(12) المبادىء العامة التى تحكم إدارة الاقتصاد
الجمعة, 17 ديسمبر 2010 - 12:00 am

magdyahmedhussein@gmail.com

نعود مرة أخرى إلى الاقتصاد من زاوية توضيح عدد من المبادىء العامة التى تحكم تصورنا لإدارة اقتصاد البلاد، فى إطار المفهوم العام السابق الأساسى (الاستقلال الاقتصادى).

1) القطاعان العام والخاص:
هذه هى القضية التى شغلت العالم منذ ظهور الماركسية والحركات الاشتراكية فى الغرب فى القرن التاسع عشر, التى دعت إلى إنهاء الملكية الخاصة, أو تقليصها كمبدأ عام موجه لإدارة العملية الاقتصادية, بينما ظل الفكر الرأسمالى يعتبر أن الملكية الخاصة هى الأساس, وأن الملكية العامة قد تطرأ على سبيل الاستثناء.   
ولا تزال ذات القضية تشغل العالم حتى أوائل القرن الواحد والعشرين, بأزمته الاقتصادية التى لم تنته فصولا بعد. وكأن البندول يتحرك فى حقبة لصالح الملكية الخاصة (القطاع الخاص) ثم يعود ليتحرك فى الاتجاه المعاكس لصالح الملكية العامة (القطاع العام)، مع تغير الأوضاع الاقتصادية وتلاطم أمواجها سواء على مستوى البلد الواحد أو على المستوى العالمى. فى حين ظلت الرؤية الإسلامية الاقتصادية النظرية ثابتة لا تتغير, فهى لا تضع قدسية لشكل من الملكية فوق شكل آخر. وهى تؤمن بالتزاوج بين الشكلين الأساسيين من الملكية, وترى أن النسب بينهما تظل متغيرة حسب الأحوال الاقتصادية وحسب المصلحة. وهذا ما عاد إليه العالم منذ عشرات السنين, وحيث توسعت الملكية العامة فى النظام الرأسمالى (خاصة فى أوروبا الغربية) وتوسعت الملكية الخاصة فى النظام الشيوعى, ثم ارتفع صوت ما يسمى الطريق الثالث بين الرأسمالية والاشتراكية, أو ما يسمى الاقتصاد المختلط, وارتفع "صوت الاشتراكية الديمقراطية", وهو اتجاه قديم فى أوروبا كان قد انكمش, ويحاول أن يدمج بين محاسن الاشتراكية ومحاسن الرأسمالية, وهو الاتجاه الذى يسود فى بلاد شمال أوروبا الاسكندنافية ويتبادل الحكم فى باقى بلدان أوروبا مع التيار الرأسمالى التقليدى. وهذا الاتجاه الاشتراكى الديمقراطى هو الذى يتمدد ويفوز بالحكم فى أمريكا اللاتينية. وهذا التيار الهجين هو الذى يهيمن بتلاوين مختلفة فى التجارب التنموية الآسيوية, وفى بلدان أوروبا الشرقية يتبادل الوصول للحكم مع الأحزاب التى تمثل الرؤية الرأسمالية التقليدية، أما فى روسيا التى اندفعت نحو الخصخصة فقد بدأت تخفف من غلوائها وتصلح من شأنها للعودة إلى دور الدولة فى الاقتصاد والقطاع العام.
إذن الرؤيتان المتطرفتان: الملكية العامة 100% أو الملكية الخاصة 100% لم تعودا موجودتين فى العالم إلا فى بطون الكتب التى صدرت منذ عشرات السنين, لا فى أرض الواقع فى أى بلد, ولا فى برنامج أى حزب عاقل فى أى بلد!
والقرآن الكريم كما نعلم لم يدخل فى التفاصيل عن عمد, ليترك لنا حرية التصرف والتفكير والاجتهاد فى كل ما هو مباح, ومع ذلك فهناك إشارة لشرعية القطاع العام فى سورتى الحشر والأنفال: (مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَى لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ) (الحشر: 7).
فى غزوة بنى النضير استسلم اليهود بدون قتال, لذلك اعتبرت أملاكهم من الفيىء (لا الغنائم التى توزع على المحاربين بنسبة أربعة أخماس, وخمس لله والرسول) وحددت الآية مصارف الفيىء, وقد قسمه رسول الله إلى قسمين: قسم تم توزيعه على المهاجرين لتحسين أحوالهم المادية بعد فقدان أملاكهم فى مكة, وحتى يرفع المشقة عن الأنصار الذين كانوا ينفقون على المهاجرين, وكذلك تم توزيع جزء من هذا القسم على فقراء الأنصار. أما القسم الثانى الذى يعنينا الآن فقد احتفظ به رسول الله فيما يشبه فى أيامنا الحديثة أن يكون قطاعا عاما, أى فى ملكية المجتمع للإنفاق على متطلباته, وعندما يستخدم القرآن كلمة (لله) أو (لله والرسول) فإن ذلك يعنى تخصيص المال للنفع العام للمجتمع, وهذا يفهم أيضا بنفس المعنى من آية توزيع الغنائم: (وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) (الأنفال: 41), ورغم تحديد المصارف فى الآيتين لذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل, والتى يتولى ذلك الحاكم (السلطة السياسية), إلا أن بند "لله والرسول" وهو ما يعنينا الآن المقصود به (ترك هذا المال لمرافق المسلمين العامة كالإنفاق على الجهاد وتأمين الحدود والثغور, ولا يعطى للأفراد, بل العموم فى مصرفه, وهو عموم مصالح الأمة) (التفسير الوسيط للقرآن الكريم - 1986 - الجزء 26).
(والإنفاق فى سبيل الله مقصود به كل ما يعود على المجتمع بالنفع) (تفسير أحمد حسين من سورة الأحقاف إلى المرسلات - المجلس الأعلى للشئون الإسلامية - 1976 - ص 367).
ومن الملفت للانتباه أن هذه القاعدة الأساسية: (كَى لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ) وردت فى هذا المقام, ودُولة (بضم الدال) تعنى الحكر, وهذا يعنى أن تدخل الدولة بتوزيع المكاسب على الفقراء والأكثر احتياجا من ناحية, أو استخدامها فى عموم مصالح الأمة, وقد يكون ذلك باستثمار المال فى مشروع إنتاجى أو خدمى قطاع عام من ناحية أخرى, هذا التدخل هو الوسيلة الرئيسية للعدالة الاجتماعية وعدم تكدس الأموال والثروات فى أيدى قلة من الأغنياء. (وقد أكد هذا المعنى العام, أى أن مصرف "لله ورسوله" يعنى الإنفاق العام على مصالح المسلمين بما فى ذلك إقامة بعض المشروعات: ابن جزى - فى القوانين، والإمام الشيبانى - فى السير الكبير, و د. أبو بدر محمد آل عابد - وفى تفسير ابن كثير الذى جاء فيه أيضا قول ابن تيمية "هذا قول مالك وأكثر السلف وهو أصح الأقوال). ونظام الفىء فى الإسلام يقابل ما يسمى فى العصر الحديث بإيرادات الدومين.
وفى الممارسة العملية لرسول الله صلى الله عليه وسلم نجد إقرارا لأنواع من الملكية العامة كمراعى الصدقة أو أرض الحمى (التابعة لبيت المال), وكذلك الأرض التى أوصى بها "مخيريق" وهو حبر من أحبار بنى النضير آمن برسول الله وقاتل يوم "أحد" واستشهد، وكان قد أوصى بأمواله لمحمد يصنع فيها ما يشاء, وكانت سبع حدائق, فجعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة (الخراج والنظم المالية للدولة الإسلامية - د. محمد ضياء الدين الريس), وفى غزوة بنى النضير حبس رسول الله الأرض لنفسه, أى صدقة، أى للإنفاق العام على المسلمين, وهذا معنى حبسها لنفسه (أى كحاكم) لأن رسول الله لم يتعامل مع نصيبه كأموال خاصة بل كأموال عامة, وكان لا يأخذ لنفسه إلا أقل القليل كما هو مؤرخ بالتفصيل فى السيرة النبوية. وسنعرض لهذا الموضوع عند الحديث عن مرتب ودخل الحاكم. وقد اتسعت هذه الأراضى ذات الملكية العامة وكان مصدرها إما الاستيلاء بعد الطرد كما حدث مع اليهود كحالة خاصة, وكل الأراضى التى لا صاحب لها, كأراضى من قتل فى الحرب من الأعداء, أو هرب وترك أرضه, أو كانت أرض ميتة, اتسع نطاق هذه الأراضى فى عهد عمر بن الخطاب مع الفتوحات, وأدرت دخلا وفيرا على خزانة الدولة, وصلت فى بعض التقديرات إلى 9 ملايين درهم (النظم المالية فى الإسلام - قطب إبراهيم محمد - الهيئة المصرية العامة للكتاب - 1989 - الطبعة الرابعة - ص 98). وهذه الأراضى تسمى فى العصر الحديث (الدومين العقارى).
كذلك نجد من الأحاديث النبوية ما يشير إلى الملكية العامة لمصادر الطاقة والمياه والمرعى (الناس شركاء فى ثلاث: الماء والكلأ والنار) وأضيف: الملح فى بعض الروايات. ومع تقدم الأزمنة بدأت فكرة قيام الدولة بالمشروعات العامة تتزايد فى الفقه الإسلامى، كما دعا لذلك ابن قيم الجوزية فى كتابه الطرف الحكمية ورآه لازما عند الاضطرار لندرة المساكن والأطقمة والأدوات اللازمة ووجوب بذل ذلك للمحتاج إما بثمن أو أجر المثل أو بدون مقابل فى بعض المذاهب. ونحن نرى الآن حتمية قيام شركات مقاولات عامة بإقامة مساكن شعبية وبيعها بسعر التكلفة أو أقل من ذلك أو بسعر رمزى, فهو أمر لا يمكن أن تتحمله أى شركة خاصة.
أما الملكية الخاصة فهى من الثوابت التى لا خلاف عليها, وقد أكد ذلك العديد من النصوص, وعلى رأسها نصوص المواريث بالقرآن الكريم. ونرى - وهذا هو الرأى السائد فى الفقه الإسلامى - أن القطاع الخاص هو أساس العملية الاقتصادية فى إطار الضوابط الشرعية العامة، وفى إطار الخطة العامة للتنمية، وأن تدخل القطاع العام يتحدد نطاقه بكل المجالات التى عجز عنها القطاع الخاص, وهى من الضروريات للاقتصاد وللدفاع والخدمات، وما لا يمكن للمجتمع الاستغناء عنه. (وسنتحدث فى دراسة لاحقة حول أشكال الملكية العامة التى استحدثها الإسلام كالوقف الخيرى ونزع الملكية من أجل المنفعة العامة مقابل التعويض, وهو ما أصبح شائعا فى العصر الحديث).
