(16) ما هو موقع المسيحيين المصريين فى مشروعنا الإسلامى؟
الأربعاء, 19 يناير 2011 - 12:00 am

magdyahmedhussein@gmail.com

موقف حزب العمل من هذه القضية مبسوط فى وثائق وكتب عدة، بل فى مواقف عملية رائدة, خاصة فى مجال ترشيح المسيحيين على قوائم حزب العمل, وإدخالهم مجلس الشعب، أو فى انتخابهم فى قيادة الحزب، ولا تزال أبواب عضوية الحزب مفتوحة لأى مسيحى يقبل برنامجنا السياسى ويقبل العمل تحت مظلة المشروع الإسلامى الحضارى.

ويمكن الرجوع لموقفنا فى كتاب: "الإسلام دين وحضارة" للأستاذ عادل حسين فى الفصل الأول، وفى تقارير المؤتمر السابع للحزب 1999، وفى دراستى (أحكام القرآن الكريم فى موالاة الكفار والمشركين - الفصل الخامس). وخلاصة هذا الموقف أننا نتعامل مع المسيحيين فى مصر كمواطنين فى الدولة الإسلامية يتمتعون بالجنسية الإسلامية كهوية حضارية للوطن، فيما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات، وإن بقوا من الناحية الشخصية على عقائدهم وعبادتهم وأحوالهم الخاصة، وهذا هو الموقف الإسلامى النظرى (الفقهى) العام, وإن كان فى مصر قد أخذ شكلا أكثر اكتمالا من أى بلد آخر.
إن الإسلام إذا كان بالنسبة للمسلمين دين وحضارة، فهو بالنسبة للمسيحيين يمكن أن يكون حضارة فحسب، وإن النظر الموضوعى لأساسيات الدين الإسلامى يكشف عدم وجود تعارض مع قيم وأخلاقيات المسيحيين الشرقيين، وأنهم كانوا بطبيعتهم أقرب لإخوانهم المسلمين - خاصة فى مصر - من الوافدين والمستعمرين المسيحيين الغربيين، حتى قال أحد الغربيين إن مسيحيى مصر هم مسلمون يصلون فى الكنائس يوم الأحد! فى إشارة إلى حالة الاندماج العام بين الطرفين فى مختلف العادات والتقاليد وطرائق الحياة. ولكننا نعانى منذ عدة عقود من مشكلات طارئة خطيرة بتأثير واضح من المخططات الصهيونية - الأمريكية، وهذه المشكلات غير مسبوقة فى تاريخ مصر، ويتعين التعامل معها كمتغير جديد أضحى يشكل خطورة جدية على وحدة الأمة.
ولذلك فإن كثيرين سينظرون إلى عنوان هذه الحلقة (ما هو موقع المسيحيين المصريين فى مشروعنا الإسلامى؟) باعتباره عنوانا عجيبا يبدو خارج سياق أحوال الأمة! وسنأتى لذلك، ولكننا نؤكد أن مواقفنا من المسيحيين مواقف مبدئية لا تتغير لأنها بالنسبة لنا أوامر إلهية وجزء لا يتجزأ من عقيدتنا، وليست مجرد مواقف سياسية سطحية بهدف المناورة والكسب السياسى العارض، لذا نرجو أن يتأكد المسيحيون من إخلاصها وأنها الأوفق لهم فى دينهم ووطنهم وحياتهم الشخصية من أى خيار آخر علمانى أو تغريبى أو تابع للغرب.
وإذا أردنا الاختصار هنا نقول إن مبدأ (لهم ما لنا وعليهم ما علينا) هو مبدأ المواطنة الكاملة, فلهم كل حقوق وواجبات المواطنين المسلمين. والمهم هنا الإشارة إلى المساواة أمام القانون (باستثناء الأمور المتعلقة بالعقيدة)، وأن القوانين السياسية والاقتصادية والاجتماعية القائمة على أساس إسلامى هى بالنسبة لهم قوانين مدنية يلتزمون بها ويستفيدون منها كمواطنين فى الدولة، فى كل الأمور التى لا تتعلق بعقيدتهم. وهم فى المقابل ليست لديهم شريعة فى المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية أى لا يوجد تصادم بين شريعتين، والخيار أمامهم بين الشرائع الغربية العلمانية، والشريعة الإسلامية، وليس بين المسيحية والإسلام كما يتصور البعض. أما فى مجال كثير من الأمور الحياتية والقيم الأخلاقية وبعض الشرائع التفصيلية فإنها تتسق مع مبادىء الإسلام كما ورد فى الوصايا العشر: لا تقتل.. لا تسرق.. لا تزن.. لا تكذب.. إلخ, وكذلك - وعلى عكس المفهوم الشائع - فإن المسيحية (وفقا لعقيدة الكنيسة المصرية) تحرم الخمر ولحم الخنزير وكذلك تحرم الربا والشذوذ الجنسى.
