(11) مبحث حول الديمقراطية والشورى
السبت, 20 نوفمبر 2010 - 12:00 am

magdyahmedhussein@gmail.com

هذا المبحث امتداد للحلقة السابقة حول (الإصلاح السياسى وقضايا الحريات), ولكنه يركز على الرؤية النظرية للإسلام, وعقد مقارنة بين الشورى والديمقراطية. وكما ذكرنا فى بداية الحلقة السابقة فإن الإسلاميين يجب ألا يخفوا آراءهم الحقيقية تحت ستار التكتيك والمناورة للوصول للحكم سواء فى موضوع الديمقراطية أو غيرها.

يقول بعض الإسلاميين أن الديمقراطية كفر لأنها تحكم البشر بالأغلبية فى إصدار التشريعات بينما التشريع لله. ويقول فى المقابل البعض الآخر إن الديمقراطية هى الشورى, والرأيان ليسا على صواب من وجهة نظرنا. بالنسبة للرأى الأول, فلا شك أن المرجعية فى النظام الإسلامى للشريعة الإسلامية, ولكننا نتحدث عن نظام الحكم وكيف يدار. إن المرجعية الإسلامية لا تتعارض مع انتخاب من يحكمنا؟ ومن يشرع لنا؟ بل تحض المرجعية الإسلامية على انتخاب الحاكم (البيعة) وعلى مراقبته ومحاسبته. أما فيما يتعلق بالتشريع فإن الأساسيات موجودة بالقرآن والسنة, ويمكن تقنينها, ولكن التشريع أوسع من ذلك بكثير, فى الأمور التفصيلية التى تجد كل يوم على حياة المجتمعات, وهو ما يسمى فى الفقه منطقة "المباح", أى الموضوعات التى لا يوجد فيها نص صريح من القرآن والسنة يحكمها, ويتعين على النظام الإسلامى أن يسد هذه الفجوات والمجالات بتشريعات لا تتعارض مع ثوابت العقيدة والشريعة.
والمعروف أن مساحة المباح واسعة جدا ولا محدودة, فى حين أن الثوابت محدودة لأنها تتصل بالمبادىء الكلية, وهذه من رحمة الله, وأيضا من حكمة الله, لأن الله ترك للإنسان مجالا واسعا لإعمال العقل وحل مشكلاته, بعد أن أعطاه البوصلة الهادية (المبادىء الأساسية الحاكمة فى القرآن والسنة), فالإسلام لا يقدم روشتة تفصيلية أو كتالوج كذلك الملحق بالجهاز الكهربائى ليوضح لك كيفية تشغيله بالتفصيل، فاستخلاف الإنسان فى الأرض أكبر وأعقد من أن يتم بهذه الصورة الآلية البسيطة. كذلك فإن ذلك يتعارض مع سنن الله فى خلقه فالله هو أدرى بشئون خلقه: (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الملك: 14) وقدرت حكمته التى تعلو فوق الزمان والمكان وفوق الماضى والحاضر والمستقبل, أن حياة الإنسان ستتطور وتتغير من حقبة لأخرى، وحتى بعض الشرائع الإلهية تم نسخها وتغييرها حتى جاء القرآن الكريم وبعثة محمد صلى الله عليه وسلم لتتنزل الطبعة التشريعية الإلهية النهائية. ولكن دون ذلك فإن مستجدات الأمور لا تتوقف من عصر لعصر ومن مكان لآخر, وتركت للإنسان كى يواجهها ويحلها فى إطار ما يملك من ثوابت قدر الله أنها كافية لتوجيهه. فحتى فى عهد رسول الله وعندما أرسل معاذ بن جبل لليمن قاضيا سأله بما تحكم قال بالقرآن. قال فإن لم تجد, قال بسنة رسول الله, قال: فإن لم تجد قال: أجتهد برأيى. فضرب رسول الله بيده على صدر معاذ بن جبل وقال الحمد لله الذى وفق رسول رسول الله إلى ما يحبه الله. إذن فى عهد رسول الله توقع عليه الصلاة والسلام أن القاضى فى اليمن ستعرض عليه قضايا وموضوعات لا توجد أحكام صريحة لمعالجتها فى القرآن والسنة, فماذا يمكن أن نتوقع الآن بعد أكثر من 14 قرنا؟!
والشرط الوحيد فى التشريع فى منطقة المباح ألا يكون فيه مبدأ أو فكرة تتعارض مع ثوابت الشريعة الإسلامية. ومع ذلك فقد أوضحنا فى الحلقة السابقة أن دور المحكمة الدستورية العليا فى النظام الإسلامى كدور مثيلاتها فى النظم الديمقراطية هو الحكم على دستورية القوانين. وستكون هذه المحكمة فى النظام الإسلامى من شخصيات إسلامية موثوقة من علماء وفقهاء ومفكرين, وليس بالضرورة أن يكونوا معممين, فالمهم هو الفقه والعلم, ونحن لدينا بين قضاة مصر حاليا والمتخرجين من كليات الحقوق التى تدرس الشريعة الإسلامية بجوار الشرائع الأوروبية, لدينا بينهم قضاة على مستوى رفيع فى الفهم الفقهى الإسلامى.
ولابد أن نذكر من لا يعلم أن المؤتمرات القانونية الدولية اعترفت بسمو الشريعة الإسلامية وأنها نظام قانونى على أعلى المستويات. ونذكر بأن كثيرا من القوانين الأوروبية الراقية مأخوذة من الشريعة الإسلامية, وأن عصر النهضة الأوروبى قام - من ضمن ما قام - على استيعاب تجربة الحضارة الإسلامية بما فى ذلك نظامها القانونى, والتى درست فى الجامعات الأوروبية. وأن ما يسمى قوانين نابليون منقولة من الفقه التشريعى للمذهب المالكى. ولذلك فإننا نعجب أحيانا عندما نجد فى التشريعات الأوروبية أمورا تتطابق مع الشريعة الإسلامية, وإنما هى فى حقيقة الأمر بضاعتنا ردت إلينا. والإسلامى الرشيد الفاهم لدينه لا يعيش فى حالة فزع مما يسمى القوانين الوضعية, فكل القوانين والأفكار تعرض على الميزان (القرآن والسنة) وتقيم على هذا الأساس, فترفض أو تقبل, كليا أو جزئيا. خذ مثلا القوانين الغربية التى تحرم على الحاكم أن يحصل على هدايا من مواطنين أو أجانب وتضع حدا ماليا لتلقى الهدايا لضمان أن تكون رمزية. أليست متطابقة مع أحاديث رسول الله حول تحريم تلقى المسئولين لهدايا من الناس. أو النص الدستورى لدينا الذى يحرم على رئيس الجمهورية والوزراء وأعضاء المجلس التشريعى التجارة أو التعامل المالى مع الدولة, فهو غالبا مأخوذ من الدساتير الغربية, ولكنه يتطابق تماما مع الرؤية الإسلامية وهى موجودة فى كتب إسلامية وتمت ترجمتها للغات أوروبية فى عهد النهضة، أو كان الدارسون يتعلمون اللغة العربية باعتبارها لغة العلم العالمية ويقرأون بها المراجع العربية. وسواء تم نقل الإيجابيات الحضارية الإسلامية إلى الفكر الغربى وهو ما نرجحه بناء على شواهد تاريخية واضحة, أو حدث نوع من توارد الخواطر, فلا فرق, فنحن نقبل الفكرة أو التشريع إذا أتت من الغرب بما لا يتعارض مع الشريعة, بل بما يؤكد مقاصدها!
