(21) بناء جيش وطنى قوى
الأربعاء, 16 فبراير 2011 - 12:00 am

magdyahmedhussein@gmail.com

القوة العسكرية لأى أمة هى الدرع الذى لا غنى عنه للدفاع عن نهضتها وخيارها المستقل وحدودها، وهذه قاعدة عامة حتى فى البلاد المشتهرة بالحياد كسويسرا والسويد، ففى هذين البلدين جيش قوى وصناعة حربية متطورة. وحتى فى البلدان الأسيوية واللاتينية الناهضة اقتصاديا فإنها تهتم بتطوير قدراتها العسكرية وتصنيعها الحربى وتزيد إنفاقها فى هذا المجال بشكل مطرد، ولكل أمة مخاطرها الخاصة التى تهددها.

وهذه القاعدة العامة تأخذ أهمية خاصة فى مصر للأسباب التى ذكرناها آنفا عن وجودها فى عين العاصفة عبر التاريخ فكانت محط أنظار، بل ومحط قوات أى إمبراطورية عظمى فى العالم، بدءا من الإسكندر الأكبر حتى الإمبراطورية الأمريكية. وحاليا فإن وجود الكيان الصهيونى (المتحالف مع الولايات المتحدة) على حدودها والمعروف بمخططاته التوسعية، وحروبه المتعددة على مصر، وامتلاكه للأسلحة النووية وكافة أسلحة الدمار الشامل فى إطار جيش يستخدم أحدث وسائل التكنولوجية الحديثة، هذا الكيان هو الخطر الأول على الأمن المصرى والعربى (وزير الخارجية الحالى ليبرمان هو الذى هدد بضرب السد العالى بالقنابل النووية رغم التزام حكام مصر بمعاهدة السلام!). وبالتالى فإن بناء قوات مسلحة قوية ومجاهدة مسألة لا غنى عنها. بل إن قواتنا المسلحة - عندما تستعيد مصر دورها الطبيعى - مطالبة بمعاونة البلاد العربية ضد أى عدوان خارجى، لا مجرد الحفاظ على الحدود المصرية كما يقال الآن، لأن أمن مصر واستقلالها لن يتأمن عندما تكون البلاد العربية خاضعة للتهديد الصهيونى - الأمريكى، وهذا يتوافق مع فريضة الجهاد التى أمرنا بها الله. وليس معنى ذلك مشاركة القوات المسلحة بالضرورة فى صد أى عدوان على الأمة العربية والإسلامية بشكل مباشر، فهذا يتوقف على الإمكانيات والظروف السياسية، وقد يأخذ ذلك شكل المد بالسلاح والخبراء, وأحيانا بعض المتطوعين. وكلما كان الصراع قريبا من حدودنا كلما زاد ذلك من احتمالات مشاركتنا المباشرة عملا بقول الله عز وجل: (قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً) (التوبة: 23).
ويجب إعادة الاعتبار لالتزامنا بفريضة الجهاد, وأحكامها قاطعة وواضحة وملزمة فى القرآن والسنة، وفى إشارة إلى أبرز هذه القواعد الفقهية فنقول:
1- إعداد كل أسباب القوة للدفاع عن الوطن والأمة أمر إلهى لا خلاف حوله: (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ) (الأنفال: 60).
والقوة هنا تأتى بمعناها الشامل.. بالتسليح على أعلى مستوى ممكن، والتدريب، على ألا يقتصر ذلك على القوات المسلحة، بل يمتد إلى إحياء نظام الفتوة، حيث يشمل التدريب طلبة المدارس والجامعات، وأن يكون هناك نظام مستمر للتدريب الدورى لفترة كل عام حتى سن معين. وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إتقان الرمى، ودعا من تعلم فنون القتال أن يحافظ على مهاراته بالتدريب، فقال: (ألا إن القوة الرمى) وكررها 3 مرات. وأيضا (من عَلِمَ الرمى ثم تركه فليس منا - أو قد عصى) مسلم. وكان رسول الله ينظم مسابقات الخيل ويشارك فيها (مسلم).
والتسليح لا يكون مضمونا وكافيا إلا بالتصنيع الحربى، فأمة تعتمد على استيراد السلاح لا يمكن أن تؤمن نفسها تماما ولا أن تضمن المدد، وقد عانينا كثيرا من مسألة معدلات تدفق التسليح من الاتحاد السوفيتى، لأن السلاح سلعة إستراتيجية ولا تصدر أو تباع أو حتى تعطى مجانا بدون شروط سياسية، ونحن نعانى الآن من اعتمادنا على التسليح من الولايات المتحدة (مليار دولار سنويا من المعونة) ليس لأنها دولة أجنبية فحسب، بل أيضا لأنها متحالفة مع عدونا الرئيسى (إسرائيل).
