(18) الصحة والبيئة
الجمعة, 04 فبراير 2011 - 12:00 am

magdyahmedhussein@gmail.com

الصحة حق من حقوق الإنسان لا يمكن التنازل عنه، فهو من المكونات الأساسية للحد الأدنى لاحتياجات المواطن، وهو الحق فى الحياة، ثم الحياة الصحية، ولا يمكن تحت أى ذريعة من الذرائع لأى دولة أن تفرط فى هذا الحق. ولقد اتفقت الأنظمة السياسية المختلفة فى العالم على الالتزام بتوفير الضمان الصحى لمواطنيها سواء من خلال الالتزام الكامل للدولة بالعلاج المجانى، أو من خلال نظم التأمين الصحى. أما فى بلادنا فقد حدث فى مجال الصحة كما حدث فى مجال التعليم وباقى المجالات، فقد انتقلنا من نظام محدد وهو المجانية، إلى الفوضى، والآن لا يأمن المواطنون على أنفسهم من غائلة الأمراض. فقد انهار نظام العلاج المجانى، دون توفير بديل حقيقى لجموع السكان، بينما تضخمت فروع العلاج الاستثمارى مرتفع التكاليف، بحيث أصبح الأغنياء أو الطبقات فوق المتوسطة هى القادرة على مواجهة تكاليف العلاج الحقيقى.

فالمستشفيات الحكومية والعامة لا تقدم علاجا مجانيا حقيقيا، بل يطلب من المريض - بشكل غير رسمى - بدفع تكاليف العلاج كشراء الأدوية، أو بشكل رسمى من خلال ما يسمى العلاج الاقتصادى, وآخر قرارات وزارة الصحة تشير إلى تخصيص 40% من أسرة المستشفيات العامة للعلاج المجانى, وأن يكون العلاج المجانى بين التاسعة صباحا والواحدة ظهرا!! بل إن المتخصصين يشيرون إلى أن هذه النسبة (40%) أقل من الواقع الحقيقى. ويعقب العلاج المجانى مرحلة العلاج الاقتصادى من الساعة 1 إلى 5 مساء!! وهذا العلاج بأجر أصبح موجودا منذ فترة, وأسعاره فى تزايد مستمر, وتقترب حثيثا من أسعار السوق، ثم تأتى مرحلة ثالثة من الساعة الخامسة حتى الحادية عشر مساءا, وهى المرحلة الاستثمارية, وهذه أسعارها مفتوحة وحرة ومتروكة للأطباء, أى ستكون كأسعار السوق تماما.
وتقول وزارة الصحة أن هذا النظام سيوفر تمويلا للمستشفيات العامة, وسيرفع من أجور الأطباء والممرضات، وهو نفس منهج التعليم الأجنبى والمفتوح داخل الجامعات الحكومية, أى تحويل مسألة التمويل من الحكومة للشعب! وهذه معادلة مقلوبة, فالشعب هو مورد وأساس كل ثروات الأمة، والشعب هو دافع الضرائب، فما معنى أن يمول أيضا الخدمات الأساسية التى هى من أخص واجبات الدولة، ونحن هنا نتحدث عن الصحة التى لا تحتمل هذا التلاعب والاستغلال.
وقد أصبح الحديث عن مجانية العلاج من قبيل الهزل عندما تكون تكلفة عمليات القلب - مثلا - فى المستشفيات العامة تتراوح ما بين 4 آلاف إلى 20 ألف جنيه، ولا يشمل ذلك قيمة الأدوية ولا المحاليل ولا الدم ومشتقاته, ولا قيمة الوصلات والتوصيلات والشرايين الصناعية, ولا أجر طبيب التخدير (650 جنيها لكل عملية). وعندما تكون قيمة جلسة الغسيل الكلوى الواحدة 525 جنيها كما ورد فى اللائحة الموحدة للعلاج بأجر بالمستشفيات العامة.
هذه المستشفيات مؤسسات عامة وملك للشعب، ولا يمكن تحويل وظيفتها عن الأغراض التى أنشئت من أجلها، ولكننا ابتلينا بحكومة لا تعرف الفرق بين الملكية العامة والملكية الخاصة، (وزير الصحة هو صاحب مستشفى دار الفؤاد الاستثمارى) حتى وصل بها الهوس للسعى إلى هدم مستشفى العباسية, وهى مستشفى الأمراض النفسية العامة الوحيدة فى القاهرة, للاستفادة ببيع أرضها تجاريا كأرض معارض، حتى قبل بناء مستشفى بديلة!! بل وأكثر من ذلك يسعى النظام لإقرار نظام جديد للتأمين الصحى, يفتح الطريق لخصخصة التأمين الصحى وتركه لاقتصاديات السوق, وهذا ما لا يحدث فى أى بلد محترم بالعالم.