ويستند القائلون بأن "الديمقراطية كفر" إلى أن البرلمانات الغربية تشرع أمورا منافية لمبادىء وثوابت الدين والأخلاق بدعوى أن هذا هو قرار الأغلبية, كإباحة الخمر والشذوذ والدعارة والميسر.. إلخ, ومن البديهى أن الديمقراطية فى البلاد الإسلامية لن تسمح بذلك بحكم الدستور, وأن الدستور لن ينص فى مادة واحدة على مرجعية الشريعة الإسلامية ولكن سيصاغ كله وفقا لهذه المرجعية. وبالتالى فإن استخدام تعبير "الديمقراطية كفر" لا يفيد إلا فى إثارة الفزع من الإسلاميين, وأنهم سيكممون الأفواه ويقطعون الألسنة وسيرفعون رايات الاستبداد بمجرد وصولهم للحكم, ولأنه يدين ما هو سيئ فى الديمقراطية الغربية ولكنه يعمم الحديث ليشمل رفض الانتخابات وحريات التعبير وحق تداول السلطة بين الأحزاب والحريات النقابية.. إلخ, وهو ما يطالب به الإسلام.
ولكن فى المقابل فإن الشورى ليست هى الديمقراطية على نحو متطابق, فهناك تمايزات بالتأكيد أهمها المرجعية الفكرية التى أشرنا إليها, فمرجعية الديمقراطية الغربية خليط من الفلسفات المعاصرة التى تواكبت مع عصر النهضة, مع مسحة دينية مسيحية أشبه بالرموز التاريخية: كوضع الصليب على معظم الأعلام الأوروبية, أو اعتبار الملكة هى رئيسة الكنيسة, وتقديم تنظير علمانى لمسألة الحريات وحقوق الإنسان, مع الإدعاء بالتمسك بالقيم المسيحية, دون أن يحددوا ما هى هذه القيم, وما علاقتها بما فعلوه وما يفعلوه بشعوب الأرض الإسلامية وغير الإسلامية, نحن أمام مرجعية تحمل خليطا من هذه المصادر والإدعاءات, وهى- على خلاف تفصيلى - بين أوروبا وأمريكا مرجعية مادية علمانية فى الأساس مع قشرة دينية مسيحية أو مسيحية صهيونية يختلف سمكها من حزب لآخر. وليس كل هذا ما يشغلنا فى مسألة الديمقراطية, إن ما يلفت انتباهنا هو كثير من آليات الديمقراطية (الانتخابات الحرة غير المزيفة - تداول السلطة بين الأحزاب والفرق فى إطار الدستور - حق تشكيل الأحزاب والهيئات والنقابات مكفول وكل الحريات التى أشرنا إليها فى الرسالة السابقة) فهذه الآليات من صميم الشورى الإسلامية, وقد مارسناها بدرجات متفاوتة فى صدر الإسلام, واستمر بعضها رغم سيادة الملك العضوض, ولكن تظل هذه الآليات من صميم التصور الإسلامى.
والتمايز بين الشورى والديمقراطية لا يتوقف عند المرجعية الفكرية. وهذا أمر بديهى وظاهر ولا يحتاج لكثير من الجدال, ومسألة المرجعية الفكرية تبدو خارج الموضوع نسبيا لأنها الرؤية الفكرية للعالم والمجتمع عموما, أما الديمقراطية فهى تركز على أسلوب ونظام الحكم. ومن هذه الزاوية فهناك تمايز بين الشورى والديمقراطية يوضح أن الإسلام هو دين الأمة الوسط بين تطرفين فى كل المجالات. فالفكر الديمقراطى الغربى يزعم أن الشعب يحكم نفسه بنفسه ولنفسه, وأن الشعب هو الحكم والسيد, والحكام مجرد منفذين لإرادته. ولكن لأن الشعب لا يمكن أن يمارس سلطته مباشرة لكبر عدده, فإنه ينتخب مندوبين عنه كل 4 سنوات ليمارسوا السلطة باسمه (سلطة التشريع والرئاسة) ثم يحاسبهم بعد 4 سنوات, فإما أن يثبتهم وإما أن يغيرهم. وهذه الفكرة من الناحية النظرية تبدو معقولة، ولكن فى الممارسة العملية عبر عشرات السنين فى الواقع الغربى تكونت فى كل بلد طبقة حاكمة مستقرة ومستديمة, وعملية تبادل السلطة بين رؤساء البلاد تخفى خلفها الصف الثانى من القادة المستمرين مع كل حزب عندما يصل إلى السلطة, وأحيانا يعملون مع الحزب الآخر. وأن ما يحدث فى النظم الشمولية يتكرر فى النظم الغربية فهناك مجموعة ضيقة تسيطر على عملية اتخاذ القرار, وأن التغيير يتم فى المتحدث الرسمى باسمها فحسب (الرئيس!!).
ولا شك أن نسبة التغيير فى الطاقم الحاكم أكبر من النظم الشمولية, ولكن مع بعض التدقيق يمكن اكتشاف أن البون ليس شاسعا. كذلك نجد حالة من الثبات فى المؤسسات الأمنية والعسكرية التى تلعب دورا أساسيا فى اتخاذ القرارات, وكذلك الحال فى مجموعة المستشارين فى مراكز الدراسات المهمة, وأبرز رجال المجمع الصناعى - المالى. ونحن نأخذ النظام الأمريكى كأعلى تبلور للحضارة الغربية. فتبادل السلطة بين الحزبين الجمهورى والديمقراطى أشبه بالكرنفال, منه إلى التنافس السياسى الحقيقى القائم على رؤية فكرية. ونحن ندرك أن تداول السلطة يجب أن يتم - كما ذكرنا - فى إطار الدستور, أى فى إطار تصور فكرى مشترك للجميع, حتى لا يتم تدمير النظام وإعادة بنائه كلما استلم حزب جديد السلطة. ولكن الأمر وصل إلى حالة من التقارب الشديد بحيث تدور المعارك الانتخابية على أمور تافهة وهامشية, ويصبح اختيار الشخص لأدائه فى الحديث ولباقته من أهم العوامل المرجحة. كذلك فإن الطبقة الحاكمة تستخدم عملية تغيير حزب بحزب كنوع من المناورة لتغيير السياسات كما حدث فى حالة أوباما أخيرا الذى جىء به للانسحاب من العراق ثم أفغانستان, وتهدئة الأحوال عموما مع عدد من الجبهات الخارجية. (راجع كتاب أمريكا طاغوت العصر - الطبعة الثالثة).
ولكن يقول البعض أن الجماهير تختار بحرية, وأن التصويت يتم بدون تزوير, فماذا تريدون أفضل من ذلك؟ رغم أن الحديث عن التزوير بدأ يتصاعد خاصة فى انتخاب جورج بوش الابن, خاصة فى ولاية فلوريدا, لكن دعونا نقول أنها لا تزال ظاهرة هامشية, ولكن لاحظوا أن ما نطالب به فى مصر من التصويت بالبطاقة (الرقم القومى) ليس موجودا فى الولايات المتحدة, فهناك نظام للتسجيل كما هو فى مصر، وإيران هى التى اعتمدت استخدام البطاقة الشخصية فى انتخابات الرئاسة, والمقصود من هذا المطلب هو تشجيع كل الناس على التصويت بدون قيود. ومع ذلك ليست هذه هى المشكلة الأولى, المشكلة الأولى أنك تدعو الشعب للاختيار بين أحمد والحاج أحمد كما نقول فى المثل المصرى.. (أحمد زى الحاج أحمد) فهما نفس الشخص. وقد اكتشف المواطن الأمريكى أن انتخاب المرشح الديمقراطى لا يختلف عن انتخاب المرشح الجمهورى فى أى شىء جوهرى أو ملموس, ولذلك فإن أكثر من 50% من الناخبين لا يذهبون للاقتراع!.