كما أشرنا من قبل فإن القصص القرآنى ليس حواديت، ولكن كثيرا من السنن مبثوثة فيه، وقد أورد القرآن من خلالها رسائل محددة وانتقى وقائع بعينها، فلو تصورنا أن هناك مؤرخا عاش مع سيدنا داود لكتب مجلدات عن عصره، ولكن القرآن الكريم انتقى لنا وقائع معينة ليرشدنا إلى الأوزان النسبية الأهم للأمور, فقال على سبيل المثال: (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ . أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِى السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ), وكان داود حدادا يصنع من الزرد دروعا وأمره الله عز وجل أن يصنعها سابغات، أى وافيات تغطى الجسد أو الصدر على الأقل، وأمره أن يقدر فى السرد أى يتقن المقاييس والصنع، ويقول المفسرون أن المقصود بالسرد هو تحويل المعدن إلى نوع من الشبكة (وكأنها نسيج) لتغطيه وحماية الجسد فى القتال. واعتبر الله سبحانه وتعالى هذا التصنيع الحربى عبادة.
وتحدث القرآن عن الفائدة المزدوجة للحديد, فهو للقتال: (فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ) وللاقتصاد والصناعة: (وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ), وربط القرآن بصورة فريدة بين الرسل والكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط أى العدالة والحديد، وأن هذه العوامل مجتمعة يحاسب الناس على أساسها, والآية ككل تقول: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِى عَزِيزٌ) (الحديد: 25).
ولا توجد عقيدة دينية إلا الإسلام تربط بين الإيمان بالله ورسوله وكتبه بالعدالة، ثم بالتنمية الاقتصادية والتصنيع على وجه خاص، بوجهيه المدنى والعسكرى. ونادرا ما يهتم الدعاة بهذه الزوايا، ولو اهتموا بها لشنوا حربا على الحكام الذين لم يفعلوا سوى الاستيراد، وأهملوا التنمية الصناعية المدنية والحربية، فى حين لا يقوم الإسلام إلا بالقرآن والحديد!
وكان رسول الله ورغم اعتماده على الله وعلى روح الجهاد والاستشهاد فى جيشه, إلا أن ذلك لم يتعارض مع اهتمامه بالتسليح والتدريع، فكان يلبس لامته للحرب، ويرتدى درعين، وكانت كتيبة المهاجرين والأنصار تسمى الكتيبة الخضراء، أى السوداء، لكثرة ما عليها ومعها من حديد, وكانت ترتدى خوذات لا يظهر منها إلا العينان! وقد أرسل صلى الله عليه وسلم عروة بن مسعود وغيلان بن سلمة إلى جرش (فى الأردن حاليا) ليتعلما صنعة العرادات والمنجنيق والدبابات، وهى أسلحة متطورة بالنسبة لذلك العصر، فالمنجنيق آلة لرمى الحصون بالحجارة الثقيلة، والعرادة نوع منه، والدبابة درع جماعية يضعها المهاجمون للحصون على ظهورهم لتقيهم أسلحة العدو ونيرانه وقذائفه. وقد استخدم رسول الله هذه الآلات فى حصار الطائف (فى الاقتصاد - عبد السلام ياسين - الطبعة الأولى - 1995 - الدار البيضاء - ص 166, 167 - بتصرف). وهذه سابقة مهمة، توضح أن إرسال بعثات لتعلم فنون القتال والعسكرية فى بلاد غير إسلامية جائز، ولكن يظل التصنيع الحربى المحلى هو الأساس.
وكنا قد قطعنا شوطا لا بأس به فى هذا المجال فى العهد الناصرى, ثم انكمشت قاعدة التصنيع الحربى بعد ذلك، بل تم توجيه المصانع الحربية لإنتاج سلع مدنية.
وفى هذا المجال كما فى مجالات أخرى عديدة فإن لدينا قاعدة ممتازة من الخبراء القادرين على اقتحام مختلف المجالات، ولكن مرة أخرى فإن القرار السياسى يلجمها, وهو ما يؤدى إلى تبديد هذه الثروة البشرية الغالية (كسفر العلماء للعراق سابقا والغرب طوال الوقت) ونقصد هنا العلماء المتخصصين فى مجالات متصلة بالتصنيع الحربى.