والمعروف أن علاج التأمين الصحى الذى يغطى العاملين فى الدولة يعانى من التخلف ونقص الإمكانيات والكفاءات, حتى أن العاملين فى الدولة عندما يمرضون يبذلون قصارى جهدهم من أموالهم المحدودة للعلاج الخاص, لأن الحياة أغلى ما يمتلكها الإنسان، فهم يعرفون مدى تدهور أحوال التأمين الصحى. وبدلا من تطويره وكان يحقق فائضا وصل إلى 100 مليون جنيه عام 1995 فإن الحكومة تتعمد تركه للتدهور حتى تبرر خصخصته كما فعلت فى مصانع القطاع العام.
وهنا نجد - كما فى التعليم - حالة الشح التى تصيب الإنفاق العام بنسبة تقل عن كثير من بلدان العالم, وكأن صحة المواطنين لا تشغل حكام البلاد. فمقابل 20% من الناتج القومى للإنفاق على الأجهزة الأمنية والسيادية, فإن الصحة تحصل على 5% وتهبط فى بعض التقديرات إلى 3,5%. وقد أدى ذلك إلى أن التأمين الصحى الحكومى يغطى بين 40% - 45% من السكان (مع بؤس أحواله المشار إليها) بينما يغطى التأمين الصحى الخاص 7% من السكان، وهو ما يعنى أن نصف السكان غير مشمولين بالغطاء التأمينى الصحى, اللهم إلا العلاج المجانى الوهمى.
وتؤكد وزارة الصحة أنها تنفق 101 دولار على كل مصرى سنويا بينما يرتفع هذا الرقم إلى 463 دولارا فى تونس، 677 دولارا فى تركيا، بل سبقتنا فى هذا المؤشر بلاد مثل كوستاريكا وبوركينافاسو وسلطنة عمان والمغرب وقبرص. والمعروف أن الإنفاق العام على الصحة يصل إلى 15% من الناتج المحلى فى بلاد الغرب رغم الارتفاع الكبير فى مستويات المعيشة. وتؤكد الدراسات المتخصصة أن المواطن المصرى يتحمل 60% من إجمالى الإنفاق الصحى، بينما فى بلاد مثل الإمارات والجزائر تتحمل الدولة - وليس المواطن - 70% من إجمالى الإنفاق على الصحة, وتحتل مصر المرتبة رقم 120 فى العالم (وفقا لمؤشرات 2009) فى متوسط العمر المتوقع عند الولادة وهو 72 عاما، وفى هذا المؤشر تسبقنا بلاد مثل الأردن وقبرص وليبيا والسعودية وتونس وسرى لانكا، وقطاع غزة المحاصر!!
ولكن فى المجال الصحى فإن بلادنا تشهد حالة لا مثيل لها فى تاريخ البلاد, ولم نسمع بها فى أى بلد آخر، إن البلاد تعانى من حالة وبائية مميتة (وليس هذا هو العجيب), ولكن العجيب أن الحكومة تتصرف وكأن الأمر لا يعنيها، فهى لا تقوم بإعلان الطوارىء، وجمع العلماء والمتخصصين لبحث الأمر الجلل فى مؤتمرات علمية خاصة وجادة من أجل تفسير هذه الحالة غير الموجودة فى أى بلد مجاور أو فى العالم بهذه الصورة المخيفة. ونعنى بذلك الانتشار الكبير للثالوث المهلك (السرطان - الكبد الوبائى - الفشل الكلوى) بأعلى المعدلات العالمية، فهذه المصيبة لابد من تفسير علمى لها متفق عليه تتبناه الدولة وتضع خطة المواجهة على أساسها. ولكن الحكومة ورأس الدولة لم يتعرضا أبدا لهذا الأمر على كثرة الخطب والبيانات، وهو أمر يعكس حالة غير عادية من عدم المسئولية. كذلك فإن الهيئات الشعبية والمعارضة لا تعطى هذا الأمر أهميته التى تستحق، ولم تحاول أن تفرض هذا الموضوع على جدول أعمال الأمة، رغم أننا أمام حالة من الإبادة للشعب أو على الأقل تحويله إلى شعب من المرضى. وكما نقول عن حربنا مع إسرائيل أنه لا توجد أسرة لا يوجد بها شهيد. فإننا حاليا لا توجد لدينا أسرة مصرية ليس بها مصاب واحد على الأقل من هذه الأمراض الثلاثة.
