(19) مبحث حول البيئة فى مصر
الثلاثاء, 08 فبراير 2011 - 12:00 am

البيئة هى الوسط أو الحيز الذى يعيش فيه الإنسان ويمارس فيه نشاطه, وتشتمل البيئة على الكائنات الحية من نبات وحيوان وكائنات دقيقة, تحيط بها مجموعة من المواد مثل الهواء والماء والتربة والقوى مثل الطاقة الشمسية والرياح وجريان المياه والأمواج, وترتبط فيما بينها بعدة تفاعلات تؤثر فيما بينها بما يحقق التوازن البيئى, أى بما يعنى المحافظة على مكونات البيئة بإعداد وكميات مناسبة على الرغم من نقصانها وتجددها المستمرين, حيث أوجد الله سبحانه وتعالى تلك المكونات بقدر وتوازن معلوم: (الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِى الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) (الفرقان: 2), (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) (القمر: 49), (وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِى وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ) (الحجر: 19), وما يحدث من خلل فى التوازن البيئى ينتج عن تأثير لبعض الأنشطة البشرية مثل الاستنزاف الجائر للموارد الطبيعية, أو التعامل معها بدون تقدير لأهميتها مما يؤدى إلى تغير فى العوامل الطبيعية مثل: تغير درجات الحرارة - جفاف المياه - تغير خواص التربة.. إلخ), وقد لخص القرآن الكريم ذلك فى هذه الآيات الكريمة: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِى عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم: 41), (وَلا تُفْسِدُوا فِى الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) (الأعراف: 56), (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِى الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (العنكبوت: 36).
ومن هذا المنطلق القرآنى فإن هدفنا الأساسى هو الحفاظ على الموارد الطبيعية التى حبانا الله بها, وتنميتها تنمية مستدامة, أى استخدام هذه الموارد بما يكفل تلبية الحاجات الأساسية والمشروعة للجيل الحاضر دون الإخلال بقدرة الموارد الطبيعية ونظمها البيئية على الوفاء بتلبية احتياجات الأجيال المقبلة.
والموارد الطبيعية قسمان, موارد متجددة مثل المزارع والمراعى والمصايد والغابات, وغير متجددة مثل المعادن والوقود الحفرى ومياه الخزانات الجوفية, وتحقق التنمية المستدامة التوازن بين تفاعلات المنظومات الثلاث التى يتألف بها إطار الحياة للمجتمع البشرى وهى: الطبيعة - التقنية - المجتمع (تقرير لجنة الأمم المتحدة للبيئة والتنمية - 1987, مداولات مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة والتنمية - 1992).
البيئة فى مصر:
تشغل أرض مصر الجزء الشمالى الشرقى لقارة أفريقيا, وهى عبارة عن مربع يمتد حوالى 1073 كم من الشمال إلى الجنوب, وحوالى 1229 كم من الشرق إلى الغرب بمساحة أكثر قليلا من مليون كم2 (1.019.600 كم2) التى تمثل حوالى 3% من المساحة الكلية للقارة الأفريقية, وتقع مصر بين عشر درجات خطوط عرض (من خطى عرض 22 ْ شمالا، 32 ْ شمالا), وهذا يعنى أن مصر فى معظمها تقع فى المنطقة المعتدلة, وأقل من ربعها يقع جنوب مدار السرطان, وهذا يجعل مصر جزء من الحزام الصحراوى العظيم الممتد من المحيط الأطلنطى فى الغرب مارا شرقا بكل شمال أفريقيا وشبه الجزيرة العربية. وتتصف مصر بمناخ حار يكاد يكون غير مطير حيث متوسط الأمطار السنوى على مساحة مصر لا يزيد عن 10 مم وحتى على امتداد الشريط الساحلى الشمالى الضيق لمصر (ساحل البحر المتوسط) حيث تسقط معظم الأمطار فإن متوسطها السنوى أقل من 200 مم, وتقل الكمية سريعا كلما اتجهنا جنوبا, وندرة الأمطار تدل على حقيقة واضحة أن الجزء الأعظم لمصر ما هو إلا صحارى قاحلة فقط, ومن خلال نهر النيل حيث كمية ضخمة ومنتظمة من المياه الواردة من المرتفعات العالية الواقعة على مئات الكيلومترات فى الجنوب (حيث تتواجد فى عدة دول إفريقية ما يطلق عليها دول المنبع ومن أهمها إثيوبيا وأوغندا) هناك كمية من المياه العذبة تصل إلى مصر فى مجرى نهر النيل والمكون من المجرى الرئيسى فى مصر العليا (الصعيد) وفرعيه: دمياط ورشيد بالدلتا (مصر السفلى) بالإضافة إلى بحر يوسف بالفيوم, وهذه المناطق (مصر العليا والدلتا والفيوم) تتصف بأراضيها الخصبة التى تغطى أقل من 4% من مساحة مصر الكلية وعليها يعيش معظم السكان.
ونهر النيل له تأثيره المباشر ليس فقط على الصفات الطبيعية فى مصر, ولكن على تاريخها وسكانها, فقد ذكر العالم الإغريقى القديم هيرودوتاس (454 - 425 قبل الميلاد) عبارته الشهيرة "مصر هبة النيل", وهذه العبارة تعتبر حقيقة واقعة لأن نهر النيل أعطى مصر - ولا يزال - الخصوبة التى تمكنها من التنمية الزراعية, وتحقق لها ولأبنائها مزيد من التطور والمدنية والاستقرار.
ونتيجة لتواجد حوالى 83 مليون نسمة من السكان يستغلون هذه الرقعة الصغيرة من الأراضى الخصبة, بالإضافة لبعض الموارد من المصايد السمكية والمعدنية على السواحل وفى الصحارى فقد نشأ عن ذلك استغلال مفرط وغير مخطط للموارد الطبيعية المتاحة, صاحبه ضعف فى التقنيات, واستسهال فى تطبيق اللوائح والنظم والقوانين, وصل لدرجة التغاضى عن عمد مما أوجد العديد من المشكلات والقضايا البيئية الرئيسية نوجزها فيما يلى:
1- التصحر: ظاهرة التصحر تطلق على حدوث عملية هدم أو تدمير للطاقة الحيوية للأرض (التربة والنبات الطبيعى وموارد المياه) بفعل العوامل البشرية أو المناخية أو كليهما معا, والتى يمكن أن تؤدى فى النهاية إلى ظروف تشبه ظروف الصحراء, وهو مظهر من التدهور الواسع للأنظمة البيئية الذى يؤدى إلى تقلص الطاقة الحيوية للأرض المتمثلة فى الإنتاج النباتى والحيوانى بما يؤثر سلبا على صحة الحيوان والإنسان, ويحرمهما من فرص الحياة للوجود البشرى.