وهذه الآية الكريمة: (وَأَعِدُّواْ لَهُم) تشير إلى مسألة غاية فى الأهمية هى محور كثير من الدراسات الإستراتيجية العسكرية الراهنة، عندما ذكرت: (تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ) فالاستعداد القتالى، والإعلان عن القوة المسلحة بشكل مقصود من خلال عروض عسكرية وغيرها، وامتلاك أسباب القوة يرهب العدو، وهو الذى نسميه الآن توازن الرعب، أو الردع، فعندما يحسب العدو قوتك يتردد كثيرا فى العدوان عليك، وبالتالى فإن كثيرا من الأمم تبنى جيوشا قوية ولا تستخدمها لفترات طويلة، ولا تدخل حروبا لأن الآخرين يعملون حسابا لرد الفعل وحجم الخسائر فى حالات العدوان, وأمثلة التاريخ عديدة فى هذا المجال, ولكن من آخر الأمثلة فى منطقتنا أن إسرائيل تتردد الآن فى ضرب لبنان، بسبب ما قاست منه فى حرب 2006 مع حزب الله، والقدرات الصاروخية المتنامية لحزب الله من 2006 وحتى الآن، هى التى تردع إسرائيل عن مهاجمة لبنان. وكذلك الأمر فيما يتعلق بإيران. وتوازن الرعب النووى هو الذى منع وقوع حرب بين الاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة فى زمن الحرب الباردة، وهو الذى يمنع الآن وقوع الحرب بين الصين والولايات المتحدة.
ومرة أخرى نكرر أن القوانين الواردة فى القرآن الكريم تسرى على المؤمنين وغير المؤمنين، فقانون امتلاك القوة لردع العدو (إرهابه) تدركه كافة الأمم وتعمل به، وهذا ما تفعله إسرائيل مع العرب بامتلاكها للسلاح النووى والأسلحة الرادعة الأخرى، حتى أنها وصلت إلى الاعتماد على نفسها فى تصنيع هذه الأسلحة, حتى لا تعتمد فحسب على الولايات المتحدة, ولكن القرآن الكريم يخاطب المؤمنين بطبيعة الحال، لذلك يقول: (عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ)، كذلك تضيف الآية: (وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ). فامتلاك القوة يردع العدو الظاهر، ويردع العدو الخفى فى آن معا، فإستراتيجية الدولة تقوم على أساس العدو الظاهر، ولكن قد تكون هناك قوة الأخرى غير مصنفة فى إطار الأعداء، قد تنقلب فى وقت لاحق وتشكل تهديدا جديدا.
وامتلاك قوة الردع يمنع مثل هذه الأطراف أو الدول من الانقلاب من موضع الصديق إلى العدو. فالأمة القوية تعمل لها الأمم ألف حساب، أما الأمة الضعيفة فهى تكون محط أطماع أطراف متعددة تتنافس على افتراسها، كما حدث من تنافس فرنسى - إنجليزى لافتراس مصر فى أواخر القرن الثامن عشر ومطالع القرن التاسع عشر، وهو ما حدث مع باقى الدول العربية.
2- المبدأ الثانى من مبادىء الجهاد.. أننا أمة مسالمة أى لا تعتدى على أحد، ولا يوجد فى عقيدتنا القتالية.. الحرب من أجل التوسع وتحقيق مصالح اقتصادية, أو الحرب من أجل النفط والثروات المعدنية، أو الحرب من أجل فتح الأسواق، وكل هذه الدوافع التى حكمت حروب وغزوات الغرب علينا وعلى غيرنا من الأمم.
وهذه القاعدة مؤصلة فى القرآن الكريم: (وَقَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة: 190), (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (البقرة: 194), (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ . الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ) (الحج: 39-40).
وغزوات وفتوحات الإسلام الأولى لم تخرج عن هذه القاعدة، فالرسول عليه الصلاة والسلام أرسل رسائل لزعماء الدول المحيطة بجزيرة العرب يدعوهم إلى الإسلام, ولكنه لم يهددهم فى أى رسالة بالحرب إذا هم لم يدخلوا الإسلام. ولكن بداية الصراع المسلح مع الإمبراطورية الرومانية كانت بسبب اعتدائها على المسلمين فى المناطق الحدودية، بل والتهديد بحشد القوات لاجتياح يثرب، حتى كان أهل المدينة يعيشون تحت تهديد اجتياح الغساسنة (حلفاء وعملاء الرومان) فى أى وقت. وكان الرومان والغساسنة يقتلون من يدخل فى الإسلام بغيا وظلما، بل قتل الغساسنة الرسول الذى كان يحمل كتاب رسول الله إلى أمير بصرى، وكان العرف الثابت فى ذلك الزمان أن الرسل (أى المبعوثين) لا يقتلون. كذلك قتل بعض من أسلم من القبائل المجاورة. بل إن الرومان كانوا قد بدأوا فى حشد قواتهم لاستئصال شأفة محمد وصحبه, وتوقعوا أن المسلمين لابد آخذون بثأر رسول رسول الله. وهذه هى أسباب سرية مؤتة، وقد كانت سرية تأديبية لا تتجاوز 3 آلاف مقاتل, ففوجئوا بحشود هائلة من الرومان وحلفائهم بلغت فى بعض التقديرات 100 ألف. وكان هذا هو الصدام الأول بين الدولة الإسلامية الفتية وهذه الدولة العظمى. وبعد فترة وجيزة تجمعت الأنباء عن حشود رومانية لغزو المسلمين، فكانت غزوة تبوك بـ 30 ألف مقاتل، وتبوك كانت بلدة حدودية للرومان فى ذلك الوقت. وما أن وصل رسول الله إلى تبوك حتى تراجع جيش الروم وعدل عن عزمه، فأقام الرسول بتبوك أياما, وصالح بعض الأمراء, ثم عاد إلى المدينة.