والواقع أن هذا الانتشار للثالوث المرضى المميت ليس غامضا تماما، فالعلماء والمتخصصون قالوا كلمتهم, ولكنها مجرد آراء منشورة فى الصحف، فقد قام حزب العمل بأعتى حملة ضد وزارة الزراعة بسبب مسئوليتها الرئيسية عن هذه الكارثة، واعتبرنا أن مصر تعرضت لضربة كيماوية - بيولوجية كتلك التى تتعرض لها الشعوب فى الحروب, وقد كانت هذه الحملة من أهم أسباب تجميد حزب العمل وإغلاق صحيفته "الشعب"، كما أدت إلى حبس كاتب هذه السطور واثنين من صحفى الشعب بتهمة إهانة يوسف والى. أى أن الذى تحدث فى هذا الموضوع بجدية كان هذا هو مصيره!
وقد وصلت الإصابة بالثالوث المميت إلى أرقام قياسية عالمية، وتختلف الأرقام نتيجة عدم اهتمام الدولة بالموضوع، ولكن كل الأرقام تؤكد أن مصر تجاوزت الخطوط الحمراء.. فالإصابة بالفيروس سى وصلت إلى 20% من السكان، وأن 500 ألف مصاب يكتشفون سنويا (تقول وزارة الصحة أنهم 100 ألف فقط!) المهم أن التقارير الدولية تضع مصر فى المرتبة الأولى فى الإصابة بهذا المرض الفتاك الذى لا يوجد له علاج شاف.
وفى دراسة علمية نشرتها الأهرام (17 سبتمبر 2010) جاء أن معدل الإصابة بالفشل الكلوى 4 أضعاف مثيلاته فى العالم، أى أننا أيضا فى المركز الأول من دون العالمين. وأيضا فإننا نحقق أعلى معدلات فى العالم فى الإصابة بالسرطان (100 ألف مريض سنويا).
ويؤكد العلماء والمتخصصون أن هذا الوباء الثلاثى ترجع أسبابه الأساسية إلى:
1. المبيدات والتقاوى والهرمونات المسرطنة التى ترد للبلاد رسميا أو بالتهريب من إسرائيل ومن جهات خارجية أخرى. واعترفت الحكومة مؤخرا (2010) بوجود 5 آلاف طن من المبيدات المحرمة دوليا فى مخازن الحكومة. وقد ظلت الحكومة مثلا تستخدم مادة اليوريا كسماد للحاصلات الزراعية رغم أن العالم أوقف التعامل به بعد تأكده من تأثيره السرطانى. (د. نادر نور الدين محمد - أستاذ الموارد الزراعية بجامعة القاهرة). والملفت للانتباه أن قطاع غزة والأردن يعانيان من ارتفاع معدلات السرطان فيهما أيضا بسبب التطبيع الزراعى مع العدو الصهيونى (غزة مضطرة بطبيعة الحال). وقد ظلت مصر تستخدم المبيدات بكميات هائلة تصل إلى 30 ألف طن سنويا (تتحول فى الواقع إلى 42 ألف طن خلال الاستخدام) وهو الأمر الذى أدى لإفساد التربة.
وقد أدى سوء الصرف الزراعى إلى دخول البلاد فى حلقة شريرة، فالصرف الزراعى يصب فى النيل بما يحمله من بقايا المبيدات، فتصل المبيدات للإنسان والحيوان مرة من خلال المزروعات ثم مرة أخرى من خلال المياه، وحتى محطات المياه لا تملك التقنية الكافية لتصفية كل هذا التلوث. بل إن الكلور يتفاعل مع بعض الملوثات وينتج مواد مسرطنة!.
