(17) البحث العلمى
الثلاثاء, 25 يناير 2011 - 12:00 am

magdyahmedhussein@gmail.com

التعليم هو القاعدة العريضة لتربية وإعداد أبناء الأمة بأسرها، وينبثق من هذه القاعدة ويبنى عليها قطاع البحث العلمى، حيث ينخرط فيه أنبه وأذكى العناصر من التعليم الجامعى. والجامعات من المفترض أن تكون صروحا ومرتكزات أساسية لانطلاق البحث العلمى من خلال مراكز متخصصة أو أبحاث يكلف بها الطلاب النابهون فى دراستهم الجامعية أو العليا (رسائل الماجستير والدكتوراه). ولكن البحث العلمى أشمل من ذلك, فلابد أن ترعاه الدولة على أعلى مستوى من خلال مجلس أعلى للبحث العلمى، وأن تكون هناك خطة قومية للبحث العلمى، تقوم على تنفيذها مراكز بحوث متخصصة فى مجالات عدة, وأن يكون بين هذه المراكز البحثية التابعة للدولة، والمراكز الخاصة التى تنشأ فى كنف النشاط الصناعى والزراعى التى تقوم بها الوحدات الاقتصادية الخاصة، والنشاط البحثى فى الجامعات، تنسيق كامل وتوزيع أدوار وتقسيم عمل، وفقا لخطة التنمية ووفقا للأولويات الوطنية.

والعلم هو أساس قوة أى مجتمع، ينعكس فى قوتها الاقتصادية والعسكرية وكافة مناحى الحياة. والدولة التى تتخلى عن العلم تخرج من السباق الحضارى، وتتحول إلى دولة مهيضة الجناح لا خطر لها ولا وزن بين الأمم. وقد شهد العالم ويشهد تطورات مذهلة فى البحث والكشوف العلمية وتتسابق الأمم فى ذلك, ولا تقدر الدول على الإلمام والتبحر فى كل المجالات من كثرة تشعبها وتفرعها, ولكن على الأقل فإن كل دولة تعطى أولوية لمجالات دون أخرى وفقا لاهتماماتها وحاجات مجتمعها الملحة, أو للحفاظ على مكانتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية.
أما القول بأن هناك أمما قد سبقتنا, وأن علينا أن ننقل ما توصلت إليه وهذا يكفى ولا يجوز أن نطمع فى أكثر من ذلك، فهى رؤية انهزامية ولا نريد أن نقول غير وطنية. فحتى النقل إذا لم يرتبط بالإبداع الخاص يصبح نقلا بليدا، وأنت لا يمكن أن تنقل العلم دون أن تبرع فى تطبيقه، وإذا لم تعبر الجسر بين العلم النظرى والتطبيقى الواقعى (التكنولوجيا) فلن تدرك حتى كيفية استخدام واستعمال التكنولوجيا الحديثة وسترجع فى كل صغيرة وكبيرة للخبير الأجنبى أو المورد. إن نقل العلم النظرى ضرورى بلا شك، ولكن ليس لمجرد رفع مستوى مناهج العلوم الطبيعية فى الجامعات فى انفصال كامل عن الوقع، وإلا سيتحول إلى علم لا ينفع. بالإضافة لذلك فإن أرض الله واسعة، بمعنى أن مجالات وروافد وفروع العلم لا تنتهى ويمكن لأمة أن تنجح - كما ذكرنا - فى مجالات أكثر من مجالات الأخرى.
ولنضرب مثلا بالنهضة الأوروبية، فقد قامت على أساس نقل العلوم من الحضارة الإسلامية وترجمتها وتحويلها إلى عمود فقرى للنهضة حيث بلغ عدد الجامعات 180 جامعة مع حلول عام 1500, وكان ذلك فى مجالات الميكانيكا والفيزياء والبصريات والكيمياء والرياضيات وغيرها. ولكن كانت هذه هى نقطة الانطلاق للدخول فى عالم الكشوف العلمية الأكثر تطورا. وقد ثبت مثلا أن كوبرنيكس صاحب نظرية حركة الكواكب ودورانها حول الشمس قد استندت دراسته - كما قال هو! - إلى ما استفاد منه من دراسات البتانى والبطروجى والزرقالة وابن رشد وثابت بن قرة. ولكن الثابت أيضا أنه استفاد من نظريات نصير الدين الطوسى وابن الشاطر (مصباح علاء الدين - دار الكتاب العربى - بيروت - الطبعة الأولى - 2009 - للباحث الأمريكى وعالم الفيزياء جون فريلى).