وحققت الغزوة هدفها بردع العدوان حتى حين. وأثناء مرض رسول الله تكرر الموقف حيث تواردت أنباء عن التجهيز لعدوان جديد على الدولة الإسلامية, فكانت بعثة أسامة بن زيد, وكانت لها مهمة تأديبية فى مناطق الحدود مع الرومان.
ولم يكن لدى الروم أى أطماع فى غزو هذا البلد الصحراوى, ولكنهم كانوا يخشون بأس هذه القوة البازغة إلى جوارهم. والحقيقة أن الروم كانوا قوة احتلال لبلاد الشام ومصر وشمال أفريقيا، وكانت هذه الشعوب تعانى من ويلاتهم، لذلك فقد كان فتح الشام والقدس يحدث بانسيابية وسهولة نسبية، لأن السكان الأصليين كانوا متبرمين من الحكم الرومانى، فلم يقاتل الزحف الإسلامى إلا القوات الرومانية والقبائل المتحالفة معها. فبعد معركة اليرموك التى هزم فيها الروم تقدمت قوات المسلمين دون مقاومة تذكر حتى وصلت إلى غوطة دمشق, وهناك وجدوا قصور ومنازل الرومان خالية بعد أن هجروها إلى دمشق، وفتحت دمشق بعد حصار دام قرابة الشهرين, واستسلمت الحامية الرومانية, حتى أن الفقهاء اختلفوا هل فتحت دمشق صلحا أو عنوة؟! ونفس المشهد تكرر فى القدس وبنفس شروط صلح دمشق. وقد تجمعت فلول الرومان المهزومة فى مصر فكان لابد من تتبعها وتأمين الشام من عواقب الهجوم المضاد المتوقع.. وهنا نرى كيف أدرك المسلمون الأوائل الأهمية الإستراتيجية لمصر، والترابط الدفاعى بين مصر والشام، وتم فتح مصر بسهولة نسبية, بـ 4 آلاف مقاتل تم زيادتهم بعد ذلك إلى 8 أو 12 ألف, وهو عدد ضئيل للغاية بالنسبة للقوات الرومانية فيها، وتكرر نفس المشهد إذ كان المصريون فى ضيق واضطهاد بالغ من الحكم الرومانى، فسهلوا وتعاونوا مع الزحف الإسلامى للخلاص من نير الرومان، وكانت القوات الرومانية 100 ألف، ولم يخسر جيش المسلمين الصغير هذا إلا 22 رجلا!! ووصل دون قتال يذكر إلى طرابلس (أقصى غرب ليبيا), وكانت أيضا تحت احتلال الرومان الذين هربوا فى السفن إلى موطنهم الأصلى!
والصراع مع الإمبراطورية الفارسية بدأ بعدوانها, حيث أساء كسرى استقبال مبعوث رسول الله ومزق كتابه، وأمر باذان حاكم اليمن وكان تابعا للفرس أن يغزو بلاد العرب ويأت برأس محمد صلى الله عليه وسلم، وإن كان حاكم اليمن لم يتمكن من ذلك! كما أن غزوة فارس التى بدأت فى عهد أبى بكر الصديق واستمرت فى عهد عمر بن الخطاب كانت بالأساس استطرادا لحروب الردة فى أطراف البحرين، فكانت القبائل التى تدين لسلطان فارس توالى الإغارة على أرض المسلمين, فكانوا يدفعونها ويقتصون منها ويتعقبونها حتى وصلوا إلى أطراف دجلة والفرات، كما كانت هناك علاقات وثيقة بين المرتدين فى هذه المناطق والإمبراطورية الفارسية، فلما عقد المسلمون صلحا مع أهل الحيرة وكانوا حلفاء فارس فقد تداعى الصراع بين الطرفين على ما هو مفصل فى كتب التاريخ. وحتى بالنسبة للأندلس فقد استنجد أهلها بالمسلمين فى مواجهة حكم الجرمانيين الذين يطلق عليهم (القوط الغربيون), وكانوا بمنزلة قوة أجنبية ظالمة محتلة.
وفى كل هذه الغزوات لم يرصد المؤرخون الغربيون - قبل المسلمين - أى محاولة لإجبار الناس على دخول الإسلام.
