(15) العدالة الاجتماعية.. ومظالم عهد مبارك
الأربعاء, 12 يناير 2011 - 12:00 am

magdyahmedhussein@gmail.com

العدالة اجتماعية ركن ركين فى الرؤية الإسلامية، والله يأمرنا بالعدل: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ), ولعلكم لاحظتم أن العدالة بشقيها: السياسى والاجتماعى دخلت فى العديد من الموضوعات السابقة، فالتنمية لا قيمة لها إذا لم تقترن بالعدل، وقد ورد هذا المعنى مرارا فى تناولنا السابق لطبيعة الملكية، وفى دور الزكاة، وفى أولوية إشباع الحاجات الأساسية للجماهير، كما سترد فى المسائل القادمة حين نتناول الصحة والتعليم وغيرهما من المجالات، كما أن الشورى أساس العدل السياسى. وكذلك استقلال السلطة القضائية, فالعدالة عموما والعدالة الاجتماعية خصوصا تصبغان كل شىء فى الرؤية الإسلامية حتى وُصف بها الحاكم والشاهد، بل هى صفة يتعين على المؤمنين أن يتحلوا بها فى كل أعمالهم وقراراتهم العامة والخاصة. وهى اسم من أسماء الله الحسنى (العدل). وكما قلنا لمحبى الحرية من المؤمنين (الليبراليين) ستجدون ضالتكم فى الإسلام، نقول أيضا لمحبى العدالة الاجتماعية من أصحاب المدارس الاشتراكية ستجدون ضالتكم فى الإسلام. فقد قامت النزعات والمذاهب الاشتراكية المتنوعة على أساس قيمة إنسانية أصيلة, وهى رفض استغلال إنسان لأخيه الإنسان، وأن البشر متساوون ولا يجوز أن يستعلى أحد على أحد, ولا أن تتكالب قلة على الثروات وتحرم الأغلبية منها, وهؤلاء فى الإسلام هم المستكبرون والفاسدون والمترفون، وأن الغاية الإنسانية الفاضلة أن يتعامل الناس بمكيال واحد، ولا يحكمهم إلا قانون تكافؤ الفرص. وهذه قيمة أصيلة فى الإسلام فـ (كلكم لآدم وآدم من تراب. لا فضل لعربى على أعجمى ولا أبيض على أسود أو أحمر إلا بالتقوى) حديث, (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: 13), فلا يعترف الإسلام بنقاء عرق على عرق، ولا علو قومية على قومية، ولا علو الحكام على المحكومين، ولا رأسماليين على عمال، ولا أى فئة من الناس على باقى الناس, بل أعلى الإسلام من شأن المستضعفين, ورفعهم فوق بعض الأغنياء وأصحاب المال والأعمال، ووعد بنصرهم. لكنه لم يأخذ موقفا "طبقيا" من الأغنياء، وفتح لهم باب الرحمة إن هم أخذوا المال بحقه وأنفقوه بحقه، ولكنه حذرهم من فتنة المال. فكل الناس معرضون للفتنة ولكن الأغنياء معرضون لفتنة إضافية: هى فتنة المال والشعور بالاستغناء: (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) (الجن: 16-17), (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ) (التغابن: 15), وقد كان من الأنبياء من يعمل خياطا كإدريس (رواية لابن عباس فى تفسير ابن كثير), ونوح تحول بوحى من الله ليعمل نجارا وبناءا للسفن، وإن كنا لا ندرى ما مهنته الأصلية. وموسى رعى الأغنام ما بين 8 إلى 10 سنوات فى مدين، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم فقال أصحابه وأنت؟ قال: نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة) الشيخان. وداود لم يكن (يأكل إلا من عمل يده) حديث بالبخارى. وكان زكريا نجارا (حديث مسلم وابن ماجه) وابنه يحيى كان إذن ابن نجار وكان ابن خالة عيسى ابن مريم, وزكريا النجار هو الذى كفل مريم.

وكان أغلب أنصار الأنبياء من المستضعفين, لذلك كانت حجة المعاندين المترفين تبدو وجيهة بالنسبة لهم: (قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ) (الشعراء: 111), أى كيف نتبعك يا نوح ونحن نرى أتباعك من سفلة الناس وأقلهم جاها ومالا. فيرد عليهم نوح: (قَالَ وَمَا عِلْمِى بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الشعراء: 112) أى أى شىء أعلمنى ما هم عليه من قلة الجاه والمال؟! إنما أطلب منهم الإيمان دون تعرض لمعرفة صناعاتهم وأعمالهم. طبعا هو يعرف ولكن يقول أن هذا الأمر لا يهمنى لأنه ليس بيت القصيد فهو يبحث عن إيمانهم بالله، ولا يشغله أصلهم الطبقى. ثم يؤكد أنه متمسكا بهم: (وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ) (الشعراء: 114), أى سأظل متمسكا بالذين يؤمنون بدعوتى مهما كان حالهم من فقر أو غنى، تلبية لرغبتكم كى تؤمنوا بى.
وفى موضع آخر يقول المعاندون لنوح إن كل أتباعك وليس معظمهم من الطبقة الدنيا: (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِى الرَّأْيِ) (هود: 27), وكان ذلك هو أيضا موقف كبراء ثمود من صالح حيث أخذوا يقرعون أتباعه المستضعفين: (قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ . قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِالَّذِى آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ) (الأعراف: 75-76). كذلك كان المحاربون لشعيب هم كبراء مدين: (وَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ) (الأعراف: 90), والملأ هم علية القوم. وكان ذلك موقف زعماء وكبراء عاد من هود: (قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِى سَفَاهَةٍ) (الأعراف: 66), والسفاهة هى خفة العقل! وكان الذين تصدوا لدعوة محمد عليه الصلاة والسلام هم كبراء مكة: (أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ . وَانطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ) (ص: 5-6).
وكان فرعون وكبار معاونيه هم أعداء دعوة موسى، ولم يكن معه إلا مستضعفى بنى إسرائيل. وكان أنصار المسيح ابن مريم من الفقراء والمساكين، وكان حواريوه من صيادى السمك فى أغلبهم كما تقول الروايات وكان مرقس الذى تنسب إليه الكنيسة الأرثوذكسية المصرية اسكافيا.
والذى نستنتجه من كل ذلك أننا أمام قانون اجتماعى (سنة من سنن الله)، أن أصحاب السلطة والجاه والمال، هم الذين تصدروا لمعاداة دعوة الأنبياء، وسيظلون هم قادة المعسكر المعادى لحركات الإصلاح والمصلحين من بعد الأنبياء: (وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ) (الزخرف: 23) فهؤلاء بامتلاكهم السلطان السياسى والاقتصادى, وبما يتمتعون به من مزايا وامتيازات, وحيث تنفتح أمامهم من مواقعهم فرصة الاغتراف من ملذات وشهوات الحياة الدنيا الحسية والمعنوية، يعز عليهم التفريط فيها، بل يحاربون حتى الموت للاحتفاظ بها ويسعون لتصفية الحركات الإصلاحية. ودعوة الدين هى أعمق أساس للمساواة بين البشر، فهى قائمة على أساس أن الملك لله، وأن البشر أمامه سواء ولا يحاسبهم إلا على أعمالهم دون النظر لمركزهم الاجتماعى!! فما قيمة أى مركز اجتماعى أو سياسى أمام قدرة الله وجبروته عز وجل. وما كل ما يستكبرون به على الناس من ثروة وأدوات قوة إلا من صنع الله. ولو اقتصر الأمر على التهديد بالحساب الآخروى لهان الأمر على المستكبرين, ولكن "مشكلة" الدين أنه يأمرهم بأعمال محددة فى الدنيا، وينهاهم عن أعمال أخرى، وهذا تقييد للحرية غير مقبول!! ولا يمكن أن يكون صحيحا: (وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) (الأعراف: 66)!! لذلك يقول كبراء مدين لشعيب متعجبين مستنكرين: (قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِى أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) (هود: 87) أى يا شعيب المعروف عنك الحلم والرشد تريد أن نمتنع عن التصرف فى أموالنا كما نريد مما نرى فيه مصلحتنا؟! أى لو كان الأمر اقتصر على الدعوة لدين جديد فلربما كان الأمر محتملا, أما أن تدعى أن هذا الدين يتدخل فى تصرفاتنا المالية فهذا ما لا يمكن احتماله وتصوره. فدين الله ليس مجرد خلاف فى أداء الشعائر رغم أهمية ذلك، ولكنه يضع أسسا جديدة عادلة فى شئون المجتمع بما فى ذلك النواحى الاقتصادية والمالية. وقد دعا أنبياء الله إلى الزكاة كما ورد فى القرآن الكريم, ولكنه لم يحدد لنا كيفية أدائها, لأنه وضع لنا الصورة النهائية مع بعثة محمد صلى الله عليه وسلم, فى آيات محددة بالإضافة لمزيد من التفصيل فى السنة.