والإسلام هو مؤسس المواطنة، حيث تساوى الناس فى دستور (صحيفة) المدينة فى الحقوق والواجبات بما فى ذلك اليهود. وقبل الإسلام كانت المواطنة تعنى التوحد على دين واحد, بل على مذهب واحد (كما هو الحال فى التاريخ الأوروبى)، وحتى فى الزكاة - وهى فريضة دينية - فإن الفقراء من غير المسلمين من مواطنى الدولة لهم حق فيها، أو من بيت المال.
والإسلام - على خلاف التاريخ الأوروبى - كفل الحرية التامة للاعتقاد, فللمسيحيين الحق فى ممارسة عبادتهم وشعائرهم, والتمسك بعقائدهم وبقوانينهم الخاصة بالأحوال الشخصية. وينسى كثيرون أن جميع الكنائس فى مصر قد بنيت فى عهد الإسلام, لأن الحكم الرومانى السابق على الإسلام منع المسيحيين الأرثوذكس المصريين من ممارسة شعائرهم أو إبداء معتقداتهم، ودمر كنائسهم أو استولى عليها لحساب المذهب الذى كان يتبناه الرومان.
وينحصر الحوار داخل التيار الإسلامى حول مسألة تولى غير المسلمين للوظائف العليا للدولة كالإمامة وقيادة الجيش والقضاء والولاية على الصدقات, لأنها أمور تتصل مباشرة بالعقيدة، أى بتطبيق الشريعة الإسلامية والاجتهاد فى ذلك وأحكام الجهاد. وهو ما سماه المواردى "وزارات التفويض"، أما "وزارت التنفيذ" فهى مفتوحة لغير المسلمين. ويضيق المستشار طارق البشرى من هذه المساحة حين يشير إلى أن ما يسمى وزراء التفويض أصبحوا محدودين للغاية فى النظم الحديثة، بل إن السلطات الفردية تتجه للتلاشى لحساب المؤسسات والهيئات، وبالتالى فإن مشاركة غير المسلمين فى جميع المؤسسات لا تؤثر على الولايات العامة للمسلمين (المسلمون والأقباط فى إطار الجماعة الوطنية - دار الشروق - الطبعة الثانية - راجع صفحات من 669-690).
والمقصود بذلك أن القرارات تصدر من مجلس الوزراء بالأغلبية, فوجود وزراء مسيحيين لا يؤثر على الولاية العامة للمسلمين، وكذلك الأمر فى الهيئة التشريعية التى تضم مئات الأعضاء بينما لن يزيد المسيحيون عن 10 أو 20% فى أحسن الأحوال. وفى الهيئات القضائية نجد أنها تتكون فى معظمها من 3 أو 5 أو 7 أعضاء. وفى الجيش المصرى يشارك المسيحيون بشكل طبيعى حتى وصل اللواء عزيز غالى إلى قيادة الجيش الثانى خلال حرب أكتوبر، وحاليا يوجد مسيحيون فى أعلى مراتب الجيش (قائد أحد الجيوش، ورئيس أركان القوات الجوية على سبيل المثال), لذلك فإننا نطالب بمساهمة المواطنين المسيحيين ومشاركتهم فى كافة الهيئات السياسية الرسمية والشعبية كالأحزاب والنقابات والمجالس المحلية والتشريعية والجمعيات، وهو أمر متحقق بالفعل من الناحية القانونية الآن.