أما الذاهبون للاقتراع فهم واقعون تحت وطأة الحملات الإعلامية التى لا تتوقف على مدار الساعة, وكأن مصير أمريكا مرهون بفوز هذا أو ذاك. ويتعرض المواطن لغسيل مخ رهيب عبر التلفزيون الذى لا يقدم أى تصور عن أمريكا إلا من خلال مؤسسة واحدة هى مؤسسة الحكم التى أشرنا إلى عناصرها من قبل, أما فى الواجهة فلا يوجد إلا جناحين للنظام (الجمهورى - الديمقراطى) يختلفان فى أمور هامشية, ويكرسان عمليا مفهوم الرؤية الواحدة. فالخلاف حول العراق ليس حول مبدأ الغزو والاحتلال, ولكن حول سوء إدارة الاحتلال, وهل كان يجب أن نرسل قوات أكثر؟! أما الآن فهل ننسحب عام 2009 أم 2010؟! وهل نرسل 30 ألف جندى لأفغانستان أم 20 ألف جندى فقط؟! وتدور رحى المناقشات عنيفة حول هذه الإجراءات.
وليس لدى الجمهور الأمريكى وسيلة أخرى لمتابعة السياسة إلا عبر هذه التمثيليات, وهى لا تساعد على تكوين أى رؤى حقيقية للمشكلات الداخلية أو الخارجية, فقد تم اختزال الحياة الديمقراطية السياسية فى حزبين, وكأن أمريكا صاحبة الـ 300 مليون نسمة عاجزة عن إخراج حزب ثالث مؤثر. وقد يكون الإنترنت هو طوق نجاة لتطوير الديمقراطية الأمريكية, ولكن حتى الآن لم يظهر أثرا لذلك, بل استخدمت الطبقة الحاكمة الإنترنت بنفس أسلوب استخدامها للتلفزيون, ورأينا أن أوباما استخدم الإنترنت فى حملته, وكان ذلك من ذكاء حملته الانتخابية من ناحية الشكل, ولكن لم يضف شيئا فى المضمون.
وأيضا فى دراستى (أمريكا طاغوت العصر - الطبعة الثالثة) ستجد إحصاءات دقيقة تؤكد أن أعضاء الكونجرس فى أمريكا ثابتون إلى حد كبير على مدار عشرات السنين. وهكذا نجد حالة من الثبات فى مكونات السلطتين التنفيذية والتشريعية. فالعملية الانتخابية فى أمريكا آلة جهنمية لا يملكها إلا صاحب الملايين, والآن صاحب المليارات, وبالتالى فإن المصالح المالية - الاقتصادية المسيطرة هى التى تحدد من ينجح ومن يرسب, بل من يترشح!! ولا يتم ذلك عبر التزوير الساذج كما يحدث فى مصر. ولكن عبر السيطرة على الحملة الانتخابية, والدعاية فيها, وإرسال خطابات لكل ناخب فى منزله, وإظهار المرشح المطلوب فى وسائل الإعلام, وعقد صفقات مالية بين المرشح والشركات المؤثرة فى دائرته, وصفقات بين المرشح وجماعات الضغط فى دائرته, وجماعات الضغط هذه قد تكون صناعة معينة, أو نشاط اقتصادى معين, أو مجموعة دينية أو عرقية لها مطالب (واليهود على رأسهم), وهذه الجماعات هى القادرة على حشد مجموعات من الناخبين للتصويت, وفى ظل انفضاض معظم الناخبين عن الاقتراع فإن السيطرة على عملية التصويت تكون أسهل, لذلك فإن السياسيين ومن وراءهم سعداء فى قرارة أنفسهم من قلة عدد الناخبين, لأن ذلك يجعل حسم التصويت فى اتجاه معين أكثر سهولة. (لا يوجد فى الكونجرس أى عضو مستقل عن الحزبين فى أغلب الدورات) وهكذا فإن الهيئة التشريعية (الكونجرس) والرقابية لم تعد فى الحقيقة أداة فى يد الشعب, بل هى رهينة الآلة الانتخابية المنضبطة بالسلطة الحاكمة (التنفيذية). ولذلك فإن القرارات الكبرى تتخذ فى دوائر السلطة العليا وليس فى أروقة الكونجرس, وعلى رأسها قرارات الحرب والسلام, ومجمل السياسات الخارجية والدفاعية وأهم السياسات الداخلية, وبعد اتخاذ القرارات العليا يتم تمرير المطلوب تمريره فى الكونجرس بصورة أو بأخرى, ولم يحدث أن الكونجرس عارض السلطة التنفيذية فى موضوع أساسى أو مصيرى أو استراتيجى. وعندما تحتدم المناقشات والخلافات فى الكونجرس فهذا يعنى أن هناك خلافا فى دوائر السلطة التنفيذية, وينفس عن نفسه من خلال الكونجرس, وهذا يحدث فى الإعلام أيضا, فإذا وجدت خلافات طاحنة فى الإعلام كما حدث فى نهاية عهد بوش الابن فهذا انعكاس للخلاف داخل السلطة التنفيذية. وعلى كثرة المحطات التلفزيونية والصحف فى أمريكا (بالآلاف) إلا أن كل وسائل الإعلام الرئيسية التى تنتشر على الصعيد القومى أو صعيد كل ولاية على حدة فهى ذات صوت واحد فى كافة الأمور الرئيسية, وهناك كثير من الصحف المحلية ليست إلا إعادة طبع للصحف الرئيسية, مع إضافة أخبار الولاية. والمواد الإخبارية والسياسية تسير على نغمة واحدة فى مئات المحطات التلفزيونية.
ونجد فى هذه الصورة شيئا حقيقيا (أشبه بالقانون), وشيئا مزيفا. الشىء الحقيقى أن هناك نخبة حاكمة متخصصة ومدربة ومثقفة, هى التى تدير الدولة بالفعل, وهى السلطة التنفيذية, وأن هناك أمور ذات أهمية قومية عليا ومرتبطة ببعض الأسرار ولا يمكن أن تناقش على الملأ لا فى الكونجرس أو الإعلام أو غيرهما, لذلك ستظل السلطة التنفيذية هى السلطة الأهم عمليا, ولذلك ذكرنا أننا نميل إلى نمط الجمهورية الرئاسية. ولكن هل معنى ذلك أن تفلت السلطة التنفيذية من الرقابة الشعبية مطلقا؟ لا فهناك وسيلتان: الأولى: أن تكون صلاحيات وتفويضات السلطة التنفيذية فى إطار السياسة العامة التى أقرتها مؤسسات الدولة جميعا (الحكومة - المجلس التشريعى - الجيش - مؤسسات الأمن القومى - الحزب الحاكم). أما إذا عادت السلطة التنفيذية فى كل قرار للمجلس التشريعى فإن الدولة ستصاب بالشلل.
الوسيلة الثانية: هى المحاسبة البعدية أى بعد إعطاء السلطة التنفيذية صلاحية التعامل مع موضوع معين أو قضية معينة تتم محاسبتها فى البرلمان على إجمالى النتائج، هذا فى الحد الأدنى زمنيا, والحد الأقصى يكون بمحاسبة الحكومة فى الانتخابات الرئاسية والتشريعية بإقصاء رموزها وحزبها, وهو حساب على إجمالى أدائها.