إن الأمة التى تترجم النظريات من الأمم التى سبقتها وتكتفى بتدريسها فى الجامعات هى أمة بليدة، ولن تستفيد كثيرا من ذلك، فالغاية الأساسية هى الأخذ ثم البناء على ذلك، وأن تكون لكل أمة إبداعاتها الخاصة وإسهامها الخاص فى التقدم العلمى. والمعروف أننا نقول بالنقل من أوروبا والغرب منذ 200 سنة, وهذا كاف لكى نبدأ فى إبداعنا الخاص ومشاركتنا الإيجابية، بل لا شك أننا تأخرنا كثيرا فى ذلك. بل لقد فعلنا شيئا معاكسا يؤدى إلى تبديد أى رأس مال علمى نكونه، أولا بأول، وهو هجرة (أو نزيف) العقول، فكلما أعددنا عالما هجَّرناه للغرب ليسهم فى تقدم العلم هناك، بينما نظل نحن فى موقع المتلقى والمستهلك. رصد تقرير لجهاز الإحصاء المركزى 600 عالم مصرى من العلماء النادرين موجودين فى الغرب, وأن عدد العقول المهاجرة من مصر وصل إلى 854 ألف عالم وخبير خلال النصف قرن الماضى وحتى الآن. وقدرت أكاديمية البحث العلمى فى مصر خسائر مصر من نزيف العقول بما يجاوز 45 مليار دولار وقدر جهاز الإحصاء أن 40% من المبعوثين للخارج لا يعودون! ويرفع د. ماجد الشربينى رئيس أكاديمية البحث العلمى النسبة إلى 48%!
ومن الأمثلة الصارخة التى نشر عنها مؤخرا العالم القناوى (أى من محافظة قنا) إبراهيم سمك خريج جامعة أسيوط الذى يقوم الآن بدور رائد فى نشر توليد الكهرباء عبر الطاقة الشمسية فى ألمانيا. وهانى عازر الغرباوى (أى المولود فى طنطا)، الذى أصبح رائدا فى تصميم وتنفيذ أنفاق القطارات فى ألمانيا أيضا، وأنشأ فى برلين أهم محطة قطارات فى العالم!
وبمناسبة القطارات ولتأكيد أن الأمم لا تسير خلف بعضها فى طابور رتيب، بل تسير كسباقات الأولمبياد حيث قد يفوز فى آخر السباق من كان متأخرا فى أوله, نقول إن اليابان كانت رائدة فى تكنولوجية صناعة القطارات السريعة (القطار الطلقة) فى وقت كانت الصين ترسف فى أغلال التخلف. أما الآن فقد سبقت الصين اليابان عموما على المستوى الاقتصادى العالمى، أما فى مجال القطارات فقد تفوقت الصين على اليابان وأصبح لديها أحدث منظومة للقطار الطلقة (أى أن سرعته كسرعة طلقة رصاص) والذى وصل إلى قرابة خمسمائة كيلومتر فى الساعة!
وسيستمر نزيف العقول المصرية إذا ظلت الأوضاع على ما هى عليه, والتى تتلخص ببساطة فى أنه لا توجد فى مصر منظومة للبحث العلمى، بل وصل الأمر فى هذا المجال إلى حد الصفر الكبير وفقا لوصف فينيس كامل وزيرة البحث العلمى السابقة (ميزانية أكاديمية البحث العلمى أقل من 3 مليون دولار!!) وكل ما قد نسمعه أحيانا عن بحوث أجريت فى مصر، فهى محاولات ومبادرات فردية تم وأدها بنجاح ولم يسمح لها بأن تتطور وتتشابك مع منظومة متكاملة للبحث العلمى، لأن الباحث فى مجال معين يحتاج عادة لمساندة من باحث فى قطاع آخر فى نقطة مشتركة بينهما. والأهم من ذلك أن البحوث الجادة تنتقل إلى الأرشيف، ولا تتم الاستفادة بها فى أى مجال، وهو الأمر الذى يمثل بيئة طاردة للعلماء خارج البلاد فى مختلف المجالات.