والوضع الخاص للإمامة أو قيادة الجيش أو قيادة هيئة الزكاة، عندما تُخصص للمسلمين فليس فى ذلك أى تمييز ضد المسيحيين، فهو مبدأ ديمقراطى أى أن يكون الحكم للأغلبية، والإدارة الصحيحة لهذه المواقع تتطلب معرفة إسلامية، واعتقاد إسلامى (أى ليست مجرد معلومات)، وليس فى ذلك أى إهانة لأحد, أو تقليل من شأن أحد. فنحن لا نطالب مثلا أن يكون رئيس الولايات المتحدة أو فرنسا أو روسيا مسلما، بينما المسلمون أقلية ضئيلة, فهذا يتعارض مع أبسط قواعد المنطق وحكمة تاريخ وسنن المجتمعات، والديمقراطية! وإذا كان مسموحا للمسلم أن يترشح فى الولايات المتحدة مثلا فلا يوجد أحد يتصور أن ينجح هذا المرشح. وبالتالى فإن الإلحاح على طرح هذا السؤال: هل توافقون كإسلاميين على تولى مسيحى لحكم البلاد؟! هو سؤال غير منطقى ولا محل له. كما أن الإثارة المتوالية لفكرة أن تطبيق الشريعة الإسلامية يعنى التمييز ضد المسيحيين فهى بدورها - كسابقتها - نوع من المطالبة بإلغاء الإسلام، لأن تطبيق الشريعة جزء لا يتجزأ من العقيدة، ولا ندرى ما هو الأصل الديمقراطى للقول بأن 94% من المجتمع يلغون عقيدتهم حتى لا يثيروا حفيظة 6% منه. مع ملاحظة أن العقيدة تعنى هنا بالنسبة للمسلم مصيره الأبدى، أى خلوده فى الجنة أو خلوده فى النار. فهل يمكن التضحية بالدنيا والآخرة لأن هناك أقلية تدين بدين آخر.
فما بالنا والعقيدة الإسلامية هى العقيدة الدينية التى لا تجرح مشاعر أحد، بل التى توفر الضمانات لغير المسلمين أكثر من أى نظام فى العالم. وهذا موضوع طويل, ولكن التاريخ حسم ذلك بألف مثال ومثال (بالنسبة لمصر أباد الرومان المسيحيين المصريين لمجرد خلاف مذهبى وقتلوا الملايين، فهل حدث ذلك فى أى عصر إسلامى حتى فى عهود الانحطاط!). أما الآن فنحن نرى مثلا أن الولايات المتحدة لا تسمح للمسلمين بتطبيق قانون أحوالهم الشخصية, فإذا تعددت زوجات المسلم يحاكم ويسجن، ونرى تزايد حالات الاستفزاز من الحجاب الذى وصل إلى حد المنع القانونى فى فرنسا، رغم أن ارتداء الحجاب ليس فيه أى اعتداء على أحد. ونرى استفتاءا فى سويسرا لمنع المآذن. فهل منع أى بلد إسلامى أبراج الكنائس؟!
باختصار فإن تطبيق الشريعة الإسلامية فى جوانبها القانونية لا يمثل أى اعتداء على أحد ولا يمثل فرضا لعقيدة الإسلام على أحد.
ولكن منذ عدة عقود تتصاعد أزمة طائفية فى البلاد وبالتحديد منذ سنوات السبعينيات من القرن العشرين. وقد ذكرنا من قبل (راجع كتاب: أحكام القرآن الكريم فى موالاة الكفار والمشركين) أن مسئولية ذلك تعود إلى الدولة والحركة الإسلامية وقيادة الكنيسة. أما الدولة بمعنى النظام الحاكم فهو لا يحسن إدارة أى مجال من مجالات حياتنا، فليس هذا هو المتغير الأهم، أما الحركة الإسلامية فقد نشأت لها فروع متشددة فى التعامل مع المسيحيين, ونرى أنه جانبها الصواب من الناحية الشرعية (بعض الجماعات الإسلامية) ولكننا لا نناقش ذلك الآن، لأن هذه الجماعات انحسرت، والسائد الآن فى التيار الإسلامى هو الموقف الذى طالما دعونا له والذى أشرنا إلى ملامحه فيما سبق، وكان أهم تغير هو فى مواقف الإخوان المسلمين فى اتجاه موقف حزب العمل، وسقط تحفظها فى مجال ترشيح وتأييد ترشيح مسيحيين فى مجلس الشعب والنقابات والمجالس المحلية، وكانت بداية الانعطاف فى انتخابات عام 1987 فى إطار التحالف الإسلامى بين حزب العمل والإخوان المسلمين.