نخلص من ذلك إلى أن العدوان له شكلان: القيام بغزو مباشر لأراضى الدولة الإسلامية، أو الاعتداء على المسلمين ومحاربتهم فى دينهم داخل الدول الأجنبية. والمثال الحديث للشكل الثانى هو ما حدث للمسلمين فى البوسنة والهرسك وباقى مناطق البلقان. وبطبيعة الحال فإن رد هذا العدوان يتوقف على قوة الدولة الإسلامية وقربها أو بعدها من مكان الاعتداء، كما أن مساندة المسلمين يمكن أن تأخذ صورا عدة فى حالة عدم الاستطاعة على المشاركة المسلحة المباشرة، بإرسال الأسلحة والمتطوعين، أو بمقاطعة الدول المعتدية, وممارسة أقصى ضغوط سياسية واقتصادية وإعلامية ضدها. والآية الكريمة التى تحكم هذه الحالة: (وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا) (النساء: 75), وأيضا: (وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِى الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ) (الأنفال: 72).
3- (وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِى أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ) (الأنفال: 61-62).
وهذا مبدأ مهم فى منظومة مبادىء الجهاد، فقد جاءت هذه الآية مباشرة عقب آية: (وَأَعِدُّواْ لَهُم) لتأكيد أن الحرب ليست غاية فى حد ذاتها بأى حال من الأحوال، وأن اللجوء إليها ضرورة دفاعية وحياتية وعقائدية, أى للدفاع عن الحياة والوطن والعقيدة، وإن جنح الطرف المعادى للسلم فإن من واجب المسلمين أن يستجيبوا على الفور، حتى وإن كانت هناك شبهة خداع، لأن لنا الظاهر، مع استمرار اليقظة والاستعداد لأى غدر. وقد تقرر هذا المبدأ فى آيات عدة: (فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ) (التوبة: 7), (فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ) (البقرة: 193), (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً) (النساء: 90), وعلى طريقة تحريف الكلم عن مواضعه، فإن علماء السلطان استغلوا هذه الآية، بعد عزلها عن سياقها، وعن الآية السابقة: (وَأَعِدُّواْ لَهُم) لتبرير السلام مع إسرائيل، بينما هذه الآية تخاطب المسلمين ولا تخاطب المصريين أو أية قومية محددة، فالسلام بمعنى التطبيع الكامل والتعاون مع العدو الصهيونى غير جائز شرعا فى ظل احتلالهم لفلسطين وتقتيلهم لأهلها واستمرار عدوانهم على لبنان، واحتلالهم لأراضى سورية، وحصار مسلمى غزة، وتهديد إيران وسوريا، والقيام بأعمال عدوانية ضد مصر، بتدريب متمردى جنوب السودان وتسليحهم، ومحاولة التأثير على دول منابع النيل، لتهديد حصة مصر من المياه وإغراق مصر بالمواد المسرطنة، والمخدرات، والدولارات المزيفة من خلال السياح الإسرائيليين، واستخدام العلاقات التحالفية مع الولايات المتحدة لمنع مصر من امتلاك أسباب القوة الردعية (طاقة نووية - صواريخ - أقمار صناعية - أسلحة دمار شامل)، مع استمرار نزع سلاح سيناء بلا مسوغ، لأن إسرائيل التى احتلت سيناء مرتين (1956-1967) ولم تكن سيناء مصدرا لتهديد إسرائيل، وإن كان هذا جائزا لنا لأن إسرائيل كيان معاد، ولكن فى واقع الأمر فإن هذا لم يحدث.
وحتى لو التزموا معنا (كمصر) بمعاهدة السلام فهذا لا يعنى التخلى عن أخوتنا فى الإيمان والعروبة، وقد كان السبب الأساسى لكامب ديفيد - من وجهة نظر الحلف الصهيونى - الأمريكى - عزل مصر عن العرب، لإضعاف الطرفين, وإخراج مصر من الصراع لتسهيل عملية افتراس الآخرين. وليس صحيحا ما يتردد أن الأطراف العربية هى التى رفضت "السلام"، بل إن إسرائيل تؤكد كل يوم أنها لن تتنازل عن معظم الأراضى التى احتلتها عام 1967، وهى لم تنسحب من لبنان إلا تحت وقع ضربات المقاومة. فمصر هى الطرف الوحيد الذى تلقى وعدا صريحا باستعادة كامل أرضه المحتلة لإخراج مصر كأكبر دولة عربية من الصراع. والطريف أن كامب ديفيد ومعاهدة السلام نصتا على تحقيق السلام مع كل الأطراف, وهذا ما لم تلتزم به إسرائيل.