أعلنت الأمم المتحدة فى السبعينيات أن مصر أولى دول العالم صحراويا نظرا للظروف القاسية التى تتميز بها الصحراء بها حيث تحتوى على حوالى 86% من الأراضى شديدة القحولة و14% أراضى قاحلة، وحيث يعتبر مناخ مصر شبة معتدل على سواحل المتوسط وجاف فى الدلتا والوادى وشديد الجفاف فى الأراضى الصحراوية, وتؤدى هذه التغيرات المناخية إلى اختلاف عمليات تدهور التربة وفى درجاتها وآثارها من منطقة إلى أخرى، وتتفاوت درجات التصحر فى مصر من التصحر المعتدل حيث يقل إنتاج الأراضى بنسبة تتراوح بين 10 إلى 25%, إلى التصحر الشديد والشديد جدا حيث يقل إنتاج الأراضى بنسبة تصل إلى أكثر من 50% كما هو حال الأراضى الواقعة فى شرق وشمال غرب الدلتا, ومن أهم المشاكل التى تتعرض لها الأراضى فى مصر وتتسبب فى التصحر ما يلى:
أ‌- فى منطقة الصحراء الغربية والواحات يساء استعمال المياه وتتعرض للفقد السريع نظرا للقيام فى الزراعة بعمليات الرى السطحى بالغمر, ومما يتسبب أيضا فى تمليح التربة نتيجة تغدقها بالمياه مما يحدث بها تفتت لطبقة الجبس (الكالسيوم والكبريت) ويحدث نتيجة لذلك انهيار بناء التربة, بحيث تصبح أراضى متصحرة غير صالحة للزراعة معرضة لزحف الرمال بدون عائق, مما ينتج وصول الكثبان الرملية إلى أراضى الدلتا والوادى القريبة علاوة على حدوث عمليات تحميل المرعى فوق طاقته الرعوية, بالإضافة إلى تحويل الأراضى الرعوية إلى أراضى تستخدم فى الزراعة المطرية الموسمية.
ب‌- الانجراف المائى نتيجة تجمع المياه والأمطار من المناطق المرتفعة فى الصحراء الشرقية وشبه جزيرة سيناء ذات المساحات الكبيرة إلى الوديان المحدودة المساحة ذات الميول السريعة وفى اتجاه المناطق الساحلية المنخفضة, مسببة السيول, وتضيع معظم هذه المياه فى البحر الأحمر أو فى قاع الوديان بعد تجريفها للتربة أثناء تحركها حاملة معها المواد العضوية والعناصر الغذائية, ويساعد على هذه العملية قلة وجود الغطاء النباتى وتعرضه للرعى الجائر فى تلك المناطق, وبالتالى يجب العمل على الاستفادة من هذه المياه فى الزراعة مع العمل على إعادة تأهيل الغطاء النباتى.
ج‌- تقع معظم المساحات الزراعية فى مصر على امتداد وادى ودلتا النيل, وتتميز هذه الأراضى بأنها تربة رسوبية خصبة تكونت من آلاف السنين نتيجة طمى النيل القادم إليها مع مياه نهر النيل, هذه الأراضى تعتمد فى عمليات الرى على مياه نهر النيل, وهذه الأراضى قلوية بطبيعتها نتيجة لارتفاع نسبة الأملاح بها مع الظروف الجوية الحارة.
ولكن تتعرض هذه الأراضى لعمليات تجريف وتعرية متعددة نتيجة عمليات الرى السطحى والرى بالمياه المخلوطة بمياه الصرف الزراعى العالية الملوحة, الذى يسبب عملية إغراق الأراضى بالمياه وحدوث ظاهرة التطبيل (ارتفاع منسوب الماء الأرضى) وتعرض الأرض للتملح, ويزيد على ذلك الاستخدام المكثف للأسمدة الكيماوية والمبيدات, وقلة تعويض التربة ما فقد منها من المادة العضوية عن طريق الأسمدة العضوية خاصة مع انقطاع طمى النيل بعد بناء السد العالى, ومع غياب أيضا الدورات الزراعية والتركيب المحصولى المناسب, علاوة على تعرضها إلى عمليات التجريف مما يلزم الاتجاه إلى أساليب الرى الحديثة والاقتصادية مع زراعة المحاصيل قليلة الاحتياج للمياه, والمحافظة على التنوع البيولوجى الزراعى التى تتميز به المنطقة, والحد من عمليات الزحف العمرانى والبناء على حساب المناطق الزراعية.
د‌- فى المناطق الساحلية الشمالية حيث الصفات الطبيعية لهذه المناطق مع الصفات المناخية تؤدى إلى حركة نشطة للمياه السطحية حيث تتحرك من المرتفعات إلى الوديان والمناطق المنخفضة, مما يؤدى إلى حدوث الانجراف المائى للتربة من المرتفعات والسفوح إلى المنخفضات, وغالبا تفقد هذه المياه فى مياه البحر الأبيض المتوسط, ويؤدى الانجراف المائى إلى الترسيب والإطماء السريع للمواد المنجرفة فى المنخفضات أو خزانات السدود, وتتميز معظم أنواع التربة هناك بأنها أراضى رطبة وملحية وتربة رملية متوسطة القوام, وتعتبر هذه المنطقة من المراعى الطبيعية الهامة فى مصر, وتقدر مساحتها بنحو 6.5 مليون فدان, منها نحو 3.75 مليون فدان فى الساحل الشمالى الغربى, ونحو 2.85 مليون فدان فى الساحل الشمالى لسيناء, وأهم عوامل التدهور فى هذه الأراضى هو عمليات الرعى الجائر وتآكل الغطاء النباتى بدرجات متفاوتة نتيجة لزيادة الحمولة الرعوية وزيادة عدد رؤوس الحيوانات عن قوة التحمل, وأيضا تحويل مساحات كبيرة من الأراضى الرعوية الطبيعية إلى زراعات مطرية وبعلية والتى تعتبر من عوامل تدهور التربة بهذه المنطقة نظرا لفقد الغطاء النباتى الطبيعى لها, ونظرا للقيام بعملية الحرث وإعداد الأرض للزراعة مع كونها أراضى هشة الصفات, مما يزيد من تعرض التربة للانجراف وانخفاض إنتاجيتها وضياع العائد الاقتصادى المرجو منها, ونتيجة لذلك يؤدى أيضا إلى هجرة البدو والسكان إلى المدن الكبيرة للحصول على فرص الرزق الأخرى, مما يشكل عبئا اقتصاديا أيضا بعكس إذا ما استخدمت هذه الأراضى فى تنمية المراعى الطبيعية وأحسنت إدارتها.