2. ولكن الأمر لا يقتصر على المبيدات والتقاوى والهرمونات، فتلويث المياه لا يأتى من المبيدات من خلال 5,2 مليار متر مكعب سنويا من الصرف الزراعى فحسب، بل من الصرف الصحى والصناعى الذى يصب فى نهر النيل بكميات هائلة (550 مليون متر مكعب سنويا من المخلفات الصناعية وحدها) بالإضافة للصرف الصحى لآلاف القرى. كما أن اهتراء شبكات المياه وبدائية الصرف الصحى فى معظم القرى تؤدى إلى اختلاط مياه الشرب بمياه الصرف الصحى, وهذه ظاهرة متكررة، بالإضافة لتسرب الصرف الصحى للمياه الجوفية، فإذا لجأ الفلاح إلى مضخات المياه فسيواجه نفس المخاطر. لذلك فإن معدلات انتشار هذه الأمراض فى الريف أكبر لأن الريفى محاصر من كل الجهات, ولأن الصرف الصحى الحكومى لا يغطى سوى 8% من القرى المصرية.
ويؤكد تقرير منظمة الصحة العالمية الأخير أن تلوث المياه يؤدى إلى وفاة 90 ألف حالة سنويا. ويضع البنك الدولى مصر فى المرتبة الأولى فى التلوث البيئى بين الدول العربية. والمفترض عدم إلقاء هذا الصرف الزراعى - الصناعى - الصحى فى نهر النيل وهو شريان حياة الأمة، بدون معالجة. لقد حولوا نهر الحياة إلى نهر للموت، وتجاوزت فيه نسبة المواد الضارة كل المعدلات المسموح بها دوليا. وقدرت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان أن 38 مليون مصرى يشربون مياها ملوثة.
وهذا التلوث فى مياه النيل ليس مسئولا عن الأمراض الثلاثة الخطيرة وحدها, بل عن سلسلة أخرى من الأمراض ليست سهلة لأنها تؤدى إلى موت الأطفال، كالتيفود والباراتيفود ومختلف الأمراض المعوية (وهذه الأخيرة معدلاتها فى مصر أعلى بـ 3 أضعاف من الدول المماثلة لمصر فى معدل الدخل السنوى للفرد - وفقا للبنك الدولى).
*****
وهذا ينقلنا إلى خريطة الأمراض بصورة عامة بعد الثالوث المميت.
فنحن نعانى بعد تلوث التربة والمياه لتلوث الهواء أيضا بنسبة قياسية على المستوى العالمى، وتشير التقارير الدولية إلى أن القاهرة أكثر مدن العالم تلوثا، وأن الهواء فى القاهرة والمدن الكبرى الأخرى به من المواد الضارة كالرصاص بمعدلات تعدت النسب المسموح بها بمعايير الصحة العالمية، هذه المواد لها تأثيرها الضار على الجهاز الهضمى والمناعى وتتسبب فى أمراض الكلى والكبد, خاصة للأطفال, بالإضافة لأمراض الرئتين, ويرجع تلوث الهواء أساسا إلى عوادم السيارات والمصانع (52% من مصانع مصر فى القاهرة الكبرى). وهذه من نواتج ما بدأنا به هذه السلسلة بالحديث عن مشكلة التكدس السكانى فى الوادى والدلتا، الذى تحول إلى تكدس غير إنسانى فى منطقة القاهرة الكبرى التى تشمل قرابة ربع السكان.
ويقول د. شريف مختار أن مرضى ضغط الدم يصل عددهم إلى 20 مليونا أى نسبة 25% من الشعب المصرى. وجاء فى مؤتمر علمى للأطباء بجامعة الفيوم أن مصر بها 10 ملايين مصاب بالسكر, منهم 1,5 مليون مصرى معرض لبتر الساق. وفى تقرير لمنظمة الصحة العالمية جاء أن وباء السل والملاريا والحمى الخبيثة والدفتريا ظهرت مجددا فى مصر وهى ما يطلق عليها (أمراض الفقر), ووفقا لوزير الصحة فإن مصر من أولى الدول إصابة بمرض القلب، وهذا ما يؤكده أيضا د. مجدى يعقوب.
