(13) الزراعة والموارد المائية
الخميس, 23 ديسمبر 2010 - 12:00 am

magdyahmedhussein@gmail.com

عرضنا فيما سبق المبادىء العامة الموجهة لرؤيتنا فى المجال الاقتصادى, وبالتالى وضعنا أسس التعامل مع القطاعات الاقتصادية المختلفة, ومع ذلك فلا بأس من بعض التفصيل, ولنبدأ بقطاع الزراعة والذى تناولناه بشكل عام فى مقدمة هذه السلسلة حيث تحدثنا عن التركز السكانى، وعشوائية الانتشار، ومشكلة تآكل الأرض الزراعية, وأيضا فى هذا المجال لا بأس من بعض التفصيل والتركيز ورسم ملامح برنامجنا الزراعى.

كما ذكرنا فإن مصر بتنامى عدد سكانها وثبات مواردها المائية, بل تناقص هذه الموارد بقسمتها على عدد السكان، وتزايد احتمال تعدى دول منابع النيل على حصة مصر (52 مليار متر مكعب) من النيل وندرة الأمطار, فإن ذلك كله يضع سقفا لإمكانيات مصر فى التوسع الزراعى، خاصة وأن حكامنا لم يستفيدوا حتى الآن من التقدم العلمى، لتقديم تقدير حقيقى للمياه الجوفية، ومع ذلك فإن معظم هذه المياه المفترضة غير متجددة ويجب عدم التعويل كثيرا عليها, بل إن بعض العلماء يرون أن استخدام المياه الجوفية فى مشروعات صناعية أكثر جدوى من المشروعات الزراعية. وتعد مصر من أكثر بلدان العالم جفافا، حتى أن علماء الفضاء الجيولوجيين يماثلون بين الصحراء الغربية وصحراء المريخ!
وكل ذلك يؤدى إلى ضرورة التعامل مع الأرض الزراعية فى الوادى والدلتا كثروة ثمينة، ومحمية طبيعية ويجب الحفاظ على كل فدان فيها، خاصة وأن موارد مياه النيل تكفى بالكاد لزراعة هذه الأراضى بالإضافة لاحتياجات السكان والصناعة. أما التوسع فى استصلاح الأراضى الصحراوية فيحد منه ندرة مواردنا المائية، لذلك الأولى هو الحفاظ على الأرض الزراعية الخصبة فى الوادى بالإضافة لأكنافها القريبة والملاصقة. (آخر تقرير علمى يعتمد على صورة الأقمار الصناعية أكد ضياع 46% من الأراضى الزراعية خلال 23 عاما فقط 1980-2003 - مؤشر أداء البيئة العالمى, وهو تقرير أمريكى).
ورغم ذلك فلابد من طرق كل الأبواب التى تؤدى لزيادة مواردنا المائية المحدودة لمواجهة تزايد السكان واحتياجات التنمية ومنها:
- إصلاح السياسة الخارجية الفاسدة التى أهملت علاقاتنا الأساسية مع دول منابع النيل, وتدعيم العلاقات الرسمية والشعبية مع هذه البلدان, والسعى لإقامة سوق اقتصادى مشترك معها, وتعزيز العلاقات الشعبية مع مسلمى هذه البلدان الذين يشكلون نسبة كبيرة من السكان. ومن خلال ذلك السعى لتنفيذ المشروعات المائية التى تساعد على زيادة الاستفادة من موارد النيل المفقودة لصالح جميع بلدان الحوض. ولابد من عمل سياسى شاق ومعقد وطويل لفك ارتباط هذه الدول بالكيان الصهيونى.
- الدخول فى مجال تحلية البحر لتغطية احتياجات المناطق الساحلية من المياه، وقد حدثت تطورات علمية وتكنولوجية فى هذه المجال خفضت من تكاليف هذه المشروعات.
- إجراء دراسات للتأكد بشكل قطعى من حجم المياه الجوفية فى سيناء والصحراء الغربية, وهل هى متجددة أم لا؟ (يوجد خلاف بين العلماء المصريين حول هذا الموضوع).