الجانب المزيف فى التجربة الأمريكية (والغربية) أن هذه الآلية لا تنفذ بشكل أمين, ولا تستهدف الحقيقة أو العدالة, لأن القوى المسيطرة استكبارية طاغوتية ظالمة, سواء تجاه الشعب الأمريكى أو تجاه شعوب العالم, هذه القوى الاقتصادية - العسكرية - المالية تريد الاحتفاظ بهيمنتها وسيادتها على العالم, ومستعدة أن تفعل كل شىء مشروع أو غير مشروع من أجل ذلك. مثلا هى مستعدة لشغل أمريكا كلها والعالم بأسره لأكثر من عام بالعلاقة بين كلينتون وموظفة لديه, بينما لا يحاسب جورج بوش الابن على نتائج سياساته فى العراق وأفغانستان التى أدت إلى مقتل وإصابة عشرات الآلاف من المواطنين الأمريكيين. ويمكن أن تنشغل أمريكا والعالم فى التحقيق مع الرئيس نيكسون لأمره بوضع أجهزة تسجيل فى مقر الحزب الديمقراطى المنافس, وأن تستمر هذه المهزلة لأكثر من عام، ويجبر على الاستقالة, ولكن لا تناقش سياسته فى فيتنام ولا يحاكم من أجلها. ولا يحاسب أحد فى أمريكا عندما تصدر كتب موثقة عن دور المخابرات الأمريكية فى نشر المخدرات داخل أمريكا ومن خلال طائرات سلاح الجو الأمريكى. ولا يحاسب أحد فى أمريكا عندما تنشر وقائع موثقة عن استخدام مواطنين أمريكيين كفئران تجارب, وبطبيعة الحال لن يحاسب أحد فى أمريكا على فعل ذلك مع مواطنين غير أمريكيين, كما أعلن مؤخرا عن تدمير قرابة 1500 مواطن فى جواتيمالا لاستخدامهم كحقل تجارب فى مواجهة أمراض خطيرة كالزهرى والسيلان، وهو ما أدى إلى وفاة بعضهم ومعاناة الآخرين من أمراض خطيرة مزمنة, وأن الأمر سيتوقف على مجرد تقديم اعتذار! وعندما تقرر المؤسسة الحاكمة الخلاص من أوباما فسيهاجمه الإعلام بصورة شخصية, ولضعف أدائه, ولكنهم لن يقيموا أساس سياساته.
ويحدث ذلك لأن لا كلينتون ولا نيكسون ولا أوباما ولا أى رئيس آخر هو صاحب السياسة المعلنة والمنفذة, بل هو فى أفضل الأحوال مجرد مشارك فيها, وكما كشف كتاب بوب وورد الأخير (حروب أوباما) فإن أوباما اضطر لاعتماد خطة الجيش الأمريكى فى أفغانستان بزيادة عدد القوات رغم عدم اقتناعه بها. وأن نائبه بايدن كان يحاول إقناعه بالصمود, ولكنه فشل.
وها نحن نعود من جديد للمضمون, فلكل نظام رسالة ومرجعية, فإذا لم تكن رسالة سامية ومرجعية محترمة وإنسانية, فلا يمكن أن تستقيم أداة الحكم, ولا يمكن أن يستقيم الأداء الديمقراطى, فالأداء الديمقراطى يظل شكلا، فإذا كان المضمون فاسدا فإن ذلك يعود ليفسد الشكل الديمقراطى. مرة أخرى لقد حوسب كلينتون على علاقته بالموظفة, ولكنه لم يحاسب عن فضائحه المالية هو وزوجته فى قضية (وايت واتر) بالولاية التى كان حاكما فيها, بل نشرت تقارير عن مقتل العديد من الأشخاص ومن بينهم محامى هيلارى لإخفاء جريمة آل كلينتون, بل وصل عدد المقتولين إلى حوالى 40 شخصا, ولكن كلينتون حوسب على العلاقة الجنسية الشفوية (oral sex), ولم يحاسب على قتل النفس التى حرم الله إلا بالحق!! بل كل هذه الكوارث لم تمنع هيلارى كلينتون من تولى منصب وزارة الخارجية (وكانت مرشحة لمنصب نائب رئيس الجمهورية) ولم تمنع من استمرار زوجها كلينتون كنجم ساطع فى سماء السياسة الأمريكية, وحيث لا يزال يقوم بأدوار سياسية مهمة فى إطار النظام وبالتنسيق معه. وما يهمنا من كل ذلك أن آلية محاسبة ومراقبة الكبار هى فى التفاهات وليس فى صلب السياسات, وأن باب النجاة مفتوح دائما على المستوى الشخصى, أما جوهر الموضوعات فلا يستطيع أحد الاقتراب منه, وإلا تعرض للمقصلة.
والمشهور عن الكونجرس أنه متخصص فى جلسات الاستماع الطويلة التى تمتد بلا نهاية فى موضوع محدد حتى يمل الناس منها, ويُقتل الموضوع فتنتهى جلسات الاستماع بدون نتيجة محددة, فإصابة أكثر من 100 ألف جندى أمريكى بما يسمى أمراض حزب الخليج (عام 1991) وهى أمراض خطيرة, هذا الحدث الكبير تم قتله فى جلسات الاستماع دون صدور أى تفسير رسمى حتى الآن لهذا المرض, وهل هو من استخدام قذائف اليورانيوم المنضب ضد العراق, أم ماذا؟!
إن الشعب الأمريكى أشبه بالحصان الذى توضع على جانبى عينيه قطعة من الجلد حتى لا ينظر إلا أمامه وفى الحدود المسموح بها, من خلال آلة الإعلام الرهيبة, والسيطرة على مؤسسات الإنتاج السينمائى والفنى, ومن خلال السيطرة على كبريات دور النشر, ومن ثم سوق الكتاب. إن أمريكا هى أكبر تجربة عالمية فى صناعة الرأى العام, وهى أيضا أكبر تجربة لتحويل شعب إلى مجرد مستهلكين, حتى أن شعار استنهاض الوطنية الأمريكية تم بعد 11 سبتمبر ثم بعد أزمة 2008 الاقتصادية تحت شعار "التسوقshopping " فهذا أمر لا مثيل له فى التاريخ, عندما يخرج رئيس أكبر دولة فى العالم ليقول لشعبه: تسوقوا.. تسوقوا.. استهلكوا.. استهلكوا.. لنهزم الأعداء!! طبعا المقصود بذلك إنعاش الاقتصاد وزيادة دوران المال, ولكن هل وصل الهزال بأمة ليكون هذا شعارها الوطنى؟! وهل لا يعلم بوش الصغير وأوباما من بعده أن أمريكا تعانى من نقص فى الادخار وأنها مديونة (كحكومة وشركات وأفراد) بعشرات التريليونات بسبب كثرة الإنفاق. المهم أن المقصود بآلة الإعلام ليس مجرد إلهاء الشعب ودفعه لتبنى أفكار معينة, بل أيضا استخدامه كعبيد مستهلك لاستكمال دائرة العملية الاقتصادية, وتغذية مصالح الطبقة الحاكمة.
وحول حالة النظام الديمقراطى الغربى من زاوية انتخاب الحكام من قبل الأقلية بسبب عزوف الأغلبية عن التصويت، يرى بعض المفكرين الغربيين أن هذا يعنى تراجع وهزيمة التجربة الديمقراطية. بينما يرى فريق آخر أن ذلك لا يضير الديمقراطية لأن الممتنعين عن الذهاب للتصويت فعلوا ذلك بإرادتهم, وأن انسحابهم من التصويت هو موقف حيادى, وبالتالى لا ينقص ذلك من استحقاق فوز الفائزين.
خلاصة ما تقدم أن النموذج النظرى الديمقراطى الغربى حول حكم الشعب لنفسه, تحول على أرض الممارسة العملية إلى حلم خيالى، غير واقعى, ورأينا طغمة حاكمة ضيقة تسيطر على مجريات الأمور, وتقود السفينة وفقا لرؤيتها ومصالحها, وأنها تحول شعبها إلى عبيد من طراز جديد, يدورون فى حلقة مغلقة بين العمل والاستهلاك, وأن هناك سيطرة كاملة على عملية تبادل السلطة بين أفراد ذات النخبة الحاكمة فى مختلف العمليات الانتخابية.