إلا أن الإسلام قدم أساسا مفهوما مختلفا للملكية (أيا كان نوعها) وهى فكرة أن (المال مال الله), وهى فكرة لا يفهمها الغربيون, وربما يسخرون منها, ولكنهم بحكم الضرورة اقتربوا منها تحت مسميات أخرى (المصلحة العامة - العدالة الاجتماعية - حق المجتمع.. إلخ), أقول اقتربوا منها, ولكن لا يمكن أن يصلوا لها أو يلتزموا بجوهر معناها، لأنه أمر يتعلق بالإيمان بالله، والإيمان بالله لا وجود له فى الاقتصاد عندهم، ولا فى شتى شئون الدنيا. (المال مال الله) والإنسان مجرد مستخلف عليه، أى وكيل، أو أشبه بناظر العزبة, أما مالك العزبة (الأرض وما عليها من مال) فهو الله عز وجل. وهذا التعريف للمال يشمل الملكية العامة والخاصة، ويضع تصورا مختلفا تماما للملكية عن تصورات الفكر الغربى. وكأنه يضع الملكية كلها تحت بند العمومية (قطاع عام) ولكنه قطاع عام إلهى!! هو يحترم ويقر الملكية الخاصة, ولكنها لابد أن تندرج تحت هذا المفهوم العمومى للملكية (مراعاة حق الله) حتى تظل شرعية. فأنت إذا نظرت من زاوية معينة: زاوية العدالة الاجتماعية وحقوق المجتمع والصالح العام فستجد كأن الملكية كلها قطاع عام فى المجتمع. وإذا نظرت إلى زاوية حقوق الأفراد والأسر وغريزة التملك وإطلاق حق الأفراد فى المبادرة الاقتصادية (فَامْشُوا فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ) (الملك: 15) (يَضْرِبُونَ فِى الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ) (المزمل: 20) فستجد وكأن الملكية الخاصة هى كل شىء. فالواقع أننا أمام منزلة بين منزلتين, أو بالأصح منزلة أعلى من منزلتين، فمفهوم أن المال مال الله أعلى من المفاهيم المعاصرة التقليدية حول القطاع العام والخاص، دون أن يلغى ذلك الفارق القانونى بين هذين الشكلين من الملكية.
ومن مزايا هذا التعريف للملكية، أنه يضبط حقوقها وواجباتها على أساس ضمير المؤمن، باعتبارها قضية تعبدية، وعبادة الله هى محور بل جماع حياة المؤمن، فهى الغاية وهى الوسيلة. وهذا أكبر ضامن لحسن استخدام هذا المال فى سبيل الله، أى فى سبيل المجتمع، وهو فى سبيل الله بحكم النية فحسب, أما الله سبحانه وتعالى فهو غنى عن العالمين: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ . مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ . إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) (الذاريات: 56-58) وسنجد فى سورة الحديد هذا التبيان الجميل لمعنى (مال الله) وهى السورة التى من عنوانها يتضح أنها تهتم بشكل خاص بالأبعاد الاقتصادية:
- (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) (7).
- (وَمَا لَكُمْ أَلا تُنفِقُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) (10).
- (مَن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ) (11).
- (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ) (18).
والسورة تذكر المؤمنين بتفاهة وعرضية الحياة الدنيا حتى يكون ذلك أساسا لعدم التكالب على المال، أو حجزه واحتكاره: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِى الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِى الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (20).
إذن هذا المفهوم للملكية يعتمد بالأساس - كما قلنا - على ضمير المؤمن، وعمق إيمانه بالله، بل وبيع نفسه وما يملك لله، باعتبار أن الله هو الوهاب الكريم هو الذى خلق النفس وأعطاها ما تملك، لذلك فإن الاقتصاد الإسلامى يعتمد على أبعاد لا يستطيع أن يدركها أو يحصيها الاقتصاد الغربى، فالمؤمنون يسارعون إلى الإنفاق فى سبيل الله (يمكن أن تقرأها أيضا فى سبيل المجتمع) سرا وعلانية، ودون انتظار لقوانين ملزمة أو تشريعات ضرائبية، ستجد من يتبرع بالملايين لبناء مدرسة أو مستشفى ويشترط عدم الإعلان عن اسمه ضمانا للمزيد من الثواب. ستجد من يكفل الأيتام ويساعد الضعفاء دون أن يعلن عن ذلك ودون أن يسجل ذلك فى أى سجل رسمى، فكما يتحدث علم الاقتصاد عن الاقتصاد السرى بالمعنى السلبى: التهريب والدعارة والمنتجات المغشوشة والمخدرات فإن المجتمع الإسلامى لديه اقتصاد سرى بالمعنى الإيجابى: وهو التكافل الاجتماعى والإنفاق فى سبيل الله دون إعلان. وبالتالى فإن الأساليب الاقتصادية المعتادة لقياس النمو الاقتصادى ومستوى المعيشة لا يمكن أن ترصد هذه الظواهر. ومن المفارقات أن هذا الاقتصاد السرى بالمعنى الإيجابى والذى يتضمن الزكاة التى تنفق حاليا بصورة مباشرة (وليس عبر القنوات الرسمية كما أمر القرآن لتخلى الحكام عن جمعها) هذا الاقتصاد هو الذى يؤجل الانفجارات الاجتماعية، ويجعل الفقير لا يصل إلى حد الموت جوعا، على سبيل المثال ذكرت دراسة رسمية فى مصر أن 20% من الأسر تحصل على معونات عبر الجمعيات الخيرية. فالوضع الطبيعى أن يخرج الجائع شاهرا سيفه ضد ظالميه، وكان عندما يتم تسكين جوعته وآلامه بالحد الأدنى فإنه يهدأ أو يؤجل ثورته. وهى من المفارقات لأن النظام المصرى وغيره من النظم العربية يحاربون المرجعية الإسلامية، رغم أن الممارسة الجزئية لها هى التى تطيل أعمار هذه النظم!! ولعلها حكمة إلهية لندرك أن العمل من أجل التغيير (بمعنى القضاء على الظلم والاستبداد والفساد) يجب ألا يرتبط بالجوع أساسا، بل بالقيم العليا التى يحض عليها الإسلام: الإيمان بالله، إقرار مرجعية الشريعة الإسلامية، العدالة، الاستقلال، كرامة وحقوق الإنسان.
وسنجد فى سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة, فهو على مدار 22 سنة من بداية البعثة حتى فتح مكة، كانت قضيته مع طواغيت مكة هى (الإيمان والكفر), ولم يطرح قضية الأكل والشرب, ولم تكن ثورته ثورة عبيد كثورة سبارتاكوس قائد العبيد فى التاريخ الأوروبى، رغم أن الإسلام كان محررا للعبيد, ورفع من كرامتهم حتى يتخلصوا من العبودية, وجعل التقرب من الله - فى أحد وسائله - بتحرير الرقاب، ولكن دعوة محمد صلى الله عليه وسلم كانت للمجتمع بأسره، لكل طبقاته وقبائله، بل للعالمين. ورغم أنه قدم نموذجا للعدالة الاجتماعية فى دولة المدينة، ورغم نصرته للفقراء كمحور أساسى من محاور سياساته, إلا أن ذلك كان مكونا أساسيا من مكونات العقيدة، ولم تكن القضايا الاجتماعية - وعلى أهميتها - هى محور الخلاف والصراع مع حكام مكة. لذلك فإن حركات التغيير الإسلامية المعاصرة يجب أن تنتبه لذلك، فالصراع مع الحكام ليس على المحور الاجتماعى فحسب, أو محور الحريات وحقوق الإنسان فحسب، بل إن أساس المفاصلة يدور حول الرؤية والمرجعية الإسلامية.
كان لابد من هذا التوضيح - وهو خارج موضوعنا - حتى لا يتصور أحد أن التكافل الاجتماعى فى الإسلام عامل معوق للتغيير الثورى، فهو ليس عاملا معوقا فى إحداث التغيير الشامل من منظور إسلامى، أما ثورة الجياع فهى لا تقدم برنامجا وحلا, وربما تؤدى إلى التدمير فحسب (مثال أحداث الأمن المركزى 1986), فالجوع والفقر المدقع هما من نواتج سياسات عامة منحرفة ورؤية تنحاز للمترفين دون عموم الناس، وتنحاز للأجانب دون أهل البلد، والهدف الأساسى هو تغيير هذه السياسات.
ونعود إلى موضوعنا فإيمان المسلم أنه مجرد وكيل أو مستخلف على ماله، يجعله يتصرف بوازع داخلى، وبوحى من ضميره للإنفاق فى سبيل الله. ولكن إذا ضعفت هذه الروح الإيمانية, وهى عموما تختلف فى مستواها من شخص لآخر، ومن عصر لآخر، فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. أى أن النظام الإسلامى يستخدم أيضا القانون مع الناس.
الإنفاق فى سبيل الله والحض عليه ورد فى القرآن الكريم بصورة مباشرة 60 مرة، أما الزكاة فذكرت 27 مرة، ومصارف الزكاة ذكرت فى آية واحدة، بالإضافة لآية أخرى عن زكاة المحاصيل الزراعية: (وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) (الأنعام: 141), إذن الزكاة هى الحد الأدنى الذى لا يقبل دونه، لذلك فهى من أركان إسلام، طالما استوفت نصابها وشروطها عند المسلم، والقرآن يحبب المسلم فى إخراج الزكاة, فالأصل أن المسلم يقدم إقرار الزكاة (أشبه بإقرار الضريبة!) من وحى ضميره، ولا يخضع لعمليات تفتيش من مندوب هيئة الزكاة، بل هو الذى يقر بحجم المحصول أو عدد رؤوس الأنعام، أو المال الذى حال عليه الحول.. إلخ, فحتى نظام جمع الزكاة يعتمد على الضمير الإيمانى أساسا، فالزكاة عبادة لله والمفترض أن يخشى المتزكى من الله لا من مندوب هيئة الزكاة، فإذا كذب فسيكون أشبه بمن يصلى بدون وضوء ولا يعلم ذلك إلا الله، أو من يدعى الصيام وهو مفطر ولا يعلم ذلك إلا الله. ولكن إذا ثبت فى أى مناسبة وبناء على المعلومات الظاهرة للعيان أن شخصا معينا يتهرب من الزكاة وتأتى لجنة لحصر ممتلكاته (كما يفعل الآن جهاز الكسب غير المشروع) ويثبت تهربه فتؤخذ منه الزكاة قسرا بالإضافة لعقوبة مالية. والزكاة لا تدخل فى الميزانية العامة للدولة لتنفق كيفما اتفق، ولكن لها مصارفها المحددة: (لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِى سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (التوبة: 60).