2- تجريف التربة فى مناطق الدلتا والوادى: بهدف استخدام الطبقة السطحية فى صناعة الطوب الأحمر علاوة على تعرضها إلى عمليات البناء وعمليات الزحف العمرانى (خسرت الزراعة المصرية فى غضون الخمسين سنة الأخيرة أكثر من المليون فدان من أجود الأراضى) (محمد عبد الفتاح القصاص - 2000), وتشير بعض الإحصائيات المتشائمة إلى معدل تناقص فى مساحة الأرض الخصبة يصل إلى ألف متر مربع فى الساعة الواحدة, ويقدر متوسط ما يفقد من الأراضى الزراعية لاستخدامات أخرى مثل تشييد الطرق وأعمال البنية الأساسية والمساكن وغيرها منذ عام 1990 بحوالى 25 ألف فدان سنويا.
3- تلوث مياه نهر النيل ومجاريه: يرجع تلوث النيل ومجاريه إلى عدة أسباب منها:
أ‌- رمى مخلفات الأسطول التجارى النهرى الذى تزيد عدد وحداته عن 3000 وحدة (بواخر سياحية - مراكب نقل بضاعة - لنشات تنزه).
ب‌- رمى مخلفات 400 فندق على شاطىء النيل.
ج‌-  ضخ مياه الصرف الزراعى الملوثة ببقايا المبيدات والأسمدة إلى مجرى النهر أو فروعه.
د‌-  إلقاء مخلفات صناعية تقدر بحوالى 500 مليون متر مكعب سنويا فى  المجارى المائية (الترع والمصارف) حيث يقدر عدد المصانع التابعة لوزارة الصناعة المشاركة فى هذه الجريمة 1182 مصنع و1100 مصنع تابع لوزارة الحكم المحلى و212 مصنع تابعة لوزارات مختلفة, هذا بالإضافة إلى 1200 منشأة صناعية تتبع القطاع الخاص (التلوث المائى - د. طلعت الأعوج - 1999), وتبين الدراسات أن 47% من هذه المخلفات تلقى فى منطقة القاهرة الكبرى (أى تحت سمع وبصر صناع القرار والأجهزة التنفيذية الحاكمة.. من يعطى التراخيص لإنشاء هذه المصانع وأين أجهزة الرقابة والمتابعة البيئية؟), ونتيجة للكمية الكبيرة من المخلفات تعجز محطات معالجة مياه الشرب عن تنقية هذه المياه وتخليصها من الملوثات, خاصة المواد الهيدروكربونية والكيماويات الأخرى التى تتفاعل مع الكلور المستخدم فى تعقيم المياه وتكون مواد هيدروكربونية مكلورة تسبب أمراض سرطانية للسكان الذين يستخدمون هذه المياه فى الشرب.
4- تغير المناخ: يعتبر مناخ الأرض مناخ متقلب طبيعيا, حيث تتأرجح درجة حرارة الأرض بين الارتفاع والانخفاض على مر الزمن منذ آلاف السنين, ولكن ضمن نطاق يبقيها ملائمة للحياة وذلك نتيجة لما يسمى "ظاهرة الدفيئة", والتى تحدث نتيجة تجمع للمكونات الغازية الموجودة فى الغلاف الجوى سواء كانت طبيعية أو بشرية المنشأ مثل غاز ثانى أكسيد الكربون والميثان وبخار الماء وأكسيد النيتروز والأوزون, والتى تسمى غازات الدفيئة (Greenhouse Gases) على شكل غلاف يحيط بالأرض يختلف تركيزه من منطقة لأخرى, ومن ميزاته أنه يسمح بمرور أشعة الشمس حيث تمتص الأرض جزء منها وتعكس الباقى مرة أخرى, حيث يمتص فى هذا الغلاف الغازى, مما يؤدى إلى اكتسابه طاقة تنعكس إلى الأرض على شكل حرارة, شأنها فى ذلك شأن البيوت الزجاجية التى تحمى المزروعات المستنبتة داخلها من الأجواء الباردة المحيطة بها حيث يسمح زجاج تلك البيوت بنفاذ أشعة الشمس من الخارج إلى الداخل فتسخن النباتات والتربة داخل هذه البيوت, ومن ثم تنبعث منها إشعاعات حرارية تحاول النفاذ إلى خارج البيت الزجاجى فلا يسمح لها ويؤدى توالى الاحتباس الحرارى فى البيوت الزجاجية إلى رفع درجة الحرارة داخلها, كذلك الغلاف الجوى للأرض فإن غازات الدفيئة تكون غلالة (سحابة) دقيقة تحيط بالأرض من كل ناحية, وتؤدى نفس العمل الذى تقوم به الألواح الزجاجية أو الأغلفة البلاستيكية التى تحيط بالبيوت الزجاجية الزراعية, مما يتسبب فى رفع درجة الحرارة على سطح الأرض خاصة فى أجزاء الغلاف الجوى الملاصقة للأرض.
ولقد أثبتت الدراسات حدوث ارتفاع فى تركيز غازات الدفيئة فى الجو خاصة ثانى أكسيد الكربون, وأيضا غازات أخرى, وتلك الغازات ناتجة عن تزايد الأنشطة البشرية, وقد أدى ذلك إلى زيادة كمية الأشعة الممتصة وكمية الطاقة المنعكسة إلى الأرض فى شكل حرارة, مما أدى إلى ارتفاع متوسط حرارة الأرض فوق المعدل الطبيعى, وهو ما أدى إلى بروز ظاهرة التغير المناخى التى لها تأثيرات سلبية تهدد مناخ الأرض والطبيعة, من أبرزها ارتفاع مستوى سطح البحار نتيجة ذوبان الجليد فى القطب الجنوبى, وبما يهدد الكثير من المدن الساحلية, بالإضافة إلى أن تغير المناخ يمكن أن يؤدى إلى حدوث تغير فى توزيع الأمطار على سطح الأرض مما يسبب الفيضانات والسيول فى بعض أجزاؤها والتصحر فى أجزاء أخرى, ومن أمثلة تلك الأنشطة البشرية ازدياد كميات الغازات نتيجة للعمليات الصناعية, بالإضافة إلى إزالة الغطاء النباتى الطبيعى فى الغابات والمراعى وإتلاف الأراضى الزراعية, كذلك بسبب المعدلات العالية لاستخدامات الوقود الحفرى (البترول والفحم).