والأمر لا يقتصر على الزكاة, بل يرى المستكبرون أن دين الله يضع دستور لحركة بنى البشر فى مختلف المجالات, وأن هذا الدستور يسرى على الملك والصعلوك، على الوزير والغفير, على الكبير والصغير، على المرأة والرجل.. إلخ, بينما بدون هذا الدين، فإن سلطانهم لا يحده حدود، ولا تقيده قيود، وهم المرجعية فى كل شىء، وهم الذين يحددون الصواب والخطأ، وما يجوز وما لا يجوز. والهوى والقدرة والاستطاعة التى لديهم هى التى تحدد كل شىء فى تصرفاتهم. وبالتالى فإن هذا الدين يحد من سلطتهم السياسية ويجعل فوقهم سلطة أعلى من المرجعية الدينية، وسلطتهم المالية أيضا توضع تحت ذات المظلة، ويتم كبح رغباتهم فى الاستمتاع إلى أقصى حد من متاع الحياة الدنيا.
وبالتالى فإن هذا الدين ينتقص من سلطانهم ومكانتهم وثرواتهم بالمعايير الدنيوية, فلا يقبلون عليه بل يحاربونه, ولديهم من الأدوات والإمكانيات ما يغريهم بذلك، وما ينطبق على مرحلة الأنبياء يظل ساريا كقانون فى مرحلة ما بعد الأنبياء، ولكن قلة من هذه الطبقات كانت تستجيب لدعوة النبوة وما تتضمنه من عدالة بفعل نور الإيمان الذى يتسلل إلى قلوبهم ثم يغمرها, وحدث هذا بصورة أكبر فى عهد النبوة الأخيرة (راجع الفصل الأخير من دراسة سنن التغيير فى السيرة النبوية) وفى حالة إقامة الدين أى إقامة الدولة الإسلامية فإن القوانين تعمل مكملة للوازع الدينى لضمان إقامة العدل كما أشرنا من قبل.
أما المستضعفون فيكون الطريق ممهدا لهم لقبول الخيار الإيمانى، فهم لن يخسروا إلا قيودهم, فدين الله يحررهم من الأسر، وينصفهم، ويجعلهم فى مكانة متساوية مع الكبراء فى الدنيا قبل الآخرة، وهم الذين ذاقوا مرارة الظلم واكتووا به، وهكذا يكونون متحررين من العوائق والفتن التى تحول بينهم وبين دين الله. ولكن يظلون يعانون من فتنة الخوف من بطش الحكام، يظل فريق منهم يعلى من شأن خشية المترفين. ستظل إذا قوة الإيمان هى الفيصل، ولكن كقاعدة عامة وبأى إحصاء بسيط فإن الداخلين فى دين الله من المستضعفين سيظل أكثر بكثير من المتحررين من الطبقة المترفة، ليس لأنهم يشكلون معظم السكان فحسب, ولكن حتى إذا أخذنا بالنسبة المئوية لكل طائفة، تظل نسبة الداخلين فى دين الله من المستضعفين بالنسبة لعددهم الكلى، أكبر من الداخلين فى دين الله من طبقة الأثرياء بالنسبة لعددهم الكلى. ولكن الواحد من الأثرياء والكبراء بألف لأنه ضحى من أجل إيمانه بأشياء كثيرة (نموذج امرأة فرعون).
وقد عبر القرآن عن تحالف السلطة السياسية والأمنية والمالية بقصة فرعون وهامان وقارون (راجع سورة القصص). لذلك نجد أن إقامة الدين (ويمكن أن تقرأها إقامة العدل) تكون أساسا لمصلحة المظلومين، الذين يعيدهم الإسلام إلى ما نسميه الآن (المواطنة الكاملة) ولذلك وعدهم الله بالنصر والتمكين إذا هم جاهدوا فى الله حق جهاده: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِى الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ . وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِى الأَرْضِ وَنُرِى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ) (القصص: 5-6), (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا) (الأعراف: 137).
والعدل هو سمة الإسلام، حيث يتنافر الإيمان مع الظلم، حتى كاد القرآن كريم يسوى بين الكفر والظلم (الظلم هو الجريمة الثانية فى القرآن بعد الكفر من حيث عدد الورود) ففى آيات كثيرة وصف القرآن الكفار بأنهم ظالمون. وجاء فى الحديث القدسى: (لقد حرمت الظلم على نفسى فلا تظالموا).
ويقول القرآن على لسان سيدنا محمد: (وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ) (الشورى: 15). والله يأمر بالعدل حتى مع الذين يبغضون الإسلام: (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة: 8), (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ) (النساء: 58).
ولكن الإسلام لا يصل مع الأغنياء إلى الحد الذى ورد فى الأناجيل المعاصرة من أن الغنى لا يدخل الجنة حتى يدخل الجمل من سم الخياط (أى من ثقب الإبرة!) ولعل هذه صيغة بلاغية لصعوبة دخول الجنة بالنسبة للأغنياء، وليس إلى استحالتها. فلا يوجد فى الإسلام ما تسميه الماركسية موقفا طبقيا من الأغنياء (الرأسماليين أو البورجوازية) بحيث يتم تجريمهم لمجرد وضعهم الطبقى. فالإيمان فى الإسلام هو الفيصل فى تقييم البشر، لأن الإيمان يُعدل من سلوك الجميع بعد أن يدخلوا فيه، فلا يظل الأغنياء على استغلالهم وتقتيرهم وأثرتهم واستعلائهم. ولكن الإسلام يوضح حرج موقفهم كما ذكرنا (فتنة المال والسيطرة)، ويحذرهم وينبههم لهذا الخطر الإضافى الذى لا يعانى منه المستضعفون. وفى نفس الوقت فإن النظام الإسلامى يقدر دور أصحاب المال والأعمال فى التنمية، فهم فئة المبادرين والمنظمين الذين لا غنى عنهم فى الاقتصاد, ولكنه يضع القواعد التى تحكم عملهم بحيث لا يظلمون ولا يُظلمون.
وانعكاس العدل فى جانبه الاقتصادى والاجتماعى له ضوابطه المادية فى الإسلام بحيث لا يترك هذا الموضوع الخطير للضمير، رغم أن التقوى هى أساس كل شىء فى الإصلاح، ولكن إذا لم يتق الأغنياء الله فإن القانون (الشريعة) يتدخل لإحقاق الحق. وقد تحدثنا عن الزكاة، وعن الوظيفة الاجتماعية للملكية الخاصة، وعن التنمية التى تستهدف إشباع الحاجات الرئيسية للشعب. ونضيف إلى ذلك عددا من المبادىء العامة والقواعد التى تضمن استقرار العدالة الاجتماعية.
