شرف بألحاق جزء من الشباب ال"مركون" بسبب البطالة ألى "دورات تدريبية لعمل الشرطة" لا تزيد مدتها عن ستة شهور يتخرجوا بعدها مباشرة لمباشرة عمل الشرطة - بدلا عن الشرطة المتعنجهة - ثم "تجمد" رتبتهم أثناء مباشرة عملهم بأقسام و فصائل الشرطة المختلفة،على أن يشمل نشاطهم اليومى 50% عمل و50% دراسة لحين أستيفائهم المنهاج الأساسى لكوادرهم،على أن يخضع أختيارهم للدراسة لأمتحانات " أخلاقية" من قبل علماء الأزهر،و لا يجيزوا الفئات التى تفتقر لأصول الفهم الدينى لتحمل المسؤولية أو رعاية الأمانة أو أستغلال المنصب المدعم بالسلاح،و بذلك يغنونا عن هذا الجيل الفاسد من الشرطة من ناحية،و يحلوا لنا مشكلة البطالة من ناحية أخرى،و يتم أعلام وزارة الشؤون الأجتماعية بتفكيك هذه الفئات المتعنجهة وظيفيا و تصفية حقوقهم
هيام سيد
الأحد, 06 مارس 2011 - 12:00 am


الأستاذ المجاهد: مجدى حسين: نتمنى أن تعود هيئة "حرم رئيس الجمهورية" ألى الصورة التى كنا نشاهدها وقت جمال عبد الناصر،حيث لم تمثل حرمه ألا الهيئة الشرعية للزوجة و فى مقدمتها التستر و الأنزواء عن عيون الأجانب . و على كل حال،فلو تطلب الأمر،فلتظهر حرم رئيس الجمهورية فى خمار المرأة المسلمة أولا،و منسوبة لأسم أبيها ثانيا( أدعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله)،و لنتحرر من هذه العادات الصليبية المقيتة التى تبعنا فيها الغرب بشكل غبى و مخزى .
محمود عفافى
الأحد, 06 مارس 2011 - 12:00 am


الأستاذ المناضل مجدى حسين: لا نريد أن يفوتنا أشعار السيد عصام شرف ألى ضرورة السماح بأداء الأستفتاء على بنود تعديل الدستور لدى المصريين خارج مصر،فهم من خيرة ال"تكنوقراط"،و يستطيعوا المساهمة - بل هو أداء الواجب- عن طريق السفارات المصرية و بموجب جواز السفر . يجب أن تتكامل صورة ال"ديموقراطية" يا أستاذ مجدى و كفانا سلبية و كفاناأذدرائا لقيمة صوت الفرد .

أضف تعليق


عدد الحروف المسموح بها 1000 والمتبقي منها
ادخل الكود التالي
CAPTCHA Image
صورة اخرى
الموقع غير مسئول قانونا عن التعليقات المنشورة