- تطوير عمليات إعادة تنقية مياه الصرف الزراعى والصحى لإعادة استخدامها, والثابت حتى الآن أن مشروعاتنا فى هذا المجال محدودة وغير ملتزمة بالاشتراطات الصحية، ورغم أن ذلك أضحى موردا مهما فى عدد من البلدان. وفى المقابل لابد من الوقف النهائى لاستخدام مياه الصرف الصحى والزراعى غير المعالجة فى الزراعة, وقد ثبت أنه يجرى الآن على نطاق واسع فى استهانة كبيرة بصحة المصريين.  
- تطوير وسائل الرى بزيادة الاعتماد على الوسائل الأكثر توفيرا للمياه مع مراعاة الظروف البيئية وسلامة التربة، لأن البعض يتصور أن الرى بالرش والتنقيط مسألة ممكنة وسهلة فى أى نوع من الأراضى أو الزراعات أو الأجواء المناخية. كذلك لابد من عدم الاستسهال فى توفير المياه بالتضييق على زراعة الأرز إلى حد لجوئنا إلى الاستيراد بعد أن كنا نصدره, وهناك وسائل علمية أيضا فى توفير المياه فى هذا النوع من الزراعات.
- تنظيم الاستفادة من هطول الأمطار فى الساحلى الشمالى، والاستفادة من ظاهرة السيول فى سيناء وجنوب الصعيد، بتخزين هذه المياه بدلا من تركها لتصبح مجرد ظواهر تدميرية!!
كل هذه الحلول وغيرها تساعد على مواجهة ظاهرة تناقص مواردنا المالية، ولكنها لن تؤد إلى زيادة غير عادية تغرى فى التوسع الزراعى (الزراعة الآن تستوعب 85% من مواردنا المائية) فستظل إمكانيات ذلك محدودة. لذلك ولكل هذه الأسباب فإن التوسع الزراعى فى مشروعات مشتركة مع السودان - كما ذكرنا - مسألة أساسية لأمن مصر الغذائى.
وفى ظل ندرة المياه والأرض الزراعية (كان عدد السكان فى عهد محمد على 3 ملايين نسمه لديهم 4 ملايين فدان، والآن نحن 83 مليون لدينا 5.5 مليون فدان!!).
فى ظل هذه الندرة لابد من التعامل مع الأرض الزراعية بحرص شديد، ولابد من تفعيل دور الدولة من خلال الدورة الزراعية وغيرها فى تحديد الاستخدام الأمثل لهذه الأراضى, فقد وصلت التركيبة المحصولية إلى حالة تمثل تهديدا للأمن الغذائى والصناعى على السواء. فقد كانت المساحات المزروعة بالقطن حتى نهاية الثمانينيات من القرن الماضى لا تقل عن 1.2مليون فدان, وانخفضت حتى وصلت 220 ألف فدان عام 2009، حيث تزايد إحجام الفلاحين عن زراعة القطن لتدنى أسعاره. وهذه هى المساحة الأقل فى تاريخ زراعة القطن فى مصر، حتى أصبحت صناعة الغزل والنسيج تعتمد على استيراد القطن بصورة متزايدة, أما القمح والذرة فأمرهما مشهور, ونحن لا نغطى احتياجاتنا منهما إلا بنسبة 50% فى أحسن الأحوال، ويدعى حكامنا أن مصر خارج حزام القمح العالمى، ورغم أن مصر كانت تاريخيا مصدرة للقمح.
ومصر كانت حتى وقت قريب مكتفية بالسكر، وأدى تقلص زراعات قصب السكر إلى اعتماد صناعتنا على السكر المستورد، ونتيجة ارتفاع أسعاره عالميا فى عام 2010 فإن هذا الأمر يهدد بتوقف 1600 مصنع للمنتجات الغذائية فى العاشر من رمضان فحسب، وستظل هذه تهديدات متجددة. ونحن لا نغطى إلا 7% من استهلاكنا للزيوت ونستورد الباقى (بذرة القطن كانت أحد مصادرنا الأساسية) وحتى الفول الذى يعتبر غذاءا أساسيا للشعب فإن 35% من استهلاكنا الآن يعتمد على الاستيراد، أما العدس فإننا نستورد 98% من احتياجاتنا منه حتى تحول إلى سلعة ترفية. وكذلك البرسيم كمصدر مهم للغذاء الحيوانى فإن الفجوة فى إنتاجه بلغت 35%.