أما التغير الأهم فهو فى موقف الكنيسة، ففى عهد البابا شنودة تحولت الكنيسة لأول مرة منذ تأسيسها إلى كيان حزبى للمسيحيين، وسلطة سياسية "للشعب" المسيحى داخل الدولة. وهو الأمر الذى ساهم فى حدوث حالة التكتل الطائفى غير المسبوقة، حيث أصبح هناك مجتمع شبه كامل للمسيحيين على أرض مصر، وأصبحت قيادة الكنيسة هى الواسطة بين المواطن المسيحى والدولة المصرية. وكان هذا الموقف الجديد تماما على الكنيسة من أسباب حدوث هذا الشرخ. وقد تمكن البابا شنودة من تحقيق مشروعه بإحكام سيطرته الفردية على الكنيسة وفرض رؤيته على الجميع، وأزاح من طريقه كل أقطاب الكنيسة كمتى مسكين والأنبا جريجوريوس على سبيل المثال, وكانوا مختلفين مع هذه الرؤية باعتبارها خروجا على التقاليد الراسخة للكنيسة المصرية من عهد مرقس إلى عهد كيرلس. وقد ساعد البابا شنودة على تحقيق مشروعه عاملان: 1. ضعف النظام السياسى. 2. تزايد النفوذ الأمريكى فى مصر. فقد ضعف النظام السياسى الذى أخذ فى التراجع أمام هذا المشروع الجديد لقيادة الكنيسة خشية إغضاب الولايات المتحدة التى أعلنت نفسها حامية حمى المسيحيين فى مصر، كما كانت حماية الأقليات من المبررات الرسمية لاحتلال بريطانيا لمصر!
وكانت بداية الالتقاء بين موقف البابا شنودة والموقف الأمريكى فى عهد السادات, حين وقف الطرفان بحزم ضد رغبته فى تقنين الشريعة الإسلامية، الأمر الذى أدى إلى وقف التقنين بالفعل وكان ينتظر مجرد الإقرار فى مجلس الشعب. ولكن تحت هذه الضغوط (الأمريكية فى المحل الأول) أطاح السادات بالدكتور صوفى أبو طالب رئيس مجلس الشعب، الذى قاد عملية التقنين التى دخلت فى غياهب النسيان حتى اغتيال السادات وحتى الآن. بل فى عهد مبارك تم إدخال مادة مريبة فى الدستور خلال التعديل الأخير عن المواطنة فى محاولة للإلغاء الضمنى للمادة الثانية، التى تنص على أن الشريعة الإسلامية هى المصدر الأساسى للتشريع. وأصبح النظام يشير إلى هذه المادة الجديدة كمبرر لعدم مشروعية الأحزاب السياسية وأى نشاط إسلامى له طابع سياسى، وهى بدعة جديدة، أى أن يتم وضع مادة جديدة وكأنها تلغى مادة أخرى دون إلغاء الأخيرة بشكل صريح خوفا من إثارة الرأى العام! وأصبح النظام يتراجع بانتظام أمام المطالب الأمريكية، رغم انتقاداته الإعلامية لتقارير أمريكا حول الحريات الدينية، وهى سياسة جديدة للولايات المتحدة, أى استخدام هذا التقرير السنوى للضغط على الأنظمة الصديقة والمناوئة على السواء من خلال إدعاء أمريكا مناصرة الأقليات الدينية. وأصبحت الكنيسة عمليا محصنة ضد تدخل الدولة القانونى فى أى شئون إدارية أو مالية، وأصبحت أجهزة الدولة عاجزة عن أى تدخل فى النشاط الكنسى - البعيد تماما عن العقيدة - كالأنشطة الاجتماعية والرياضية والفنية ومجموعات الدروس الخصوصية، والاجتماعات ذات الطابع النقابى والسياسى التى تحدد موقف الكنيسة كحزب سياسى، خلال الانتخابات العامة والنقابية، وأيضا خلال الأنشطة العامة على مدار الساعة. وإذا كون المسيحيون حزبا سياسيا صريحا فإن ذلك سيكون أفضل من الوضع القائم