رصدت دراسة قام بها د. خالد عودة وآخرون بجامعة أسيوط حقيقة ارتفاع مستوى سطح البحر العالمى بشكل خطير خلال السنوات المقبلة، وأشارت إلى التقارير الدولية التى تنذر بزيادة هذا المنسوب بشكل يقينى إلى متر واحد فى نهاية القرن الحالى، وانتهت الدراسة إلى أن دلتا النيل فى المرمى المباشر لهذه الزيادة، التى إن حدثت ستغرق ثلث الدلتا، ما لم تتحرك الحكومة سريعا لتلافى الآثار المدمرة، التى تصل إلى تهجير ١٠% من السكان وتدمير ١٢% من المساحات المزروعة فى مصر, وأسباب ذلك تعود إلى انعدام حمولة النهر من الطمى اللازم لتجديد شباب النيل، أو هجرة الكثبان الشاطئية الحالية للغرب بفعل الرياح، أو عمليات النحر البحرى, وإلى عمليات التجريف البشرية للكثبان والتلال الرملية الموجودة على شواطىء الدلتا بغرض إنشاء أو توسيع شواطىء وأحواض داخلية صناعية، أو إنشاء وتوسيع موانىء، أو استهلاك الرمال فى أغراض البناء, كما تستمر عمليات التجفيف للبحيرات الشمالية بالدلتا، على الرغم من أنها تمثل النطاق الرطب المتعادل الذى يفصل البحر عن السهول الزراعية الجافة. وعمليات التجفيف المستمرة لهذه البحيرات التى تقوم بها الحكومة من جهة بغرض التنمية العمرانية ومد الطرق وخطوط الكهرباء ومشروعات البترول والغاز الطبيعى، أو الأفراد من جهة أخرى بغرض إنشاء المزارع السمكية قد تسبب فى تغيير طبيعة هذه البحيرات وتقلص مساحاتها بنسب تتراوح بين ٥٠% و٨٣% من مساحاتها الأصلية, ولقد ترتب على تجريف وتجفيف البحيرات تغيير خريطة الساحل الشمالى للدلتا المصرية وتراجعت حدود الشواطىء ومساحات الأراضى الرطبة التى تفصل الدلتا عن البحر.
5- التنوع البيولوجى (الحيوى): وهو التباين بين أنواع الكائنات الحية (نباتات - حيوانات - كائنات دقيقة) من خلال وجودها فى الأنظمة البيئية التى تعيش فيها, ويتضمن هذا الاختلاف فيما بين الأنواع أو بين الأنواع وبين الأنظمة البيئية, وهذا التباين يضمن التوازن فى هذه الأنظمة البيئية حيث تعتمد الأنواع على بعضها فى غذائها, كما تساعد بعضها البعض فى العمليات المؤدية لحدوث التلقيح (بعض الحشرات تقوم بعملية التلقيح فى النباتات لتتمكن من إنتاج الثمار), وكذلك فإنها تمد الوسط الذى تعيش فيه من خلال عمليات التمثيل الغذائى لها ببعض العناصر أو المكونات التى تساعد على حدوث الاتزان البيئى, وللتنوع الحيوى العديد من الفوائد الاقتصادية والطبية منها: يمد الإنسان بكثير من منتجات الغذاء, والألياف للملابس, والأخشاب ومواد البناء, والمواد الملونة (الأصباغ), والمواد الصناعية, وخامات الأدوية للأمراض المختلفة, التنوع فى مجال المحاصيل الزراعية يساعد على مقاومة الآفات, ومن أهم فوائده احتوائه على الأصول الوراثية لجميع الأنواع النباتية والحيوانية المستأنسة والمستخدمة فى الأغذية والزراعة والدواء وغيرها (مثل القمح البرى والشعير البرى الذى يوجد فى غرب مطروح والأرز البرى.. إلخ) حيث يلجأ إليها العالم لمقاومة الجفاف والملوحة والأمراض, ومن هنا تصبح المحافظة عليه هاما ليس من الناحية التراثية القومية فحسب, ولكن كجزء من التراث العالمى, ويتعرض التنوع البيولوجى للتناقص والانقراض فى الأجناس والأنواع والأصناف البرية بصفة منتظمة فى معظم أنحاء العالم ومنها مصر (العدد الكلى للأنواع النباتية البرية فى مصر 2672 نوعا منها حوالى 567 نوعا نباتيا مهدد بالانقراض), ومن أشهر الأنواع المنقرضة نبات البردى الذى كان يستخدم كورق للكتابة عند قدماء المصريين, والقطن البرى الذى كان يوجد فى واحة سيوة, وطائر الأيبس المقدس عند قدماء المصريين, وهناك أنواع مهددة بالانقراض منها الغزال والتبتل والكبش الأروى, ويرجع ذلك إلى عدة أسباب منها تدمير الموائل الطبيعية للنباتات والحيوانات فى عمليات التنمية والتعمير, والتلوث بالمبيدات الحشرية, والاستغلال المفرط للموارد الطبيعية, والجمع الجائر للنباتات الطبية, والصيد الجائر للحيوانات والطيور البرية, والرعى الجائر, واستنزاف مصايد الأسماك, التوسع فى التنمية السياحية على حساب البيئات البحرية, كما أن تجفيف أجزاء من البحيرات الشمالية وتناقص مساحاتها أدى إلى تقلص أعداد الطيور التى تتخذ من تلك البحيرات موئلا دائما أو موسميا, كما تعتبر هذه البحيرات مصدر كبير لتنوع الثروة السمكية فى مصر, بالإضافة إلى أنها مسار للطيور المهاجرة وتقلصها يؤدى إلى التأثير السلبى على التنوع الحيوى فى مصر والعالم.
6- إلقاء مياه الصرف الصحى فى بعض البحيرات مثل بحيرة مريوط وبحيرة المنزلة (يلقى فيها أكثر من مليون متر مكعب) مما يتسبب فى تلوث هذه البحيرات بالبكتريا والفطريات, وانخفاض إنتاجيتها من الأسماك وانقراض بعض أنواع الأسماك منها, بالإضافة تناقص وانقراض بعض الأنواع النباتية والحيوانية ذات القيمة البيئة العالية, وازدياد كميات الذباب والبعوض.