ويؤكد د. أحمد زويل ما ذكرناه آنفا، وهو أن قاعدة الاكتشافات العلمية والتطبيقات التكنولوجية الحديثة، تستند أساسا إلى الالتزام بالاستثمار القوى فى التعليم العلمى فبدون وجود قاعدة علمية أساسية فإن الدول لن تتمكن من الحصول على المعرفة التى تمكنها من إنتاج الاختراعات والاكتشافات، التى تسهم بدورها فى تشكيل مستقبل الأمم.
ويشير هذا الحديث إلى مسألة التعليم العلمى ثم الأبحاث التى تستهدف بحث الظواهر الطبيعية التى لا تبدو لأول وهلة مقدمة للتوصل إلى اختراع محدد، أى أبحاث يحددها الفضول العلمى فى المحل الأول. ويضرب أمثلة عدة بالأبحاث العلمية حول الليزر، والتى تحولت فيما بعد إلى صناعة لها سوق عالمية بالمليارات فى مجالات: الطب والصناعة والزراعة والدفاع. كما أن نظرية علمية مجردة هى التى قادت إلى الجهاز الشهير الآن (الرنين المغناطيسى) وكذلك الأمر بالنسبة للترانزستور. ثم يقول: (حفظ المعرفة سهل, ونقلها أيضا أمر سهل ولكن صناعة معرفة جديدة ليست بالسهل، وليست مربحة على المدى القصير، غير أن التاريخ أثبت أن المعرفة أساس النهضة والتقدم) (مقال لأحمد زويل فى مجلة  Nature العالمية 18 نوفمبر 2010).
إذا عندما نتحدث عن منظومة البحث العلمى فنحن نتحدث عن هرم له 3 مستويات:
1- الارتقاء بالدراسات النظرية فى مجال العلوم الطبيعية بالجامعات، وهذه تعتمد إلى حد كبير على النقل والترجمة من الأمم التى سبقتنا.
2-ثم قاعدة للبحث العلمى فى مجال النظريات العلمية لفهم واستنباط ظاهرة طبيعية جديدة.
3- ثم قاعدة البحوث التطبيقية التى تستفيد من النظريات العلمية المنقولة أو المبتدعة فى الوطن، فى التوصل لاختراع عملى جديد فى أى مجال من المجالات، وهذا ما يطلق عليه التكنولوجيا، التى ما هى إلا ربط حقيقة علمية ما باختراع عملى ما وفقا لتوليفة محددة، وبالمناسبة فهذه التوليفة قد تتنوع وتتشكل بصور مختلفة بين بحث وآخر، وبين دولة وأخرى.. وهكذا. وهذه هى قمة الهرم ولكن لا يمكن الوصول إليها بدون المرحلتين الأوليين.
ومن المؤسف أننا لا نمتلك أى مرحلة من هذه المراحل بصورة حقيقية, ولكن لا شك أننا قطعنا شوطا لا بأس به فى المرحلة الأولى، ولكن بطريقة النقل والترجمة, ومع ذلك فإننا نلحظ تأخرا فى هذا المجال فى إطار التدهور العام لمستوى التعليم فى الجامعات مع تكدس أعداد الطلاب، ونقص الإمكانات فى المعامل والتجارب العملية، وهبوط مستوى التعليم عموما فى الجامعات. ولكن مهما حققنا من تقدم فى هذه المرحلة (فى النقل والترجمة) فإن ذلك لن يدفع البلاد إلى الأمام إلا بالمرحلتين التاليتين، وبدونهما سنواصل تصدير أفضل خريجينا للغرب!