من عدة زوايا: فالحزب السياسى الصريح سيكون مطالبا بتقديم برنامج عام للوطن لا الاكتفاء بالمطالب الطائفية، وسيكون له مقرات تخضع لكل ما تخضع له الأحزاب السياسية الأخرى، وسيكون له صحيفة تتحدث فى الشئون العامة لا الطائفية فحسب، أما فى الوضع الراهن فقد ارتبط ما هو سياسى بما هو مقدس، حيث لا يمكن انتقاد هذا الحزب غير المعلن لأنه يعمل داخل أسوار الكنيسة والمبانى العديدة التابعة لها، لأنه سيصبح انتقادا للكنيسة, أى اعتداء على عقيدة ودين الأقلية، وسيتحول الموضوع إلى اضطهاد دينى لا خلاف سياسى. أما الأغلبية المسلمة وقواها السياسية فأصبحت هى المضطهدة، حيث تم تأميم المساجد والسيطرة على أنشطتها المختلفة بنسبة تصل إلى 100%!! بينما الكنيسة حرة فى أنشطتها وتمويلها الذى ليس له أى حساب رسمى بنسبة 100%. ونحن نريد الحرية المشروعة للعبادة للجميع مسلمين ومسيحيين.
وحتى كبار رجال الأعمال المسيحيين أصبحت لهم حصانة خاصة مهما فعلوا من أعمال منافية للقانون، خشية الاتهام بالاضطهاد الدينى. وحتى قضية بناء الكنائس التى تحولت إلى قضية ساخنة، فإن عهد مبارك قد شهد الموافقة على بناء عدد غير مسبوق من الكنائس. وكلما استجابت الدولة للكنيسة كلما ارتفعت أصوات القيادة الكنسية بالصراخ من الاضطهاد!!
ونحن نرى أن الكنائس يجب أن تبنى بشكل لائق وبما يتناسب مع عدد السكان فى كل مكان. ولعل الإخوة المسيحيين يدركون أنه مع تقدم المشروع الطائفى والانفصالى فإن إحساس المواطن المسيحى بالأمان يتراجع ويتقلص. فلا الأسوار العالية تضمن الأمان, ولا حماية الولايات المتحدة. الأمان الحقيقى فى علاقات المودة والتراحم والبر بين المصريين بعضهم البعض. ومن المؤسف أن نقول إن بعض مجموعات أقباط المهجر متصلة علنية باللوبى اليهودى الأمريكى وبإسرائيل. وقد قرأنا مؤخرا لرئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية عن دور إسرائيل فى إحداث الفتنة الطائفية فى مصر.
إن الأمريكيين والإسرائيليين يسعون لاستخدام المسيحيين المصريين كوقود لتمزيق الوحدة المصرية، وإضعاف الكيان المصرى الذى هو أكبر تهديد لإسرائيل وللنفوذ الأمريكى فى المنطقة (على المدى الطويل وليس فى ظل هذا النظام بطبيعة الحال), ووصلت إدعاءات بعض تنظيمات أقباط المهجر إلى اتهام النظام المصرى بالوهابية والإسلام المتطرف, وهذا كلام أقرب إلى الهزل منه إلى كلام العقلاء. فلماذا لا يفكر المواطنون المسيحيون إلى أى منحدر يقودهم هذا المخطط الأجنبى؟!.
إن الإنجيل يدعو إلى السلم والمحبة واللين. المسيحية فى عهدها الصافى أى فى عهد المسيح بن مريم لم تنتشر إلا بهذه القيم، والحركة الإسلامية تنتشر فى مصر الآن وهى محرومة من كل المساجد!!
إن الذى يحافظ على الوحدة الوطنية حقا هو حسن المعاشرة ولطف المعاملة ورعاية الجوار وسعة المشاعر الإنسانية من البر والرحمة والإحسان. لذلك تجد العلاقات بين المسلمين والمسيحيين من كبار السن علاقات طبيعية وودية وصحية أما الأجيال التى نشأت فى الثلاثين سنة الأخيرة فهم فى أحسن الفروض لا يعرفون بعضهم البعض!