ويقول د. أحمد عكاشة رائد الطب النفسى فى مصر أن هناك 10 ملايين مصرى يعانون من أمراض نفسية, وبين هؤلاء مليون ونصف مليون مصابين بالاكتئاب، وهذا أمر وثيق الصلة بأحوال مصر الاجتماعية المتدهورة. ويشير أيضا إلى أن الأمراض الطفيلية والمعوية التى تصيب الأطفال فى مصر بسبب تلوث المياه بالإضافة لانتشار مرض فقر الدم (الأنيميا) بسبب سوء التغذية، كل ذلك يؤثر على المخ ويؤدى إلى انخفاض معدل الذكاء. وجاء فى دراسة علمية أن معدل الذكاء فى البلاد التى تعانى من قلة هذه الأمراض مرتفعا، فجاء معدل الذكاء فى هونج كونج 107 كوريا الجنوبية 106 واليابان 105 والصين 104 وسنغافورة 103 أما فى مصر فهو 83. وذلك وفقا لمعيار (فلين).
ويربط د. أحمد عكاشة ذلك بمسألة تلوث المياه وما تؤدى إليه من أمراض الطفولة. كما أشارت دراسات علمية دولية عدة إلى مشكلة عجيبة، وهى مسألة تقزم المصريين، أى أن متوسط طول المصريين فى انخفاض مستمر بسبب سوء التغذية وأمراض الطفولة. وكل ذلك يضاف إلى الأمراض المتوطنة كالبلهارسيا، ثم التوطن الجديد لأنفلونزا الطيور والخنازير. وكل ذلك غيض من فيض, وتفاصيل خريطة الأمراض مثيرة للرعب ولا نقول مجرد القلق. ومع ذلك فإن حكامنا يواصلون طريق خصخصة العلاج، والإقلال من الإنفاق العام على الصحة، ويواصلون رفع الدعم عن السلع الغذائية الرئيسية.
وعموما فإن رفع مستوى المعيشة وتحسين الأحوال الاقتصادية والاجتماعية هو أساس تحسن الحالة الصحية، فالوقاية خير من العلاج، لكننا نعرف أن 48% من المصريين يعيشون تحت خط الفقر، وتتزايد مشكلة البطالة حتى وصلت إلى قرابة 27% فى بعض التقديرات (وتقللها الأرقام الرسمية إلى 10%)، وكل ذلك نتيجة سوء سياسات التنمية التى أشرنا إليها التى لا تضع القطاعات الإنتاجية فى مقدمة اهتماماتها، بل والتركيز على وسائل "للنمو" لصالح فئة محددة من السكان.
بل إن مصر الحضارة تعانى الآن من مشكلة القمامة، وأن النفايات والمخلفات الصلبة وحدها تبلغ 75 مليون طن سنويا, وأن أسلوب حرقها يؤدى إلى تلوث الهواء بمواد بالغة الضرر, بل وصلت حالة التخلف إلى العجز حتى عن مجرد جمعها بصورة منتظمة، بل وصل الأمر للجوء لشركات أجنبية للقيام بهذه المهمة دون أن تحل المشكلة خاصة فى القاهرة الكبرى، وهذه علامة خطيرة على حالة العجز الإدارى لنظام بلغ أرذل العمر فى شيخوخته، فأمة تعجز عن التخلص من نفاياتها هى أمة لا تستحق الحياة، لأن حتى الحيوانات تفلح فى ذلك! والحلول معروفة وترددها وسائل الإعلام الرسمية, لكنها لا تنفذ, وهذا هو المقصود بحالة الشيخوخة المتقدمة، حيث يعرف المرء ما يجب عمله, ولكنه يعجز عنه لتخلف قدرته الجسمانية والذهنية. وهذه حالة النظام بدءا من جمع القمامة والتخلص الصحى منها حتى الولوج إلى عالم الإلكترونيات والفضاء! والحل المعروف فى هذا المجال البدائى، أن النفايات ثروة وليست مشكلة، وأن تدويرها يمكن أن يكون أساسا لصناعات عدة مربحة، ليس القمامة فحسب, بل المخلفات الزراعية التى تتسبب فى السحابة السوداء, وهى مصدرا آخر لتلوث الهواء، فقش الأرز وحده يمكن الاستفادة به فى صناعة الورق، وغيرها من المواد التى تدخل فى عدد من الصناعات.
نستنتج من كل ما سبق أننا نرى:
- أن سياستنا الصحية يجب أن تقوم على مبدأ الوقاية خير من العلاج، ويتطلب هذا رفع مستوى الثقافة الصحية للمواطنين، واتخاذ الإجراءات العامة الكفيلة بمنع تلوث البيئة فى الجو والماء والطعام، والاعتناء بالنظافة فى البيت والحى والقرية والمدرسة ومكان العمل، والاهتمام بالممارسة المنظمة للرياضة.