وقد تحاورت مع مجموعة من الأوروبيين من مجموعات السلام واليسار الجديد حول العدالة الاجتماعية فى الإسلام, ووجدت منهم تجاوبا كبيرا (راجع الحوار باللغة الإنجليزية على موقع العمل). ولكى أقرب لهم المفهوم الإسلامى فى العدالة الاجتماعية، قلت لهم إنه أقرب ما يكون لمدرسة الاشتراكية - الديمقراطية فى أوروبا، التى ظهرت فى أوائل القرن العشرين وحاربها لينين زعيم الثورة الروسية بضراوة، ورغم أن لينين يبدو أنه انتصر فى المدى القريب بنجاح الثورة البلشفية فى روسيا وتمدد نموذجها فى شرق أوروبا إلا أن الاشتراكية - الديمقراطية انتصرت على المدى الأطول. وقد قامت هذه المدرسة على فكرة تهذيب وتشذيب الرأسمالية بمحاولة معالجة عيوبها الصارخة، بالتركيز على إصلاح أحوال العاملين وتقديم كافة أشكال الضمان الاجتماعى والصحى لهم، وأيضا على القبول بالتوسع فى مجال القطاع العام وفقا لاحتياجات المجتمع، وزيادة تدخل الدولة فى الشئون الاقتصادية لتحقيق التوازن ومواجهة الأزمات، بالإضافة للمسئولية الأساسية عن الخدمات. وهكذا تحول التعليم والصحة إلى مرافق مجانية, وفى البلاد الاسكندنافية شمال أوروبا أكمل تطبيق لهذه المدرسة.
ووجه التشابه مع الرؤية الإسلامية أن الإسلام لا يسعى إلى تأميم ومصادرة الملكيات الخاصة، ولكنه فى المقابل يأخذ من الأغنياء حقا معلوما للفقراء، وأن الزكاة إذا لم تكف جاز للدولة أن تأخذ أكثر منها لرفع المستوى المعيشى لعامة الناس، وقد رأينا فى الزكاة نظاما متكاملا للضمان الاجتماعى والصحى، كما كان لكل مولود فى الإسلام مرتب من بيت المال، كما يحدث الآن فى بعض البلاد الأوروبية وكندا.
إن الفكر الاقتصادى الإسلامى تواضع على ضرورة توفر حد الكفاف كمرحلة أولى, وهو الحد الأدنى من المأكل والمشرب والمأوى والذى بدونه لا يستطيع المرء أن يعيش، فهو غير قابل للنقصان, وبمجرد توفر ذلك يتم الاستهداف الفورى لحد الكفاية أو حد الغنى، أو ما يسمى فى العصر الحديث "الرفاهية الاقتصادية"، أى الانتقال مما سماه الفقهاء: الضروريات إلى الحاجيات ثم التحسينات، أى الرفع العام لمستوى المعيشة. يقول عمر بن الخطاب: (إذا أعطيتم فاغنوا) ويقول على ابن أبى طالب: (أن الله فرض على الأغنياء فى أموالهم بقدر ما يكفى فقراءهم). ويقول الماوردى: (فيدفع إلى الفقير والمسكين من الزكاة ما يخرج به من اسم الفقر والمسكنة إلى أدنى مراتب الغنى). ويقول السرخسى: (وعلى الإمام أن يتق الله فى صرف الأموال إلى المصارف، فلا يدع فقيرا إلا أعطاه من الصدقات حتى يغنيه وعياله، وإن احتاج بعض المسلمين بعد نفاد الصدقات أعطى الإمام ما يحتاجون إليه من بيت المال) (السرخسى - المبسوط).
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم - كحاكم -: (من ترك دينا أو ضياعا - أى أولادا صغارا ضائعين لا مالا لهم - فإلى وعلىّّ), وأيضا: ( كاد الفقر أن يكون كفرا).
ومن المبادىء الأساسية التى يمكن تحويلها بسهولة إلى قوانين صارمة: منع كنز المال أو حبسه عن التداول والإنتاج: (كَى لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ) (الحشر: 7), (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (التوبة: 34). التدخل فى التسعير إذا اقتضت الضرورة، كوجود غش متعمد، أو إخفاء للسلع بهدف رفع أسعارها. منع الاحتكار (من احتكر حكرة يريد أن يغلى بها على المسلمين فهو خاطىء) حديث بمسلم وأبى داود والترمذى.
والمجتمع المسلم لا يسمح بوجود جائع واحد, وإلا فإن الحاكم له صلاحيات فى اتخاذ مزيد من التدابير مع الأغنياء (إذا بات مؤمنا جائعا فلا مال لأحد) حديث أخرجه أبو داود. وتدخل الدولة لحفظ التوازن الاقتصادى عندما يحدث خلل بين أفراد المجتمع من الأمور الثابتة فى الإسلام، فبعد الهجرة من مكة إلى المدينة كان وضع المهاجرين بائسا إذ تركوا أموالهم فى مكة بينما الأنصار مستقرون فى المدينة وأساس ثروتهم الزراعة، ولبعضهم أراضى واسعة، فقرر رسول الله صلى الله عليه وسلم منع تأجير الأراضى الزراعية: (من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه ولا يؤاجرها إياه) رواه أبو داود. وقد أخذ بعض الفقهاء لذلك أساسا لتحريم تأجير الأرض الزراعية عموما, وهذا غير صحيح، لأن هذا كان قرارا سياسيا لمعالجة وضع مؤقت اتخذه رسول الله كحاكم وليس قاعدة دينية ثابتة، ذلك أنه بعد استقرار أحوال المهاجرين وتحسن أوضاعهم المادية أجاز الرسول تأجير الأراضى الزراعية.
ورغم أننا نقصر حديثنا وأدلتنا على القرآن والسنة باعتبارهما أساس التشريع والثوابت، ولكن فى الفقه الإسلامى متسعا كبيرا لاجتهادات الصحابة والتابعين وما بعدهم من الفقهاء فى إثراء الفكر الإسلامى الاقتصادى, وهذا مجال لدراسات أخرى بإذن الله, خاصة وأن هذه الاجتهادات يؤخذ منها ويرد على أساس أنها كانت تطبيقات لوقائع متجددة، وقد يصلح بعضها أو لا يصلح لعصرنا الحديث. ولكن من المهم الإشارة فى هذا المقام إلى القرار المهم الذى حظى بالإجماع بعد مناقشات معمقة بين الصحابة حول التصرف فى الأراضى الزراعية فى العراق والشام، حيث أجمع الصحابة بعد الشورى على الأخذ برأى عمر بن الخطاب وعلىّ بن أبى طالب بعدم اعتبار هذه الأراضى من الغنائم حتى لا تستأثر أقلية بثروة كبيرة، وأن يتم اقتصار الغنائم على المنقولات بخلاف الأمر فى العقارات والأموال الكبيرة كالأراضى المفتوحة فتكون وقفا على المسلمين جميعا أى ملكية عامة للدولة لا ملكية خاصة للمحاربين، وأن تبقى فى يد أصحابها الأصليين على أساس حق الانتفاع مقابل دفع خراج لبيت المال أى أجرة الأرض (ابن الجوزى - سيرة عمر بن الخطاب وأيضا المدخل إلى الاقتصاد الإسلامى - د. محمد شوقى الفنجرى). وقد كان لهذا الرأى الذى تحول إلى سياسة دور كبير فى إحقاق العدالة الاجتماعية، وعدم نزع الأراضى من أصحابها رغم أنهم لم يدخلوا الإسلام، وعدم استئثار فئة ضئيلة (المحاربين) بأراضى زراعية شاسعة، وفى نفس الوقت استفاد المسلمون بكل أجيالهم من الخراج الذى يحدد على أساس عادل (خصوبة الأرض وإنتاجها الفعلى ووسائل ريها)، فهذا الخراج كان يدخل الخزانة العامة ليعاد إنفاقه فى مصلحة عموم المسلمين ومواطنى الدولة الإسلامية، وقد طبقت هذه القاعدة عند فتح مصر. وسنجد فى كثير من الآيات القرآنية قواعد ومبادىء عامة يمكن بسهولة تحويلها إلى قوانين نافذة، فهى لا تتوقف عند الوعظ العام ومخاطبة ضمير المؤمنين رغم أن ذلك هو الأساس الذى يعول عليه النظام الإسلامى وسنظل نذكر بذلك، ولكنها لا تتوقف عند الوازع الدينى وتأمر الحكام بالتدخل لإحقاق الحق ومحق الظلم، ومن ذلك آيات عديدة.. منها: (وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ) (البقرة: 188), (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) (النساء: 29).