فى المقابل نجد نظام الحكم الاستبدادى أو الشمولى القائم على قيادة الحزب الواحد, والزعامة الفردية للحاكم, هو النموذج النقيض, ولا نحتاج لمجهود لكشف فساد هذا النوع من الأنظمة فهى أنظمة كريهة مرفوضة شعبيا, وبرهنت التجارب على فشلها على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية, سواء أكانت شيوعية واشتراكية أم قومية أم نظم عسكرية (جاءت عبر انقلابات) أم تدعى أنها إسلامية. ورغم إدعاء معظم هذه التلاوين من الأنظمة أنها حكم الشعب للشعب بالشعب إلا أن هذه الأبخرة تطير عادة فى الهواء, ويبقى المفهوم الأساسى والمعلن لها, أن القيادة الرئاسية أو الملكية هى قيادة ملهمة وحكيمة, وأنها وحدها هى التى تعرف صالح الشعب, بل من حسن طالع الشعب أن ساق إليه الله هذه القيادة, هذه القيادة هى الرئيس الملهم (ملكا كان أم رئيسا) وربما تمتد إلى الحزب القائد الحاكم العظيم الوحيد, ويصبح هذا الحزب هو الوحيد الذى يعرف مصالح الشعب.
وضمن هذه الأنماط من الأنظمة الاستبدادية ادعت الماركسية أنها تقضى على حكم البرجوازية أو البرجوازية المتحالفة مع الإقطاع, وتقيم نظام الأغلبية الذى يعبر عن العمال والفلاحين. النظرية الأصلية لم تكن تتحدث عن الفلاحين, ولكن عن العمال فحسب والعمال الصناعيين أساسا, ولذلك سميت ديكتاتورية البروليتاريا, ولكن عندما قامت الثورة فى البلد الأقل تطورا فى الصناعة (روسيا) أخذ لينين زعيم الثورة الروسية فى إدخال تعديلات على النظرية الماركسية وأصبح يتحدث عن تحالف العمال والفلاحين. وهكذا أصبح الإدعاء أن العمال والفلاحين هم الذين يحكمون وبصورة مباشرة. ولكن الممارسة الواقعية لم تنجب إلا طبقة سياسية حاكمة مهيمنة أصولها من الطبقة الوسطى وبعض العمال المثقفين, ثم تحول النظام إلى دكتاتورية الحزب, ثم ضاقت قاعدة الحكم لتتركز فى قمة هذا الحزب وحده وأحيانا الزعيم الملهم وحده, واختفت المجالس السوفيتية, وحتى هذه الأنظمة لم تخلو من بعض الديمقراطية (أو الشورى) فالحاكم دائما يريد أن يطمئن على صحة قراراته فيستشير من حوله, وكذلك الهيئة الحاكمة المحيطة به, ولكن ذلك على سبيل الاسترشاد والاطمئنان, أما القرار النهائى فيعود مرة أخرى ليد الحاكم. كما رأينا فى قصة بلقيس عندما أرسل لها سليمان فى رسالته: (قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأُ أَفْتُونِى فِى أَمْرِى مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ . قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ) (النمل: 32-33).
هذه الصورة القرآنية أشبه بالقانون فى نظم الحكم الاستبدادية, فالمعروف عن هذه النظم أن الحاكم يستمع جيدا لمن حوله, بل ويطلب منهم أن يتحدثوا, ثم يكون القرار النهائى له, بغض النظر عما قالوا, فقد يأخذ به أو لا يأخذ به كليا أو جزئيا. ولذلك من الخطأ الفادح أن يقول بعض الإسلاميين أن الشورى مُعلمة وليست ملزمة, وكأنهم يُنظّرون لحكم المستبد الفرد.
إن الإسلام فى هذه القضية (أسلوب الحكم) أمة وسط بين تطرفين أو ادعائين:
1- حكم الشعب للشعب بالشعب.
2- حكم الفرد الحكيم العادل.
أمة وسط بين طرفى المعادلة: الشعب والنخبة. فبينما تنحاز رؤية للشعب باعتباره هو الأساس وهو المعلم والقائد والحاكم الحقيقى, تنحاز الرؤية الأخرى للنخبة المؤهلة للحكم, فليس بقدرة أى مواطن أن يفهم أو يتخصص فى السياسة, فهذا فن وعلم لا تتقنه إلا القلة, وكثيرا ما تستغل النظم الاستبدادية هذا المعنى لتخوف الشعب من مخاطر تغيير الحاكم الأبدى, باعتباره قد أصبح خبيرا فى فن وعلم إدارة الدولة, ومن الخطر أن يأتى حاكم جديد لم يختبر بعد وربما يعرض البلاد لمشكلات.
الشورى فى الإسلام هى الأكثر واقعية بين هذين التصورين, لأنها تضع فى الاعتبار طرفى المعادلة بصورة متوازنة: فهى لا تهمل النخبة, بل تدرك أنها بمنزلة المخ فى الجسد, وأن هناك أقلية لديها استعداد, ويجب أن تعد لتولى شئون إدارة المجتمع, بينما غالبية الناس لا تحب هذا النوع من العمل, وتريد أن تعيش حياتها بدون أثقال هذه المسئوليات الكبرى, إما هربا من تحمل عواقب المسئولية, أو حبا فى الاستمتاع بالحياة الشخصية بعيدا عن المشكلات العامة, أو لعدم توفر القدرات والمواهب الخاصة للقيام بهذا العمل. لذلك من سنن الحياة أن القادة قلة، ليس على صعيد الحكم فحسب, بل على كل مستويات المجتمع, الوزارات.. الشركات.. الهيئات, أى أن الصالحين فعلا للقيادة أقلية بالنسبة للعدد الكلى. وهذا ينطبق أيضا على القيادة الفكرية.
الإسلام يقر بدور النخبة القائدة المثقفة بلا أى مواربة, ويؤكد دورها فى قيادة المجتمع واتخاذ القرارات: (أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِى الأَمْرِ مِنكُمْ) (النساء: 59), وأولوا الأمر هم السائرون على درب الله ورسوله, كما هو واضح من الآية, وليس أى حكام كما يزعم بعض الإسلاميين حينما يريدون الهروب من المواجهة, وأولوا الأمر أيضا وأساسا هم العلماء والفقهاء السائرون على درب الله ورسوله.
ويعلى القرآن الكريم من شأن هذه النخبة ودورها: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) (الزمر: 9), (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِى خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ) (البقرة: 269), (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء) (فاطر: 28).
(وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِى الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (التوبة: 122).
وتشير هذه الآية لضرورة تفرغ جزء من كل جماعة لطلب العلم والتفقه, لتلعب دور المرشد مع الناس نحو الحق, حتى وإن أدى ذلك إلى عدم استنفار هؤلاء فى القتال.
يقول البعض أن هذا هو الاستبداد الذى نخشاه, فباسم الدين سيقرر الحاكم فى النظام الإسلامى ما يريد, ومن يعارضه يكون كافرا. نقول أولا نحن نستهدف نظاما إسلاميا يقوم على أساس طاعة الله ورسوله, ومن يرفض الدين من حيث المبدأ فلا مجال لمناقشته فى هذا المجال (أى فى هذه الدراسة, ولكننا نناقشه فى مقام آخر). ولكننا نؤكد أن نظام الشورى فى الإسلام يقوم على أساس مستويات عدة, وفى هذا المستوى (العلماء) فإن تحديد الموقف أو الاجتهاد فى سياسات الدولة وتشريعاتها يكون شورى بين العلماء. (العلماء مرة أخرى ليسوا المعممين, بل كل الفقهاء الذين يخشون الله ولديهم الحد الأدنى من العلم الشرعى والثقافة الدينية) وفى هذا الإطار فإن ترجيح رأى على آخر لا يعنى تكفير أصحاب الرأى المرجوح. والشعب هنا لا يكون غائبا, فله دور كبير فى الترجيح بصورة غير مباشرة, فالتفاف الناس حول عالم أو رمز أو مفكر أكثر من غيره يعطيه وزنا أكبر من الآخرين, وقد تأسست المذاهب المذكورة بناء على هذا الإقبال الجماهيرى الذى بدأ بالمتعلمين والمريدين ثم امتد إلى جماهير أوسع. وكبار العلماء والأئمة والقادة فى تاريخنا الإسلامى صنعوا وجودهم وتأثيرهم ليس من خلال علمهم الوفير فحسب, بل بارتباط هذا العلم بالمواقف التى لا تخشى فى الله لومة لائم, والتى أكدت إخلاص وتجرد هؤلاء العلماء. فكانوا محورا لتجمع تلاميذ العلم ومن ثم الجمهور حولهم, وهو ما أعطى لهم نفوذا على السلطان, وعلى صناعة القرار (كأصحاب المذاهب الأربعة: الشافعى - ابن حنبل - مالك - أبو حنيفة - وابن تيمية - والعز بن عبد السلام.. إلخ).