7- التوسع العمرانى والحضرى على السواحل: حيث تم تدمير معظم الأراضى على الشريط الساحلى الغربى, والتى كانت مزروعة بالتين والزيتون على مياه الأمطار منذ آلاف السنين, كما حولت التلال الصخرية الطولية الممتدة على هذا الشريط إلى طوب أبيض للبناء, وبذلك فقدت أهميتها للمزارع, حيث كان لها دور هام فى تجميع مياه السريان السطحى الناجم عن الأمطار إلى المنخفضات المنزرعة, كما ساهم التوسع فى القرى السياحية على ساحل البحر الأحمر إلى فقد لبيئة المنجروف الهامة كموطن لبعض الأسماك والقشريات والشعاب المرجانية, وأدى كل ذلك إلى إزالة الغطاء النباتى الكثيف الموجود بتلك السواحل, وبالتالى القضاء على العديد من الكائنات الحية التى تعتمد عليه, وتقليص التنوع البيولوجى الخاص بهذه المناطق والتأثير السلبى على السياحة البيئية.
8- عدم وجود خريطة وطنية لاستعمالات الأراضى (زراعة - تعدين - مراعى - سياحة - طاقة.. إلخ) تترجم أولويات الاستخدام خلال الخمسين سنة القادمة اعتمادا على الموارد الأرضية المتاحة, مما يتسبب فى التصارع بين الجهات الحكومية حول تلك الأراضى, المثال الأوضح لذلك ما حدث فى منطقة سيدى كرير حيث تقرر عام 1966 إقامة محطة نووية بها بعد دراسات عديدة وباهظة التكاليف, ثم تأجل المشروع لظروف حرب 1967, فلما عادت مصر إلى بحث إقامة المحطة فى أواخر السبعينيات كان العمران قد زحف إلى الموقع المختار واستؤنفت الدراسات مرة أخرى لاختيار موقع بديل فى الضبعة عام 1980 ثم تأجل المشروع مرة أخرى ولم ينفذ حتى الآن.
9- التساهل فى تطبيق إجراءات تقييم الأثر البيئى للمشروعات الصناعية والزراعية والسياحية والتعدينية مما أدى إلى تأثيرات سلبية على البيئة والموارد الطبيعية, ومثال ذلك مشروع توشكى, فلكى يؤتى المشروع بثماره لابد من ضخ 10 بالمائة من مياه النيل إلى الصحراء حيث تصل الحرارة إلى أكثر من خمسين درجة فى هذه المنطقة، وهو إجراء له تبعات سلبية على أكثر من صعيد. فبداية ستتأثر تركيبة النهر من عملية الضخ، حيث ستزيد نسبة ملوحة الماء تدريجيا، وهو ما تم ملاحظته بالفعل فى منطقة دلتا النيل. على صعيد آخر تؤدى عملية الضخ إلى الإخلال بنسب توزيع مياه النهر بين الدول التى يمر بها, فالدول الإفريقية الواقعة فى حوض نهر النيل مثل السودان وأثيوبيا معرضة لزيادة عدد سكانها وبالتالى تغيير الحصة الحالية لها من مياه النهر (نرى حاليا الصراع من أجل حصص المياه بين دول المنبع ودولتى المصب), لذلك يخشى عديد من الخبراء من أن تكون المياه هى السبب القادم لاندلاع الحروب والأزمات. وكثير من الخبراء يفضلون استثمار إمكانيات المشروع الهائلة فى تنمية منطقة الوادى والدلتا عوضا عن إهدار المياه فى الصحراء, ولعل عدم مشاركة ألمانيا فى هذا المشروع وهى المعروف عنها مشاركتها فى العديد من المشروعات التنموية الزراعية فى مصر غير أنها فضلت البقاء بعيدا عن مشروع توشكى أبلغ دليل على ذلك, ويعضد تلك المحاذير من جدوى المشروع, حيث فسر ذلك السيد باول فيبر خبير الرى فى المؤسسة الألمانية للتعاون التقنى فرع القاهرة قائلا: (لقد تعمدت ألمانيا عدم المشاركة فى مشروع توشكى، وذلك بسبب الشكوك التى تحوم حول فرص نجاح المشروع فى استقطاب قوى عاملة كافية، تعمل فى ظل ظروف مناخية شديدة القسوة).
10- غياب التخطيط العمرانى للمدن الجديدة السكانية والصناعية, حيث أدى السماح بتراخيص البناء فى مناطق قريبة وممتدة من المصانع وعدم تحديد كردونات للمدن إلى تفاقم مشاكل التلوث فى المناطق الصناعية ذات الكثافة العالية (حلوان, والعاشر, ومايو), كما لا توجد خريطة صناعية بمصر تحدد الأماكن المناسبة لكل صناعة تجنبا لأخطارها المحتملة, حيث أن التمركز الكثيف للمصانع يؤدى إلى زيادة مشكلة التلوث.
11- عدم التزام التخطيط الإنشائى للمصانع بتنفيذ الاشتراطات الهندسية الوقائية للأخطار المحتملة لكل صناعة, وعدم وجود حزمة أمان حول كل صناعة للسيطرة على أى أخطار محتملة.
12- تلوث المدن الناتج عن تراكم القمامة فى الشوارع والناشىء عن عوادم الاحتراق من الأعداد الهائلة من السيارات (يسير فى شوارع القاهرة أكثر من مليون ونصف من السيارات تزيد أعدادها سنويا بمعدل 34%).. حيث قلصت الدولة من تمويل مركبات النقل الجماعى السطحى أو تغاضت عنها كليا, رغم أنها أحد الحلول التى تساهم فى حل مشكلة التلوث بالإضافة لحل مشكلة المرور, كما تساهم مشكلة السحابة السوداء التى تطل سنويا على مدينة القاهرة ومدن الدلتا منذ عدة أعوام, والناتجة عن حرق مخلفات زراعة الأرز فى زيادة التلوث والأمراض التنفسية, وهى أكبر دليل على عدم إتخاذ إجراءات مناسبة وصارمة حيال تقليص هذه الظاهرة والقضاء عليها, كما تعانى المدن المصرية من ضعف شبكات الصرف الصحى وعدم استكمالها فى كثير من المدن, وتخلف أساليب تنقية مياه الشرب.
13- نقص التوعية البيئية الناتج عن عدم إعطاء مواضيع البيئة أهمية أو أولوية فى إطار خطط التنمية, واعتبارها من الترف الذى يمكن الاستغناء عنه أو التقليل من أهميته, وانحصر الاهتمام البيئى فى تظاهرات إعلامية موسمية ولم تترجم إلى أفعال على أرض الواقع, مما زاد من إحساس المواطنين بالتقليل من شأن تلك القضايا, ويظهر ذلك جليا فى مفهوم ملكية الأرض عند المصريين وعند الحكومة المصرية.. هل المالك حر حرية مطلقة, أم حرية تضبطها مصلحة الجماعة؟ هل مالك الأرض حر أن يزرعها أو يتركها بور أو يجرف تربتها أو يبنى عليها, فرغم صدور قوانين تنظم ذلك إلا أنها لا يتحقق لها الحد الأدنى من التطبيق لعدم الاقتناع بها ولعدم وجود التأييد والحشد الجماهيرى لها.