- توفير العلاج المجانى للمواطنين، والارتقاء بمؤسسة التأمين الصحى، ومد شبكة التأمين الصحى لتشمل كافة المواطنين، والمعروف أن العاملين يساهمون فى هذا الإنفاق من خلال جزء مقتطع من رواتبهم، ولكن الفجوة التى قد تنشأ لابد أن يغطيها الإنفاق العام.
- الحفاظ على صناعة الأدوية الوطنية وتطويرها, خاصة وقد حققت البلاد تقدما ملموسا فى هذا المجال منذ أعوام الستينيات من القرن العشرين، وهو ضرورة صحية وأمنية واقتصادية، وكانت قادرة فى السابق على توفير معظم احتياجاتنا بأسعار فى متناول الجميع وأيضا على التصدير.
- الاهتمام بمهنة الطب، بالارتقاء بمستوى التعليم فى كليات الطب, وعدم تكديس الطلاب فيها بما يعوق الاستفادة العلمية الحقيقية، ورفع رواتب الأطباء التى وصلت إلى حدود غير مقبولة. والحقيقة فإن البلاد قد أنجزت ثروة حقيقية فى مجال إعداد أطباء على مستوى عال فى مراحل سابقة، ويتعين الحفاظ على هذه الثروة البشرية وتنميتها وتوفير كافة السبل لاستمرار تواصل الأطباء مع التطورات الحديثة فى مجال الطب.
- إنشاء مجلس أعلى للصحة من كبار علمائنا فى هذا المجال، وأن تكون أولى مهماته مواجهة الأمراض الخطيرة المتفشية بخطة قومية ذات طابع عملى وملزمة للجميع، وبعد خطة الطوارىء هذه يتولى المجلس وضع السياسات العامة للارتقاء بالصحة والعلاج الطبى ومتابعة الخبرات العالمية فى هذا المجال.
- تحويل وزارة البيئة من وزارة دولة إلى وزارة متكاملة لها هيئاتها وهيكلها وسلطات تنفيذية محددة. أما وزارة البيئة الحالية (يتولاها وزير دولة!) فهى مجرد مكتب لإصدار بعض التقارير مع عدم القدرة على المتابعة والحسم. إن مشكلة الحفاظ على البيئة أصبحت من أهم القضايا التى تواجه البشرية حاليا فى ظل حالات الانتهاك الواسعة لسلامة البيئة بحثا عن الأرباح السريعة بأى ثمن.
- الاهتمام بالتوسع فى مجال الطب البديل، لأننا فى إطار السير فى خط النقل والتقليد من الغرب، لا نتابع آخر التطورات العلمية حتى فى الغرب، ولا نتابع خبرات شعوب الشرق المبهرة فى المجال الطبى، ولا نهتم كثيرا بإحياء خبراتنا الحضارية والمحلية فى مجال الوقاية والعلاج. والمدارس الطبية الشرقية (الصين على سبيل المثال) لا تسير فى طريق النقل والتقليد, بل لها خبراتها الخاصة وعلومها الخاصة التى تطورها دون انغلاق على التطورات فى الغرب، وهى تعتمد على وسائل لا تركز على الجراحات والعقاقير إلا عند الضرورة القصوى، بل تركز على العلاج الطبيعى، والإبر الصينية القائمة على أساس تحديد خريطة تشريحية لمسارات الطاقة فى جسم الإنسان، وطب الأعشاب القديم. والملفت للنظر أننا نركز على نقل مناهجنا الطبية من الغرب دون أن نلحظ آخر التطورات فيها. فمن بين 127 كلية طب معتمدة فى الولايات المتحدة أصبح هناك ما يقرب من 34 كلية منها تعتمد على العلاجات البديلة بدلا من استخدام الأدوية والعقاقير مثل الإبر الصينية، وطب الأعشاب الصينى القديم، واليوجا بما فى ذلك الصوم الطبى وهو الامتناع عن الطعام والاكتفاء بالمشروبات الطازجة لفترة معينة (د. عبد الهادى مصباح).