ونظرا لغياب نظام كهنوتى معزول عن الناس فى الدين الإسلامى, فإن علماءه استمروا يحظون بنفوذهم بقدر علمهم وإخلاصهم, وبالتالى حظوتهم عند الجماهير.
لذلك تتميز النخبة فى الإسلام بأنها ليست مغلقة، بل منفتحة دوما على التجديد من خلال آليات الشورى: الانتخابات بين العلماء وقادة الأحزاب وأعضاء المجلس التشريعى ومسئولى الحكم المحلى, وغياب النظام الكهنوتى يفتح الباب للحراك الفكرى والسياسى, فيظهر قادة جدد, ويختفى قادة من خلال عملية التفاعل الحى, فالمعيار الوحيد هو العلم والإخلاص, وليس الحسب أو النسب أو الأقدمية أو السن.
ومن ناحية أخرى فإن النخبة فى النظام الإسلامى ليست مقدسة, وهى عرضة للانتقاد والتقييم من المعارضين والجمهور, وهو وضع لا يسمح بتكلس أوضاع الطبقة الحاكمة أو استقرارها على الفساد (دور الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر).
ولكن الرؤية الإسلامية لا تثير النعرات الكاذبة والمنافقة حول حكم الشعب لنفسه وبنفسه وهى العبارات التى يستخدمها كلا النظامين: الديمقراطى والشمولى.
الرؤية الإسلامية تقر بأن أساس النظام السياسى هو إتباع شريعة السماء, وأن القادة (النخب) هم بمنزلة الرأس من الجسد.
ولكن الشعب ليس مجرد متلقى, بل هو طرف أساسى فى المعادلة, وبإمكانه فسخ العقد مع الحكام, وهو بحسه الفطرى وبثقافته الإسلامية المركوزة فيه عبر الأجيال يستطيع أن يميز الغث من السمين فى طرح العلماء والقادة فى المجالات السياسية والدينية على السواء.
*****
مغزى ذم القرآن للكثرة:
الكثرة ذكرت بالذم فى القرآن الكريم 92 مرة, وهذا موضوع ذو دلالة, ويؤكد أن الحق لا يقاس أساسا بالكثرة والقلة, وعندما يسعى الإنسان لتحرى الصواب والخطأ فيجب ألا يكون دليله أن يكون مع الكثرة. يجب ألا يكون إمعة بين الناس إن أحسنوا أحسن وإن أساءوا أساء كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. بل إن للحق دلائله التى يمكن أن يتوصل إليها بعقله ووجدانه، وأنه يجب أن يزن كل الآراء ولا يحتقر رأى الأقلية, بل يجب أن يقيمه بكل جدية, فقد يكون فيه الخلاص. القرآن يحذر من الانبهار بالكثرة والسير مع التيار.
هانحن بعد أكثر من 14 قرنا فإن أكثر سكان الأرض ليسوا مسلمين. وفى الأغلبية الساحقة من الدول العربية والإسلامية, فإن القوى العلمانية هى المسيطرة على الحكم ومعها أغلبية الجمهور بدءا من عناصر وقوى أجهزة الدولة (جند فرعون) وانتهاء بالجمهور الذى آثر أغلبه الصمت خوفا من البطش الدنيوى بدلا من الخوف من عذاب الآخرة. وبين تيارات المعارضة فإن معظمها يتعاون مع أنظمة الطاغوت. وبين التيار الإسلامى إذا قمت بإحصاء عددى ستجد أن الأكثرية تنحاز إلى موقف غير تصادمى مع النظم التى تحارب الإسلام!! وإذا قمت بإحصاء عددى دقيق ستجد أن المجاهدين الأشداء فى ميادين المقاومة يمثلون أقلية بالنسبة لعدد السكان. وكذلك المجاهدين بالكلمة وبالوسائل السلمية ضد الأنظمة المعادية للإسلام, يمثلون قلة قليلة بالنسبة للعدد الكلى للسكان.
نحن إذن أمام إحدى سنن الله فى الحياة الاجتماعية. وقد تصور بعض الإسلاميين أن هذا التأكيد القرآنى المتكرر عن فساد الأكثرية: (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ) (الأنعام: 116) يعنى أن الإسلام لا ينسجم مع الديمقراطية وما تطرحه من أغلبية وأقلية. وأن الرأى الأول والأخير يجب أن يكون للعلماء والحكام المسلمين, وعلى الشعب السمع والطاعة. وأن الإسلاميين يجب لذلك أن يصلوا للحكم عن طريق عمل انقلابى عسكرى لنخبة صغيرة ثم تقوم بفرض الإسلام بقوة القانون على الناس (فكر تنظيم الجهاد المصرى وربما وصلت الجماعة الإسلامية إلى نفس التفكير).
وهذا غير صحيح فى تقديرنا, ونرى أن هذه المسألة تتبدى بشكل خاص فى إطار عملية التغيير, وأن الأكثرية تظل معظم الوقت تخشى من عواقب التغيير الإصلاحى, وتستنيم للأمر الواقع الذى تعرفه: (مَا هَذَا إِلا رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلا إِفْكٌ مُّفْتَرًى) (سبأ: 43) وأيضا: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ) (الزخرف: 22).
إن انتساب أهل الحق للأقلية يستمر لفترة طويلة قبل التغيير, ولكن تحولهم إلى أكثرية لا يتم بالبطش والحديد والنار, ولكن بانتشار الدعوة. والقرآن الكريم يؤكد أن ذلك سيتحقق بشق الأنفس, وأن الطريق ليس مفروشا بالورود, بل هو طريق صخرى وعر: (وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ) (البقرة: 214), (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا) (يوسف: 110), ويؤكد القرآن الكريم قانون انتصار المؤمنين والمستضعفين والتمكين لهم فى الأرض, وأنهم بذلك يتحولون إلى أكثرية المجتمع والعالم: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ). ولكن هذا المجتمع تحكمه الشورى, أى أخذ رأى الأغلبية بعد التشاور والمناقشة. والقول بأن الشورى غير ملزمة للحاكم يحولها إلى مهزلة واستهزاء بالعقول، فالحاكم يسمع ثم يفعل ما يريد! وهذا هو أسلوب الطغاة كما ذكرنا من قبل. إن فقهاء ووعاظ السلاطين هم وراء هذا القول أن الشورى غير ملزمة, فى حين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشار وأخذ برأى الأغلبية أو رأى القادة المؤثرين فى كل مسألة مهمة لم يأت بها وحى السماء. فالمجتمع الإسلامى يأخذ بالشورى فى كل ما هو خارج النص القرآنى أو السنة المؤكدة. وحتى فى تفسير النصوص وكيفية تنفيذها فهذا الأمر شورى أيضا. وقد جاءت إحدى آياتى الشورى مؤكدة لهذا المعنى إذ نزلت تؤكد على الشورى رغم أن رأى الأغلبية جاء خاطئا: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى الأَمْرِ) (آل عمران: 159). فهى نزلت عقب موقعة "أحد", وحيث كان رأى الأغلبية الخروج من المدينة لملاقاة جيش مكة, وكان رأى الرسول مع التحصن فى المدينة, رغم أن الهزيمة كانت بسبب عدم التزام الرماة بمواقعهم, وهذا هو سبب طلب العفو والاستغفار, إلا أن نتائج الواقعة قد تدفع للقول بأنه كان يجب الالتزام برأى الرسول, ولكن الله عز وجل أراد أن يؤكد على الشورى, وأنه لم يكن من الخطأ أخذ رأى الأغلبية, حتى وإن كان الرسول فى صف الأقلية طالما الأمر يتعلق بالسياسة والحرب, لا بأصول الدين, وهذا يعنى أن الشورى وإن أخطأ قراراها أحيانا, ولكنها هى الطريق الأصوب لاتخاذ القرار, لا استبداد الحاكم برأيه.