باب (فى سبيل الله) هو الذى اختلفت حوله الاجتهادات, وهو الإنفاق فى سبيل الدعوة الإسلامية سلما أو حربا, ولذلك أبواب عديدة يحددها الفقهاء فى كل عصر وأوان، وهذا الباب وحده هو الذى يمكن أن يتداخل مع ميزانية الدولة.
وللدولة مواردها من أبواب أخرى، على رأسها الضرائب والجمارك وكافة أنواع وأشكال الرسوم, وإذا لم تكف الموارد السابقة فى إحقاق العدالة الاجتماعية، فيجوز فرض مزيد من الضرائب بصورة تصاعدية, بحيث يتحمل الأغنياء عبئها الأكبر, وهذه الضرائب بطبيعة الحال إلزامية. ولكن يظل التعويل فى الأساس على تقوى المؤمنين واندفاعهم الإيمانى للتقرب إلى الله، ولذلك كان الحض على الإنفاق فى سبيل الله ضعف الحض على الزكاة فى القرآن. فالإنفاق فى سبيل الله مفتوح بدون سقف حتى وإن كان بالمال كله (راجع ممارسات عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان فى الإنفاق فى سبيل الله). وقد ذكرت الصدقات 20 مرة بالقرآن، والصدقات بدورها سقفها مفتوح.
وهكذا نرى أن الرؤية الإسلامية للمال، تعتمد على قوة الإيمان بحيث يتزايد ضخ الأموال فى سبيل الله (المجتمع) طرديا مع تقوى الله، وهنا نجد أهمية دور المسجد والأسرة والمدرسة والإعلام والثقافة والفنون والآداب فى غرس وتنمية هذه القيم الإيمانية فى النشء والشباب وأيضا بين الكهول والكبار. وكذلك أهمية الحاكم كقدوة، فهذه الحالة من التدفق المالى إلى بيت المال ثم من بيت المال إلى المستحقين والتى حدثت فى عهد عمر بن عبد العزيز ربما لا نجد مثيلا لها بعد صدر الإسلام الأول. ولكن عمر بن عبد العزيز لم يكتف بالقدوة الحسنة التى قدمها بتقشفه الشديد, بل أيضا بالصرامة فى تنفيذ القانون، ورد المظالم، ونزع الملكيات غير الشرعية.
*****
فى إطار مفهوم أن "المال مال الله" فإن القطاع الخاص ليس محصنا ضد تدخل الدولة لتنظيم عمله. أما تنظيم عمله فيأخذ أشكالا عديدة، كفرض زراعات معينة فى إطار دورة زراعية خاصة فى المجتمعات محدودة الأراضى الزراعية، وكما ورد فى السنة من تحديد الوصية بحد أقصى الثلث.
والوصية كمبدأ منصوص عليها فى القرآن، أما فى بلاد الغرب فصاحب المال (القطاع الخاص) ممكن أن يوصى بكل تركته لمن يشاء، أو يحرم بعض الأقارب، وهذا ما لا يجوز فى الإسلام وتشريع الميراث ملزم بالنص القرآنى. ويصل الأمر إلى حد نزع الملكية الخاصة إذا لم تؤد وظيفتها الاجتماعية فى الاستثمار ودوران رأس المال كما جاء فى الحديث الشريف: (ليس لمحتجز حق بعد ثلاث سنوات) فتنزع الأرض ولو كانت مواتا أو بورا من مالكها إذا انقضت عليها ثلاث سنوات من دون استثمار.
وهذا يوضح أن الإسلام يحرم الظاهرة التى نسميها الآن "تصقيع الأراضى والعقارات", والتى أدت لجنى ثروات فاحشة لدى القلة المترفة, بحيث يقوم أهل السلطة والمقربون منها بشراء أراضى الدولة بملاليم وقروش للمتر، ثم يبيعونها بعد ذلك بالآلاف للمتر، بعد احتجازها لعدة سنوات دون استثمار. فهذا نوع من تحقيق الأرباح بدون عمل, وهو الأمر المحظور فى الإسلام. كذلك الحجر على السفيه. فى تجارب الغرب يقوم أصحاب المال بحرق أو إفناء بضائعهم - إذا زاد العرض على الطلب - للحفاظ على مستوى الأسعار مرتفعا. وهذه جريمة فى الإسلام لا يمكن السماح بها: تبديد نعم الله.
صاحب القطاع الخاص فى النظام الإسلامى يتصرف كوكيل, ويعلم أن ملكيته لها وظيفة اجتماعية، فهو لا يملك الحرية المطلقة فى التصرف فيها, بل يتصرف فى إطار الضوابط الشرعية. والمفهوم الإسلامى "المال مال الله" يساعد كثيرا فى تحسين أداء وإدارة القطاع العام. إن القطاع العام لا صاحب له، وكل موظف كبير أو صغير يسعى للحصول على راتبه وامتيازاته, وهو غير مشغول بالأداء العام. أما صاحب العمل الخاص فهو يكون فى حالة كاملة من اليقظة حرصا على ماله, وهذه الروح تنتقل للعاملين معه حرصا على استمرارهم فى العمل. وبطبيعة الحال يمكن للقطاع العام أن يرفع مستوى الأداء بربط الأجر بالإنتاج، وبالحوافز، وبالعدالة فى تحديد الأجور والمرتبات، ولكن يظل إيمان العاملين بأن "المال هو مال الله" أكبر وأعمق ضمان لنجاح القطاع العام فى التجارب الإسلامية.
إذا الرؤية الإسلامية تستوعب الشكلين من الملكية، وتضيف أشكالا أخرى كالوقف الخيرى. ولاشك أن العمل الخاص كان دائما نقطة انطلاق النشاط البشرى فى إعمار الأرض، وأن نزعة الإنسان للتملك مسألة ثابتة لا يمكن إنكارها، وأيضا حق المبادر والمجتهد اقتصاديا فى الحصول على ثمار عمله من أبسط ضرورات العدالة، ولكن الإنسان أدرك من وقت مبكر أن فلاح نشاطه الاقتصادى الفردى لا يحقق وحده إشباع حاجاته الإنسانية، لذلك أدرك الإنسان - بالبديهة - أنه لابد أن يعيش فى جماعة، وأن يتبادل المنافع معها، لأنه كلما تطورت حاجات الإنسان كلما تعذر عليه أن يلبيها بمجهوده الفردى، فهناك حاجات المأكل والملبس والمسكن وأدوات الإنتاج، وكذلك الحاجة للأمن ومواجهة كوارث الطبيعة، ولذلك فإن التوازن بين حاجات الفرد والجماعة مسألة ضرورية قديمة قدم حياة البشر. ولذلك فإن علماء الأنثربولوجى (علم الأجناس والسلالات) وجدوا عند القبائل فى أعماق أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية والذين ما يزالون يحيون حياة فطرية والتى يسميها البعض (بدائية) وهى بدائية من زاوية نقص التقدم المادى فحسب لدى هذه المجتمعات التى لا تزال حية حتى الآن، وجد هؤلاء العلماء أن مفهوم الملكية الجماعية لا يزال هو الأساس عندها. فالقرية الأفريقية لا تزال فى كثير من أنحائها تقوم أساسا على الملكية العامة، حيث لا توجد ملكية خاصة للأرض, فكل عائلة لها قطعة من الأرض تزرعها حسب احتياجاتها، فالرجل الذى يعمل أكثر وله من الأبناء الأقوياء عدد أكبر يستطيع جمع ثروة أكبر, ولكنه لا يستطيع نقل ملكيته لأحد. وفى أعماق أمريكا اللاتينية نجد أيضا قرى قائمة على الملكية الجماعية للأرض، وإذا تزوج الرجل يعطى قطعة محددة من الأرض له ولزوجته مع زيادة إضافية لكل ولد ونصفها لكل بنت (أى للذكر مثل حظ الاثنين فى قبائل الانكا!!) كما يعاد تقسيم الأرض كل عام. كما تستغل الغابات والمراعى جماعيا، وتئول الأرض الزائدة عن حاجات الأفراد إلى حكام الانكا وإلى الكهنة ومعابد الشمس. وتزرع الأرض بشكل جماعى.
إذن موضوع القطاعين الخاص والعام مسألة قديمة قدم البشرية. وفى كل عصر وكل بلد يجب إيجاد المعادلة المناسبة للجمع بين الاثنين، دون تحريم أحدهما أو إعطاء قدسية أكثر لأحدهما على الآخر.
وغير صحيح ما قيل أثناء تصفية القطاع العام. أن القطاع العام مرحلة متخلفة ويجب تخطيها، بل وصل التطرف إلى حد إلغاء دور الدولة فى تقديم الخدمات كالمياه والكهرباء والاتصالات والمطارات والموانىء. فدور الدولة فى الإنتاج وتقديم الخدمات لن ينتهى أبدا، ولكنه يتسع ويضيق حسب الظروف والحاجة, وهذا يختلف من مجتمع لآخر، ومن عهد آخر.
ولا يمكن للتنمية الاقتصادية أن تتحقق بكفاءة بدون تضافر قوى القطاعين العام والخاص, ومشاركتهما كما ذكرنا فى مجلس قومى لقيادة العمل الاقتصادى وفق أولويات متفق عليها، بمشاركة الحكومة وممثلى القوى الشعبية. والقطاع العام ضرورى للقيام بكل ما يعجز عنه القطاع الخاص كالصناعات الأساسية، والمرافق العامة والخدمات، أى كل المجالات التى تحتاج لإنفاق كبير دون عائد ربح سريع، وربما دون ربح على الإطلاق.
وكما ذكرنا فى مختلف القضايا، فإن القرآن الكريم ينطوى على قوانين وسنن تفرض نفسها على البشرية جمعاء, المسلم والكافر على السواء، لأنها السنن التى وضعها الله سبحانه وتعالى للحياة الاجتماعية للبشر، ونجد ذلك كما أشرنا فى مفهوم "مال الله" فهذا المفهوم فرض نفسه على النظامين الاشتراكى والرأسمالى، بمعنى (حق المجتمع وهذا واضح فى النظام الاشتراكى، أما فى النظام الرأسمالى فقد تعاظمت مع الأيام الأشكال المختلفة لتدخل الدولة فى عمل القطاع الخاص تحت عناوين عديدة: الشروط الصحية للمنتج - شروط الأمن والأمان فى المصنع - شروط الجودة - وضع حد أدنى للأجور - ضمان التأمين الاجتماعى والصحى للعاملين.. إلخ.