طبعا لا نوافق على بعض المبالغات التى تتحدث عن أن الطب الإسلامى أو النبوى علما متكاملا، فالرسول عليه الصلاة والسلام جاءنا مبشرا وهاديا, وليس لترويج علم طبى محدد أو غيره من العلوم، وقد نصح عليه السلام بالتداوى، وكان لدى العرب أطباء متخصصون (راجع فى شرح ذلك كتاب د. يوسف القرضاوى - السنة مصدر للمعرفة والحضارة - من ص 66 حتى ص 72 - دار الشروق - الطبعة الخامسة).
ولكن هناك من الإشارات التى يمكن الاستفادة بها فى المجال الصحى والطبى, ولكن يدخل أغلب ذلك فى إطار الوقاية، فكل الثمرات التى أشار إليها القرآن الكريم ثبت بالعلم فوائدها الصحية الجمة. ولكننا نتوقف بشكل خاص عند عسل النحل، فالقرآن احتفل بالنحل بشكل خاص عندما قال: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) و(يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (النحل: 69).
قد لا يعرف كثيرون أن منظمة الصحة العالمية أقرت 500 دواء من النحل والعسل والمنتجات الأخرى للنحل، كالشمع، وغذاء ملكات النحل، والمادة التى تلسع بها. وهناك بالغرب معاهد متخصصة فى دراسة إمكانيات النحل وفوائدها فى العلاج الطبى. ولكننا نؤكد مرة أخرى أننا لسنا مع القائلين بوجود علم طبى متكامل، ولا أى علم طبيعى آخر فى الإسلام. ولكن هناك إشارات ونصائح وقواعد ومعلومات يتعين الاستفادة منها، وأغلبها سيكون فى مجال الوقاية كالحديث الذى يدعو للاكتفاء بثلث ما يملأ المعدة (ثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه).
ويتوازى مع ذلك الطب الشعبى الذى اندثر، وحدث فيه انقطاع، لذلك فإن التداوى بالأعشاب دون إشراف علمى حقيقى يمكن أن يكون خطرا. وليس الطب الشعبى والذى قد نجد آثاره فى الواحات والمناطق الصحراوية وفى قليل من مناطق الريف، ليس إلا الطب الذى كان يتداوى به أجدادنا. ومن العجيب ألا توجد ماده واحدة فى كلية الطب على الأقل لدراسة بقايا هذا الطب، أو فى كلية الصيدلة، أو مادة لمراجعة تراث علمائنا الكبار فى هذا المجال. ولا شك أن الغرب قد استوعب علمهم وبنى عليه، ولكن مراجعتنا لهذا التراث قد تفتح لنا آفاقا خصوصية، وهذا هو الفارق بيننا وبين الصين ليس فى الطب وحده، فالصين لم تعرف الانقطاع عن ماضيها, وظلت تبنى عليه وتدمج علومها بما توصلت إليه علوم الغرب، ولكننا أصبنا بمرض الانقطاع عن ماضينا وتراثنا. وليست هذه الدعوة من التعصب الوطنى أو الدينى فى شىء، بل هى من وحى المنهج العلمى الصحيح, فكما أن النظام الغذائى لكل شعب يرتبط بالمواد الغذائية المتوفرة فى بيئته، فإن كثيرا من الدواء (ولا نقول كل الدواء) يتوفر فى بيئته أيضا. لذلك فإن الأمراض تختلف من بيئة لأخرى وكذلك الدواء. والأمراض البسيطة تعالج بأدوية بسيطة تناسبها فى مجتمعات يغلب عليها البساطة فى أغذيتها، أما الأمراض المركبة فغالبا ما تحدث بسبب تركيب الأغذية وتنوعها واختلافها، وتحتاج إلى أدوية مركبة. كذلك فإن الأعشاب التى تنبت فى بيئة محددة تكون عادة هى المناسبة لعلاج الأمراض التى تنشأ فى هذه البيئة. ولكن كما ذكرنا فإن انقطاع التطور العلمى فى مجال الطب والعلاج والتداوى بما يمكن أن نسميه الطب القديم، يستدعى أن نؤسس فرعا - على الأقل - لإعادة إحياء ما يمكن إحياؤه منه بضوابط البحث العلمى، فهذا أفضل صحيا وأكثر اقتصادية، وأكثر إثراء للعلوم الحديثة.