قوة الأمم = العلم، هذه معادلة لا مراء فيها, فالقوة العسكرية والاقتصادية لأى أمة = قدرتها العلمية. ومن حق المؤمنين أن يخشعوا عندما يتذكرون أن أول اتصال بين السماء والأرض فى بعثة محمد صلى الله عليه وسلم كان:(اقْرَأْ) - (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ . الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ . عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ). وهو أمر مذهل بكل المقاييس لا يمكن أن يكون إلا من عند الله. فمحمد أمى، ومجتمعه أغلبيته الساحقة أمية، حتى أن الذين يعرفون القراءة والكتابة يقال أنهم كانوا مائة أو مائتين! وهذه الآيات تتنزل فى مجتمع بدوى متخلف لا يمت بصلة بما نسميه الآن البحث العلمى، بل كان مجتمع الرعى والأشعار والبلاغة.. إلخ, بينما كانت أمم أخرى تعرف درجات من البحث العلمى: فى مصر وفارس وبلاد الروم على سبيل المثال حتى قبل البعثة المحمدية بقرون! أما الآن فى القرن الحادى والعشرين فإننا نعلم جيدا معنى هذه الكلمات الإلهية.. فقد كان الصراع فى الحرب العالمية الثانية سباقا محتدما حول الاختراعات العلمية، فى مجال الصواريخ والطيران بل أدى هذا الصراع المحموم فى مجال الذرة إلى التوصل للقنبلة النووية فى نهاية الحرب (وقد استعانت أمريكا بالعلم الألمانى فى هذا المجال). وعندما اكتسحت جيوش أوروبا العالمين العربى والإسلامى كان ذلك بسبب التقدم العلمى، والفجوة المعرفية التى نجمت عن ذلك بين الطرفين. وكان الصراع الأمريكى - السوفيتى يتمحور أساسا حول العلم، وعندما سبق الاتحاد السوفيتى أمريكا فى غزو الفضاء بإرسال أول مركبة مأهولة بالبشر (جاجارين) إلى خارج الغلاف الجوى للأرض، أضيئت كل المصابيح الحمراء فى واشنطن وكان الرد هو حملة قومية للنهضة بالتعليم والعلم حتى لاحقت أمريكا السوفيت وسبقتهم بالوصول إلى القمر خلال عدة سنوات. أما الآن فإن الصراع الأمريكى - الصينى يتمحور أيضا حول امتلاك أسباب العلم والتكنولوجيا. وكل تجارب التقدم فى آسيا وأمريكا اللاتينية مرتبطة بتقدم مستوى التعليم والعلم.
(واهتمام القرآن الكريم بالعلم لا يتوقف عند هذه الآيات الأولى، فالعلم هو حقيقة الكون وجوهر الوجود، وهو أساس خلافة الإنسان فى الأرض: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا) (البقرة: 31), وعلم الله هو أساس الوجود، وقد وصف الله جل شأنه نفسه بالعليم 165 مرة، وورد لفظ العلم فى 92 آية أما مادة علم ومشتقاتها فبلغت 756 مرة!! والعلم هو أساس قدرة الإنسان على الحرية والاختيار والإرادة التى لا يكون الإنسان إنسانا إلا بها. وعن طريق العلم بنى الإنسان وعمر وأنشأ، وألجم مظاهر الطبيعة، وروض بعضها الآخر لخدمته مستغلا نواميسها لكى يسبح ويطير وينتقل من مكان إلى مكان بسرعة الصوت وينقل صوته ويستقبل الصور بسرعة الضوء، وهو يوشك أن يصل إلى الكواكب، بل ويرسل المركبات لتصوير النجوم والشمس على رأسها: (عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ), وسورة العلق تعطينا مفتاح العلم وهو (القراءة) القراءة العامة لصفحة الكون والتأمل فيها، والقراءة بالمعنى الإصطلاحى أى بمطالعة الخط، وما خطه السابقون الأقدمون، على الأحجار والآثار والأوراق وما يكتبه المعاصرون من ثمار تجاربهم وحصيلة معارفهم) (تفسير فاتحة الكتاب وجزء عم - أحمد حسين - المجلس الأعلى للشئون الإسلامية - أكتوبر 1972 - ص 239 - 241 - بتصرف).
نظام مبارك لا يضع البحث العلمى فى حسبانه على الإطلاق، وهذا وحده سبب كاف لتفسير حالة التدهور التى وصلت إليها البلاد. بينما كان نهرو رئيس الهند ورفيق غاندى يرأس بنفسه المجلس الأعلى للبحث العلمى، لبحث الأولويات وتذليل العقبات أمام البحث العلمى، وتوفير التمويل اللازم له. وهذا حدث فى كل الدول التى سبقتنا وما أكثرها خلال الثلاثين عاما الماضية. والإنفاق على البحث العلمى هو المؤشر الدامغ فمصر تنفق على البحث العلمى أقل من 0.23% من الناتج المحلى أى أقل بكثير من 1%، حتى أن عددا من البلاد العربية سبقتنا فى هذا المجال فتونس تجاوزت نسبة 1%، بل سبقتنا السودان ولبنان وقطر 2,8%، والأردن والمغرب, على الرغم أن مصر بها أعلى نسبة من العلماء مقارنة بعدد السكان (تقرير اليونسكو لعام 2010), أما فى إسرائيل فتصل النسبة إلى أكثر من 5%، أما تركيا فأصبحت تصنف رقم 18 فى العالم فى مجال البحث العلمى. ورغم ذلك فإن ما ينفق على البحث العلمى وهو ضئيل للغاية فإن أكثر من 80% منه لسداد الرواتب البائسة للباحثين والإداريين. ومع ذلك فإن البحوث التى يقومون بها بشق الأنفس وبإمكانيات ذاتية فإنها كما ذكرنا تذهب إلى الأدراج.