فى لقاء مع عضو بالكونجرس خلال إحدى زياراتى للولايات المتحدة، سألته عن أهم المشكلات التى تواجهه وتشغله فى دائرته, قال بلا تردد: (الشكاوى المستمرة من أرباب العمل من كثرة القوانين التى تبيح تدخل الحكومة فى عملهم ومشروعاتهم)!. وهذه ملاحظة مهمة لأن الولايات المتحدة من أكثر البلدان تطرفا فى تطبيق المعايير الرأسمالية. وأيضا فى تجربه الخصخصة التى جرت فى عهد تاتشر فى بريطانيا، فقد تم رفض خصخصة قطاع البترول، وفى المشروعات المهمة عموما كانت الدولة تساهم فى الشركة العامة المباعة بما يسمى السهم الذهبى، الذى يعطى للحكومة حق الفيتو على القرارات المهمة التى تصدرها الشركة بعد خصخصتها. ولنلحظ أن التجربة التاتشرية من أهم فترات التطرف فى الخصخصة! وهذه الضوابط لم يتم الالتزام بها خلال عملية الخصخصة التى جرت فى مصر خلال العقدين الماضيين, التى تحولت إلى مذبحة للقطاع العام دون ضمان حقوق العاملين، أو حتى مجرد ضمان استمرار الشركة المباعة فى إنتاجها، بل قام المستثمرون الجدد فى بعض الأحيان بهدم المصانع واستخدام أراضيها فى مشروعات للبناء!! وادعى حكامنا أنهم يجارون العصر فى صيحة الخصخصة والاندفاع إلى أقصى مدى فيما يسمونه اقتصاد السوق الحر، بينما المعايير النظرية لهذا السوق لم تعد موجودة فى التجارب الرأسمالية الغربية. أما فى الأزمة الاقتصادية الأخيرة التى بدأت عام 2008 فقد اضطرت الحكومة الأمريكية لشراء أو المساهمة فى شركات صناعية ومؤسسات مالية كبرى لمنع انهيارها، حتى ادعى البعض أن أمريكا تتجه إلى نوع من النظام الاشتراكى!! وهذا ليس صحيحا بطبيعة الحال, ولكن كما ذكرنا فى البداية فإن كل اقتصادات العالم فى الشرق والغرب تتجه إلى نقطة وسط بين المغالاة فى سيادة الملكية العامة والمغالاة فى سيادة الملكية الخاصة، بل إلى نقطة وسط بين المفهومين المتطرفين لهذين النوعين من الملكية. وتزايد التوجه نحو ما يسمى الاقتصاد المختلط، والمزج بين أفكار وخبرات وممارسات النظامين الرأسمالى والاشتراكى. وهذا الاتجاه بدأ منذ عدة عقود ولا يرتبط بالأزمة الاقتصادية الراهنة.
(راجع: الإسلام دين وحضارة - عادل حسين - المركز العربى للدراسات - ص 49-54 - الطبعة السادسة - 2006 - القاهرة). وهكذا نرى أن الإسلام هو أمة وسط فى الاقتصاد, كما هو أمة وسط فى النظام السياسى, وقديما قال أرسطو: (إن الفضيلة هى توسط بين تطرفين).
وقد تدهورت مصر على الصعيد الاقتصادى لأنها لم تساير هذا التوجه العالمى، وسقطت فى براثن توجيهات صندوق النقد الدولى (الخاضع للنفوذ الأمريكى) التى لم تستهدف إلا تحويل مصر إلى مجرد سوق استهلاكية ملحقه بالاقتصاد الغربى، وهذا الخضوع منع اقتصاد مصر من أن يتحول إلى قطب مستقل بذاته, هو الذى يحدد وفقا لمصلحته الوطنية النسب المناسبة والمزيج الصحيح بين القطاعين العام والخاص. أما الذى تمرد على وصفات الصندوق, فهو الذى اندفع فى معارج التقدم: الدول الآسيوية والأمريكية اللاتينية الناهضة.
أما فى مصر, فعلى مدار ثلاثين عاما والصندوق الدولى وحكومة الولايات المتحدة يضغطان على مصر بصوره متواصلة من أجل بيع القطاع العام، وكأن هذه هى صيحة العصر، لأن القطاع العام أحد الحواجز التى كانت تحول دون اكتساح السوق المحلى المصرى، بالإضافة لأمور أخرى: الحواجز الجمركية - سياسة الدعم - السياسات المصرفية.. إلخ، وبينما نرى تزايد تدخل الدولة فى إدارة وترشيد الاقتصاد فى مختلف التجارب العالمية، كان الصندوق يصر على تقليص دور الدولة المصرية فى الاقتصاد, وهو ما أدى إلى حالة الانهيار الاقتصادى الحالى فى البلاد.
2) مسألة الدعم:
هذه السلسلة لا تتطرق إلى البرنامج التفصيلى لحزب العمل, فهذا يمكن الرجوع إليه فى مواضع أخرى, وآخر طبعة له فى برنامجنا الانتخابى لعام 2005، هذه السلسلة تركز على المبادىء الموجهة والحاكمة لرؤية الحزب، والمعروف أن البرامج التفصيلية تتعدل من آونة لأخرى وفقا للمستجدات الجديدة على الساحة، وبالتالى نحن نتناول هنا المبادىء العامة الموجهة فى تناول مسألة الدعم, أى دعم الدولة لبعض السلع والخدمات الضرورية ضمانا لتحقيق العدالة الاجتماعية, أو حفزا لبعض الأنشطة الاقتصادية, أو دفعا للاقتصاد فى اتجاه معين، والدعم أحد أدوات الدولة فى التدخل فى العملية الاقتصادية للصالح العام, وبالتالى فإن سياسة الدعم تختلف من مرحلة لأخرى ومن بلد لآخر، ومن قطاع لآخر، وما يكون صالحا لمصر فى عام 2000 قد لا يكون مناسبا لعام 2010 وهكذا. ولكننا نتناول القضية من زاوية اللغط الذى تثيره الحكومة المصرية بين آن وآخر حول مسألة رفع الدعم لأن حجمه المالى فى ازدياد مستمر, فقد وصل مؤخرا لقرابة مائة مليار جنيه سنويا, وهو ما يؤدى من الناحية الظاهرية إلى عجز فى الموازنة العامة. ورفع الدعم أحد محاور روشتة صندوق النقد الدولى فى إطار التخفيف المستمر لدور الدولة فى الاقتصاد. وقد أدت الضغوط فى هذا المجال على مدار العقدين الماضيين إلى رفع مستمر وتدريجى للدعم، وهو ما أدى إلى ارتفاع مستمر فى أسعار السلع والخدمات الضرورية، وهذا هو السبب وراء ارتفاع أسعار المياه والكهرباء والنقل العام بما لا يتوازى مع دخول المواطنين، كما أدى إلى الارتفاع المستمر فى أسعار الخبز والوقود والدواء والخدمات التى من المفترض أن تكون مجانية وفقا للدستور (التعليم والصحة).
ويبدو رقم الدعم كبيرا بسبب النمو السلحفائى للاقتصاد, فالمشكلة الكبرى فى الحجم الكلى المتدنى للاقتصاد, وليس فى حجم الدعم. وأيضا المشكلة فى انعكاس فشل التنمية الاقتصادية مع عدم العدالة فى التوزيع, على انخفاض دخول معظم المصريين بما لا يسمح بالاستغناء عن الدعم.
ومسألة الدعم مؤشر بالغ الأهمية على الازدواجية المعيبة التى يتبعها الغرب معنا، نحن وكل دول الجنوب، كما فى مسألة الخصخصة، فهو يدفعنا لرفع الدعم حتى تكون الأسعار متوافقة مع واقع التكلفة الاقتصادية، بينما سياسة الدعم مطبقة فى بلاد الغرب على نطاق واسع, سواء فى السلع أو الخدمات ومختلف أشكال الإنفاق الاجتماعى، بل إن البلاد الغربية تقدم دعما بعشرات المليارات للمزارعين، للحفاظ على ازدهار القطاع الزراعى وخفضا لأسعار التصدير, كما يظهر الدعم الحكومى فى قطاعات التعليم والصحة. إذن لا توجد سياسة رشيدة اسمها إلغاء الدعم، فالدعم الحكومى للسلع والخدمات سيظل أحد أدوات التدخل الحكومى لضمان العدالة الاجتماعية وحد أدنى من الرفاه للشعب. ولكن الدعم يختلف حجمه ونطاقه - كما ذكرنا - من دولة لأخرى ومن زمن لآخر، وهذا المبدأ من القواعد المستقرة فى الاقتصاد الإسلامى الذى يستهدف تحقيق حد الكفاية (لا الكفاف) للجميع. 
وتقدم الحكومة مفاهيم مغلوطة فى هذا الموضوع فتتحدث عن تحويل الدعم العينى إلى دعم نقدى، وهذا تلاعب بالألفاظ, فكيف ستحدد الشخص المستحق لهذا الدعم النقدى، والأهم من ذلك أن الدعم النقدى يعنى إطلاق السوق من عقاله، فهل كلما ارتفع سعر الخبز سيرتفع مبلغ الدعم النقدى؟! إذن نحن أمام إلغاء مستتر للدعم. كذلك عندما تحسب الحكومة الدعم للمواد البترولية فإنها تحسب ذلك بالأسعار العالمية، وهذه مغالطة كبرى، لأن هذه المواد منتجة فى مصر بأسعار أقل بكثير من الأسعار العالمية، وهذه الأخيرة ليست مقدسة، ولا أهمية لها إلا فى مجال التجارة الدولية, ومن المفترض ألا تكون معيارا بين الحكومة والشعب فى مواد تنتج وطنيا!! فالأصل أن البترول ينتج من أجل النهضة الوطنية، أما التصدير فيكون فى حالة الفائض، بل والفائض الكبير لأننا نتحدث عن سلعة إستراتيجية معرضة للنضوب. عندما تحسب الحكومة دعم المواد البترولية بالأسعار العالمية يبدو الرقم كبيرا جدا، ولذلك فهى تعلن أنها تتجه لإلغاء الدعم نهائيا على المواد البترولية!!
وكما ذكرنا فإن أحوال مصر الراهنة فى ظل انخفاض الدخول فى مقابل الأسعار فإن الأوضاع لا تحتمل رفع الدعم عن السلع والخدمات الضرورية، فوفقا لآخر تقرير صادر من البنك الدولى 2010 فإن قيمة الحد الأدنى للأجور فى مصر هى الأقل فى المنطقة العربية بأكملها! بل الأغرب من ذلك فإن الخبراء والمستثمرين الأجانب طالبوا فى مؤتمر دولى انعقد فى مصر (المؤتمر الدولى الرابع عشر للألمونيوم) عام 2010 بتخفيض أسعار الطاقة فى مصر لتشجيع الاستثمار الأجنبى الصناعى, وأكدوا أن أسعار الطاقة فى مصر هى الأعلى فى العالم, ولا يسبقها فى ذلك إلا الصين!.