أما آية الشورى الأخرى فقد وضعت الشورى بين الصلاة والزكاة, واعتبرتها من صفات المؤمنين الأساسية, فكيف تكون الصلاة والزكاة من الأمور الملزمة والواجبة, دون الشورى؟! (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) (الشورى: 38).
*****
ما المقصود إذا بأن الشورى هى رؤية وسط بين تطرفين أو إدعاءين بين حكم النخبة وحكم الشعب.
فهى لا تعلى من شأن النخبة حتى مستوى القداسة (الاستبداد), ولا تعلى من دور الشعب فى الحكم إلى حد الغوغائية والنفاق. هى تؤمن بدور النخبة القيادية وبدور الشعب, وترى العلاقة بينهما تكاملية فى إطار النظام الصالح.
اعتراف الشورى بدور النخبة, مهم من أجل وضع الضوابط القانونية والشعبية عليها, أما النظم التى تخفى دور النخبة فإنها تخفيها أيضا عن وسائل الرقابة والمحاسبة. والنظم التى تتحدث عن أن الشعب هو الذى يحكم فهى كذابة ومنافقة, بل هى بهذا الإدعاء تواصل تغييب دور الشعب وتحكم باسمه!.
والغريب فى الأمر أن النظامين المتطرفين شكلا يتحدان موضوعا, فكل من النظام الشمولى والديمقراطى يدعيان أن الشعب هو السيد والحكم, ولكن النظام الشمولى يقول إن ذلك يحدث من خلال الحاكم الفرد أو الحزب الواحد المعبران عن روح الشعب, وأن الشعب يواصل انتخاب هؤلاء الحكام كل عدة سنوات من خلال انتخابات مزورة وأن الحكمة تقتضى بقاء هؤلاء العباقرة فى الحكم مدى الحياة.. بل مدى التاريخ إن أمكن! والنظام الديمقراطى الغربى أكثر رقيا من الناحية الشكلية, فهو يدعى أيضا أن الشعب هو السيد والحكم, من خلال انتخاب ممثليه ورئيسه (فى النظم الرئاسية) وإن هؤلاء يتغيرون بالفعل, فيتم إسقاط أحمد وإنجاح الحاج أحمد, ولكن السياسات العامة والأساسية لا تتغير, وأن الطبقة الحاكمة شبه مغلقة, فـ 90% من متخذى وصانعى القرار لا يتغيرون ومعظم المشرعين لا يتغيرون. طبعا هناك نسبة تجديد وإحلال, يعود بعضها لكبر السن أو المرض أو الموت, ويعود بعضها لمحاولة تجديد دم القيادة والبحث عن كفاءات جديدة, ويعود بعضها إلى ضرورة التخلص من بعض رفاق السلطة ككبش فداء فى الأزمات المختلفة. وعملية التجديد المحدودة فى جسد السلطة البيروقراطى فى دوائره العليا تحدث أيضا فى النظم الشمولية لنفس الأسباب:
1) الموت وكبر السن والمرض.
2) التعويض عن أكباش الفداء المذبوحة.
3) محاولة لتجديد الدماء فى القيادة, وهذا هو العنصر الرشيد فى النظامين.
ومن الطريف أن النظام الصينى وهو محسوب شكليا على النظم الشمولية, يقوم بتجديد القيادة العليا بنسب أكبر من بعض النظم الديمقراطية, وهذا يعود للسبب الأساسى الثالث وهو تجديد دماء القيادة, وهذه هى الحكمة الصينية, وهى من أهم أسباب صعود الصين.
*****
الشورى فى الإسلام تضع المعادلة الواقعية الصحيحة, ولا تهرب منها بادعاءات غير حقيقية, وهذا يساعد على رقى وأمانة الأداء السياسى. فالإسلام يقر بدور النخبة القيادية الحاسم بلا مواربة: (أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِى الأَمْرِ مِنكُمْ), وهذا ضرورى لإتباعها فى الخير, وأيضا لرفض إتباعهم إن انحرفوا عن جادة الصواب. ووضع وسائل الرقابة الضرورية عليهم نظرا لأهمية دورهم. والشعب ليس كما مهملا, وليس مجرد متلقى للأوامر, بل هو عنصر فاعل فى ضبط إدارة الحكم والرقابة عليها, ورأى الأغلبية عادة ما يكون صحيحا (إن أمتى لا تجتمع على ضلالة) حديث, وإذا أخطأت فإنها تملك تصحيح الخطأ بسهولة وبدون حساسية من خلال انتخاب شخص آخر, وإجراء تصويت مختلف.
ولأن الشورى تتعامل مع الواقع كما هو بدون إدعاءات فهى أكثر واقعية فى التشخيص والممارسة, لذلك فهناك شورى على 3 مستويات متفاوتة وإن كان بينها بعض التداخل, ولكن تظل آليات الشورى مختلفة فى كل مستوى:
1)     شورى العلماء:
فى الأمور الشرعية التى تحتاج إلى اجتهاد فى غياب النص, فإن الشورى تجرى بين العلماء والفقهاء والمفكرين الإسلاميين. فلن يطرح للتصويت الجماهيرى قضية شرعية تخص المواريث أو الزكاة أو الأحوال الشخصية.. إلخ, فهذه الأمور لا يمكن البت فيها بدون علم شرعى وبدون اختصاص, وبالتالى فهى ليست مطروحة للعامة.
2)     شورى المختصين:
فى الأمور الاقتصادية والجيولوجية ومشروعات التنمية والأمور العسكرية ومشروعات الإعمار الكبرى, فلا يمكن اتخاذ القرارات فيها بدون الرجوع إلى المختصين والتشاور معهم وأخذ رأى الأغلبية: (فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا) (الفرقان: 59).
3)     الشورى العامة:
وتتمثل فى اختيار الشعب للحكام ونواب المجلس التشريعى وانتخاب المجالس المحلية, والإدلاء بالرأى فى الاستفتاءات, والمشاركة فى كافة الأنشطة والفاعليات السياسية والإعلامية, وممارسة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
وهذه المستويات كما ذكرنا متداخلة ومترابطة ومتفاعلة. فالشعب هو الذى ينحاز لمدرسة فقهية دون أخرى عندما يختلف العلماء, وهذا هو أساس ظهور المذاهب فى الإسلام (كثرة مريديها), فالشعوب بفطرتها السليمة انحازت فى نهاية المطاف إلى العلماء الثقاة والمخلصين لله.
كذلك فى شورى الاختصاص فإن كثيرا منها (أى عدا الأمور العسكرية السرية) لا تتم بمعزل عن الشعب, لأن هذه المشروعات تؤثر على حياته ومصالحه, وللعاملين فى القطاعات المختلفة خبراتهم وعلمهم الذى اكتسبوه ويجب الاستفادة بآرائهم. كذلك فإن شورى العلماء والمختصين تتداخل معا, عندما يكون الموضوع المطروح متصل بفرع من فروع العلم, كالهندسة الوراثية أو نقل الأعضاء أو أى موضوع اقتصادى.. إلخ, والجمع بين العلماء والمختصين هو ما كان يسمى أهل الحل والعقد.