وفيما يتعلق ببراءات الاختراع فقد كشف الجهاز المركزى للإحصاء أن براءات الاختراع الممنوحة من أكاديمية البحث العلمى فى مصر كان 82% منها عام 2009 منسوبة لأجانب!! وحتى هذه البراءات (وهى قائمة أساسا على جهود فردية) لا تعرف طريقها إلى التحول إلى منتج تجارى. وكثيرا ما ترد فى الإعلام الحكومى المرئى والمسموع والمطبوع نداءات واستغاثات أصحاب هذه البراءات من المصريين الذين لا يجدون آذانا صاغية من أى جهة حكومية، ويقولون لهم اتجهوا إلى القطاع الخاص! وهذا الآخر لا يجيب. إن متابعة قطاع البحث العلمى مسألة أساسية (إستراتيجية) لا يمكن أن تترك للقطاع الخاص خاصة فى المراحل التأسيسية، وبعد استقرار آليات البحث العلمى ورعاية المخترعين لا شك أن القطاع الخاص سيكون له دور فى تمويل البحث العلمى، والتشجع على استخدام تكنولوجيات محلية فى مشروعاته عندما يدرك فائدتها فى تعظيم أرباحه. أما فى ظل الأوضاع الراهنة حيث لا تهتم الدولة بتشجيع الصناعة الوطنية ولا البحث العلمى فكيف سيغامر القطاع الخاص بالولوج لهذا المجال.
ومن الأمور التى يجب أخذها فى عين الاعتبار فى بلد تخلف عن ركب الحضارة والبحث العلمى، أن ندرك أننا يجب أن نبدأ حيث انتهى الآخرون ولا نصعد على السلم خطوة خطوة، فلابد من قفزات، ولابد من اقتحام آخر صيحات البحث العلمى. على سبيل المثال فإن الموجة الأخيرة فى البحث العلمى العالمى تدور حول "النانو تكنولوجى" وهى تساهم فى التوصل إلى تكنولوجيات رخيصة وأكثر فاعلية. والنانو تكنولوجى هو العلم الذى يبحث فى الذرة وجزيئاتها وله تأثير كبير على مجالات الصحة والإلكترونيات والطاقة والمياه كتحلية مياه البحر وتنقية مياه الشرب والغذاء والبناء والسلامة. وبدأت تظهر فى الأسواق سلع ومنتجات على أساس النانو. علم النانو يضع الأساس للتعامل مع الأشياء على مقياس يتراوح بين واحد و 100 نانو متر. والنانو متر هو جزء من بليون جزء من المتر! على سبيل المثال فإن صفحة الورق يبلغ سمكها حوالى 100 ألف نانو متر!! وبمقياس النانو تختلف الخصائص الكيماوية والبيولوجية للمواد بطرق أساسية وذات قيمة، ويساعد على فهم المواد وابتكارها وقد دخلت تطبيقات ذلك فى كل صناعة تقريبا فى الشرق والغرب. أما فى مصر فقد اقتصر الأمر على بعض البرامج التلفزيونية القليلة التى يستضاف فيها بعض الباحثين المصريين ليتحدثوا عن هذا "السحر" الجديد، مؤكدين فى ذات الوقت أن مصر لم تدخل هذا المجال البحثى بشكل جاد.
وأخيرا نعود ونلخص الخطوط العامة لخطة النهضة فى هذا المجال:
- تأسيس مجلس أعلى للبحث العلمى من أعلى الكفاءات العلمية المصرية فى مختلف المجالات من العلماء المتواجدين على أرض الوطن أو المقيمين فى الخارج.
- أن يقوم هذا المجلس بوضع خطط قصيرة، وخطة طويلة الأجل للنهضة بالبحث العلمى فى مختلف المجالات، وفقا لأولويات الاحتياج الوطنى، وأن تكون هذه الخطة ملزمة للدولة بعد مناقشتها على أعلى المستويات السياسية.