3) الأولوية للقطاعات الإنتاجية:
إذا كانت تنمية الأنشطة اقتصادية مطلوبة فى القطاعات المختلفة، فإن تركيزنا الأول ينبغى أن يوجه إلى النمو العينى فى الزراعة والصناعة، وليس إلى السياحة (مثلا) وما يشبهها من خدمات، رغم أهمية الحرص على قطاع السياحة مع تقييده بأحكام الشرع وضوابطه.
فمن العجيب أن النظام الحالى يركز على السياحة, ويعتبرها القاطرة التى ستنعش الاقتصاد المصرى، وهذا انحراف خطير فى فهم أولويات معانى الاقتصاد كعلم وكممارسة. فالمنتجات العينية هى التى تحدد قوة الاقتصاد أو ضعفه، تقدمه أو تأخره، وهى مؤشر للاستقلال أو التبعية. فالمجتمع يعيش أساسا على استهلاك واستخدام المنتجات العينية (المادية), وأيضا على تصديرها.
والانحراف الأساسى فى الوضع الاقتصادى الراهن أنه يعتمد أساسا على مداخيل غير إنتاجية: تحويلات المصريين بالخارج - السياحة - تصدير البترول الخام (زيت وغاز) علما بأن الذى يقوم بالإنتاج والاستخراج أساسا شركات أجنبية - قناة السويس. وهذه المصادر غير مضمونة الاستمرار كما أن قيمتها غير مضمونة, بل هى معرضة للارتفاع والانخفاض بعوامل خارجية لا سيطرة لنا عليها. وإذا كانت هذه قاعدة اقتصادية عامة، إلا أنها تنطبق على مصر بصورة مضاعفة للأسباب التى ذكرناها فى بداية هذه الدراسة, فمصر فى عين العاصفة وبؤرة التوترات الدولية، فحتى عندما انسحبت مصر من صراعات المنطقة (إلا أن تكون ذيلا لأمريكا) فإن اقتصادها ظل يتأثر بأحداث المنطقة، خلال حروب الخليج والعراق ولبنان والانتفاضات الفلسطينية، والتى أثرت على حجم تحويلات المصريين بالخارج والسياحة التى وصلت أحيانا إلى حالة من التوقف، وكذلك تأثرت مصر بارتفاع وانخفاض أسعار البترول نتيجة هذه الأحداث. والآن يتأثر دخل قناة السويس بالقرصنة فى الصومال، إلا أن التهديد الرئيسى الذى يواجهها هو تزايد احتمال انتظام خط بحرى بين أوروبا وآسيا عبر القطب الشمالى بسبب التغيرات المناخية.
ولكن هذا ليس هو السبب الوحيد لخطورة الاعتماد على هذه المصادر غير الإنتاجية للدخل، بل السبب الأساسى أن المجتمع لن يأكل أوراق البنكنوت، بل يأكل الشعب منتجات غذائية ويستهلك سلعا معمرة ويستخدم أدوات وماكينات للأعمال المختلفة، فهل سنستورد كل ذلك؟ إن المداخيل غير الإنتاجية لن تكفى بطبيعة الحال، كما ستصبح حياة المجتمع تحت رحمة الموردين الأجانب، والوضع غير المستقر لأسعار المنتجات المستوردة لأسباب سياسية أو لأسباب طبيعية كما حدث الآن فى انهيار مستوى الإنتاج العالمى فى القمح والقطن. وقد كان اعتماد اقتصادنا فى السنوات الثلاثين الماضية على القطاعات غير الإنتاجية، والتى امتدت إلى توسع النشاط الخدمى فى الداخل، وأصبحت لدينا شركات عملاقة فى التليفون المحمول لديها 60 مليون مشترك، وتشغل عشرات المليارات من الجنيهات, إلا أنها لا تقدم أية إضافة إنتاجية. وفى مقابل ذلك تمت تصفية كبريات شركات القطاع العام دون استبدالها بشركات خاصة فى معظم الأحوال، مما قوض القاعدة الإنتاجية الصناعية للبلاد، وحدث نفس الشىء فى القطاع الزراعى, حيث انهارت عملية إنتاج المحاصيل الرئيسية: القمح - القطن - الذرة، وأصبحت العملية الزراعية غير مربحة للفلاح, وتم تجريف الأرض الزراعية حتى تقلصت من 8 ملايين فدان إلى 5.5 فدان. وفى مجال الثروة السمكية وهى بالغة الأهمية لمجتمعنا بسبب نقص مواردنا من اللحوم، ورغم امتداد سواحلنا البحرية بآلاف الكيلومترات ووجود البحيرات الطبيعية وبحيرة ناصر العظمى والنيل فإن إنتاجنا يتجه إلى الانخفاض, وآخر إحصاء يقول بانخفاض الإنتاج من المصادر الطبيعية من 417 ألف طن عام 1998 إلى 384 ألف طن عام 2009 بنسبة 8%, وأن الفجوة الغذائية تصل إلى أكثر من 100 ألف طن يتعين استيرادها سنويا. وفى نفس الوقت يتعرض قطاع الدواجن إلى دورات من الانهيار المتوالى، وآخرها تزامنت مع وباء أنفلونزا الطيور الذى تم التعامل معه بصورة غير صحيحة، وبغض النظر عن الوباء فقد وصلنا مرارا إلى الاكتفاء فى الدواجن ثم نعود إلى الاستيراد.
وفى نفس الوقت لم يحدث أى تقدم فى سد فجوة اللحوم الحمراء التى تزداد يوما بعد يوم. ولم يحدث أى تطور يذكر فى عمليات استخراج المعادن والمواد الخام من باطن الأرض. وتم التركيز على البترول, ولم يتم تطوير خبراتنا فى الاكتشاف والبحث والتنقيب والاستخراج, وتم إسناد معظم هذه العمليات لشركات أجنبية. ولكن الأخطر من ذلك هو توجيه هذه الثروة للتصدير رغم احتياجنا إليها فى أى نهضة صناعية وعمرانية مفترضة. ولكن النظام الذى لا يضع الإنتاج فى أولوياته فضل الحصول على موارد مالية سهلة، وهو الأمر الذى يؤدى إلى سرعة نضوب هذا المورد الاستراتيجى. بل إننا نستورد بالفعل بوتاجاز بـ 3 مليار دولار سنويا. وبدأ الإعداد لاستيراد الغاز الطبيعى من الخارج, وبدأ صندوق النقد الدولى فى 2010 يصنف مصر ضمن البلدان المستوردة للنفط.
وبعد تقويض القاعدة الصناعية (القطاع العام) فإن المتصدرين للاستثمار الخاص يعمل معظمهم فى البورصة والنشاط العقارى، وعمليات السمسرة والمتاجرة فى أراضى الدولة بوسائل فاسدة, أو فى الاستيراد, أو فى العمل كوكلاء لشركات أجنبية للاستيراد, أو لإنشاء مصانع تجميع (أقرب للورش) لشركات أجنبية. وجماع هذه الصورة يكشف أن السياسات الاقتصادية الرسمية لم تقم أساسا بوضع حوافز للقطاعات الإنتاجية (الصناعة والزراعة), وهو ما أدى إلى تقلص القطاع الإنتاجى فى المجتمع، والميزان التجارى للبلاد يجسد هذه الحالة البائسة. فوفقا للأرقام الرسمية الأخيرة فإن مصر تصدر بـ 23.9 مليار دولار, وتستورد بـ 49 مليار دولار سنويا، وتحقق عجزا قدره 25 مليار دولار, فإن (25×6= 150 مليار جنيه). ولكن حجم الكارثة يتضح أكثر فى نوعية الصادرات, فنصفها تقريبا من البترول (11مليار دولار) ويضاف إليها مواد خام أخرى، وسلع زراعية (خضروات وفاكهة على الأغلب) على حساب الاحتياج المحلى, وهذا من الأسباب الرئيسية لارتفاع أسعار هذه المواد فى السوق المحلى. وبالتالى فإن السلع الصناعية تشكل نسبة ضئيلة من الصادرات, ومعظمها سلع غير متطورة كالسيراميك والسجاجيد والبويات والأسمدة.
وهكذا نجد فى الميزان التجارى كشف حالة للاقتصاد المصرى, وكذلك فى ميزان المدفوعات الذى يعتمد على الموارد الأربعة غير الإنتاجية التى أشرنا إليها. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع مديونية الحكومة الداخلية والخارجية لما يقارب إجمالى الناتج القومى. وهذا أخطر مؤشر على أن النظام الاقتصادى فى خطر، واتجاه الحكومة لإصدار سندات فى السوق المالى العالمى هو شكل آخر من الاستدانة, وما حدث من استيلاء الحكومة غير الشرعى على أموال أصحاب المعاشات، مظهر خطير آخر لأسلوب حل مشكلة العجز فى الميزانية.
كان لابد من عرض هذه الصورة العامة للاقتصاد المصرى فى العقد الأول من القرن الواحد والعشرين لتوضيح لماذا نلح على هذا الأمر البديهى؟ (الاهتمام بالإنتاج والقطاعات الإنتاجية!!) لأن إغفال هذا الأمر البديهى هو أم المشاكل الاقتصادية المصرية الراهنة, فالناس تسأل فى هذا العصر: قل لى ماذا تنتج؟ أقول لك من أنت!
وفى إطار اهتمام الحكومة المصرية بالسياحة (إلى حد أن حاكم البلاد يقوم بصورة دورية باستقبال السائحين وزيارتهم فى المنتجعات، والجلوس والحديث معهم) نشير إلى نموذجين ناجحين فى السياحة فى البحر المتوسط: أسبانيا وتركيا. ورغم أن البلدين حققا فى المجال السياحى أضعاف ما تحققه السياحة المصرية، ورغم عدم وجود آثار لديهما تقارن بكم ونوعية الآثار المصرية, فإن تقدم البلدين على الخريطة الاقتصادية العالمية لا يرجع لذلك السبب ولكن لتقدمهما الصناعى. حتى أن الدخل القومى لأسبانيا أصبح يعادل الدخل القومى لكل البلاد العربية, بما فى ذلك الدول البترولية, وهو ما يؤكد أن الاعتماد على بيع النفط الخام هو أسلوب بائس للتقدم الاقتصادى، أما تركيا فقد أصبحت تحتل المركز السادس عشر بين اقتصادات العالم، والمركز السادس على مستوى أوروبا!
ونؤكد فى النهاية أن الاهتمام بتشجيع القطاعات الإنتاجية (الصناعة والزراعة) ليس بالخطب الحماسية ولا البيانات الرسمية، ولكن بالسياسات الاقتصادية التى تقرها أعلى مستويات الدولة, وبالتشاور مع كل أطراف العمل الإنتاجى، وبالتشريعات التى تحفز المستثمرين على الاستثمار فى هذه القطاعات الإنتاجية، وكذلك بالقرارات الإدارية التى تصدر عن السلطة التنفيذية لإزالة أى معوقات مستجدة أمام المستثمرين والمنتجين. وفى ظل السياسات والتشريعات يأتى دور الإعلام والحفز المعنوى، الداعى إلى تشجيع الصناعة والمنتجات الوطنية. وكما ذكرنا من قبل فإن التنمية الجادة والمستقلة هى حرب حقيقية يتعين على الأمة أن تجتمع عليها, وأن تشمر لها ساعد الجد، وليست نزهة مريحة.