ومصادر الحصول على الأموال والأملاك بالباطل معروفة: بالغش والتدليس والغصب والرشوة (وهذا ما تشرحه آية البقرة 188) والاحتيال والتزوير، كما نرى الآن من الاستيلاء على أراضى الفلاحين التى يزرعونها منذ عشرات السنين فى إطار ملكية الإصلاح الزراعى أو الأوقاف، والاستيلاء على أراضى الدولة بغير حق، وبأسعار رمزية، وإعادة بيعها بأموال طائلة، ورشوة كبار رجال الدولة لتمرير هذه الصفقات المشبوهة. ونص الآية التى تركز على رشوة ذوى النفوذ: (وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: 188).
وقد تكون قوانين الكسب غير المشروع تغطى كثيرا من هذه الأمور, ولكنها لا تُفعل على أرض الواقع. أما فى ظل النظام الإسلامى فإن الأمر يرقى إلى مستوى العقيدة ولا يمكن التفريط فيه، كما أن القواعد الصارمة فى التعامل مع المال ستبدأ من الحاكم قبل صغار المسئولين والمواطنين. لذلك جاء فى قرارات المؤتمر الأول لمجمع البحوث الإسلامية فى الأزهر: (أن أموال المظالم وسائر الأموال الخبيثة التى تمكنت فيها الشبهة على من هى فى أيديهم يردوها إلى أهلها أو يدفعوها إلى الدولة فإن لم يفعلوا صادرها أولياء الأمر ليجعلوها فى مواضعها).
ومن ذلك على سبيل المثال تلك الأراضى التى كانت تمتلكها الأسرة الملكية الحاكمة قبل ثورة يوليو، فالثابت تاريخيا وبالوثائق أن الخديوى إسماعيل أصابه النهم فى التوسع فى ملكية الأراضى الزراعية, وكان يتم الضغط بوسائل غير شرعية واستغلالا لسطوة الحاكم على الفلاحين لحملهم على بيع أطيانهم أو التنازل عنها للخديوى، حتى صار مالكا لخمس أطيان القطر المصرى، بل لجأ إلى وسيلة غير شرعية أخرى وهى استخدام أموال قرض اقترضته الحكومة ويسدد من ميزانية الدولة (مال عام) فى شراء بعض الأطيان، أى اشترى من مال الشعب أملاكا خاصة!! (جمال الدين الأفغانى - عبد الرحمن الرافعى - دار المعارف - الطبعة الثانية - ص 28، 29).
وهناك من القوانين الراهنة ما لا تتعارض مع الرؤية الإسلامية لتحقيق العدالة الاجتماعية، ولكنها تحتاج تفعيلا وتعديلا. مثلا فإن قانون الكسب غير المشروع لا يحاسب الوزراء، كذلك ففى عمل الرقابة الإدارية ما يمنعها من مراقبة الوزير إلا بإذن خاص من رئيس الوزراء. فى حين أن قواعد الحسبة فى الإسلام أن يخضع لقواعدها (جميع الناس دون تمييز فى الدين أو الجنس أو المنصب فليس للخليفة أو القاضى أو أرباب الولاية امتياز.. وللمحتسب أن يحتسب عليهم جميعا) (نهاية الرتبة فى طلب الحسبة - عبد الرحمن بن نصر الشيزرى), ووظيفة المحتسب فى العصر الراهن لم يعد من الممكن أن تسند لشخص واحد، بل لجهاز كامل، كما ذكرنا هو جهاز المحاسبات المعاصر مع إعطائه صلاحيات تنفيذية.
ومن الآيات القرآنية فى هذا المجال التى يمكن أن تشتق منها وتقنن القوانين أو يتم ضبط القوانين الراهنة وفقا لها:
(وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّى أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ . وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) (هود: 84-85), وهو مبدأ العدل فى البيع والشراء وفى التعامل المالى بصفة عامة.
وكذلك الآيات التى تنهى عن الإسراف والتبذير: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً) (الفرقان: 67) وأيضا: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا) (الإسراء: 27).
والنهى عن الإسراف يشمل الإنفاق العام والخاص، ونحن نرى أمثلة عديدة لذلك تحدث الآن دون أى ضوابط، فيتم إنفاق مالية الدولة وشركاتها العامة فى بناء المساكن الفاخرة بينما تعانى طبقات الشعب من أزمة إسكان حادة، وكذلك فتح باب الاستيراد للسلع الترفيهية (التى تسمى استفزازية) وتبديد العملة الصعبة فيها، بينما غالبية الشعب تنقصها الضرورات. ونظرا لغياب الدولة الإسلامية لفترة طويلة، فقد تعود المؤمنون أن يفهموا الآيات فى إطار السلوك الشخصى، وإن كان ذلك صحيحا، إلا أن آيات القرآن الكريم توجهنا لضبط حياتنا الخاصة والعامة معا.
وفى هذا المجال يمكن اشتقاق العديد من القواعد والقوانين التى تضبط الإنفاق العام بدون إسراف أو تقتير. فمثلا نجد أن المشروعات العامة التى تنفق فيها المليارات دون دراسة كافية ولمجرد الوجاهة المطلوبة للحاكم، هى من أخطر أنواع الإسراف والتبذير, كمشروع توشكى، وكذلك ما نقرأه من تقارير عن البذخ فى الإنفاق على تأثيث مكاتب كبار المسئولين، والسيارات الفارهة المستوردة والتى يتم استبدالها سنويا, فى هذا البند وحده تستنزف مئات الملايين سنويا، بينما نرى المسئولين فى الهند يستخدمون سيارات متواضعة من الإنتاج الوطنى. وأخيرا مثلا اضطر وزير فرنسى للاستقالة لأنه اشترى "السيجار" لفترة من الزمن من الميزانية العامة، فأين هذا مما نراه فى بلادنا من توظيف إمكانات وأموال الدولة للمصالح الشخصية للمسئولين. كذلك فإن التقتير فى الإنفاق العام على الخدمات والمشروعات الأساسية والضرورية للناس مرفوض بدوره. نحن إذا أمام قاعدة عامة هى ترشيد الإنفاق، والقوانين واللوائح تضع قواعد تحول هذا المبدأ العام إلى ضوابط عملية يمكن المحاسبة على أساسها، كوضع قاعدة عدم استيراد سلع أو مستلزمات إنتاج يوجد مثيل وطنى لها, وسد الثغرات فى قوانين المناقصات التى يتم التلاعب فيها تحت بند "الضرورة" و"المصلحة القومية العليا" حتى يلجأ الوزير للأمر المباشر (كما حدث فى مجال الإسكان والعقارات - قضية مدينتى مثلا), وهنا لابد أن نلحظ أن سد أبواب الفساد من أهم وسائل تحقيق العدالة الاجتماعية، لأن تزايد الثروات بصورة غير طبيعية فى أيدى القلة، لا يتم إلا عبر وسائل غير مشروعة لا تتوخى العدالة وتميز بين الناس حتى بين رجال الأعمال والمستثمرين أنفسهم.
ضبط العقود والوفاء بها:
ومن الأمور الملفتة للانتباه أن ضبط العقود فى الأمور الاقتصادية تم وضع قواعده فى أطول آية فى القرآن الكريم بالإضافة لآية أخرى تالية لها. والمعروف أن القرآن الكريم كتاب هداية ولا يدخل فى التفاصيل عادة، ويتركها لنا، كى نعمل فيها عقولنا فى إطار المبادىء العامة الكلية التى وردت فيه، ولذلك عندما نرى القرآن يدخل فى التفاصيل ثم فى تفاصيل التفاصيل فى موضوع معين فهذا يعنى أنها بالغة الأهمية، وأنها من الثوابت، والضروريات لضبط المجتمع. ومن ذلك هذه الآية 282 بسورة البقرة, والتى تحض على كتابة العقود وفى ظل وجود شهود مما يرجع إلى تفاصيله فى تفاسير القرآن. وما يعنينا الآن أن القرآن يرشدنا، ومن خلال تشريع عملى يضع فيه أساس عمل الشهر العقارى فى عصرنا، ويضع القاعدة التى أخذت بها التشريعات الأوروبية الحديثة التى تفصل بين الدين المدنى والدين التجارى، يرشدنا إلى خطر العقود وضرورة كتابة الدين صغر أو كبر فى وثيقة، وأن الوفاء بالعقود مبدأ أساسى لإحقاق العدالة والاستقرار فى المجتمع والآية 282 بسورة البقرة تبدأ بـ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) وأيضا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ) (المائدة: 1).
