كفر البلاص.. فانتازيا سياسية
السبت, 23 يناير 2010 - 12:00 am

بكفاءة معمارى عريق بنى جده لأبيه الهرم وأقام جده لأمه البيت الحرام، يشيد الدكتور مهندس مجدى قرقر فى هذا العمل الفنى هندسة غير مألوفة للعالم الحقيقى، فيبنى مدينة غير مألوفة، المريع فيها والمروع، أن نكتشف أنها مدينتنا، التى لم نكن نعرفها حقا، رغم أنها تعيش فينا قبل أن نعيش فيها، فيصبح عمله كالمرآة، التى يرى فيها البطل المأساوى الذى هو نحن، كم الجراح الذى لحقته، والإصابات التى عوقته، والصدمات التى شوهته، ويرى كيف أنه لم يعد بعد كل ذلك بطلا.
وفى مدينة الدكتور مجدى قرقر المخيفة كل مناشط الحياة ونواحيها وحتى أحيائها العشوائية وملاعب الكرة، لكن الفن الجميل وزخم الشعور المتفجع يحيل الصور الباهتة للواقع إلى خطوط حادة كنصال السيوف، فإذا بك بعد أن مهدت نفسك للضحك، أو حتى للابتسام وأنت تقرأ فانتزيا ساخرة، تصرخ ألما وتدمع حزنا وترتجف فرقا وتذهل هولا، لأنك تكتشف أن المعذب والمضيع والممتهن والمهان هو أنت، وهو وطنك، ففى تلك المدينة تترامى قصور الملوك لكنها تحولت إلى مغارات لصوص، وقلاع العدالة أوكار خداع للعدالة، والحكم إلى تضييع للحكم والصناعة إلى إفساد للصناعة. والأمن إلى تهديد للأمن، ولا يترك لك الكاتب مجالا كى تتساءل: أى نوع من الكتابة عمله ذاك، هل هو رواية؟ هل هو مجموعة قصص؟ هل هى مسرحيات قصيرة؟؟ هل هى مقالات ساخرة؟؟ بل هى ساخرة أصلا؟؟ ثم ألفن فى أحد تعريفاته هو اختلاق يثير الدوار، لكن هل اختلق الكاتب صورة تلك الواردة فى هذا الكتاب أم نقلها من واقع إذا صح فلا مجال لأحد أن يتحدث عن حدود للرواية أو مجال للأدب أو عن نظريات نقدية قديمة وحديثة، لأن الرسام، عندما فى لوحته يرسم لون الدم فهو ملزم بأن يقترب بالمعنى أو بالمبنى من ذلك الدم، أما إذا استعمل الدم فعلا، وإذا كان المرسوم لا لوحة بل طاقة يفتحها على الحدث إذ يقع فعلا والدم يسيل قانيا طازجا دفئا بشعا مروعا فلا حرج عليه ولا نظريات نقد تلزمه.
وفى ملاعب مدينته تلك، فى مقاطع ساحرة ساخرة، يشيد المهندس المتمكن مباراة لكرة القدم تدار بالطريقة التى تدار بها الانتخابات، وكلما حدث خلاف أو اختلاف يخرج الحكم على بطاقة يظنها الراوى فى البداية بطاقة طرد أو إنذار، لكنه يكتشف أنها شيكات تحرر للمنافس، رشوة، فالحكم لم يعد حكما كما أن الحكام لم يعودوا حكاما، أو انظر ذلك التقاطع الساحر الساخر الآخر فى الاستفتاء على رئاسة الجمهورية، حين تطبع للدعاية "تيشرتات" عليها صورة رئيس الجمهورية، واقرأ هذا الحوار:
زيدان: دى عليها صورة الريس!
السائق: تمام!
زيدان: ممكن واحدة سادة من غير صورة؟!.
السائق: باين عليك حتودينا فى داهية، انزل بلاش مشاكل.
زيدان: سماح يا أسطى.. مانت عارف دى أول مرة أركب فيها أتوبيس المصلحة.
السائق: موافق.. بس تلبس الفانلة وصدرك فى الشباك.
زيدان: طب ليه؟!
السائق: علشان الناس تشوف الصورة تقوم تبايع وتشارك وتبارك.
ثم انظر إليه مرة أخرى وهو يواصل سخريته بتكوين فريقين للعب الكرة، أحدهما صورة الرئيس على صدره: فريق صدر، والآخر: فريق ظهر. فالصورة على ظهره!!.
لكن..
هل هذه سخرية حقا؟؟
أم أن ما يحدث فى مجتمعنا من مباذل ومساخر يفوق قدرة الكاتب مهما كان إبداعه عن ملاحقتها، ويصبح الصراع المعجز بين قريحة الكاتب والتطورات المذهلة وغير المنطقية للواقع مرآة لبؤس المواطن وصورة للحضيض الذى وصل إليه.