وإسلاميا لا يجوز التخلى عن أخوة العروبة والإسلام من أجل الحصول على الأرض المصرية بشروط مجحفة, ليس بنزع سلاح سيناء فحسب, بل بنزع استقلال مصر!! ولكن بما أن الانسحاب الإسرائيلى قد تم فنحن لا نطالب بإعادة سيناء لإسرائيل!! ولكن اعتبار ما جرى مجرد هدنة، وليس انطلاقا لإقامة سوق مشتركة مع العدو الصهيونى (الكويز - غاز - سياحة - تعاون زراعى.. إلخ) فى وقت تقوم به بتهويد القدس وتهديد الأقصى بالإزالة.
ولكن العدو الخبيث لا يمكن أن يكون مستقيما معنا، بينما ينهش فى لحم أخوتنا فى فلسطين ولبنان. لأن العدو يحارب الأمة ككل ولا يدخل فى صراع مع أقطار متناثرة، فحتى إذا تناثرت الأقطار العربية، فإن العدو الصهيونى يتعامل معها كحزمة واحدة. ولهذا فإن العدو الصهيونى لم يكتف بجائزة الهدنة الطويلة مع مصر، ولكنه استغل هذه الهدنة لتفتيت مصر وإضعافها من الداخل. وكان أبلغ تعبير عن ذلك ما قاله مؤخرا عاموس يادلين رئيس جهاز المخابرات العسكرية الإسرائيلية المنتهية ولايته فى 2010 حيث قال فى حفل علنى بمناسبة اعتزاله: (أما فى مصر الملعب الأكبر - وضع تحت الأكبر عدة خطوط - لنشاطاتنا، فإن العمل تطور حسب الخطة المرسومة منذ 1979. لقد أحدثنا اختراقات فى أكثر من موقع، ونجحنا فى تصعيد التوتر والاحتقان الطائفى والاجتماعى، لتوليد بيئة متصارعة متوترة دائما، ومنقسمة إلى أكثر من شطر فى سبيل تعميق حالة الاهتراء (هل هذه لغة أصدقاء، ولغة سلام؟!) داخل بنية المجتمع والدولة المصرية، لكى يعجز أى نظام يأتى بعد حسنى مبارك عن معالجة الانقسام والتخلف والوهن المتفشى فى مصر).
كما أشار إلى دور إسرائيل فى تمزيق السودان (وهو ما يمثل تهديدا مباشرا لأمن مصر..): فى السودان أنجزنا عملا عظيما للغاية، لقد نظمنا خط إيصال السلاح للقوى الانفصالية فى الجنوب، ودربنا العديد منها، وقمنا أكثر من مرة بأعمال لوجيستية لمساعدتهم. لقد نشرنا هناك فى الجنوب ودارفور شبكات رائعة وقادرة على الاستمرار بالعمل إلى مالا نهاية. ونشرف حاليا على تصميم (الحركة الشعبية) هناك، وشكلنا لهم جهازا أمنيا استخباريا!
وفى سبتمبر 2008 ألقى آفى ديختر وزير الأمن الداخلى الصهيونى محاضرة فى معهد أبحاث الأمن القومى الإسرائيلى لا تقل صراحة ولا تقل خطورة. حيث أكد ما قلناه دوما أن سيناء منزوعة السلاح هى رهينة فى يد إسرائيل يمكن أن تحتلها فى أى وقت، وأن الهدف من عودة سيناء بهذا الشكل إخراج مصر من الصراع (راجع دراستنا: من كامب ديفيد إلى مدريد) وأن تكون إعادة احتلالها سلاحا رئيسيا فى حالة حدوث أى تغيير سياسى فى مصر على غير هوى إسرائيل. (نحن نستعد - بالتنسيق مع الولايات المتحدة - لمواجهة أى طارىء بما فيها العودة إلى سيناء إذا استشعرنا أى انقلاب فى السياسة المصرية تجاه إسرائيل، فعندما انسحبنا من سيناء كان ذلك يعنى أن تبقى ضمنا رهينة. بالإضافة لوجود قوات أمريكية فى سيناء تمتلك الحرية والقدرة على المراقبة، بل ومواجهة أسوأ المواقف وعدم الانسحاب تحت أى ظرف من الظروف) وأكد انعدام السيادة المصرية على سيناء بالقول بأن إدخال 600 من أفراد الشرطة المصرية لحدود غزة، (جاء بعد مخاض عسير داخل الحكومة) يقصد الحكومة الإسرائيلية لا المصرية! وأضاف (سيناء بعمق 250 كيلومترا مجردة من السلاح هى الضمان الذى لن نتخلى عنه فى كل الظروف).
ويتوافق ذلك مع ما أكده مصدر مصرى مسئول لى شخصيا عندما كنت أحاوره حول عدم تعمير سيناء فقال لى: (هناك خطة متكاملة لتعمير سيناء بما فى ذلك توطين ما بين 3-5 ملايين مصرى, ولكن هناك فيتو أمريكى على هذا المشروع), والواقع أنه فيتو إسرائيلى - أمريكى, لأنه يصعب على إسرائيل إعادة احتلال سيناء إذا كان بها عدة ملايين من المصريين.