فى مجال الطب والطب البديل والصيدلة لابد من السير فى ثلاث شعب: مواصلة النهل من التقدم الطبى فى الغرب -إرسال بعثات لدراسة الطب فى الدول الآسيوية - إعادة دراسة تراثنا العلمى وما تبقى منه من ممارسات عملية ضئيلة. ويختلف الأمر من فرع لآخر، فمثلا فى مجال الطب النفسى لابد أن يكون لنا إبداعنا الخاص فيه، لأنه يتصل بصورة مباشرة بالثقافة الوطنية وبمنظومة القيم الحضارية الخاصة بنا, وأن يكون كل ذلك من خلال كليات الطب والصيدلة وليس من خلال الهواة أو غير المتخصصين.
- الارتقاء بمهنة التمريض بالتوسع فى مدارس ومعاهد وكليات التمريض، ويقترح د. حمدى السيد نقيب الأطباء أن يكون التأهيل على مرحلتين من التعليم الأولى بواسطة حصولهن على المدارس ذات الخمس سنوات بدلا من الثلاث سنوات. والثانية من خلال كليات التمريض. كذلك يقترح المتخصصون السماح للممرضات بمواصلة الدراسات العليا بعد التخرج، والانتقال من عصر الممرضة العامة إلى عصر الممرضة المتخصصة. كذلك لابد من الارتقاء بمرتباتهن وقيمة البدلات خاصة بدل العدوى (مخاطر المهنة). وتشير الإحصاءات إلى وجود عجز فى المستشفيات المصرية من الممرضات يصل إلى ربع مليون.
والمعروف أن التمريض حلقة مكملة لا تتجزأ مع عمل الطبيب، وأن من مظاهر تقدم العلاج الطبى فى بلاد الغرب، المستوى الرفيع لمهنة التمريض.
- باب العلاج على نفقة الدولة هو نوع من التلاعب بمجانية العلاج، فأصحاب الأمراض المستعصية أو المكلفة يتقدمون بطلبات خاصة لوزارة الصحة وقد توافق أو لا توافق عليها، فأصبح ذلك بابا للفساد الواسع بالمليارات والمتاجرة بآلام الناس كما رأيناه فى فضيحة نواب العلاج على نفقة الدولة، حيث كشفت الوثائق استغلال هذا الباب لعلاج الوزراء وكبار المسئولين حتى الأغنياء منهم، وحصول بعض كبار المسئولين على كميات هائلة من الأدوية للمتاجرة فيها، أو تخصيص هذا العلاج للأقارب والمحاسيب وفى مجالات غير ضرورية كعمليات التجميل!
والأصل أن العلاج مجانى للجميع فإن استحق مواطن العلاج فى مرض خطير فلا يجوز أن يحتاج لموافقة مركزية خاصة، بل يكون ذلك من خلال المستشفى العام الذى يعالج فيه، وأن يتحمل الطبيب المعالج والمختص المسئولية عن ذلك. أما باب الموافقة الخاصة من وزارة الصحة للعلاج على نفقة الدولة فمن المفترض أن يقتصر على مسألة العلاج فى الخارج، حيث تجتمع لجنة طبية على أعلى مستوى لتقرر أن علاج هذا المواطن غير موجود فى البلاد، وأن المرض خطير ويهدد حياته، وأن تكون الأولوية وفقا لمدى خطورة المرض.
- لسنا بطبيعة الحال ضد العلاج الخاص للقادرين ولمن يرغب فى ذلك، وحتى فى هذا المجال لابد أن تكون هناك ضوابط ومعايير عامة.
أما مفهوم العلاج الاقتصادى فيمكن إحالته - كما هو الحال فى بعض الممارسات الحالية - للجمعيات الخيرية التى تقدم خدمات طبية فى عيادات أو مستشفيات بأسعار رمزية ومعقولة، فهو علاج مدعم بأموال أهل الخير.

- ونشير أخيرا إلى أن العلاج المجانى كان هو القاعدة المستقرة فى فترات ازدهار حضارتنا الإسلامية، حيث كانت المستشفيات تقدم الإقامة والعلاج والأدوية والعمليات الجراحية والأكل مجانا, بل كانت تعطى المريض إعانة مالية بعد شفائه وخروجه من المستشفى فى فترة النقاهة!!


أضف تعليق


عدد الحروف المسموح بها 1000 والمتبقي منها
ادخل الكود التالي
CAPTCHA Image
صورة اخرى
الموقع غير مسئول قانونا عن التعليقات المنشورة