4) العمل المصرفى:
 الجهاز المصرفى من أهم مؤسسات التنمية، بل هو القلب المالى الموجه لها. فالمصارف (البنوك) هى الأوعية المالية التى تتدفق منها الأموال لمشاريع التنمية. وبالتالى فإن الحفاظ على استقلالها وتقييد علاقاتها المتنوعة بشبكة البنوك الدولية أمر ضرورى وملح، ومع استقلالية هذا الجهاز المصرفى وخضوعه لإشراف البنك المركزى يمكننا توجيه مجهودات التنمية الشاملة فى الاتجاه الصحيح، ويمكننا بالتالى أن نعبىء المدخرات الأهلية المبددة والمبعثرة, ويمكننا أن نستعيد القسم الأكبر مما هرب خارج البلاد، ووفقا للمعايير الدولية المتعارف عليها فإن معدل الادخار لابد ألا يقل عن 30% من الناتج المحلى الإجمالى لضمان رفع معدل النمو السنوى إلى 8%، وقد ارتبطت التجارب التنموية الناجحة بارتفاع معدل الادخار, فتعبئة المدخرات الوطنية ضرورة لتمويل مشاريع التنمية المستقلة، بديلا للاعتماد على القروض أو الاستثمار الأجنبى, وهما وسيلتان أساسيتان للسيطرة الخارجية ينبغى تجنبهما, أو التعامل معهما بحرص شديد وفى أضيق الحدود, وفى حالات الضرورة القصوى.
ومن العجيب أن النظام الحالى بدأ يبيع البنوك الوطنية، وسمح بتواجد البنوك الأجنبية بتوسع شديد، وقد أدى هذا إلى استقطابها لجزء مهم من مدخرات المصريين, وبإمكانها أن توجه منها ما تشاء لتمويل مشروعات فى بلادها الأصلية، وهكذا كأننا نمول الدول الغربية. فى حين أن وجود مدخرات المصريين فى بنوك وطنية يضمن استثمارها فى الداخل, وفى إطار المشروعات ذات الأولوية وفقا لخطط التنمية المقررة.
كذلك فإن التجارة الحلال فى الاقتصاد الإسلامى لا تشمل التجارة فى المال، وبالتالى فإن مؤسسات الوساطة المالية لا يجوز أن تقوم على الربا امتثالا لأمر الله، وتحقيقا لتنمية مطردة مباركة.
إن التحول إلى مؤسسات مالية غير ربوية ضرورة, وإن تطلب دراسة وتدرجا, ونفصل مسألة الربا فى دراستنا القادمة (الاقتصاد الإسلامى) بإذن الله، ولكن حتى ذلك الحين، نقول إن الاقتصاد الإسلامى قائم على قيمة العمل وإعلاء شأنه، وأن عمل الإنسان (بذهنه أو بيده) هو المحدد لدخله، وأساس الحفاظ على الملكية وتنميتها، وأن القيمة المضافة الحقيقية للاقتصاد تتحقق بالعمل. وقد برهنت الأزمات الاقتصادية العالمية الدورية مخاطر الاقتصاد الربوى على المجتمع عموما وعلى الفقراء وصغار المستثمرين خصوصا، وهذا ما جعل بعض المفكرين الاقتصاديين فى الغرب يدعون فى الأزمة الأخيرة (2008-2010) إلى دراسة الاقتصاد الإسلامى لأخذ الحلول المناسبة منه.
وسنجد أن كل ما هو محرم فى الإسلام فى المجال الاقتصادى مرتبط بتحقيق مكاسب وأرباح بدون عمل: الربا - الاحتكار - الرشوة - كنز الأموال ومنع تداولها - حجز الأرض بدون بناء أو زراعة (أو ما نسميه فى مصر تصقيع الأرض) أى المضاربة العقارية غير المشروعة - استئجار الأرض الزراعية وإعادة تأجيرها بسعر أكبر دون إدخال أى إصلاحات عليها والاستفادة من فارق السعر, وهذا ينطبق على كل أشكال الوساطة والسمسرة دون القيام بعمل حقيقى. وتقوم نظرية الفوائد الربوية على أساس أن النقود تلد نقودا، وهذا غير صحيح فى الواقع، وغير ممكن، فالنقود مجرد أداة لتبادل السلع، لذلك يأتى الوقت الذى تنكشف فيه المعاملات المالية لأنها أكبر من الواقع الإنتاجى الحقيقى.
ويظل الربا فى شكله القبيح التقليدى فى قروض بنك الائتمان الزراعى التى تقرض الفلاح بفوائد مركبة, وتؤدى إلى إفلاس الفلاحين أو تهديدهم بالسجن، وكذلك قروض المشروعات الصغيرة. وعلى المستوى العالمى يظهر استغلال الغرب الرأسمالى لشعوب الدول النامية بتقديم القروض بفوائد مجحفة ومركبة, حتى أن الإحصاءات الدولية كشفت أن الدول النامية هى التى تمول بلدان الغرب حيث تحصل فى استردادها للقروض على أكثر مما أعطت. كما أن جدولة الديون أو إلغاء بعضها يكون بشروط سياسية واقتصادية مجحفة. كما أدت هذه القروض إلى إفلاس العديد من الاقتصادات فى دول الجنوب فى مراحل مختلفة (المكسيك - البرازيل), وتدفع مصر الآن مبالغ طائلة سنويا لخدمة الديون (أقساط وفوائد) ومع القروض الجديدة فإن مديونية مصر الخارجية لا تقل أبدا وتتراوح بين 30-33 مليار دولار، بدون حساب المديونيات غير مباشرة (السندات).
وإذا عدنا للإطار الداخلى للمجتمع, فإن مشاركة صاحب المال للعامل على الاستثمار فى الربح والخسارة هى العلاقة العادلة, فلا يجوز لصاحب المال أن يضمن حقه بالفائدة الثابتة وأن يتحمل العامل (المنظم ومدير المشروع) الخسائر كلها، أما فى حالة الربح فيوزع بين الطرفين وفقا لشروط العقد بينهما (المضاربة)، وإلغاء الفائدة (الربا) يؤدى إلى دخول أصحاب المال جميعا فى الأنشطة التجارية والإنتاجية لتثمير أموالهم، وهو ما يؤدى لدوران المال فى المجتمع، وزيادة الأنشطة الاقتصادية الحقيقية, وبالتالى المزيد من الازدهار الاقتصادى.
فإلغاء الفوائد (الربا) وإن استهدف أخلاقيا منع الاستغلال واستعباد الإنسان لأخيه الإنسان، إلا أنه يستهدف فى نفس الوقت صالح المجتمع ككل، ذلك أن تفاقم الديون الربوية يؤدى فى النهاية إلى عجز المقترضين عن السداد، وهنا يحدث انهيار اقتصادى شامل يخسر فيه الجميع: المرابى والمقترض, وإن كان المقترضون يسحقون تماما، إلا أن الدائن (المرابى) تهتز أوضاعه بشدة, ولذلك فطبقة المرابين تعيش فى حالة من القلق المستمر, وهذا ما وصفه القرآن الكريم: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) (البقرة: 275).
لذلك نجد فى الإسلام هذا التوافق الدائم بين ما هو أخلاقى وما هو عملى، فكل المحرمات تستهدف دفع الضرر وجلب المنفعة سواء للإنسان الفرد أو المجتمع بأسره (الجماعة), وعلى خلاف ما يتصوره الإنسان أحيانا بنظرة قصيرة المدى عن ما هو عملى أو نافع أو مفيد فيلجأ لأساليب غير أخلاقية لتحقيق هذه المنافع، فإن الرؤية المنطقية تؤكد أن هذه الأساليب تعود بالوبال على صاحبها وعلى المجتمع فى الدنيا قبل الآخرة.
ومن الأشكال المستحدثة فى الربا بطاقات الائتمان التى تبيح للمستهلكين شراء ما يشتهون فى حدود مبلغ معين على أن يسددوا ما دفعوه بعد ذلك بفوائد مركبة, وكلما استطالت أقساط السداد زادت الفوائد، وقد أدى هذا الإغراء المتمثل فى شعور المستهلك أنه يحصل على ما يريد دون أن يدفع بصورة فورية إلى تورط معظم حاملى هذه البطاقات فى مديونيات رهيبة، وصلت فى الولايات المتحدة إلى تريليونات من الدولارات، الأمر الذى أدى بالبنوك الأمريكية إلى تقليص قيمة هذه البطاقات من 10 آلاف دولار إلى ألف دولار فحسب، ليس بغرض استرداد ما ضاع، ولكن بغرض تقليل الخسائر فى المستقبل.
5) البورصة:
البورصة أضحت مرضا اقتصاديا عالميا يجب أن ننأى باقتصادياتنا عنه، وهناك وجه ارتباط بين أساليب البورصة المعاصرة والبنوك الربوية, بل تداخل العمل بينهما إلى حد كبير على قاعدة واحدة، هى المتاجرة بالنقود تحت قاعدة (النقود تلد نقودا) وهى قاعدة وهمية كما ذكرنا، وتحقيق مكاسب وأرباح هائلة بدون عمل حقيقى. والبورصة بشكلها الراهن عالميا ومحليا محرمة شرعا, بل إن الغربيين أنفسهم يسمونها (كازينو قمار)، لأنها تحولت إلى تجارة ومقامرة فى النقود والأوراق المالية بمختلف أنواعها دون أية علاقة حقيقية بالاقتصاد العينى. وقد برهنت الأزمة العالمية الأخيرة 2008, وهى ليست الأولى، أن الأموال المتداولة فى البورصات العالمية تفوق القيمة الحقيقية لإجمالى الناتج العالمى من السلع والبضائع بأضعاف مضاعفة، فهى تحولت إلى تجارة وهمية فى أوراق لا قيمة حقيقية لها فى الواقع، ولذلك تحدث عملية انفجار الفقاعة كل عدة سنوات. الشركات الكبرى تزيد من أرباحها بشكل وهمى (عبر التزوير) لترتفع أسهمها فى البورصة, ويقبل الناس على شراء أسهمها ذات الربحية العالية، حتى تعجـز الشــركة - بعد تورطها فى سلسلة من القروض لسد الفجوة - عن سداد أرباح الأسهم وأقساط ديون البنوك, فتنهار الشركة وتنهار معها أسهمها ويفلس أصحاب الأسهم وتفلس البنوك! وبلغ من تداخل عمل البورصات مع البنوك الربوية أن الأفراد والشركات يقترضون من البنوك لشراء الأسهم فى البورصة، وعندما تنهار الأسهم تنهار كل الأطراف!!