ومسألة تدخل الدولة فى الدورة الزراعية والتركيب المحصولى قاعدة أساسية يجب الرجوع إليها, خاصة فى بلد تعانى فيه من ندرة الأرض الزراعية وزيادة السكان، وإن ترك غذاء الإنسان والمحاصيل الأساسية لآليات السوق (كما يقول وزير الزراعة الحالى) هو عبث مرفوض لا يقبله أى عقل مسئول. وقد أشرنا من قبل إلى أن القرآن الكريم لم يتعرض لتفصيلات النشاط الاقتصادى، تاركا ذلك لاجتهادات البشر فى ظل المبادىء العامة التى أقرها، ولذلك فإنه يتعين علينا أن نأخذ بجد أى أمر فى القرآن الكريم باعتباره من هذه المبادىء العامة. ويتعامل بعض الإسلاميين مع القصص القرآنى كحواديت بها بعض العبر العامة. رغم أن القرآن الكريم، وصف القصص القرآنى بأن فيه: (وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ) (يوسف: 111). وبإعادة التمعن فى هذا القصص سنجد فيه بعد التوحيد، كل مقاصد القرآن، وسنجد فيه السنن الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وفيما يتعلق بموضوعنا فإن توصية سيدنا يوسف بالتخطيط فى زراعة الحبوب وتخزينها درءا للجفاف المتوقع، ترسى قاعدة التخطيط الزراعى والتحكم فى الدورة الزراعية.
فلا يوجد أهم من حياة (غذاء) الإنسان. بل لقد قام سيدنا يوسف بتنفيذ هذه الخطة من موقع رئاسة الوزراء ووزارة الاقتصاد. وبغض النظر عن مسألة الرؤية، فقد كشفت العلوم الحديثة، من خلال المشاهدات العلمية، أن العالم وكل منطقة على حدة، تمر بدورات من الجفاف، وهناك إمكانية لتقديرها بصورة تقريبية، ولابد من التخطيط على هذا الأساس، وأصبح تخزين الحبوب للطوارىء مسألة معروفة ومستقرة. والمفارقة أن القرآن الكريم ضرب المثل من مصر رغم أن القرآن موجه للعالمين (كما فى موضوع الحكم الاستبدادى فى قصة موسى وفرعون) ومع ذلك فإننا البلد الذى يتبنى- من دون دول العالم الرشيدة - شعار آليات السوق فى الإنتاج الزراعى.
لذا فإننا نرى ضرورة تخصيص المساحات الأكبر من الأراضى الزراعية للمحاصيل الرئيسية: القمح - الذرة - القطن - قصب السكر - الأرز - البرسيم. بالإضافة للمحاصيل الغذائية الرئيسية كالفول والعدس والخضروات والفواكه للاستهلاك المحلى، فإذا تبقت أى مساحات بعد ذلك، فيمكن توجيهها للزراعات التصديرية (كالزهور وأنواع معينة من الخضراوات والفواكه). فضمان الأمن الغذائى فى السلع الأساسية للبلاد هو الأولوية الأولى. وما يفيض بعد ذلك يكون للتصدير, كذلك فإن هذه المحاصيل الرئيسية تقدم مستلزمات الإنتاج لأهم الصناعات كالنسيج والسكر الذى يدخل بدوره فى العديد من الصناعات الغذائية.
وفى المقابل لابد من تحديد أسعار مجزية للفلاح لهذه المنتجات الرئيسية تراعى أسعار المدخلات (التقاوى - البذور - المبيدات.. إلخ). ولابد ألا يغيب عن الدولة احتمال دعم المزارعين عند الضرورة لاستمرار حفزهم على الإنتاج، أو للتصدير إن أمكن. كذلك يجب قيام ترتيبات وتشريعات تضمن عدم استغلال الوسطاء للمنتجين عند شرائهم مستلزمات الإنتاج أو عند التسويق, وهنا لابد من الإشارة إلى وقف السياسة الضارة بإلغاء الدعم عن الأسمدة والمبيدات وكافة مدخلات الإنتاج فى وقت تقوم أوروبا وأمريكا بدعم القطاع الزراعى بمليار دولار يوميا!!
