العدد 19: مرة أخرى: لماذا منبر الشرق؟
السبت, 14 أكتوبر 2006 - 12:00 am عدد الزيارات: 2188

فى مارس 1992صدر العدد الأول من مجلة منبر الشرق، وكانت الساحة الثقافية فى ذلك الحين تفتقر إلى مثل الدور الذى قامت به المجلة، من حيث تبنى قضايا الصحوة الإسلامية المعاصرة التى هزت جنبات البلاد، وكانت تتصاعد فى مختلف أركان العالمين العربى والإسلامى، وتولت المجلة التأصيل النظرى والفقهى لقضايا الأمة من وجهة نظر إسلامية، وتصدت لكافة مشكلات العصر، وطرحت الحلول الإسلامية لها، واستمرت المجلة فى سعيها تسير على مبادئها، لمدة قاربت ثلاث سنوات، غير أن هناك من العوامل التى ساعدت على التوقف الإجبارى عن الصدور، وبالطبع كان أكثر هذه العوامل قلة ذات اليد لدى المركز الذى يصدر المجلة، وتوقفت المجلة.. غير أن الفكر الذى كانت تتبناه المجلة لم يتوقف عن الإبداع، وعن الاستمرار، واليوم بعد ما يزيد عن الإحدى عشر عاما، تعود منبر الشرق للصدور مرة أخرى، إدراكا من القائمين عليها لأهمية التواجد والتفاعل مع الأحداث والمنطلقات الفكرية السائدة، والتى تحتاج إلى كثير من التنبيه واليقظة فى زمن التبست فيه كثير من الأفكار.
تعود منبر الشرق مرة أخرى للصدور إدراكا منها بأن الحركة الإسلامية لابد أن تتجاوز مواقعها الدفاعية التى ركزت فى الماضى على ضرورة الحفاظ على أصول الدين، وجاهدت من أجل إعادة الاعتبار للدين الإسلامى، باعتباره دينا شاملا، متصلا بالحياة والسياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة، عادت منبر الشرق لتتولى حمل الثقل الفكرى، وأن تطرح رؤيتها المتميزة لعالم جديد، وتسود مرة أخرى الحضارة الإسلامية من موقع الاقتحام والمبادرة، وليس من موقع الدفاع ورد الفعل، عادت منبر الشرق لكى تنتقل الحركة الإسلامية بفكرها من موقع الدفاع عن الثوابت، إلى موقع تربط فيه بين الدفاع عن هذه الثوابت وبين متغيرات العصر، التى لا تستعصى على الرؤية الرحبة الإلهية فى القرآن والسنة، التى قدمت منهجا يصلح حال البشر فى كل زمان ومكان، إلا أن هذا مشروط بازدهار الفقه الإسلامى، وبعملية نهضة فكرية وثقافية وعقلية شامله تربط بين هذه النصوص الخالدة وبين الواقع المتجدد، وهو ما تحاول فعله منبر الشرق.
إن صدور منبر الشرق مرة أخرى يعكس ضرورة موضوعية، واحتجاجا ملحا لها فى الساحة الثقافية الإسلامية فى زمن السقوط والتبعية، ونحن نعلم أن التحدى كبير، ولكننا نعلم أننا نملك الإرادة التى تنوى النجاح والصمود، لكى نقدم الجديد النافع لهذه الأمة.
و"منبر الشرق"هو اسم المجلة التى كان يصدرها الشيخ "على الغاياتى" من مجاهدى الحزب الوطنى بزعامة مصطفى كامل.. ومن دواعى سعادتنا أن نقتبس هذا الاسم لإحياء ذكرى أحد المجاهدين الذين أُغمط حقهم مع آخرين، وإحياء لشعارات مدرسة ربطت بسلاسة بين التمسك بالدين وقضايا الوطن والتحرر الوطنى.. فقد أصبح الآن وأكثر من أى وقت مضى الجهاد من أجل الاستقلال الوطنى والانعتاق من التبعية الجديدة للاستكبار العالمى مرتبطا أشد الارتباط بالإسلام، وبإقامة وتنظيم حياة المسلمين على أساس من عقيدتهم.
و"منبر الشرق" شعار يرمز للجبهة العريضة التى يجب أن تنشأ فى الشرق مهد الرسالات السماوية، فى مواجهة حضارة الغرب الآفلة، فلا شك أن الأمة الإسلامية هى جوهر الشرق.. والعقيدة الإسلامية هى تاجه.. ولكن الحضارة الإسلامية هى مظلة لكل الشرقيين.. وحامية لهم من تسلط بيزنطة وفرنجة العصر.. ومشروعها مفتوح كما كان دائما لمساهمة كل الشرقيين فى بنائه، على اختلاف قومياتهم وأديانهم.. سواء داخل الدولة الإسلامية المستهدفة أو على حدودها وضفافها.. أنها دوائر متصلة، ومتداخلة، بين العروبة والإسلام، ثم العالم الشرقى.. (فالشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا) حكمة صحيحة قالها مفكر غربى، فقد ظل الشرق وريثا لرسالات السماء، وظل الغرب وريثا للحضارات المادية اليونانية والرومانية، وما زال الأحفاد متأثرين بميراث الأجداد.