والمثير للعجب فى مصر أن البورصة أحد أهم مجالات الاستثمار الأجنبى فى مصر, وهو أمر لا يضيف أى قيمة للاقتصاد المصرى، فنحن أمام محترفين عمل فى البورصات يأتون لتحقيق مكاسب سريعة من خلال فهمهم لألاعيب البورصة ثم ينسحبون ويأتى غيرهم.. وهكذا. فنحن أمام كائنات جاءت لتعيش على دماء المصريين دون أن تبنى مصنعا أو مشروعا إنتاجيا أو تنقل خبرة أو معرفة أو أى قيمة مضافة للاقتصاد المصرى. كما أن كبار المتلاعبين فى البورصة من المصريين متصلين بأعلى قمة السلطة فى مصر, وهم الذين يحققون أرباحا طائلة من خلال معرفتهم وتحكمهم فى مسار أسعار الأسهم، أما صغار متوسطى المستثمرين فقد نالهم دمار شامل.
وفى إطار النظام الاقتصادى المستهدف فلابد من إعادة النظر فى وضع البورصة, وهل يمكن أن تكون رافعة حقيقية للاقتصاد ووسيلة للشراكة الاقتصادية العادلة, وأن تكون معيارا حقيقيا لتقدم وتأخر الشركات، وأن تكف عن أن تكون مجرد وسيلة للتربح وجنى الأرباح عبر التلاعب (كازينو قمار)، أم يتم إلغاؤها مع استمرار الحق فى إقامة شركات مساهمة وتوزيع الأرباح بعيدا عن أية بورصة، وأن التنمية الحقيقية لا تحتاج لهذا الشكل الوافد من النظم الغربية الرأسمالية - وقد كنا بالفعل نقوم بتنمية أكثر نجاحا بدون أى بورصة! (راجع: الاستقلال الوطنى والقومى - عادل حسين - المركز العربى للدراسات - ص 14، 70، 71).
6) الزكاة:
من المهم أن نوضح الدور الأساسى للزكاة فى الاقتصاد الإسلامى، فهى من أهم ملامحه، والشائع عنها - نتيجة لغياب النظام الإسلامى لفترات طويلة - أفكار مغلوطة لا تمت إلى حقيقتها بصلة, وإذا تفهمنا حقيقة الزكاة سندرك الحكمة الإلهية فى جعلها من أركان الدين الخمسة، وأنها هى الرافعة الحقيقية للاقتصاد. وسندرك مدى اهتمام الإسلام بإصلاح الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية كأحد ضرورات وأركان المجتمع المؤمن العادل.
والشائع أن الزكاة مجرد صدقة وإحسان من الغنى للفقير، وأنها مسألة إنسانية تعبر عن التعاطف والمشاركة الوجدانية، وأنها مجرد عملية لتسكين آلام الفقراء حتى لا يزدادوا ألما من الفاقة، ولكن الغنى يظل غنيا والفقير يظل فقيرا. والشائع بين المواطنين التساوى بين مصطلحى الزكاة والصدقة, وقد أوضحنا من قبل الفرق بين الاثنين. وأخذ الزكاة له قواعد ونصاب قانونى، وكذلك للزكاة مصاريفها المحددة، وقد أجملت هذه القواعد فى القرآن الكريم وفصلتها السنة، وتوسع الفقه الإسلامى فى مختلف التطبيقات عبر العصور، ولنا فى ذلك تراث عظيم, وحتى لا نتوسع فى هذا الموضوع الكبير نحيل القارىء إلى كتاب (دور الزكاة فى علاج المشكلات الاقتصادية - د. يوسف القرضاوى - دار الشروق) فيمكن اعتباره وثيقة حزب العمل الرسمية فى هذا الموضوع. ولمن يريد التوسع فيمكن أن يطلع على السفر الكبير (فقه الزكاة - د. يوسف القرضاوى) وهو أيضا من مراجع الحزب الأساسية.
ولكننا نريد هنا الإشارة إلى نقطتين أساسيتين لا يدركهما كثير من الناس فى فهم مقاصد الزكاة, وبالتالى لا يدركون دورها ليس فى تحقيق العدالة الاجتماعية فحسب, بل فى حفز وتنشيط الاقتصاد، بل كيف تقوم بدور معاكس للربا (أو الفوائد) عملا بقول الله عز وجل: (وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِى أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ) (الروم: 39).
وظاهر الآية أن الربا غير مقبول عند الله, أما الزكاة فهى طريق مضاعفة الحسنات عند الله، وكما ذكرنا من قبل فإن كل ما هو فى سبيل الله هو فى نفس الوقت فى سبيل المجتمع, أى فى فائدة المجتمع فى توافق عجيب:
1. الزكاة وإغناء الفقراء:
قد يرى أصحاب المذاهب الاشتراكية وغيرهم أن تحدث القرآن الكريم عن الفقراء والمساكين خلال حديثه عن الزكاة وغيرها يعنى أنه يثبت الأغنياء على غناهم والفقراء على فقرهم، وأن دور الأغنياء مجرد تقديم مسكنات لآلام الفقراء مع استمرار الأوضاع الطبقية على حالها. ولكن القرآن الكريم تحدث عن الفقر كمرض اجتماعى لن يزول تماما من حياة المجتمعات، وهو كالأمراض التى تصيب جسد وروح الإنسان مهما تقدم العلم الطبى، فالبشرية استطاعت أن تجد دواءا لأمراض عديدة، ولكن ظهرت دائما أمراض جديدة وأحيانا أشد فتكا وخطورة، وكلما قاومها الإنسان، ظهرت أجيال جديدة منها، والأمراض لها مصادرها المتنوعة فى الطبيعة وفى عبث الإنسان بالطبيعة، وفى الفيروسات والجراثيم وغيرها، وهى تصيب الكبير والصغير، الغنى والفقير, وقد تتمكن بعض المجتمعات من رفع متوسط الأعمار، ولكنها لا تتمكن من الإفلات من الأمراض. بل إن متوسط الأعمار الذى يفتخرون بتحقيقه فى الغرب هو أقل بكثير من متوسطات الأعمار فى بعض المجتمعات الطبيعية التى ما تزال تعيش على الفطرة (وتسمى بدائية!) وتأكل أكلا صحيا وتتنفس هواء نقيا فى الجبال وفى أعماق الغابات.
والفقر كمرض اجتماعى - اقتصادى يبدو أنه سيستمر كظاهرة إلى يوم الدين، وأنا أتحدث بيقين طالما أن القرآن تحدث عن وجوده وضرورة مواجهته. وقد برهنت أحوال البشرية على مدار أربعة عشرة قرنا ونصف القرن تقريبا منذ نزول القرآن أن المجتمعات بمختلف أشكالها لم تخلوا من الفقر والفقراء، فى مختلف التجارب الاشتراكية التى وعدت بإزالة الفقر نهائيا، وفى أغنى البلاد الرأسمالية.
وللفقر مصادر متعددة أولها الظلم الاجتماعى وسيطرة المترفين على معظم الثروات, والكوارث الطبيعية، والأزمات الاقتصادية التى يكون بعضها خارجيا وينعكس على الداخل، أو نتيجة أخطاء فى السياسات الداخلية، أو تفاوت قدرات البشر الجسدية والروحية (وغلاة الرأسماليين كالجمهوريين فى أمريكا يركزون على هذا العنصر وحده)، ومن ذلك تفاوت طبائع الناس فى شدة الإقبال على العمل، أو دخول الناس فى مرحلة الشيخوخة وعجزهم عن العمل، وكذلك المصابون بأمراض خطيرة أو مزمنة أو الإصابة بإعاقة جسدية أو ذهنية تحول دون العمل، ويجب عدم التقليل من هذا العنصر، فهناك إحصائية منذ عدة سنوات تشير إلى وجود 6 ملايين معاق فى مصر، اليتامى، الأرامل اللائى لم يرثن مالا ولا يعملن، وكذلك المطلقات اللائى فقدن المصدر الأساسى للإنفاق، وأسر الشهداء. وإذا ترك الفقراء لكل هذه الأسباب وغيرها دون معالجة أحوالهم فإنهم يورثون الفقر لأبنائهم.. وهكذا.
لكل هذه الأسباب أوصى القرآن الكريم بالفقراء والمساكين فى الزكاة وغيرها، ولكن ليس بمعنى تثبيت الفقراء على فقرهم ومجرد إنقاذهم من الموت جوعا أو حرمانا، ولكن بهدف إغنائهم، فالزكاة تستهدف تحويل الفقير إلى غنى قادر بعد سنوات قليلة يدفع هو الزكاة! فإذا كان للزكاة قدر محدد لدى دافعى الزكاة لا يطلب منهم أن يدفعوا أكثر منه، فإنه لا يوجد سقف أو حد أقصى لما يحصل عليه متلقى الزكاة، والأصل أن يحصل على ما يغنيه، سواء شهريا أو سنويا أو طول العمر. فإذا كان الفقير (متلقى الزكاة) قادرا على العمل وله حرفة أو صنعة يتكسب منها، فهو لا يحصل على إعانة ليأكل ويشرب ويعيش على حد الكفاف (كإعانة البطالة فى النظم الرأسمالية) بل يحصل على ما يمكنه من العمل بحيث يصل إلى حد الكفاية وهو حد الحياة الكريمة، وبما يفتح الطريق أمامه ليخرج من صفوف الفقراء إلى صفوف الأغنياء إن أراد بكده وعمله. فإذا كان نجارا يحصل على ورشة نجارة، وإن كان سائقا يحصل على سيارة خاصة أجرة أو شحن.. وهكذا.
أما الذى يحصل على إعانة شهرية أو سنوية فهو غير قادر على العمل لأى سبب ككبر السن. وبالتالى فإن الهدف هو دوران المال (كَى لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ) وتحويل الفقراء إلى أغنياء، وتحويل متلقى الزكاة إلى دافع للزكاة. الهدف هو محاصرة الفقر إلى أقصى حد ممكن، فإذا أطل برأسه لأى سبب من الأسباب السابقة يتم معالجته بنفس الطريقة بالزكاة, وغيرها (ولكننا نركز الآن على الزكاة, وهى كافية لتحقيق هذا الغرض إذا تم جمعها بأمانة).