لابد من إيجاد علاقة متوازنة بين الملاك والمستأجرين فى الأراضى القديمة والمستصلحة ونظام المزارعة يحقق تلك الغاية. ولابد من وقف عمليات طرد الفلاحين من الأراضى التى حصلوا عليها فى إطار مشروع الإصلاح الزراعى، فهذه الأرض أصبحت ملكية لهم بحكم القانون والشريعة الإسلامية, بالعهد الذى أخذوه من الدولة، ثم بقيامهم بالإقامة وزراعة هذه الأرض لعشرات السنين.
الحفاظ على الأرض الزراعية بالوادى والدلتا يعنى الوقف التام والكامل لأى بناء أو تجريف للأرض الزراعية, ولابد أن تجند الدولة كل الطاقات حل مشكلات الإسكان فى الصحراء الواسعة, وفى إطار إقامة مجتمعات صناعية منتجة فى هذه الصحراء. وبدون ذلك ستنتهى الأرض الزراعية فى الوادى خلال عشرات محدود من السنين (لنلحظ أن قرابة نصف الأراضى الزراعية ضاعت فى 23 عاما!).
لابد من اتخاذ كافة التدابير للعودة إلى القرية المنتجة، والبيت الريفى المنتج، بالعودة إلى الخبز المنزلى وتربية الدواجن والنحل والتصنيع المنزلى، فالملاحظ أن القرية المصرية التى كانت منبع الخير، تحولت إلى قرية مستهلكة تجلب احتياجاتها من المدينة، وهذا وضع معكوس، ويعنى الاعتماد على الاستيراد من الخارج، كذلك يجب تشجيع الصناعات الصغيرة المرتبطة بمستلزمات الإنتاج من الزراعة، فقد أصبحت الصناعات الصغيرة تمثل أحد الروافع الأساسية للتنمية فى مختلف بلدان العالم المتقدم فى الشرق والغرب. لا شك أن العودة للقرية المنتجة لابد أن يستفيد من مختلف أشكال التقدم التكنولوجى فى المجال الزراعى، وتربية الدواجن، وتنمية الثروة الحيوانية.
وتوجد ضرورة لإعادة الاعتبار لقطاع البحوث والإرشاد الزراعى الذى يكاد يختفى دوره تماما فى حين أن هذا هو الدور الأساسى لوزارة الزراعة، والمقصود به الدور البحثى فى مجال استنباط البذور وغيرها وتوجيه المزارع بالخبرات فى شتى حلقات العمل الزراعى: نوعية الأسمدة - المبيدات ونوعيتها - طرق الزراعة وتوقيتاتها - مقاومة الآفات.. إلخ) بينما تؤكد التقارير المنشورة أن ميزانية قطاع البحوث الزراعية والإرشاد لا تكاد تذكر, وأنها تغطى أساسا مرتبات الباحثين! وأن الوزارة توقفت عن تعيين مهندسين زراعيين كمرشدين منذ عام 1984!
لابد من وقفة حازمة مع مسألة الإفراط فى استخدام المبيدات، وحيث تستخدم مصر نصف كمية المبيدات المستخدمة فى الوطن العربى، وقد أدى هذا إلى إفساد التربة، وأدى إلى مخاطر صحية للمواطنين. خاصة وأن هناك اتجاها عالميا لتقليل الاعتماد على المبيدات إلى أقصى حد أو وقف استخدامها نهائيا والاستعانة بوسائل أخرى أكثر أمانا (ما يسمى المقاومة الحيوية) كذلك فإن استيراد مبيدات معروفة بتأثيراتها السرطانية سواء من إسرائيل أو من أى بلد آخر جريمة لابد أن تتوقف. كذلك لابد من وقف استخدام الهرمونات التى تزيد من إنتاجية بعض المحاصيل (الخضراوات والفواكه) أيضا لتأثيراتها السرطانية والضارة صحيا. والتوسع فى الزراعة العضوية الخالية من المبيدات.
لابد من وقف التعامل مع منتجات الهندسة الوراثية استيرادا وإنتاجا، وتشكيل لجنة علمية على أعلى مستوى لدراسة هذا النوع من المنتجات القائم على التلاعب فى الجينات لوجود أبحاث علمية تؤكد ضررها على الصحة بما فى ذلك احتمالات نشر السرطان، ولابد من التفاعل مع الهيئات العلمية العالمية ذات المصداقية فى هذا المجال، حيث أن هذه القضية مطروحة بشدة فى البلدان الغربية وهناك خلاف جدى حولها.