والإسلام لم يترك مجالا لنشوء نظام كهنوتى, أو قيادة مقدسة تحتكر الحقيقة والاتصال بالسماء, بل ترك باب العلم مفتوحا للجميع, ومن هنا من غير الممكن إغلاق النخبة بشكل تحكمى على أناس بعينهم, وإدخال عناصر جديدة وفقا لقواعد تعسفية تضعها الفئة المسيطرة, بل الإسلام رفض الكهنوت (بالمناسبة المسيح قامت دعوته على محاربة كهنة بنى إسرائيل) وفتح أمام الأمم (منادح للفكر الإنسانى لم تكن مفتوحة من قبله, فجعل النصيحة حقا لكل قادر عليها من أولى الفهم والدراية، وجعل العلم وظيفة عامة يطلبها من يشاء ويتولاها من يشاء, ولا سلطان له على الناس غير سلطان القدوة الحسنة والإقناع بالحجة والبينة الصادقة, وهو المسئول إن خان هذه الأمانة, والمستمعون له هم المسئولون إن سمعوها فلم يستجيبوا لندائها) (حقائق الإسلام وأباطيل خصومه - عباس محمود العقاد - نهضة مصر - الطبعة السابعة - 2008 - القاهرة - ص 124).
هذه مسألة جوهرية فى نظام الحياة فى الإسلام, ولا نقول نظام العمل السياسى فحسب, فلا توجد دائرة مغلقة على الفكر والمفكرين (أولوا الأمر), ولكن ليس معنى ذلك أن كل الشعب سيتحول إلى مفكرين وفلاسفة كما بشرت بعض النظريات الغربية, والتى عزت الخلاف فى القدرات بين البشر إلى الاستغلال الطبقى. وإن كانت النظم الصالحة ترفع المستوى الثقافى العام للشعوب, ولكن ستظل هناك فروق فى القدرات: (وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ) (الأنعام: 165), وأيضا فروق فى الميول, وأيضا فروق فى الخيارات, فكثير من الناس لا يفضلون الانغماس فى الحياة العامة ويفضلون الاستمتاع بحياتهم الخاصة والاقتصار عليها, وبعضهم ينضم للحياة العامة عند النفير العام أو فى الأزمات الكبرى.
هذه هى المعادلة الإسلامية, الباب مفتوح أمام الجميع للقيادة الفكرية والسياسية, الباب مفتوح أمام الجميع لتقديم النصيحة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر, بل هو واجب للجميع, وفى خضم هذا السباق المفتوح للجميع تتكون بشكل حر نخبة قيادية غير مغلقة قابلة للتجديد. وعلى الشعب أن يتبع ويطيع هذه القيادة (أولى الأمر) إلا أن تكون فى معصية (لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق), وإذا حدث خلاف فإن القرآن الكريم صريح فى الاحتكام للقرآن والسنة بين الحاكم والشعب: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِى الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) (النساء: 59).
والقرآن سهل وميسر: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) (القمر: 17), ولا يسمح لأحد أن يدعى أنه وحده الذى يعرف أسراره, أحكام القرآن واضحة لا تحتمل اللبس, وتفاسير القرآن الكريم لا يوجد بها أى خلافات كبيرة كما يتصور ويشيع البعض, سواء التفاسير القديمة أو المعاصرة. وفى أوقاتنا المعاصرة لا تختلف الشعوب على أن الحكام خارجون على معظم أحكام القرآن الكريم, ولكنهم يخشون مواجهتهم فحسب!! فالمشكلة فى الشجاعة (قوة الإيمان والتقوى والالتزام بأوامر الله) وليس فى الحيرة الفكرية أو نقص المعلومات!! (وهذا الأمر ينطبق من باب أولى على العلماء!).
*****
كل آليات الشورى ومستوياتها التى تمارس فى المؤسسات المختلفة وفقا للاختصاص والقدرة العلمية تأتى تحت القبة التى لا خلاف عليها (الشريعة الإسلامية كما وردت فى القرآن والسنة) والتى يصدر بها دستور إسلامى, والدستور الإسلامى لا يصدر إلا بموافقة أغلبية الشعب فى استفتاء حقيقى غير مزور. إذن النظام الإسلامى لا يعرف الإكراه فى العقيدة فى كل مراحله, ويوفر أعلى درجات المشاركة السياسية لأبناء الأمة فى تدبير شئونها وصناعة القرار والرقابة على الحكام, وأخذ رأى الأغلبية فى إدارة شئون الدولة, وفى كل ما لم يرد به نص شرعى.

ويجمع العلماء الثقاة على أن الحاكم وكيل عن الأمة, ومن حق الأمة أن تسحب منه التوكيل (الثقة) فى أى وقت, ولأن الأمة هى التى اختارته أصلا (البيعة), فإذا خرج عن شروط البيعة (العقد) يعزل. وعزل الحاكم لا يقتصر على كفره كما يتصور البعض, بل أيضا لفسقه أو ظلمه أو انحرافه, أو موالاته للأعداء, أو إسقاطه لأحد أركان الدين, ومن ذلك الشورى, وكما يقول القرطبى فى تفسيره أن حكم الفاسق لا يجوز, فإذا كان الفاسق لا تقبل شهادته فى المحكمة فكيف يكون حاكما للبلاد, وعن الشورى يقول: (إن الشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام. ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب, وهذا مما لا خلاف فيه) (القرطبى - الجامع لأحكام القرآن).

مجدى أحمد حسين

التعليقات

سيد
الإثنين, 22 نوفمبر 2010 - 12:00 am


بارك الله فيك وسدد الله خطاكم ووفقكم انتم ومن معكم من المصلحين - بالنسبة لتغيير شعار الحزب متى تم تغييره لهذا الشكل الجديد الجميل جدا واعتماد شعار الاسلام هو الحل - نبارك لكم هذا التغيير الرائع العظيم وهذا الشعار المبارك فأنتم اهل لحمله
رياض السلومى
الأحد, 21 نوفمبر 2010 - 12:00 am


رحمك الله يا أستاذ مجدى حسين.أنت تذكرنا بالشيخ محمد عبده و سعد زغلول و مكرم عبيد فى فهمهم لعلاقة الحاكم بالمحكوم.غير أنى أسأل الله أن يكتب لك التمكين فى أرض مصر بما لم يمكن الله هؤلاء جميعا منه.و رحمك الله مرة أخرى،فكأنما نحن السجناء و أنت الحر الطليق.لقد جمعت فى مقالتك هذه يا أستاذ مجدى زلات الأخوان المسلمين و زلات جماعة الجهاد و زلات الحكم الأشتراكى و الحكم الرأسمالى.ثم أنك أتيت بالمكنون الصافى للحكم الأسلامى الرشيد الذى لا يعرف التقوقع و لا التقزم.أسأل الله أن ينفعنا بمقالتك هذه و أن يهدى الراشدون من أبناء هذه الأمة لكى يجنوا من خير ما جنيت و أن ينعم على شعب مصر بتمكينك من حكم هذه البلاد التائهةو المتخبطة.
احمد معوض
الثلاثاء, 23 نوفمبر 2010 - 12:00 am


جزاك الله خيرا وأسال الله لك الاخلاص والقبول والثبات على الحق ، من أروع ما قرأت ، اللهم ارنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وارنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه

أضف تعليق


عدد الحروف المسموح بها 1000 والمتبقي منها
ادخل الكود التالي
CAPTCHA Image
صورة اخرى
الموقع غير مسئول قانونا عن التعليقات المنشورة