ويشكو المسيحيون أحيانا من ممارسات الأمن، وهناك بالفعل ما يمكن أن نسميه "تقلصات" تحدث بين أجهزة الأمن والكنيسة، وهى "تقلصات" لأنها موسمية ولا تقارن بما يمارسه الأمن مع الأحزاب الإسلامية. وهى تحدث لأن الأمن يشعر بأن سيادته المطلقة والمحكمة على رقاب العباد جميعا، مقيدة إلى حد بعيد، فى مجال التعامل مع الكنيسة، والأمن يعالج مسألة الوحدة الوطنية بعقليته الأمنية. ومن نافلة القول أن نقول أن مشكلة بهذا الحجم لا يمكن أن تحل فى إطار أمنى ككل المشكلات الكبرى فى البلاد. وأن الصوت الأعلى فى هذه القضية متمثلا فى الإعلام يروج هذه المعضلة عن طريق الإمعان فى علمنة الدولة، وهو الأمر الذى يزيد المعضلة استفحالا.
ونحن لا نملك إلا التوجه للمواطن المسيحى لنقول له أن التوجه إلى الإسلام والعودة إلى شريعته ليس فى مواجهتك بأى حال من الأحوال، فهى عودة للذات وعودة إلى الله، وهو تيار فى مختلف البلاد العربية والإسلامية، كما أن العودة للأصول الدينية تيار موجود لدى مسيحيى مصر وفى مختلف بلدان العالم. ولابد من التفاهم والحوار مع التيار الإسلامى والاستماع إلى رؤيته ودراستها. ونحن نزعم أن الرأى الغالب فيه والذى يسميه البعض الإسلام السياسى لا يضمر لكم أى شر، ويسعى ويرغب فى إعادة اللحمة الوطنية المصرية إلى ما كانت عليه فى إطار دينى وطنى وليس فى إطار علمانى. فإذا كنت متدينا حقا بالمسيحية، فإن أخوة الإسلام هم أقرب الناس إليك. الولايات المتحدة لا تأبه بالمسيحية وإلا لكانت اهتمت بأخلاقياتها على الأرض الأمريكية، أمريكا لا تعرف إلا مصالحها واستمرار سطوتها وتسلطها على الشعوب. وأنت تعرف رأى اليهود فى المسيح عليه السلام ولا نريد أن نكتب وقاحاتهم. وأمريكا وإسرائيل يتفقان على إضعاف مصر واستعمارها بوسائل حديثة، ومن يحب مصر وتربى فى مدرسة الوطنية المصرية وعصر الشهداء القبطى من أبرز ملامحها التاريخية، فلا يقبل بهذا المخطط الصهيونى - الأمريكى. قوة مصر فى اتحاد بنيها. وعدم إدراك هذا المخطط أكبر تهديد لسلامة وأمن وطمأنينة ووطنية المسيحيين، وبديهى أنه ضار بأمن وحضارة مصر. ولا ننفى وجود مشكلات لكم أو مطالب أو هواجس, ولكنها تحل بالحوار والتفاهم وفى الإطار الوطنى. والضمانة الأساسية لذلك أن الله يأمرنا بذلك: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).
والبر يعنى أن تعطى صاحب الحق أكثر من حقه, وقد استخدم القرآن هذا اللفظ مع الوالدين فقال عن سيدنا يحيى: (وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا) (مريم: 14), وقال على لسان المسيح: (وَبَرًّا بِوَالِدَتِى وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًا شَقِيًّا) (مريم: 32), والقسط هو العدل. وليس بعد البر أو العدل ما يمكن أن تقدمه لأى إنسان.
*****
ملاحظة: كتب هذا الموضوع قبل حدوث التفجير المأساوى بكنيسة الإسكندرية والتى راح ضحيته حوالى 18 مواطنا مسيحيا، ونحن إذ ندين هذه الجريمة فى حق الأبرياء من بنى الوطن، نقول إن الإسلام منها براء. ولكن الوفاء لهذه الدماء وهذه الأرواح المصرية يعنى أن نعمل على سد كل الثغرات حتى نمنع تكرارها. وما ورد فى هذه الحلقة تضمن التحذير من الفتنة، كما تضمن رؤيتنا للمواجهة الوطنية المخلصة لهذه المعضلة، وقد أصدر الحزب بيانا بهذه المناسبة طالب فيه بتشكيل لجنة من الحكماء المسلمين والمسيحيين، ذات طابع قومى وغير حكومى، لبحث كل القضايا المتفجرة بهدوء وصراحة فى اجتماعات مغلقة, والتوصل إلى توصيات محددة يتم فرضها على جميع الأطراف بالقوة الأدبية وبقوة الرأى العام المصرى الإسلامى والمسيحى.