تحريم شهادة الزور:
ومن الأمور التى تحدث خللا اجتماعيا فى المجتمع هى شهادة الزور, سواء أكانت فى المحاكم أو فى أى شهادة (تقرير) بمواقع العمل المختلفة، لأن قول الزور أحد وسائل إضاعة الحقوق, وعادة ما يكون قول الزور بسبب ضغوط الأقوياء والأغنياء بالترغيب والترهيب، (وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) (الحج: 30), (وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ) (الفرقان: 72), ذكر اجتناب شهادة الزور باعتباره من الصفات الأساسية للمؤمنين. كذلك حذر القرآن من محاباة الفقير تعاطفا معه أو إشفاقا عليه فشهادة الحق هى الأولى، والله يتولى الفقير والغنى معا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا) (النساء: 135).
حسن اختيار القائمين على الإنفاق:
(وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِى جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً)(النساء: 5).
تحض هذه الآية على حسن اختيار القائمين على الأموال العامة حتى يحسنوا إنفاقها، والواقع أنه مهما وضعت الدولة من نظم لإحكام الرقابة على المال العام سواء كانت رقابة قبل الصرف، أو بعده، فإنها لا تكفى وحدها لإحكام إنفاق المال العام إنفاقا رشيدا، فقد ثبت من تحليل بعض حوادث اختلاس الأموال العامة أنه بالرغم من سلامة النظم المطبقة فإن البعض من العاملين الذين ليسوا على مستوى من الأخلاق الحسنة والتصرفات السليمة، تمكنوا من الاعتداء على المال العام بالاختلاس والسرقة والاغتصاب, وفى ظروف أخرى كانت نظم الرقابة المالية غير موجودة أو بها ثغرات، لذلك يبقى حسن اختيار العاملين على الأموال العامة هو الضمانة الأساسية لصيانة هذه الأموال وصرفها فى وجوهها الشرعية (قطب إبراهيم محمد - مرجع سابق - ص 137), وهذا المبدأ المهم يؤكد أن نزاهة حاكم البلاد حاسمة للحفاظ على المال العام وتحقيق العدالة الاجتماعية، لأن الحاكم هو الذى يختار هؤلاء العاملين، وسنأتى لدور الحاكم لاحقا.
وهذه الآية أيضا تنطبق على المال الخاص، لأن القرآن طالما أشار إلى وحدة المجتمع ووحدة الناس فاستخدم تعبير "أموالكم" وهو يعنى أموال الآخرين، لأن المال للجميع، والجميع يجب أن يكون حريصا عليه، متضامنا فى الحفاظ عليه، لأن المال يدور فى المجتمع، وأن كل فرد فى المجتمع يجب أن يكون حريصا على أموال الآخرين وكأنها أمواله الخاصة. كما استخدم القرآن تعبير "أنفسكم" بينما هو يقصد أنفس الآخرين: (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ) (النساء: 29), فليس المقصود بها الانتحار، بل قتل الآخرين. والمسلم ليس حرا فى استعمال ماله الذى كسبه بالطرق المشروعة، يصرفه حسبما شاء، بل هو مقيد فى استعماله بما يحقق مصلحته ومصلحة مجتمعه, ذلك أن هذا المال الذى وفقه الله تعالى فى الحصول عليه هو نعمة أنعمها الله عليه، وهو مال الله الذى استودعه لديه ابتلاءا واختبارا، بحيث إذا صرفه فى غير موضعه أو على غير مقتضى العقل، عد بنص القرآن مجرما: (وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ) (هود: 16) أو شيطانا: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ) (الإسراء: 27) أو سفيها: (وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ), وحقت مساءلته أو الحجر عليه (الإسلام والمشكلة الاقتصادية - د. محمد شوقى الفنجرى - مكتبة الأنجلو المصرية - ص 929).
وهذا ينقلنا إلى جريمة اختلاس المال العام وخطورتها فى الإسلام.
جريمة اختلاس المال العام:
واختلاس المال العام جريمة كبرى فى الإسلام، مهما كان قدر المال المختلس: (وَمَا كَانَ لِنَبِى أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) (آل عمران: 161).
والغلول هو الخيانة فى المغانم خاصة، والمغانم مال عام، والمقصود أن يخفى المحارب بعض الغنائم ويختلسها لنفسه بعيدا عن التقسيم الشرعى. وهذا المبدأ يسرى على كل مال عام، وهذا واضح فى حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا فما أخذ بعد فهو غلول). ووصف رسول الله الخازن الآمين بأنه متصدق رغم أنه لا يصرف من ماله الخاص، ولكنه كان أمينا على المال العام فله أجر المتصدق: (إن الخازن المسلم الأمين الذى يعطى ما أمر به كاملا موفرا، طيبة به نفسه حتى يدفعه إلى الذى أمر له به، أحد المتصدقين) متفق عليه. وعظم رسول الله أمر الغلول فى حديثه (لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته بعير، له رغاء يقول يا رسول الله: "أغثنى" فأقول لا أملك لك شيئا لقد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته فرس له جمجمة يقول: يا رسول الله "أغثنى"، فأقول: لا أملك لك شيئا لقد أبلغتك، فلا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته شاه..) مسلم. وأيضا: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور, ولا صدقة من غلول) مسلم. وتتعدد الأحاديث الشريفة التى تحذر المختلس من بيت المال حتى وإن كان عودا من آراك (السواك).
ومن الملفت للانتباه أن البلاد الغربية تتشدد فى قوانينها وممارساتها فى مسألة الحفاظ على المال العام، حتى أن الرؤساء يحاسبون إذا استخدموا طائرات حكومية فى أغراض شخصية، بينما حكام المسلمين يعتبرون كل أملاك الدولة ملكهم الشخصى. وكما أوضحت فى كتاب (الجهاد صناعة الأمة) فإن الغرب سبقنا لأنه أقرب للأخذ بسنن الله الاجتماعية وإن كان لا يعرف الإيمان، بينما نحن تفلتنا من سنن الله وضعف إيماننا. والآن فإن بلاد الشرق تسبقنا لذات الأسباب.
أجر رئيس الدولة:
من الأمور المهمة التى سبق بها الإسلام العالم المعاصر بـ 14 قرن ونصف القرن هى مسألة الفصل بين المال الخاص والمال العام فى ميزانية الدولة. فقد كان المستقر لدى الملوك والحكام هو الإنفاق من خزانة الدولة فى الأمور العامة والشخصية دون تحديد أو فصل. والإسلام هو الذى حدد بشكل قاطع مسألة المال العام وحرمته وأنه لا ينفق إلا فى سبيل الله (أى المجتمع) وفقا للضوابط الشرعية.
وقد أظهرت حوادث التاريخ أن ترف ونهم الحاكم هو أكبر مصدر لابتلاع ثروات الأمة وإحداث خلل اجتماعى رهيب، لأنه يكون عادة على حساب المستضعفين. وتؤكد وقائع التاريخ أن ثروات الملك وحدها كانت كافية لإغناء الشعب كله. ومع ذلك فإن الأمر لا يقتصر عليه وحده لأن حكمه لن يستقر إلا بإرضاء حاشيته وأسرته وكبار المسئولين, فيوزع الأراضى والعطايا عليهم، ويكون ذلك أيضا خصما من أموال واحتياجات المستضعفين، ويكون ذلك من أبرز أسباب الظلم الاجتماعى، لأن حول قطب الحاكم يزداد الأغنياء غنى أما فى القطب الآخر للمجتمع فيزداد الفقراء فقرا. ونحن عندما نتحدث عن فساد الحاكم ومن حوله لا نتحدث عن بضع ملايين أو مليارات بل القسم الأكبر من ثروات الأمة، ومثال الخديوى إسماعيل الذين ذكرناه من قبل، أى استيلاءه على خمس الأراضى الزراعية وحده هو مثال متكرر وليس أمرا عجيبا يحتكره إسماعيل.