ثروتنا الحيوانية ليست قليلة جدا كما يتصورا البعض فهى تشكل 35% من الدخل الزراعى، ولكن بلادنا تفتقر للمراعى وهى البيئة المناسبة لنمو الثروة الحيوانية. كما لم نلحظ أى مجهود لرعاية وتطوير مراعينا الصحراوية فى سيناء والساحل الشمالى والواحات. كذلك فإن التطورات الحديثة فى تربية الحيوانات أصبحت تعتمد على الحظائر المجمعة وليست على المراعى. وبالتالى فإن تطوير ثروتنا الحيوانية مرتبط بتطوير هذه الأشكال: المراعى الصحراوية، الحظائر المجمعة، تربية الحيوان المتداخلة مع الأراضى الزراعية. وكان الاعتماد الأساسى على هذا النمط الأخير قد أصابه الاضمحلال مع أزمة الفلاح مع أرضه الزراعية التى نشأت من ارتفاع مستوى الإيجارات، وأيضا ارتفاع أسعار الأعلاف التى يتم استيراد الجزء الأكبر منها حيث لم تلجأ الحكومة لمشروعات تصنيع الأعلاف محليا, رغم وجود أبحاث علمية تؤكد ذلك كاستخدام المخلفات الزراعية, وهو ما أدى إلى تخلص المنتجين من جزء من القطعان لعدم قدرتهم على تحمل تكاليف تربيتها. وهى ما يؤدى إلى إهدار الثروة اللحومية بذبح حيوانات البتلو الإناث الصغيرة. إن تربية الحيوان لفترة أطول مهمة لزيادة وزنه، وأيضا بالنسبة للإناث لزيادة معدلها فى التكاثر، وقد قام مشروع البتلو على دعم المربين حتى لا يتعجلوا فى الذبح ولكن هذا المشروع ظل دوما حبرا على ورق. وقد أدى كل ذلك إلى أن مصر تستورد 40% من احتياجاتها من اللحوم من الخارج.
ولكننا نرى أيضا أن الثروة الحيوانية كامتداد لأحوالنا الزراعية ستظل إمكانياتها أقل من احتياجاتنا، والاعتماد على السودان يمتد أيضا لهذا المجال حيث تتوافر المراعى الطبيعية على نطاق واسع وحيث توجد رؤوس من قطاعان الماشية والأغنام أضعاف ما هو متوفر فى مصر. ونرى أن الاعتماد يجب أن يكون أساسيا على السودان بحكم الجوار بالإضافة لكل الاعتبارات السابقة التى توضح أن البلدين يشكلان أساسا لمشروع تنموى واحد. ولكن فى موضوع اللحوم يضاف سبب آخر وهو ضمان الاشتراطات الشرعية فى الذبح وفقا للشريعة الإسلامية، وأيضا من حيث نوعية غذاء الحيوانات فنحن فى الشريعة يحرم علينا أكل الحيوان الذى يأكل من القمامة لأنه يتحول إلى "خنزير" ويسمى فى هذه الحالة "الجلالة"، والمعروف أن البلاد غير الإسلامية تستخدم أعلافا غير صحية مختلطة بدماء ومواد ضارة بهدف تسمين الحيوانات وتحقيق أرباح أكبر، وهناك دراسات ربطت بين ذلك ومرض جنون البقر الذى اجتاح الغرب منذ سنوات، كذلك تلجأ بعض المزارع فى الخارج إلى استخدام الهرمونات لزيادة وزن الحيوانات، ويجب مكافحة هذه الأساليب الضارة التى بدأت تتسلل إلى بلادنا. وكان الشيخ محمد الغزالى قد أفتى لكل هذه الأسباب بعدم جواز الاستيراد من بلاد غير إسلامية، خاصة وأن العالم الإسلامى لديه ما يكفيه من مصادر الثروة الحيوانية. كما أن إرسال بعثات بيطرية للبلاد الموردة لنا لن يمكنها متابعة كل ذلك، كما أن الأمر يتعرض لكثير من التلاعب لأنه يجرى بعيدا عن أعيننا فى بلاد بعيدة! بل الأغرب من ذلك أن الهيئة العامة للخدمات البيطرية أصدرت قرارا بإلغاء سفر اللجان