البيئة والاقتصاد:
قد يرى بعض علماء الاقتصاد والكثير من العوام أن هناك تعارضا بين التنمية الاقتصادية ومتطلبات حماية البيئة.. فهم يرحبون بتلوث البيئة وإهدار الموارد الطبيعية طالما كان مصحوبا بالنمو الصناعى والاقتصادى, حيث يرى هؤلاء الاقتصاديون أن الإنفاق على حماية البيئة سيكون له آثار جانبية على معدلات النمو الاقتصادى استنادا إلى أن الإنفاق على البيئة رغم أنه قد يزيد من حجم الاستثمارات إلا أنه على الجانب الآخر سوف لا يؤدى إلى زيادة مماثلة فى الناتج القومى الإجمالى, مما يعنى انخفاض إنتاجية رأس المال, ويؤدى إلى تباطؤ معدلات النمو وارتفاع نسبة البطالة وتكلفة الإنتاج للسلع والخدمات.
وللرد على ذلك نشير بداية إلى ما ذكره أبو علم البيئة فى مصر الدكتور محمد عبد الفتاح القصاص من الارتباط اللغوى بين علم البيئة (الأيكولوجيا Ecology) وعلم الاقتصاد (الإيكونوميا Economy) حيث يتبعان أصل واحد هو (الأويكوس) والأويكوس هو المنزل أو المستقر, والأيكولوجيا هى علم دراسة المنزل والعلاقات المتبادلة بين السكن والحيز السكنى, أما الإيكونوميا فهى إدارة شئون المنزل, وقد نشأ الانفصال بينهما نتيجة أن الأيكولوجيا نشأت وتطورت فى معاهد العلوم الطبيعية بينما نشأت الإيكونوميا فى إطار معاهد التجارة, وظل هذا الانفصال موجودا حتى منتصف القرن العشرين, حيث كانت تسود قضايا البيئة التى تتصل باستنزاف الموارد الطبيعية من الزراعة والمراعى والغابات ومصايد الأسماك والخامات وما يتبعها من صور متعددة لتلوث البيئة, مما أوجد التضاد بين التنمية والاعتبارات البيئية التى تضمن الحفاظ على تلك الموارد, وشاع أن هذه الاعتبارات تزيد من التكلفة المالية وأنتج الهوة بين الاعتبارات البيئية والاعتبارات المالية, ثم شهد النصف الثانى من القرن العشرين تطور فى علم البيئة, أدى إلى دراسة الآثار المتبادلة بين البيئة والمجتمعات البشرية فى إطار المحيط الحيوى كله على الكرة الأرضية, وما تحكمه من عوامل سياسية واقتصادية وثقافية, كما شهد علم الاقتصاد توسعا جمع بين عناصر المحاسبة المالية وأدواتها وبين عناصر السياسة والعناصر الاجتماعية ورسم خطط تنمية مستقبلية بما أدى إلى التقارب بين علوم البيئة وعلوم الاقتصاد حتى توصل العالم إلى فكرة التنمية المستدامة (التى أشرنا إلى تعريفها فى مقدمة هذا المبحث) بما يحقق التوافق بين الاقتصاد والبيئة, وذلك فى قمة الأرض فى ريودى جانيرو (1992).
ومن الأمثلة على التنمية المستدامة للموارد الطبيعية المتجددة استنزاف موارد التربة من المواد الغذائية بما يزيد على قدرتها عن التعويض أو تقصى فترة الأرض التى تكون فيه بور, بما يمكنها من استعادة عافيتها فإنها تضر بالنظام البيئى الذى يقوم عليه الإنتاج الزراعى, أو الاستغلال الجائر لموارد المياه فى الزراعات المروية سواء عن طريق أساليب الزراعة بالغمر أو المحاصيل التى تستنزف المياه, أو تكثيف الصيد كما يحدث فى بحيرة ناصر بما يقلل من قدرة المصايد على تعويض ما فقدته من أسماك حيث لا تدخل عناصر استهلاك القاعدة الإنتاجية فى البر والبحر فى محاسبة مدخلات الإنتاج, والأمثلة تكون أوضح فى استنزاف الموارد غير المتجددة كالبترول والغاز الطبيعى, حيث لا يتم حساب قيمة استهلاك نظام الإنتاج, أى تكلفته على العمر الإفتراضى.
ويسود نهج أن تقدم البيئة خدماتها من ثروات وموارد طبيعية وتستخدم كمستودع للنفايات بدون مقابل أى بدون محاسبة بحيث أوجدت خللا فى المحاسبة الاقتصادية, فالذى يحدث هو أن حسابات التكلفة والعائد تتم بشكل جزئى, أى على مستوى الوحدة الإنتاجية بصرف النظر عن التكاليف والعوائد القومية, فالتكاليف القومية لحماية البيئة تؤدى إلى تلافى تكاليف أكثر فداحة وخطورة تتمثل فى فقدان المورد أو انخفاض إنتاجيته, أو ظهور ملوثات غازية أو سائلة أو صلبة أو ارتفاع تكلفة استخدامه (على سبيل المثال مكافحة تلوث مياه النيل لاستخدامها فى الشرب).
ومن الأمثلة الواضحة فى مصر على ذلك, والتى تؤثر على مستقبل مشروعات التنمية الزراعية استخدام مياه الصرف الزراعى الذى يضخ فى بحيرة المنزلة ومنها تخرج ترعة السلام التى سيتم من خلالها رى مزارع غرب وشرق قناة السويس, حيث تم السماح بأن تصب مياه الصرف الصحى والصناعى الملوثة فى المصارف الزراعية, مما سيتسبب فى مشاكل بيئية وصحية على المدى البعيد والقريب, وسيدفع الاقتصاد المصرى أعباء وتكلفة إصلاح وعلاج هذه المشاكل.
ومن الأمثلة الأخرى طمر الشعاب المرجانية على سواحل البحر الأحمر من أجل إقامة منتجعات سياحية, رغم أن هذه الشعاب هى أحد عناصر الجذب السياحى. ولهذا أوصت المؤتمرات الدولية البيئية بنظام ما يعرف بالمحاسبة البيئية وما يستتبعه من استخدام أدلة لحسابات الموارد الطبيعية المتجددة وغير المتجددة فى كل دولة, والآثار البيئية المترتبة على استخدامها فى الأنشطة والأغراض المختلفة, وإعطاء مؤشرات كمية وعينية عن الزيادة أو النقص فى حجم الاحتياطات المتاحة من هذه الموارد (رصيد الموارد الطبيعية المستخدمة) والتغيرات التى تطرأ عليها نتيجة للاستخدام (رصيد الموارد الطبيعية المغطاة).