وكل هذه الأعمال والتصورات لا تمت إلى روح السلام بصلة، وبالتالى فإن آية الجنوح للسلم لا تتوافق إطلاقا مع هذه الأوضاع على المستوى المصرى والعربى والإسلامى، ولا يعنى ذلك أننا ندعو لأى حرب فورية على إسرائيل، بل إننا إذا تمسكنا بمبدأ: (وَأَعِدُّواْ لَهُم) فإننا سنحقق كثيرا من أهدافنا، مع تقديم كل الدعم للمقاومة الفلسطينية بدلا من محاصرتها (راجع دراستنا: إستراتيجية تحرير فلسطين أصبحت واضحة المعالم - مجلة منبر الشرق - العدد 27). والحد الأدنى المطلوب حاليا هو وقف كافة أشكال التطبيع والتعاون مع الكيان الصهيونى وإنهاء حصار غزة.
ولكن من المهم للغاية إسقاط ثقافة الفزع من الحرب التى يروجها النظام منذ عام 1979، لأن هذه الثقافة تفت فى عضد الأمة، وتروج للهزيمة والخنوع والإذلال والضعف، وتغرى بنا الأعداء. وهى من قبل ومن بعد تتعارض مع الأحكام القطعية لديننا الحنيف الذى جعل الجهاد فريضة على كل مسلم ومسلمة. وحتى فى حالة الجنوح للسلم أو الهدنة، فإن ذلك لا يسقط فريضة الجهاد بمعنى الاستعداد والإعداد المادى والمعنوى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) (البقرة: 216).
4- الإنفاق على الجهاد: يبدو أن آيات سورة الأنفال 60-62 تحوى المبادىء الأساسية للجهاد، فجاء فيها: (وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ), فالإنفاق فى سبيل الله، ركن أساسى لإعداد القوة، وإذا كان ذلك واضحا لحظة نزول هذه الآية الكريمة، فإنه الآن أكثر وضوحا بما لا يقاس، بعد التطورات المتلاحقة فى أدوات الحرب الحديثة، وتكاليفها عالية للغاية، ولكن الله يحضنا على ألا يكون ذلك سبب للنكوص عن الإعداد. وأن الله سيبارك فى هذا الإنفاق، بحيث لا يكون سببا فى العسر الاقتصادى العام، بالإضافة لجزاء الآخرة. فما أهمية أن نبنى اقتصادا متطورا (وهذا لم يحدث خلال 33 عاما من الهدنة مع إسرائيل!) ثم يأتى العدو ليدمره فى لحظة، وما أهمية الإنفاق فى شتى النواحى المدنية مقابل بيع العقيدة والشرف والكرامة والاستقلال. ولقد برهنت تجارب الشعوب على أن الإنفاق على البحث العلمى والتصنيع الحربى يعود بالخير على القطاع المدنى، فكثير من المنجزات التكنولوجية المعاصرة بدأت أولا فى المجال الحربى (كالمركبات - والطائرات - والصواريخ - والطاقة النووية - وأجهزة اللاسلكى - والإلكترونيات.. إلخ) (راجع كتاب: الحرب على هدى القرآن والسنة - أحمد حسين).
ورغم أن الله سيوفينا أجرنا فى الآخرة, وهذا هو الأهم، ولكن الله لم يجعل العمل للآخرة متعارضا مع إصلاح الدنيا، وإلا ما استقام الأمر، وتحول الأمر الإلهى للمؤمنين إلى ما فوق طاقة البشر. فالجوائز الدنيوية الروحية والمادية من عوامل تشجيع المؤمنين على السير المستقيم فى طريق الآخرة. وهذا لا ينفى البركة الإلهية الغيبية التى لا يمكن حسابها بأى آلة حسابية، ولكننا نشعر بها ونلمسها. وهذا معنى الآية الكريمة التى تشير إلى مضاعفة الأجر 700 مرة أو أكثر: (مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِى سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء) (البقرة: 261).
والإنفاق فى سبيل الله يعنى إعطاء نسبة معقولة لذلك فى الميزانية العامة فى وقت السلم وتتزايد فى وقت الحرب، ويعنى الاستفادة من أحد مصارف الزكاة فى ذلك (مصرف فى سبيل الله)، ويعنى التبرع المالى الاختيارى من المواطنين للمجهود الحربى فى السلم وليس فى الحرب فحسب، لأن الآية تتحدث عن الإعداد. كذلك فإن فرض ضرائب عند الحاجة لتمويل احتياجات الدفاع أمر وارد على أن يتم البدء بالأغنياء (فتوى الشيخ العز بن عبد السلام فى زمن الحرب ضد التتار).