وقد بدأ التشريع الإسلامى فى مسألة "قداسة" المال العام فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كحاكم, وقت كانت موارد الدولة قليلة للغاية, ولنذكَّر أن الدولة كانت معظم الوقت فى مدينة واحدة وما حولها، لذلك لم يكن هناك مرتب واضح للرسول كحاكم، بل إن بيت المال كان خاويا فى معظم الأحيان، وعندما تأتى له موارد فتوزع على الفور ولا يبقى فيه شىء. ولكن الثابت فى السنة النبوية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعيش كأواسط الناس, بل أقل منهم, بل إنه كثيرا ما لامس حد الكفاف. كان يعيش فى غرفات أى لكل زوجة غرفة مبنية من الطين، وكنت إذا رفعت يدك لأعلى تلمس السقف! وفى السيرة النبوية متسع لهذا القصص عن الأيام التى مرت على الرسول دون إشعال نار للطبخ، والأيام التى لم يكن بها زاد من أى نوع، ومعاناة زوجات الرسول من هذه الأوضاع، وكيف توفى الله الرسول صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودى مقابل بعض الشعير. وكيف تزوجت فاطمة بنت محمد فى بيت متواضع الأثاث إلى أبعد حد, ولو أخذ الرسول نسبة معقولة من أموال بيت المال لكان أغنى الناس، وما كانت هذه أحواله المعيشية.
ولا توجد رواية عن أجر معلوم للرسول (كرئيس للدولة) فأحواله تنبىء عما هو أسوأ من ذلك، وما كان له أن يأخذ من الزكاة أو الصدقات, فالنبى لا يأخذ صدقة. وكانت مخصصاته تأتى من الغنائم والفىء بنص القرآن. وكان الرسول ينفق من هذه المخصصات فى شئون الأمة, ولا يستأثر بها لنفسه وذوى قرباه, رغم أن ذلك حقه. وبعد تولى أبى بكر الخلافة توقف عن التجارة, وبعد تشاور مع الصحابة تم إقرار مرتب سنوى له ألف درهم فقط, بما فى ذلك نفقة العمرة والحج, وهو نفس المرتب الذى تقرر لعمر بن الخطاب عندما تولى الخلافة. كذلك تقرر فى عهد الرسول مرتبات للولاة عينية أو نقدية كمثال تولى عتاب بن أسيد ولاية مكة بمرتب درهم كل يوم. واستمر هذا النظام بعد وفاة الرسول، وامتد ليشمل الكتاب والقضاة وعمال الخراج وعمال الصدقات على المستوى المركزى وعلى مستوى الولايات، وكانوا يمنعون من مزاولة التجارة.
وأكد رسول الله على هذا المبدأ الدستورى فى عدة أحاديث ذكرنا بعضها، فالوالى ليس له إلا مرتبه، ولكن يمكن توفير بعض الأساسيات له كما ورد: (من ولى لنا شيئا، فلم تكن له امرأة فليزوج امرأة، ومن لم يكن له سكن فليتخذ مسكنا، ومن لم يكن له مركب فليتخذ مركبا. ومن لم يكن له خادم فليتخذ خادما. فمن اتخذ سوى ذلك: كنزا أو إبلا جاء الله به يوم القيامة غالا أو سارقا).
وفى إطار سد الذرائع التى يدخل منها الفساد وضع رسول الله قاعدة ذهبية أخرى تأخذ بها الدول الغربية الآن، وهى تحريم حصول المسئول أو الموظف العام على هدايا, لأن ذلك يفتح الباب للرشوة المقنعة. فقال: (ما بال العامل نبعثه فيقول هذا لكم وهذا أهدى إلىّ أفلا جلس فى بيت أبيه وبيت أمه فينظر هل يهدى إليه أم لا؟! والذى نفس محمد بيده لا يأتى أحد منهم بشىء إلا جاء به على رقبته يوم القيامة إن كان بعير له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاه بفروة. ثم رفع يده حتى رأينا عفرة إبطيه ثم قال: اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت). وفى حديث آخر: (هدايا العمال غلول) أحمد والبيهقى.
وكل هذه الضوابط على الموظفين العموميين لن تتحقق إذا لم يكن الموظف الأول (الحاكم) يلتزم بها ويدعو إليها، فهو القدوة وهو الذى يملك السلطة فى آن معا. ولا يستطيع أى حاكم أن يفسد ثم يأمر من حوله بالاستقامة، بل إنه عندما يفسد يكون من ضمان استقرار حكمه أن يطلق يد من حوله فى الفساد، ولكن تحت المراقبة والسيطرة حتى لا يتفوقوا عليه!!
وهنا نعود مرة أخرى إلى الارتباط الحميم بين ما هو سياسى وما هو اقتصادى واجتماعى, فالشورى التى تضمن اختيار الحاكم ومراقبته، هى التى تضمن استقامته. ولا يمكن إقامة العدالة الاجتماعية بدون بداية الإصلاح من الرأس.. من قمة الهرم.
فكما يقول عمر بن الخطاب: (إن الناس ليؤدون إلى الإمام ما أدى الإمام إلى الله، وإن الإمام إذا رتع رتعت الرعية). لذلك فنحن نؤيد النصوص الدستورية الراهنة فى مصر التى تحرم على رئيس الجمهورية والوزراء وأعضاء مجلس الشعب من التعامل المالى مع الدولة (عدا المرتب)، وهى النصوص التى لا تحترم, بل تخترق جهارا نهارا وعلى نطاق واسع. بل لابد من نصوص واضحة تمنع المسئولين من ممارسة التجارة والأعمال الخاصة، ووضع ضوابط تمنع من استخدام الأبناء والزوجات والأشقاء كغطاء لذلك، حيث يقوم المسئول بفتح الطرق أمامهم لتحقيق أرباح طائلة بصورة غير مشروعة. وهذا باب أساسى للفساد فى مصر، ولنهب عشرات المليارات من دماء الشعب. والعجيب أن لدينا من التشريعات ما يسد هذه الثغرة تماما ولكنها تشريعات مجمدة!! ( المادة 158 من الدستور، والمادة 115 من قانون العقوبات).
هذه علامات أساسية من القرآن والسنة تضع الأساس المكين للعدالة الاجتماعية، ولكن لابد أن نعود لنؤكد أن الزكاة هى المحور الأساسى، والعمود الفقرى، هى مؤسسة شاملة للضمان الاجتماعى كما أوضحنا فى حلقة سابقة، لا يمكن أن تتوصل البشرية لما هو أكمل منها وأعدل بين الناس، من زاوية دوران المال وعدم احتكاره، ومن زاوية إغناء الفقراء، من زاوية تعويض الغارمين والمنكوبين لأى سبب من الأسباب, ومن زاوية التقريب بين الطبقات، ومقاومة اتساع الفوارق بينها إلى حد التطرف المخيف فى الظلم. ويكفى أن تعرف أن النظام الضرائبى الأمريكى لم يتمكن من منع هذه الظاهرة المخيفة: (حيث أضحى 1% من الأمريكيين يمتلكون 60% من كل مصادر الدخل، بل أكثر من ذلك إذا حذفت قيمة المنازل الشخصية، وصارت القيمة متعلقة بوسائل الإنتاج فقط وإدارة الأعمال وكل ما يتعلق بها فإن هذه النخبة التى تشكل 1% فقط تحصل على 90-95% من كل مصادر الدخل (الفردوس المستعار - الفردوس المستعاد - د. أحمد خيرى العمرى - دار الفكر - دمشق - الطبعة الأولى - 2007 - ص 332). وقد قال بيل كيلنتون رئيس الولايات المتحدة السابق قولا قريبا من ذلك حين قال أن 1% من الأمريكيين يستحوذون على 70% من ثروات البلاد!! (راجع كتابى: أمريكا طاغوت العصر - الطبعة الثالثة).
*****
والآن لابد من وقفة أمام أحوال مصر الراهنة وما ينتابها من مظالم اجتماعية غير مسبوقة فى تاريخنا المعاصر.