وللتأكيد على أن تكاليف تطبيق برامج الحماية البيئية فى الدول النامية لا يؤثر على الناتج القومى الإجمالى أو انخفاض معدلات النمو ما أوردته الدكتورة منى قاسم فى كتابها (التلوث البيئى والتنمية الاقتصادية - 1999) أن مؤشرات البنك الدولى الحديثة فى الدول النامية تشير إلى أن تقدير التكلفة الإضافية للتحكم فى الملوثات والمحافظة على البيئة تقدر بنسبة تتراوح فى المتوسط بين (صفر و3% من جملة الكلفة الإجمالية للمشاريع, ويمثل الحد الأدنى تلك الحالات التى تدمج فيها اعتبارات حماية البيئة فى المراحل الأولى لإعداد وتنفيذ المشاريع, بينما يأتى الحد الأعلى عندما يتم إدماج الاعتبارات البيئية فى وقت لاحق لعملية إنشاء وتنفيذ المشروع.    
نحو بيئة مصرية نظيفة ومتوازنة:
نشير فى البداية إلى أن هناك جهود قد بذلت فى إطار الاهتمام بالقضايا البيئية فى مصر, لا سيما فى الثمانينيات من القرن الماضى, مدفوعة باهتمام العالم ذلك الحين بقضايا البيئة فى الدول النامية, وما يتسبب عنها من مشاكل لا تخص هذه الدول فقط, وإنما تضررت منها الدول المتقدمة فى الغرب, مثل مشاكل الهجرة البيئية للسكان من الدول النامية خاصة أفريقيا إلى أوروبا وأمريكا نتيجة لظروف الجفاف والتصحر, وكذلك انقراض العديد من الأنواع النباتية والحيوانية فى العالم نتيجة للاستنزاف, وخاصة فى الدول النامية, حيث تشكل هذه الأنواع أصولا وراثية لغذاء ودواء ومنتجات أخرى يستخدمها الإنسان, وأخيرا تغير المناخ الذى يرجع جزء من أسبابه إلى تقلص مناطق الغابات والغطاء النباتى الطبيعى فى دول العالم الثالث, وهذه القضايا البيئية العالمية دفعت الدول المتقدمة إلى تبنى اتفاقيات دولية للحد من تلك المخاطر من أبرزها اتفاقية مكافحة التصحر (1994) واتفاقية التنوع البيولوجى (1992) والاتفاقية الإطارية للتغير المناخى (1992), وهى اتفاقيات تلزم الموقعين عليها بالتزامات, كما تستفيد منها الدول النامية فى جذب المعونات والمشاريع التى تقررها تلك الاتفاقيات لمعالجة القضايا البيئية فى تلك الدول, وقد انهالت على الدول النامية ومنها مصر فى فترة الثمانينيات والتسعينيات عدة مشروعات فى إطار تنفيذ هذه الاتفاقيات مقدمة من الصناديق المالية الدولية, تم الاستفادة منها إلى حد ما فى بعض قضايا البيئة حيث أنشىء جهاز لحماية البيئة, تم تحويله فيما بعد إلى وزارة دولة لشئون البيئة وإدارة للمحميات الطبيعية, كما تم سن عدة تشريعات للمحافظة على البيئة, إلا أن هذه الجهود بدأت فى التراجع, خاصة مع تقلص تلك المعونات فى العشر سنوات الأخيرة منذ بداية الألفية الثانية, قابلها زيادة فى المشاكل والقضايا البيئية وتنوعها ما أدى إلى تفاقمها (على سبيل المثال: مشاكل تلوث المياه - زيادة معدلات تلوث الهواء - تلوث التربة والمزروعات بالمبيدات المسرطنة - تجريف التربة وغيرها) مع عدم الإدراك الكافى من الحكومات المتعاقبة لمدى خطورة تلك القضايا على مستقبل التنمية فى مصر وعلى صحة السكان, وللحد من مخاطر القضايا البيئية الرئيسية فى مصر نضع بعض التصورات التالية والتى تحتاج إلى إرادة فى تنفيذها مصحوبة باقتناع بأهميتها من النواحى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمصريين فى حاضرهم ومستقبلهم.
1- لمكافحة التصحر: إنشاء مراصد للتصحر لتزويد أصحاب القرار بالمعلومات المناخية كدرجة الحرارة والبخر والنتح وسرعة الرياح, وأيضا الحصول على معلومات كافية عن الغطاء النباتى وحالة التربة وخواصها, والمحاصيل التى تزرع بها إذا كانت أرض زراعية, وكميات الأسمدة الكيماوية والمبيدات, وعدد الحيوانات وحمولتها على المرعى, وأعمال التنمية والبنية الأساسية والتوسع العمرانى, ومدى التعدى على الأراضى الزراعية مع مدى جودة الأراضى الزراعية ومعدل إنتاجيتها نتيجة القيام بأساليب الزراعة الغير محافظة على التربة وهجرة السكان للمدن, ومعرفة نسبة السكان إلى نسبة الموارد المتاحة, علاوة على معرفة الحرف والصناعات التى يعتمد عليها السكان المحليين, ومدى تأثيرها على مستوى الاحتفاظ بالموارد المتاحة, ورفع وعى السكان المحليين والبدو فى المناطق الصحراوية عن مدى تأثير عملية الاحتطاب والرعى الجائر غير المحسوب وتحميل المرعى فوق طاقته الاستيعابية.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قطع سدرة فى فلاة يستظل بها ابن السبيلِ والبهائم عبثا وظلما بغيرِ حق يكون له فيها صوب الله رأسه فى النارِ), (وما يلزم العمل من تنظيم عملية الرعى - إعادة زراعة النباتات والشجيرات الرعوية الملائمة وإكثارها واستنباط أنواع محلية سريعة النمو مما يقلل من الخلل الحادث بين نسبة النباتات الرعوية والحيوانات - الالتزام بمنع تحويل مواقع الغطاء النباتى الطبيعى والمراعى إلى أراضى زراعية مع وقف النزوح العمرانى إلى تلك المواقع - العمل على التوسع فى إنشاء المحميات الطبيعية - سن القوانين والتشريعات التى تحفظ هذه الموارد الغالية -التوسع فى إنشاء مصدات الرياح, والتى لها دور رئيسى فى التقليل من تأثير التصحر, خاصة فى الأراضى الزراعية والقريبة من التجمعات السكانية - نشر عمليات الرى الحديث وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعى بعد معالجتها فى زراعة الأشجار - الاهتمام بزراعة المحاصيل المناسبة وأتباع دورات زراعية, مع عدم السماح بنقل أى مواد أو أسمدة من الوادى القديم لما تسببه من أمراض ونشر للآفات - استحداث طرق لتثبيت الكثبان الرملية وإعاقتها من الوصول للوادى والدلتا.