5- مبدأ الردع: وقد تحدثنا عن ذلك فى تناولنا لمعنى: (تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ), ولكن لأهمية هذا المبدأ نزيده تفصيلا، فالإعداد لا معنى له إذا لم يحقق الهدف منه وهو الردع، وإيجاد توازن رعب مع العدو، فإذا كان العدو يتسلح بالقنابل النووية بالإضافة لأحدث الطائرات والدبابات وأساليب الحرب الإلكترونية، فإننا لن نحقق الردع بصناعة البنادق مثلا!! ونحن نتحدث هنا عن العدو الصهيونى، ولا يعنى الردع أن تكون القوة متساوية أو أكبر، فقد تكون أقل ولكن بصورة تكفى لإحداث ضرر بالغ للعدو يردعه عن الاستخفاف بمهاجمتنا. فإذا امتلكت إسرائيل أسلحة دمار شامل بما فى ذلك النووى، فلابد أن يكون لدينا قدر كاف منها لردعه، وهذا سهل مع العدو الصهيونى حيث يتركز اليهود فى مثلث محدود فى وسط إسرائيل، كذلك فإن اليهود: (أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ) (البقرة: 96), لذلك لابد من امتلاك القدرات على حمل وإيصال هذه الأسلحة (صواريخ - طائرات حديثة) مع ملاحظة أن الصواريخ ثبت أنها أقل تكلفة بكثير، وتحدث نفس آثار القصف الجوى بطائرات. ومبدأ الردع نجده فى عدة آيات أخرى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (البقرة: 194), (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ) (النحل: 126).
وتحدثنا من قبل عن التوازن بين حزب الله (وهو فى النهاية حزب صغير) والكيان الصهيونى، أو بين الحلف السورى - الإيرانى - الفلسطينى - اللبنانى وإسرائيل، ومن أبرز دروس الردع وتوازن الرعب الحديثة أن امتلاك باكستان لسلاح نووى لردع الهند عن مهاجمة باكستان كما فعلت ثلاث مرات من قبل قد نجح فى إيجاد توازن بين البلدين، وإن كانت ترسانة باكستان أقل بكثير من الترسانة الهندية، ولكنها كافية لإحداث أضرار كبيرة لردع الهند.
6- روح الجهاد والاستشهاد.. إلا أننا نملك سلاحا لا يملكه العدو، وهو السلاح الذى يحسم الصراع فى النهاية، فمع أهمية الحرص على التقدم التكنولوجى فى مجال التسليح للدفاع عن النفس، ولمواجهة التفوق الإسرائيلى الحالى، ينبغى أن يكون اعتمادنا الأساسى على تفوقنا البشرى الساحق. فالشعب المؤمن المتعلم المدرب المقاتل من حول القوات المسلحة هو أساس المواجهة الناجحة وضمان الأمن الدائم. وفى مواجهتنا الممتدة مع الأعداء الجبناء ثابت الآن كيف يغلب المنهج الجهادى والاستشهادى كل ما يحملون من عتاد كثيف متطور. فروح الجهاد والاستشهاد هى هذا السلاح الذى يحسم الصراع فى النهاية. وهذه لابد من غرسها فى الشعب والقوات المسلحة معا، بالتربية وإعادة الاعتبار لقيم الجهاد فى التعليم والإعلام وخلال التدريبات. ولدينا فى هذا المجال ترسانة عقائدية فى قاعدتها: القرآن والسنة، وتاريخ ثرى بتجارب الفداء والتضحية والاستشهاد لابد أن تتحول إلى كتب ومقالات ومحاضرات وأعمال روائية وأدبية وأعمال فنية فى المسرح والسينما والتلفاز والإذاعة.

والمعروف أن رجال الدعوة الإسلامية كان لهم دور كبير فى شحن قوى المقاتلين فى حرب أكتوبر. وكان لهم دور فى المقاومة الشعبية فى السويس التى منعت الصهاينة من احتلالها، وكان لهم دور فى فك الحصار عن الجيش الثالث فى سيناء (راجع مذكرات الشيخ حافظ سلامة زعيم المقاومة الشعبية فى السويس).


التعليقات

محمد النوبي
السبت, 05 مارس 2011 - 12:00 am


لكي نبني جيش قوي لابد من قطع أي علاقة للجيش المصري مع أمريكا وعدم قبول أية مساعدات أمريكية لكي لا تملي علينا إملآتها ونعتمد على أنفسنا ولدينا من العلماء ما يجعلوننا ضمن الدول المتقدمة إذا أخلصنا في هذا الأمر

أضف تعليق


عدد الحروف المسموح بها 1000 والمتبقي منها
ادخل الكود التالي
CAPTCHA Image
صورة اخرى
الموقع غير مسئول قانونا عن التعليقات المنشورة