ملاحظة: بعد انتصار الثورة تبين فى مفاجأة مذهلة أن أجهزة أمن مبارك وراء تفجير كنيسة القديسين, كما تبين فيما بعد أن ذيول أمن الدولة والحزب الوطنى وراء تفجير فتنة أطفيح!! وهذا ما يكشف عن المجرم الحقيقى وراء تفجير الرابطة الوطنية بين المسلمين والمسيحيين. كما كشفت الثورة المجيدة أصالة الشعب المصرى ورغبته الجارفة فى الوحدة الوطنية.

وهذه الملاحظة هى الإضافة الوحيدة على الدراسة فى كل أبوابها, فهى دراسة كُتبت فى السجن قبل اندلاع ثورة 25 يناير.


التعليقات

فوزى ملاك
السبت, 26 فبراير 2011 - 12:00 am


شوف يا محترم لا يمكن ان اوافق على وجود المادة اللثانية من الدستور المصرى ولا يمكن لحضرتك ان تبا الكلام معى بارهابى بان هزا خط احمر يعن لو اكلمت فية سوف تقتلنى ولا اية تقصد طيب انا عايز اعرف راى الشريعة فى المصرى اللزى لايؤمن بمحمد رسول على الاطلاق وعايز اعرف راى الشريعة فى المصرى المرتد عن الاسلام باعتناقة المسيحية وعايز اعرف راى الشريعة الاسلامية اللى حضرتك بتفرضهاعليافى المصرى البهائى او الشيعى هو انت حضرتك مالكش شركاء فى هزة البلد ولا رايك اية
الشريف احمد سلام الهاشمى
الأحد, 27 مارس 2011 - 12:00 am


السلام علي من اتبع الهدى يا فوزى ملاك توافق او لا توافق هذا لن يغير من الامر شئ لانكم كنصاري اقلية فحسب الاحصائيات الامريكية والدوليه فعددكم في مصر اربعه ونصف مليون يعنى سته ونصف في المائة والديمقراطية التى تتشدقوا بها تعنى راى الاغلبيه العظمى ونحن لن نرضي الا بتطبيق شرع الله في ارضه اما عن رايي فيمن لا يؤمن بنبيي صلي الله عليه وسلم فاذا كان قصدك عليكم فاقول لكم ما لنا وعليكم ما علينا فشريعتنا لا تظلم لااحدا ولو كان كافرا ولا تحابي احدا ولو كان مسلما فنحن نبركم ونقسطكم ما دمتم لا تقاتلوننتا في الدين ولا تخرجوننا من ديارنا كما امر ربنا تبارك وتعالي اما المرتد فيستتاب علي يد اهل العلم فيردوا علي شبهاته فان تاب كان بها اما ان ازيلت شبهاته او لم تكن له شبهه من الاساس وبقي علي ردته يقتل بعد غروب شمس اليوم الثالث فقد روى البخاري في صحيحه ان جدى الحبيب المصطفي صلي الله عليه وسلم قال( من بدل دينه فاقتلوه ) وحد الردة ينطبق علي البهائيين لان البهائيه ليست دينا سماويا وانما دين وثنى اما بالنسبة للشيعه فالامر فيه تفصيلات كثيرة تحتاج وقتا طويلا
عادل
الجمعة, 14 أكتوبر 2011 - 12:00 am


اقسم بالله اروع مقال قرأءته فى حياتى عن علاقة الاسلام والمسحيين وفعلا اروع تحليل يعبر عن تلك العلاقة وارجو من القائمين على الحزب نشره بكل الطرق وعن نفسى ساانشره فى كل الوسائل المتاحة لى

أضف تعليق


عدد الحروف المسموح بها 1000 والمتبقي منها
ادخل الكود التالي
CAPTCHA Image
صورة اخرى
الموقع غير مسئول قانونا عن التعليقات المنشورة