وهكذا فإن الفقراء يتغيرون، ويبقى الفقر كمشكلة اجتماعية متجددة يهبط إليها أناس مختلفون للظروف المشار إليها. وفى تاريخنا الإسلامى أمثلة عديدة على ذلك من أرقاء تم فك رقهم وفقراء تحولوا إلى أغنياء، وهذا ما يسمى بمصطلحات العصر: الحراك الاجتماعى. فالناس ترتفع وتهبط إما لظروف خارجية عن إرادتهم، وإما لتقصير منهم فى أداء عملهم. وحتى فى إطار المجتمع الإسلامى العادل، فقد يوجد مسئول محلى يظلم ويؤدى ذلك إلى إفقار الناس، حتى يتدخل النظام المركزى ويوقف ذلك، كما حدث فى عهدى عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز. وكذلك فى إطار المجتمع الإسلامى العادل، قد يظلم بعض أصحاب الأعمال عمالهم لفترة من الزمن حتى يتم اكتشاف ذلك وإصلاح الخلل. فالمجتمع الإسلامى ليس مجتمعا ملائكيا, ولكن لابد أن توجد فيه الآليات التى تكتشف الظلم وتحاصره قبل أن يستفحل، ومن ذلك أن يتأكد الناس من وجود سلطة عادلة مستعدة للتدخل الفورى لإحقاق الحق، فلا يخشون من تقديم شكواهم فى الوقت المناسب تحسبا من بطش صغار الطغاة. وطبعا انحراف بعض المسئولين أو رجال الأعمال لا يعالج بالزكاة، ولكن بإخضاعهم لحكم القانون، ولكن هذه الممارسات إذا لم تكتشف سريعا فإنها تكون مصدرا جديدا لإفقار الناس. وهذا يكشف لنا أهمية نظام الشورى وانعكاس ما هو سياسى على ما هو اقتصادى. ففى ظل نظام شورى محكم لن يخشى الناس الجهر بالشكوى من الظلم والظالمين حتى تتحرك الجهات المعنية وترد هذه المظالم فى الوقت المناسب. ومن أحكام الشورى وجود تشكيلات نقابية قوية تدافع عن حقوق العاملين فى مختلف المجالات ومختلف الأقاليم، بالإضافة لدور المحتسب (وهذا شبيه بالجهاز المركزى للمحاسبات ولكن يكون له صلاحيات تنفيذية). وقبل أن نترك هذه النقطة نشير إلى أن مشكلة الفقر لا تنتهى أبدا, وأن دور الدولة الإسلامية هو مواصلة مطاردته، ذلك أن الفقر مسألة نسبية يختلف تعريفها من وقت لآخر ومن مجتمع لآخر، فالفقير فى الولايات المتحدة قد يكون من ملاك السيارات ولديه الكثير من الأجهزة الكهربائية وربما يمتلك بيتا بائسا صغيرا أو شقة صغيرة, بينما امتلاك سيارة فى بلد كمصر يعنى أنه من الأغنياء أو من الطبقة الوسطى على الأقل.
أثناء زيارتى لمدينة لوس أنجلوس وهى من أغنى المدن الأمريكية طلبت من مرافقتى زيارة بيفرلى هيلز وهو حى الأغنياء وكبار فنانى هوليوود فوجدته حيا آية فى الجمال, وقلت لها: كأنها لوحة مرسومة باليد ومخططة بالمسطرة، فى فيلاتها وحدائقها والتنسيق العام. ثم طلبت القيام بجولة بأفقر حى بالمدينة وهو للسود الأفارقة، فكان البون شاسعا، رغم وجود فيلات وحدائق وسيارات بائسة من طرز قديمة، تشعر وكأنك تنظر إلى لوحة باهتة وبائسة خطوطها متعرجة وملتبسة، حتى الخضرة بدت من لون مختلف، ومع ذلك يبقى هذا الحى أرقى من معظم الأحياء الشعبية والعشوائيات فى بلادنا. إذن فى كل مجتمع معاييره الخاصة, والإنسان يقارن ويشعر بوضعه مع أخيه فى نفس المجتمع، وليس فى مجتمعات أخرى بعيدة. أقول ذلك لتأكيد إعجاز القرآن فى المجالين الاجتماعى والاقتصادى، فبينما وعدت النظريات الاشتراكية بزوال الفقر تماما، أكد القرآن أن مشكلة الفقر ستظل تلازم المجتمعات البشرية, ولذلك يتعين معالجتها وحصارها أولا بأول، وكلما ظهرت موجة جديدة منه طاردها للقضاء عليها، فهى أشبه بالدورات المتوالية أو الأعاصير الطبيعية المتجددة، وهذا هو دور الزكاة على رأس وسائل أخرى عديدة فى الحرب على الفقر.
2. تشجيع الاستثمار ودوران رأس المال:
يقول الفكر الرأسمالى الغربى، أن الفوائد (الربا) هى وسيلة أساسية لتشجيع الاستثمار ودوران رأس المال بين المقرض والمقترض من خلال نظام المصارف كوسيط، وقد رأينا أثر ذلك فى الأزمات الدورية التى تعصف باقتصادات الغرب وآخرها أزمة (2008-2010) والتى لا تزال مستمرة وتزلزل المجتمعات الغربية (أمريكا وأوروبا) وكانوا يقولون إن وضع الأموال فى المصارف وسيلة آمنة ومضمونة لتحقيق الأرباح، وإن المستثمرين يلجأون للبنوك كملاذ آمن للاقتراض ولجدولة الديون رغم الفوائد المركبة لذلك، والآن وجدوا أن المعبد كله ينهار على الجميع!
الزكاة تقدم بديلا متكاملا لهذا الطريق الخبيث (الربا)، من خلال مصرف (الغارمين) وهو أحد مصارف الزكاة السبعة. وهذا المصرف مخصص لمواجهة الكوارث التى يتعرض لها المستثمرون الكبار والصغار، والتى تؤدى إلى مديونية فاحشة، قد تؤدى إلى السجن، ولكنها فى كل الأحوال تؤدى إلى انهيار وضعهم الاقتصادى والاجتماعى. والمستثمرون معرضون لكارثة الديون إما لأسباب خارجة عن إرادتهم أو بسبب أخطاء فى سياستهم تم ارتكابها بحسن نية. والأسباب الخارجة عن إرادتهم عديدة، كظهور آفة جديدة تدمر المحصول، أو تغير الأحوال المناخية كما حدث هذا وأثر على إنتاج القمح والقطن فى العالم، وهى أمور تنعكس سلبا على المزارعين والصناعيين والمستوردين والمصدرين، أو السيول والفيضانات (كما حدث فى باكستان هذا العام 2010) أو الزلازل والبراكين والجفاف، أو أى أزمة اقتصادية عالمية أو حرب تؤثر على أسعار العملات والمواد الأولية ومختلف السلع وتنعكس على المجتمعات. وأيضا يشمل مصرف الغارمين الأفراد المتناثرين الذين سقطوا فى الديون بسبب تلك الأسباب السابقة، أو أى أسباب شخصية، كالمرض أو الحريق أو انهيار عقار.. إلخ.
ولكننا نركز الآن على الحالة الأولى، وهى حالة المستثمرين وأصحاب الأعمال والمشروعات الخاصة، فصاحب المال فى ظل نظام الزكاة، ينطلق فى الاستثمار بدون خوف أو قلق، ويتجه للمشروعات الإنتاجية المهمة دون أن يخشى الخسارة، ولا يتجه لكنز الأموال خاصة مع انعدام الفائدة (الربا) لذلك فلا سبيل أمامه سوى الاستثمار الإنتاجى والمفيد للمجتمع. ولن نسمع فى هذا المجتمع عن صاحب مليون جنيه يقول سأضعها فى البنك وأعيش بالفائدة. ولن نرى اتجاه الناس لكنز الأموال بوسيلة أخرى, بشراء العقارات. فهذا السلوك يؤدى إلى عدم دوران المال فى المجتمع بصورة طبيعية فى مختلف المجالات بصورة تغطى احتياجات الناس.
الزكاة فى مصرف الغارمين تقوم بدور التأمين الاجتماعى ضد الكوارث ومفاجآت الحياة, سبق كل ما عرفه العالم - بعد - من أنواع التأمين، ولكنها أكثر كمالا منها لأنها لا تشترط دفع أقساط ولا اشتراك! بحيث يصبح التعويض مرتبطا بحجم هذا الاشتراك, بل تعطى الزكاة لكل حسب حاجته وحجم كارثته, دون أن يكون قد دفع أى شىء مسبقا، بل يكفى أن يكون مواطنا فى الدولة! (وبالمناسبة فإن الزكاة تستحق لأهل الكتاب من مواطنى الدولة الإسلامية فى كافة المصارف) وفى ظل إشاعة حالة الاطمئنان هذه لن يركز المستثمر وصاحب العمل على ما يسمى المشروعات المضمونة الربح, وهى عادة المشروعات الخدمية والسريعة فى دوران رأس المال، بل سيتجه بثبات أكبر للمشروعات الصناعية والزراعية الإنتاجية التى تحقق أرباحا أكبر, ولكنها تحتاج لبعض الوقت وتحفها المخاطر بصورة أكبر.
والشرط الوحيد للوفاء بديون المواطن هو التأكد من سقوطه فيها بحسن نية وليس عن طريق القيام بأى نوع من التلاعب والخداع والغش، وأنه بذل كل ما يمكنه لسداد الدين. كما أن أصحاب العمل الذين تعرضوا لكوارث فإن إثبات ذلك أسهل كحريق شب فى المصنع، أو آفة اجتاحت البلاد أو منطقته وقضت على محصوله، أو فيضان وسيول أدت لنفس النتيجة وهكذا.
إن مصرف الغارمين يحقق حالة من الأمان الاقتصادى والاجتماعى، ويؤكد على تكافل وترابط المجتمع فى السراء والضراء، وهذا مناخ موات للاندفاع فى كل أعمال الاستثمار الإنتاجى المفيد، بدلا من الاندفاع للسمسرة والتلاعب والكنز والربا والاحتكار.. إلخ, وعلى ضوء ذلك نعود لنفهم أعماق الآية الكريمة: (وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِى أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ) (الروم: 39).

وحتى لا يتصور أحد أن هذه مجرد أحلام وأمنيات لم تعرف طريقها للممارسة العملية نقول أنه فى كل العصور الإسلامية المزدهرة كانت الزكاة مؤسسة تأمين تعاونية كبرى لكل من يعيش داخل الدولة الإسلامية. ومن أموال الزكاة كان يعوض صاحب المصنع إذا أفلس أو ضاع مصنعه. وكان يعطى صاحب الحرفة ما يشترى به آلات العمل، وكان يعوض التاجر إذا فقد بضاعته أو أفلس، حتى تاجر المجوهرات والعطر إذا أفلس كما قال الإمام النووى كان يعطى من بيت المال عشرة آلاف دينار. (د. حسين حامد أستاذ الشريعة بجامعة القاهرة).

مجدى أحمد حسين

أضف تعليق


عدد الحروف المسموح بها 1000 والمتبقي منها
ادخل الكود التالي
CAPTCHA Image
صورة اخرى
الموقع غير مسئول قانونا عن التعليقات المنشورة