- إعادة تأهيل مختلف الكليات العاملة فى مجال العلوم الطبيعية، ورفع مستوى الأداء التعليمى بها، وإلغاء سياسة تكديس الكليات بالطلاب بصورة لا تساعد على الارتقاء بالتعلم والاستيعاب وإجراء البحوث العلمية.
- ولا يتم ذلك بدون توفير التمويل اللازم برفع نسبة الميزانية المخصصة للبحث العلمى، والإدراك أن الاستثمار الأول والأهم يجب أن يكون فى التعليم والبحث العلمى كما فعلت كل الأمم التى نهضت وارتقت فى معارج التقدم.
- التوسع فى إنشاء المراكز العلمية المتخصصة، ومن أبرز الأمثلة المطلوبة: وكالة لعلوم الفضاء.
- ربط العمل بين مراكز البحوث العاملة فى مجال واحد أو متداخل: كالربط بين مراكز البحث فى الصحراء والمياه ومراكز البحوث الزراعية فى منظومة تكاملية واحدة.
- أن يكون إرسال المبعوثين للتعلم للخارج وفقا لخطة وأولويات البحث العلمى، ثم استيعابهم بعد عودتهم فى إطار بيئة بحثية جاذبة. والأمر لا يتعلق بتوفير مرتبات لائقة لهم فحسب - وهذا بديهى - ولكن بوجود مشروع نهضوى فى مجال البحث العلمى يرضى طموحاتهم ويحقق ذواتهم. فلا شك أن الباحث الوطنى يقبل دخلا أقل - مما يحصل عليه فى الخارج - إذا شعر أنه يساهم فى مشروع حقيقى لنهضة بلاده.
- توفير الحماية والأمن للعلماء المتخصصين فى مجالات حساسة لأنهم يكونون مستهدفين للتصفية من جانب إسرائيل وغيرها، ولنا فى ذلك تجارب عديدة.
- وكما فى كل المجالات فإننا نرى ضرورة توثيق التعاون مع البلاد العربية والإسلامية فى مجال البحوث العلمية، للتنسيق والمساندة فى هذا التحدى الحضارى، كذلك لا تقتصر بعثاتنا العلمية على الدول الغربية, بل يتعين زيادة بعثاتنا للدول الأسيوية واللاتينية الناهضة، مع القيام بأوسع حركة ترجمة تخصص لها هيئة أو مؤسسة محددة لنقل أكبر كم من البحوث العلمية فى مختلف المجالات.
- فيما يتعلق بالكفاءات الوطنية العديدة المهاجرة سواء بالإقامة أو بالتجنس فإن التعامل معها يكون بأسلوبين، إما استعادتهم تماما للوطن للمشاركة فى نهضته، أو بإقامة نوع من التعاون للاستفادة من خبراتهم، والاعتماد على استشاراتهم فى مجالات تخصصهم أو الاستعانة بهم فى إلقاء محاضرات متخصصة. ولقد برهنت تجارب الدول الناهضة (الصين وإيران مثلا) أن وجود نهضة علمية وطنية يؤدى إلى جذب وإعادة استيعاب معظم العقول المهاجرة.
- إن أهمية تطوير البحث العلمى الوطنى يتعلق بأمر مهم أشرنا إليه، فرغم أن المعارف الأساسية واحدة إلا أن تحويلها إلى تقنية (تكنولوجيا) يمكن أن يتم بوسائل عديدة، عن طريق توليفات متباينة. وبالتالى فهناك ضرورة للتوصل إلى تكنولوجيا محلية تكون أقل تكلفة، وأكثر ملائمة للبيئة، وكذلك أكثر مراعاة للحفاظ على البيئة.

- لابد من الاهتمام الخاص بمجال البحث العلمى المتصل بتطوير قدراتنا الدفاعية، خاصة ونحن فى صراع تاريخى مع الصهاينة ومن والاهم، والحروب أصبحت تعتمد أكثر من أى وقت مضى على امتلاك وسائل التقنية الحديثة فى مختلف فروع القوات المسلحة.


أضف تعليق


عدد الحروف المسموح بها 1000 والمتبقي منها
ادخل الكود التالي
CAPTCHA Image
صورة اخرى
الموقع غير مسئول قانونا عن التعليقات المنشورة