البيطرية التى تصاحب المستوردين فى مجال اللحوم للكشف على الحيوانات الحية واللحوم المجمدة قبل التعاقد عليها فى دول المنشأ، وجاء القرار توفيرا لأموال المستوردين! فى حين أن أمراضا عديدة لا تكتشف بعد عملية الذبح مثل مرض التيتانوس ومرض جنون البقر، كذلك من المعروف أن الدول الغربية لا تقوم بذبح حيواناتها وإنما تطلق عليها الرصاص وتصعقها بالكهرباء وهو ما يؤدى إلى تجمد الدم فيها وزيادة وزنها. وهذا ما يؤكد من جديد أن ما هو شرعى هو الأكثر نفعا للإنسان، فالذبح أكثر صحية لما فيه من إراقة الدماء، بدلا من تجمدها كما برهنت الدراسات العلمية، ولكنها الرغبة لدى الغربيين فى زيادة الأرباح بأى وسيلة. المهم أن فتوى الشيخ الغزالى تسد كل هذه الأبواب من الشبهات الشرعية (الصحية), ولكن المثير للعجب أن مستوردى اللحوم يركزون على البلاد غير الإسلامية فيتم استيراد 60% من اللحوم من الهند و30% من البرازيل! كذلك يتم الاستيراد من أثيوبيا والأورجواى واستراليا وكرواتيا! كذلك يتعين تطوير خدماتنا البيطرية فى ظل انتشار العشرات من الأمراض فى الحيوانات داخل مصر وعلى رأسها الحمى القلاعية والجلد العقدى.
الثروة السمكية:
أشرنا من قبل إلى الفجوة الغذائية فى إنتاج الأسماك والتى تدفعنا لاستيراد 100 ألف طن سنويا, وهذا الأمر غير مبرر بكل المقاييس فى ظل توفر المسطحات المائية فى البحار ونهر النيل والبحيرات. وتعود المشكلة إلى أن البلاد توقفت فى تطوير صناعة سفن الصيد، والتى يمكن أن تصل إلى عمق المياه الدولية بدلا من اضطرار سفن الصيد لخرق القوانين والصيد فى المياه الإقليمية لليبيا واليمن وإرتريا وغيرها بدون إذن مما يعرض الصيادين لمهانة الاعتقال والترحيل!
كذلك لابد من وقف جريمة ردم البحيرات الشمالية التى هى بطبيعتها مصائد نموذجية للأسماك لأنها مفتوحة على البحر المتوسط. وكذلك وقف إغراقها بمياه الصرف الصحى والزراعى التى لوثت مياهها وقللت من خيرها. كذلك فإن وقف تلويث مياه النيل بالصرف الصناعى والزراعى والصحى من شأنه أن يزيد الثروة السمكية به. وتكفى الإشارة إلى إهمال بحيرة ناصر العظمى التى تعد أكبر بحيرة صناعية فى العالم وتمتد بطول 500 كيلومتر منها 300 كيلومتر داخل الأراضى المصرية والباقى فى السودان. وقد كشفت دراسات علمية أن الثروة السمكية فى هذه البحيرة تكفى احتياجات مصر الاستهلاكية بل وتوفر إمكانية للتصدير. والمعروف أن صيد الأسماك هو أفضل استثمار لهذه البحيرة، لأنه من المفترض عدم إقامة مدن أو قرى حولها حتى لا تتلوث المياه، فهذه البحيرة هى خزان مصر من نهر النيل فلابد من الحفاظ على نقائها البيئى.

وتتعامل الحكومة مع هذا القطاع الحيوى، وكأنها غير معنية به، بينما يتعين عليها تأسيس شركة عامة رائدة للصيد فى أعالى البحار، وبناء سفن متطورة للصيد، وتقديم الدعم عند الضرورة لتجمعات الصيادين حتى تقوم هذه الصناعة على أقدامها.

مجدى أحمد حسين

أضف تعليق


عدد الحروف المسموح بها 1000 والمتبقي منها
ادخل الكود التالي
CAPTCHA Image
صورة اخرى
الموقع غير مسئول قانونا عن التعليقات المنشورة