2- لمواجهة مخاطر التغير المناخى: منع تجريف الكثبان والتلال الرملية على سواحل البحر المتوسط وتثبيتها عن طريق استزراع بعض النباتات الملائمة للبيئة المصرية, وفى حالة نجاح الاستزراع يمكن استخدامها كمنتزهات, ويمكن الاستفادة فى ذلك من التجربة الناجحة للأحراش المزروعة بالأكاسيا على التلال الرملية لمدينة رفح - وقف التعدى على حرم البحيرات الشمالية ووضعها ضمن خطة المحميات الطبيعية - دراسة المقترح الذى قدمه الدكتور خالد عودة فى دراسته عن مخاطر هذه الظاهرة على مصر, حيث يقترح لمواجهة مخاطر الارتفاع فى منسوب سطح البحر الأبيض المتوسط على الساحل المصرى الشمالى، استغلال طوبوغرافيا الجزء الشمالى من الصحراء الغربية لتصريف مياه البحر الزائدة, وفى نفس الوقت تستخدم هذه المياه فى إحياء مشروع بحيرة منخفض القطارة واستيعاب المياه الزائدة المواجهة للساحل المصرى، ومن ثم الحد من ارتفاع منسوب سطح البحر وإنقاذ الدلتا من مخاطر زيادة هذا المنسوب، وفى نفس الوقت يمكن الاستفادة من هذه المياه فى توليد طاقة كهربائية جبارة تضاف للشبكة القومية للكهرباء.
3- وضع إطار صارم لحماية النيل من التعديات, سواء عن طريق تلويثه, أو على شواطئه, وقد يكون جعله محمية طبيعية هو الإطار الملائم فى ذلك مع إزالة كل التعديات الحالية عليه.
4- التوسع فى استخدام أنواع الطاقة الجديدة كالبيوجاز من المخلفات الزراعية والمنزلية خاصة فى الريف وكأداة للتخلص من تلك المخلفات, كما يمكن الاستفادة من هذه التقنية فى إنتاج الأسمدة العضوية.
5- الحد من فقدان الأراضى الزراعية لأى استخدامات غير زراعية, وذلك بالحزم فى تنفيذ القوانين وتوفير الخدمات الأساسية فى المدن والمجتمعات العمرانية الجديدة لتشجيع الانتقال إليها والإقامة فيها.
6-تطبيق وتفعيل التشريعات البيئية التى تلزم المتسببين فى أضرار بيئية بتسديد نفقات الإصحاح البيئى, وكذلك التشريعات التى تمنع الصيد والرعى الجائر واستنزاف الثروة السمكية.
7- تعظيم كفاءة استخدام الموارد الغير متجددة تقلل من الاستهلاك, وذلك عن طريق استخدام تقنيات حديثة فى الرى فى المزارع وإيجاد بدائل نظيفة للطاقة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وإنتاج الوقود الحيوى من المخلفات الزراعية.
8- حظر دخول المبيدات الضارة بالبيئة والزراعة وصحة الإنسان.
9- التوسع فى مشاريع التشجير داخل المدن وعلى الطرق باستخدام مياه الصرف الزراعى ومياه الصرف الصحى المعالجة فى مرحلتها الأولى ترشيدا للمياه وتشجيع المواطنين على ذلك, يقول النبِى صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم غرس غرسا فأكل منه إِنسان أو دابة إِلا كان له به صدقة), وقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا قامت الساعة ووجد أحدكم فى طريقه فسيلة فليزرعها), وقوله: (من قطع شجرة فليغرس مكانها).
10- التوسع فى إنشاء المحميات الطبيعية وبرامج الصون للتنوع الحيوى وبنوك الأصول الوراثية وتطبيق عناصر الإستراتيجية الوطنية لصون التنوع البيولوجى فى مصر.
11- التوسع فى بناء المدن لتكون مرتكزة حول الإنسان وليس لصالح السيارات, فمن التجارب الناجحة فى البلدان النامية ما قام به عمدة مدينة بوجوتا عاصمة كولومبيا عندما وجد أن 30% من السكان يملكون سيارات فما كان منه إلا أن طور الحدائق وممرات المشاة وأنشأ ما يقارب من 1200 منتزه, وزرع حوالى 100 ألف شجرة, وشيد المئات من ممرات السير للدراجات, وقد أدى ذلك إلى تقليص اختناق المرور بنسبة 40% وجعل المدينة من أكثر المدن أمانا فى العالم رغم وجودها فى دولة تتمتع بنسبة كبيرة فى الجريمة.
12- إنشاء صناديق وطنية لتقديم العون المالى والفنى للمشروعات الوطنية التى تستهدف حماية البيئة, تشجيع الاستثمار فى هذا المجال.
13- التشجيع على الالتزام بالمعايير البيئية السليمة فى المشاريع الصناعية والزراعية والسياحية وغيرها عن طريق إعطاء محفزات فى صورة إعفاءات ضريبية أو دعم فى تكاليف تلك المشروعات.
14- بناء القدرات العلمية والتقنية لإدارة عناصر البيئة ومنها: التوسع فى الدراسات والبحوث التى تخدم برامج الإصحاح البيئى وصون الموارد الطبيعية - التوسع فى أعمال الرصد المستمر للموارد الطبيعية - التوسع فى مناهج التربية البيئية فى المدارس والجامعات والأنشطة المدرسية والجمعيات البيئية - التوسع فى نشر الثقافة البيئية عن طريق وسائل الإعلام ودور العبادة - تأهيل وتدريب المختصين فى مجالات البيئة.

التعليقات

شيماء الخولى
الثلاثاء, 15 فبراير 2011 - 12:00 am


مقال شامل وهادف الى الامام دائما فى خدمة الحزب ونصرته
لمياء الخولى
الثلاثاء, 15 فبراير 2011 - 12:00 am


ربنا يوفقك يا دكتور أحمد والى الامام دائما
ياسمين حبيب
الثلاثاء, 03 إبريل 2012 - 12:00 am


الله يوفقك بصراحة مقال تحفه مفيد جدا

أضف تعليق


عدد الحروف المسموح بها 1000 والمتبقي منها
ادخل الكود التالي
CAPTCHA Image
صورة اخرى
الموقع غير مسئول قانونا عن التعليقات المنشورة