وقد تصورت أوروبا فى غرورها أنها تبدأ حضارة جديدة تستغنى فيها عن الأساس الروحى للحضارة، وهو الإيمان بالله واليوم الآخر، وتصورت أن فى المحسوسات فقط أى (المادة) ما يكفى لبناء الحضارة، فكان هذا الذى كان من تجمد حضارتها، ثم أفولها وتدهورها، وصعود حضارة الشرق، والإسلام فى القلب منها ومن قيادتها.. وقد أصبح يتعين على المصريين والعرب أن يدركوا ما أدركه الشرقيون (اليابان والصين) من أنه ليس سوى حضارة واحدة هى تلك التى انبثقت من الشرق بعامة، ومن الشرق الأوسط بخاصة (مصر والعرب وإيران) وهى فى طريقها إلى العودة إلى الشرق بعد تخلى الغرب عن أسسها، وأن دورة الحضارة كما خرجت من الشرق فها هى لتعود إليه من جديد. هذه حتمية تاريخية وطبيعة لأنها سنة إلهية. (أحمد حسين - دورة الحضارة).
ورغم كل ما يبدوا على السطح من هيمنة النظام العالمى الجديد بقيادة الاستكبار الأمريكى.. فإننا نرى بوضوح أن تصاعد المد الإسلامى لن يتوقف بإذن الله، وإن رسم معالم الحضارة الإنسانية الجديدة.. المتجددة..  حضارة الإسلام.. مهمة ملقاة على عاتق كل العاملين فى الحقل الإسلامى.. ليبشروا بهذا المشروع الجديد.. ويؤصلوه، ويقللوا من آلام الولادة بحسن البصر والبصيرة، ويجتازوا خنادق الدفاع، ليرسموا معالم البناء الجديد، ويتجاوزوا معارك الماضى ليحلوا مشكلات الحاضر، ويخوضوا معاركه.. ومعارك المستقبل.
إن المشروع الحضارى الذى تدافع عنه منبر الشرق، وتكرس كل جهودها من أجله، ويستند إلى عقيدة الإسلام، ويدرك أهمية الوحدة العربية، باعتبار العرب فى خط الدفاع الأول عن الإسلام فى مواجهة المشروع الغربى الاستعمارى، والمشروع الاستيطانى الصهيونى، ومن أجل القضاء على تجزئة الأمة الإسلامية، كخطوة أولى وكبرى على طريق التحرر، وبناء الدولة الإسلامية، كما تسعى منبر الشرق لتبنى دور حضارى لمسيحى الشرق بصفة عامة، وأقباط مصر بشكل خاص، كجزء من المشروع الحضارى الإسلامى، على عكس ما يروج له الفكر الغربى العلمانى، ونحن نؤكد أن حضارتنا الإسلامية وتراثها هى الأقدر على توسيع المشاركة السياسية لكافة الأطراف.
ويبقى فى النهاية همنا الأول والأساسى، وهو رسم معالم المشروع الحضارى الاستقلال الإسلامى، الذى يملك وحده أن يقدم المشروع البديل لحضارة الغرب، وهذا هو سر العداء الغربى للإسلام، وللمد الإسلامى فهو يرى قرب نهاية هيمنته على العالم بقدر ما يتقدم المشروع البديل الذى يمتلك رؤية متكاملة وشاملة لحل معضلات البشرية التى تفاقمت فى عهد الهيمنة الغربية.
وفى النهاية نؤكد على أن ما منبر الشرق مفتوحة لكل الأقلام المؤمنة بالمشروع الحضارى العربى الإسلامى، لأنه ما زال هناك من المعضلات الفكرية التى تواجه الحركة الإسلامية ومشروع البناء الإسلامى، وتحتاج إلى جهد كل مؤمن بهذه الرسالة.. وفى هذا فليتنافس المتنافسون.
ندعو الله أن نوفق إلى ما نريد، وأن يعطينا الإصرار والعزيمة على الصعود، من أجل نشر دينه، ومن أجل عزة المسلمين.
(فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلَّ فِرْقَةٍ مَّنْهُمْ طَائِفَة لَّيَتَفَقَّهُواْ فِى الدَّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذرُونَ)
صدق الله العظيم
هيئة التحرير
فى هذا العدد:
ملف العدد: الإصلاح السياسى, وفيه:
أدعوكم إلى العصيان - المستشار/ طارق البشرى
وجوب إقامة الحكومة الإسلامية - السفير/ محمد والى
تزوير الانتخابات واستقلال القضاء والقضاة - المستشار/ يحيى الرفاعى
إشكالية الحكم فى الإسلام - د. عبد الله النفيس
أبحاث ودراسات:
أزمة الكيان الصهيونى ومشروع إسرائيل الكبرى - مجدى أحمد حسين
إدارة الرئيس بوش بين الأصولية المتطرفة والمحافظين الجدد - جورج المصرى
الحجاب.. الموقف الشرعى بين شيخ الأزهر وشيراك - عبد الله السماوى
المقاومة العربية وانعكاساتها العربية والدولية - نصر شمالى
وثائق:
إسرائيل ودورها فى تفتيت الوحدة - أودد ينون
شخصية العدد:
قاضى القضاة.. العز بن عبد السلام
كتاب جديد:
البرنامج النووى الإيرانى.. وأثره على منطقة الشرق الأوسط - عرض/ طارق الكركيت
*****

أضف تعليق


عدد الحروف المسموح بها 1000 والمتبقي منها
ادخل الكود التالي
CAPTCHA Image
صورة اخرى
الموقع غير مسئول قانونا عن التعليقات المنشورة