من ناحية فإن ذلك الصراع يزيد من صعوبة مهمة الكاتب إلى ما غير حد، ومن ناحية أخرى، فالكاتب لأنه بشر ومواطن، فلابد أن تطحنه عجلة العبث واللامعقول ذات يوم، لتجعله غير قادر على مواصلة الصراع، ومن هنا فإن مثل هذا العمل الذى يقبع بين يديك يا عزيزى القارئ الآن، هو أشبه بصرخة البجع الأخير كما وصفها الدكتور زكى نجيب محمود فى كتابه: حصاد السنين.
ثمة تحد آخر أليم يواجهه الكاتب السياسى الساخر، إذ أن جمهور قرائه، لفرط ما امتهنت عقولهم، قد فقدوا القدرة على تمييز الساخر والجاد، لا لضعف فى العقل، ولا لفقدان القدرة على التقييم والتمييز، بل لأن الحدود قد أمّحت فعلا بين الساخر والجاد، فإذا بأكثر الوقائع إثارة وعبثا ولا معقولية وكذبا وسفاهة وخطأ وخيانة وخيبة ونسيانا وافتئاتا وظلما ووحشية وإضحاكا هى مانشيتات الصحف وتصريحات المسئولين وعناوين دراسات جادة لمراكز من المفروض أنها محترمة.
ولعل لمجتمع الثقافى ما يزال يذكر الفضيحة المخزية التى سببها الكاتب القدير والعظيم فهمى هويدى، لا لصحيفة الأهرام فقط، بل لمعظم قرائه فى العالم العربى، وفى أوروبا وأمريكا واستراليا، حين نشر فى الأهرام مقالا ساخرا بعنوان:"تقرير عربى عن الفتنة الأمريكية"، وفى تقريره ذاك، استعمل المصطلحات الأمنية والمنهج الفكرى لسلطات السياسة والأمن فى المجتمع العربى، وطبقها على ما يحدث فى الولايات المتحدة، وبرغم ما ورد بالمقال من سخرية فادحة فاجعة، فقد انخدع فيه ليس القارئ العادى فقط، بل مسئولى المراجعة والرقابة فى صحيفة الأهرام العتيدة، وأوقفت إحدى المجلات العربية التى تصدر من لندن عجلات مطابعها انتظارا لتفاصيل أخرى عما أكتشفه لأستاذ فهمى هويدى فى خبطته الصحفية، والتى تضمنت فيما تضمنت أن أمريكا قد اكتشفت حلا جذريا لتجفيف منابع العنف وأنها قد اكتشفت علاجا طبيا سوف يحول جميع السود إلى بيض!!. وبعد افتضاح الأمر كان الأمر مهينا للجميع، وبصورة خاصة للأهرام التى توقفت لأسابيع عن نشر مقالات الكاتب بعد ذلك عقابا وانتقاما وغيظا.
صعبة إذن هى مهمة الدكتور مهندس مجدى قرقر، فإن الفن الذى ينبو عن المباشرة وينفر عنها سيجد نفسه عاجزا إزاء عبث لا يصدق تختلط فيه الحدود فلا يتميز المباشر من غير المباشر، ويزداد دوران قوى العقل حتى الدوار والعبث، نغوص فى عالم مجهول، كى نحاذى عالمنا المعاش، نوازيه، لكن كيف نفرق بين العالم العبثى المجهول والعالم المعاش إذا كانت الكوابيس تدهمنا حين نفتح عيوننا والواقع يحطمنا ونحن غارقون فى السبات، هل بالمخيلة حين تتقمص حالتها الوحشية، المضطربة، غير المتلاحمة، الحمقاء الشنيعة، لكى تستطيع بالكاد أن تجارى وحشية الواقع واضطرابه وعدم تلاحمه وحماقته وشناعته.
على أن الكاتب لم يلجأ لأى من الحيل الفنية كى يبث فكره، لم يجار مثلا ما حدث لبطل رواية (البشر الآلهة) لولز، حيث ينتقل إثر حادث دراجة من عالم إلى عالم مواز له، ولا حيلة كيرك سيمات فى رواية (سلسلة حول الشمس)، أو إسحاق أسيموف فى (نهاية الأبدية) أو رينية يرجافيل فى رواية (الرحلة الطائشة).
بصورة ما فإن أى عمل فنى هو فى النهاية اختراعات وهم ذهنى لتوليد ألعاب من ألعاب الفكر تفسدها الفكاهة والتفاهة والنزوة، لأن مرد قيمتها يعود إلى قسوتها، ولقد نجح الدكتور مجدى قرقر أن يلهبنا بعمله ذلك، وأن يكشف من مظاهر القسوة والبشاعة ما نزهل بعده متسائلين كيف نستطيع أن نستمر؟! وكيف استطعنا رغم كل الهوان والعبث وانعدام المنطق أن نظل أحياء فى أجسادنا عروق تنبض.
إن هذا الكتاب فخ، لكنه عذب بالنسبة للفكر، دام للأمة.
د. محمد عباس
من مقدمة الكتاب
 

أضف تعليق


عدد الحروف المسموح بها 1000 والمتبقي منها
ادخل الكود التالي
CAPTCHA Image
صورة اخرى
الموقع غير مسئول قانونا عن التعليقات المنشورة