المظالم الاجتماعية فى عهد مبارك:
كانت المظالم الاجتماعية من أهم عناصر أزمة المجتمع المصرى فى أواخر عهد فاروق، والآن فإن مصر بعد ثلاثة عقود من حكم مبارك تعانى من استفحال المظالم الاجتماعية، والتى حققت أرقاما قياسية تشير إلى فوارق هائلة فى الدخول بين قلة محدودة وجموع الشعب، وإلى حالة منهجية من الانحياز للأغنياء على حساب الفقراء ومحدودى الدخل، فى حين أن معظم الأغنياء يحققون ثرواتهم الطائلة من خلال أعمال طفيلية أو غير إنتاجية عموما, وأيضا من خلال وسائل غير مشروعة، وطبقة هذه مواصفاتها لابد أن تكون أقل ارتباطا بالوطن، وأكثر استعدادا لتهريب أموالها للخارج، وأقل ارتباطا بالشعب وهمومه من طبقة رأسمالية عاملة فى الإنتاج، وقد رأينا فى تجارب الغرب الرأسمالى أن الرأسماليين يدركون أن رفع أجور العاملين من شأنه أن يسهم فى المزيد من دوران عجلة الاقتصاد، بزيادة الاستهلاك، مما يعود على زيادة الإنتاج ومن ثم زيادة الأرباح، أى أن الرأسماليين العقلاء يدركون بحسابات عملية (براجماتية) أن إفقار الشعب أكثر مما يجب يعود بالوبال عليهم! وهم بالتأكيد لا يحققون العدالة المطلوبة، ولكنهم بالتأكيد أفضل من مجموعات السلب والنهب التى تهيمن على اقتصادنا المصرى، فهؤلاء قصيرو النظر، محدودو الفكر، لا ينظرون إلا للمكاسب السريعة واليومية، وبدون إعادة لتوظيفها بمشروعات إنتاجية تعود على الاقتصاد بالمزيد من النماء. وهذا يؤدى إلى تعميق المظالم الاجتماعية ونشر البطالة.
بل لقد انتقل النظام فى العقد الأخير من مرحلة تكريس الخدمات لبعض رجال الأعمال الذين يرفعون شعار "اربح واجرى" إلى استدعاء هؤلاء الأشخاص أنفسهم لإدارة النظام السياسى والهيمنة على الوزارات الاقتصادية تحديدا, وهكذا اختلطت الدولة ومراكز قرارها الاقتصادى بهؤلاء المغامرين ووكلاء الشركات الأجنبية, بل توحد الطرفان فى عصبة واحدة بصورة مباشرة وفجة لا وجود لها فى أى نظام رأسمالى، وانعدم التمييز بين الوزارة والشركة الخاصة، وبين المال العام والمال الخاص. وهذه الحالة المزرية تفسر تدهور الأوضاع الاجتماعية فى البلاد الذى وصل إلى الحد الذى نشير إلى أبرز ملامحه. ونبدأ بالتقارير الدولية التى لا يمكن أن توصف بأنها منحازة ضد نظام مبارك, فحسب مؤشر البؤس الذى تعده وكالة أنباء بلومبرج فإن مصر احتلت عام 2009 خامس أسوأ مركز فى قائمة من 60 دولة يغطيها المؤشر فى تقريره السنوى, والذى يقيس الأحوال الاجتماعية بالجمع بين معدلى البطالة والتضخم, وتشير تقارير أخرى إلى أن معدل المصريين الذين يعيشون تحت خط الفقر يتجاوز 40%, بل ويصل إلى 48%. وفى التقرير السنوى لمعهد ليجاتوم الدولى احتلت مصر المرتبة الـ 89 بين 110 دولة فى مؤشر الرفاهية الاجتماعية.
وفى مجال التفاوت الطبقى يقدر د. حمدى عبد العظيم أن 20% من المصريين يتحكمون فى 80% من ثروات البلاد، بينما يعتمد 80% من المصريين على 20% من هذه الثروات. بينما يؤكد د. عبد الخالق فاروق أن ألفى فرد وأسرهم من كبار رجال المال والأعمال يستحوذون وحدهم على 24% من الدخل القومى سنويا. ويعطى تقرير خطير صورة مجسمة عن هذه الفئة المسيطرة تؤكد ما ذكرناه عن خصائصها الطفيلية دون أن يتجرأ أحد من الحكومة على الرد عليها رغم ما تحتويه من معلومات يشيب لهولها الولدان، وخلاصة هذه الصورة أن هناك وفقا لإدارة إثبات الأملاك فى إمارة موناكو أو مونت كارلو بفرنسا، 1650 مصريا يمتلكون قصورا تبدأ بخمسة ملايين يورو وتتجاوز أسعار بعضها الخمسين مليون يورو، وأن هذه الطبقة المترفة تقيم حفلات زواج أبناءها فى هذه المستوطنة المصرية فى فرنسا!! ومن هؤلاء وزراء حاليون، وحتى أثناء وجودهم بمصر فإن كل مقتنياتهم ومكونات بيوتهم مستوردة من الخارج وأطفالهم يتعلمون فى مدارس خاصة بسويسرا والتى يضعون أموالهم فى بنوكها. وهو يشير تحديدا إلى 25 عائلة تتحكم فى مصائر البلاد (جريدة الفجر - 2 أغسطس 2010).
وقد أصاب المرتبات الرسمية حالة من الجنون والبذخ الأسطورى, حتى أن بعض كبار الموظفين يحصلون على مرتبات أعلى من مرتبات رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، فى وقت يقولون للشعب أنه لا يمكن رفع الحد الأدنى للأجور. فى وقت تتجه نسبة بند الأجور إلى الانخفاض بالنسبة للناتج المحلى الإجمالى فقد انخفضت نسبة أصحاب حقوق العمل من 48,5% عام 1989 إلى 30% عام 2009, بينما يحصل أصحاب حقوق الملكية على 70%!!, ورغم هذا التراجع النسبى لنصيب الأجور إلا أن كبار الموظفين يلتهمون نصيب الأسد من نصيب الأجور والمرتبات. فهناك عدد محدود من هؤلاء يتقاضون رواتب شهرية تتراوح ما بين نصف مليون ومليون جنيه كمديرى الأمن ورؤساء البنوك وبعض رؤساء مجالس الإدارات فى القطاع العام والوزراء وأصحاب الوظائف السيادية، بينما الحياة الكريمة لا تحتاج لكل هذا المرتب، فهذه سفاهة وظلم فى وقت يبلغ الحد الأدنى للأجور 118 جنيه عام 2010، وفى وقت يبلغ مرتب الرئيس الأمريكى ما يساوى 180 ألف جنيه شهريا. نحن إذا أمام جريمة مكتملة الأركان ضد جموع الموظفين البالغ عددهم حوالى 6 مليون مواطن. كما يتحقق هذا التلاعب فى مرتبات الكبار بالجمع بين عدة وظائف, حتى وصل مرتب بعضهم إلى 1,3 مليون جنيه شهريا, فى وقت ترفض الحكومة رفع الحد الأدنى للأجور إلى 1200 جنيه شهريا باعتباره يمثل حد الفقر وفقا للمعايير الدولية, وذلك فى أسرة مكونة من فردين فقط. ويعتمد الكبار على لعبة جديدة للحصول على هذه الأموال من خارج ميزانية الدولة، وهى الصناديق الخاصة التى تتكون من رسوم مفروضة على المواطنين, وهذه الصناديق تؤسسها المجالس المحلية والوزارات والجامعات, وتوزع بمعرفة الوزير أو رئيس الحى أو المحافظ أو رئيس الجامعة, وما تم حصره حتى الآن حوالى 10 آلاف صندوق, ويقول الجهاز المركزى للمحاسبات أنها تتصرف فى تريليون وربع تريليون جنيه سنويا, أى أكثر من ميزانية الدولة، وهذا أمر لا مثيل له فى العالم، لأنها شبكة من الفساد تعمل خارج القانون، ومع ذلك تعمل وكأنها مؤسسة شرعية لا يقترب أحد منها ومن تصرفاتها!
ورغم أزمة الطاقة التى يعانى منها المواطن فإن المشروعات الكثيفة لاستهلاك الطاقة وعلى رأسها الحديد (أحمد عز) والأسمنت (مصانع أجنبية) والأسمدة فهى تحصل على 61% من دعم الكهرباء و75% من دعم الغاز الطبيعى، ومع ذلك تبيع منتجاتها السلعية فى السوق المحلى بأعلى من أسعار السلع المناظرة لها فى الأسواق الدولية (أحمد النجار - عبد الخالق فاروق), وفى هذا انحياز غير مبرر لصنف معين من رجال الأعمال، ويدفع الشعب الثمن مرتين، بذهاب دعم الطاقة لهم، بينما يتعرض الشعب لزيادة متواصلة فى أسعار الكهرباء، ثم لا يتحول هذا الدعم إلى خفض فى السلع المنتجة ويشتريها الشعب بأعلى من الأسعار العالمية! بينما يعانى أغلبية الشعب من التضخم الذى بلغ 20% عام 2007/2008 وفقا لإحصاء البنك المركزى المصرى. وبالتالى فإن العلاوات المحدودة للأجور والمرتبات يتم التهامها بالغلاء، ومن ثم فإن الأجور الحقيقية للعاملين تتناقص عمليا من حيث قدرتها الشرائية, وقد أدى ذلك إلى أمراض اقتصادية واجتماعية عديدة: عدم الاهتمام بإتقان العمل، البحث عن عمل إضافى على حساب العمل الأصلى من حيث الجهد والتركيز، اللجوء لوسائل غير شرعية لزيادة الدخل كالرشاوى أو الإكراميات الإجبارية!
وقد أدى نمط الاقتصاد القائم على اختطاف الأرباح من أعمال غير منتجة إلى زيادة البطالة بصورة خطيرة، والحكومة مشغولة بتزوير الإحصاءات بدلا من الحل الحقيقى للمشكلة، وتدعى أن البطالة 8% فى حين أن بعض التقديرات الدولية المحايدة تصل بهذه النسبة إلى 27%، ولا تلتزم الحكومة بسياسة تقديم إعانة للبطالة، وهو الأمر الذى يزيد من مساحة الفاقة والفقر، ويلقى بأعباء إضافية على الأسر التى لا تستطيع أن تجد وظائف لأبنائها، وهو الأمر الذى جعل الزواج أمر متعثر ورفع متوسط سن الزواج ، وزادت أرقام العنوسة حتى 11 مليون, وما يؤدى إليه ذلك من أمراض اجتماعية خطيرة. وفى إطار سياسة الانحياز للأغنياء، أتت سياسة الضرائب والتى يتم تعديلها باستمرار نحو الأسوأ, أى نحو التمييز ضد الفقراء. فوفقا لآخر تعديل على ضرائب الدخل فقد أصبح أعلى معدل هو 20%, وهو نسبة تطبق على الدخول التى تبدأ بـ 40 ألف جنيه فى العام، وأصبح صاحب هذا الدخل البسيط يتساوى مع أصحاب الدخول بالملايين والمليارات، وهذا يتنافى مع أبسط مبادىء العدالة, وهو أمر لا وجود له فى بلدان العالم المختلفة, حيث أن الشريحة العليا للدخول تصل ضرائبها إلى 52% فى هولندا و50% فى بلجيكا و45% فى الصين و40% فى فيتنام و35% فى تركيا و35% فى باكستان على سبيل المثال (تقرير الاتجاهات الاقتصادية الإستراتيجية - مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام - 2009 - رئيس التحرير: أحمد النجار - ص 191). وفى ذلك إلغاء لفكرة الضرائب التصاعدية العادلة. وإذا نظرنا إلى خريطة حصيلة الضرائب سنجد أن أغلبيتها الساحقة من الموظفين والعاملين أو من الهيئات العامة, بينما تتضاءل مساهمة كبار رجال الأعمال من أصحاب المليارات إلى أدنى نسبة, فى وقت يقولون فيه أننا نعيش فى اقتصاد السوق، والوضع الطبيعى فى هذا الاقتصاد أن يكون الاستثمار الخاص هو الممول الأكبر للضرائب. كذلك فإن سواد الناس هم الذين يدفعون الضرائب غير المباشرة, أى ضريبة المبيعات لاستهلاكهم الأكبر للمنتجات، كما يتحملون الجانب الأكبر من الجمارك التى تضاف أيضا إلى سعر المنتجات. وتحولت خزانة الدولة الخاوية من سفه الإنفاق العام، وقلة النشاط الإنتاجى المثمر، تحولت إلى دور الجباية التى تلهب ظهور الناس من الطبقات الفقيرة والمتوسطة، فهى تستولى على أموال التأمينات (400 مليار جنيه)، وتفرض الضرائب تلو الأخرى وتذهب فى ذلك كل مذهب، وتتفنن أشكالا متنوعة من فنون سلب الناس أموالهم، وهذه من خصائص مرحلة الانحطاط فى الأنظمة السياسية، فهذه الضريبة العقارية تجبر الناس على دفع ضريبة على مسكنهم الخاص الذى يسكنون فيه الذى حصلوا عليه بشق الأنفس، ولا يستخدم فى أى نوع من الاستثمار أو التربح، أى يدفعون ضريبة بدون نشاط معين إلا مجرد الستر عن عيون المارة! والأموال التى تملكوا بها هذا العقار أو الوحدة السكنية جاء من نشاط دفعوا عليه ضرائب بالفعل، من قبل، والآن يراد منهم أن يدفعوا ضريبة مستمرة أبد الدهر على هذا الإيواء.
وأزمة إضراب النقل الثقيل (المقطورات) وهو من أكبر الإضرابات التى شهدتها البلاد يرجع فى أحد أسبابه لزيادة الضرائب على أصحاب هذه المقطورات, والذين أصبحوا مطالبين بعمل دفاتر حسابية لنشاطهم باعتبارهم من أصحاب المشروعات الاستثمارية, ولو قدرت الضرائب أن دخلهم يصل إلى 40 ألف جنيه فى السنة فسيأخذون منهم 20% ضرائب بالتساوى مع أكبر ملياردير فى البلد. ويقول الخبير الاقتصادى رضا عيسى إن النظام الضريبى حتى قبل الضريبة العقارية يعنى أن المواطن يعمل 3 شهور فى السنة لسداد الضرائب المفروضة عليه. بينما الإسرائيلى يعمل 18 يوم فقط لسداد الضرائب السنوية. كذلك فإن المواطن يكتشف تضاعف الرسوم التى يدفعها فى مختلف معاملاته مع أجهزة الدولة (التراخيص المختلفة - رسوم الزواج - الدمغات.. إلخ). وكأن هناك حربا معلنة على الفقراء والطبقات المتوسطة، لذلك تشهد البلاد منذ عدة سنوات موجات لا تنتهى من الإضرابات والاعتصامات من مختلف فئات الشعب احتجاجا على المظالم المتنوعة. والمثير للدهشة أن معظم هذه الاحتجاجات لا تكون بسبب مطالب جديدة، ولكن بسبب ما تم اقتطاعه منها، كعدم تثبيت التعيين، أو إلغاء بدلات أو طرد من العمل أو ضرائب جديدة.. أو تأخير فى دفع المرتبات، أو عدم المساواة مع فئة مماثلة.. إلخ, ولولا استمرار بقايا تحويلات المصريين بالخارج، واستمرار بقايا مدخرات لمن كان يعمل سابقا فى الخارج، لكانت ثورة الاحتجاج أشد وأعتى، وهذا ما سيحدث فى مقتبل الأيام مع تراجع فرص العمل فى العديد من الدول العربية وأوروبا.
وتواجه الدولة الاحتجاجات الحالية ببعض المسكنات هنا وهناك بالاستجابة لجزء من المطالب, وتسويف بعضها بالوعود. ولكن هذه الحالة المتفجرة لن تحل بهذا التحايل، فلابد من إصلاح اقتصادى - اجتماعى شامل لا يقوى عليه نظام تمكن فيه الفساد إلى هذا الحد.

وأخيرا فإن ما ذكرنا، هو غيض من فيض, ويكفى لرسم الملامح العامة للظلم الاجتماعى، مع ضمها لما ورد وسيرد فى الحلقات الأخرى من مختلف مناحى الحياة فى البلاد.

مجدى أحمد حسين

أضف تعليق


عدد الحروف المسموح بها 1000 والمتبقي منها
ادخل الكود التالي
CAPTCHA Image
صورة اخرى
الموقع غير مسئول قانونا عن التعليقات المنشورة